الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«ما زَالَ جبريلُ يُوصِينِي بالجَارِ، حتَّى ظننتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ».


رواه البخاري برقم: (6015)، ومسلم برقم: (2625)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


عظَّم الإسلامُ حقوقَ المسلمِ على أخيه المسلم، وأوجب عليه حفظَها وأداءَها، ومن أعظمِ تلك الحقوق: حقُّ الجار؛ لما له من أثرٍ في توطيد أواصر المودَّة، وتقوية روابط المجتمع المسلم.
وقد أكَّدت السنةُ النبوية هذا الحقَّ تأكيدًا عظيمًا، ففي الحديث يقول النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ما زال جبريل يُوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه»، أي: لكثرة ما أوصاه جبريلُ -عليه السلام- بالجار، ظنَّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنه سيجعل له نصيبًا في الميراث، مما يدل على عظيم حقِّه ومكانته.
والوصية بالجار تشمل: الإحسانَ إليه، وكفَّ الأذى عنه، ومواساته في حاجته، والصبرَ على أذاه، وإكرامَه بما يليق به.
ويُطلق اسم الجار على الملاصِق أو القريب عُرفًا، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، قريبًا أو بعيدًا؛ فالقريب المسلم له ثلاثة حقوق: الإسلام والقرابة والجوار، والمسلم غير القريب له حقَّان: الإسلام والجوار، والكافر له حق الجوار، وكلما كان الجار أقرب بابًا كان أحق بالإكرام، وقد دلَّ القرآن على عِظَم هذا الحق، قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ النساء: 36، كما أكَّدت السُّنة القولية هذا المعنى، ففي الحديث: «من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكْرِمْ جاره»، فقَرَن الإحسان بالجار بالإيمان بالله واليوم الآخر؛ ترغيبًا في رعاية حقِّه وكفِّ الأذى عنه.


شرح الحديث


قوله: «ما زالَ جبريلُ يُوصِيني بالجارِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«‌يوصيني ‌بالجار» يعني: يأمرني بحفظ حق الجار، والإحسان، ودفع الضرر عنه. المفاتيح (5/ 219).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ما زال جبريل» -عليه السلام- «‌يوصيني ‌بالجار» مسلمًا كان أو كافرًا، عابدًا أو فاسقًا، صديقًا أو عدوًا، غريبًا أو بلديًّا، ضارًّا أو نافعًا، قريبًا أو أجنبيًّا، قريب الدار، أو بعيدها. إرشاد الساري (9/ 24).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ما زال جبريل ‌يوصيني ‌بالجار» المراد جار الدار، لا جار الجوار. التيسير (2/ 350).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«‌يوصيني ‌بالجار» أي: بالاعتناء به، والاحتفال بشأنه. دليل الفالحين (3/ 135).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ما زال جبريل يوصيني» عن الله تعالى «في الجار» في رعايته، والصبر على أذاه، والإحسان إليه. التنوير (9/ 397).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«‌يوصيني ‌بالجار» فيه أنه كرَّر له الوصية به؛ وذلك لأنه يَكْثُر ما يعرض بين الجيران مما يخرج النفوس، ويضيق الصدور، فكثرت الوصية بحقه؛ ليغتفر له كل زلة، ويقبل له كل فعلة. التنوير (9/ 398).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يوصيني بالجار» أي: بأنْ آمر الأمَّة برعاية ‌حقوق ‌الجار. بذل المجهود (13/ 538).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الجار يقال على المجاور في الدار، وعلى ‌الداخل ‌في ‌الجوار، وكل واحد منهما له حق، ولا بد من الوفاء به...؛ ولما أكد جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم- حق الجوار، وكثر عليه من ذلك، غلب على ظن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الله سَيَحْكُمُ بالميراث بين الجارين، وهذا يدل على أنَّ هذا الجار هنا هو جار الدار؛ لأن الجار بالعهد قد كان من أول الإسلام يرث، ثم نُسخ ذلك. المفهم (6/ 610، 611).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واسم الجار ‌يشمل ‌المسلم ‌والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها مَن اجتمعت فيه الصفات الأُوَل كلها، ثم أكثرها، وهلم جرًّا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيعطَى كلٌّ حقَّه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فأكثر، فيرجح أو يساوي. فتح الباري (10/ 441، 442).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وما ‌سُمي ‌جارًا ‌لك إلا لميلك بالإحسان له، ودفع الضرر عنه، وميله لك بذلك، مِن جَارَ إذا مال؛ إذ الجور الْمَيْلُ. فيض القدير (3/ 79).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
واختلف الناس في حد الجوار، فقيل في ذلك: أربعون دارًا، وليس في ذلك حديث يعوَّل عليه.
والجار على الحقيقة من كان قريبًا منك، أو من يجمعك معه مجلس أو مسجد، أو تُناوله ويناولك مثل نار أو ملح، وغير ذلك. المسالك (7/ 394).
وقال العمراني الشافعي -رحمه الله-:
قد اختُلف في ‌حد ‌الجوار، فقيل: هم القبيلة، وقيل: هم أهل الدرب، وقيل: هم من يجمعهم المسجد، وقيل: من بينك وبينه أربعون دارًا، قال: ومن أصحابنا من حدَّه بذلك، والصحيح: أنَّه ليس بتحديد، بل هو على سبيل التقريب، لاختلاف الدور والأماكن. البيان (3/ 433).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي أنَّ مَن صلى الصلوات معك دائمًا، ولا سيَّما صلاة الصبح هو جار لك؛ لأن هذا يدلُّ على قُربه من دارك، ويرى كل ما يدخل في بيتك، أو بعضه، ولو صحَّ حديث: «أربعون دارًا جارٌ» لكان نصًّا في التحديد، لكنه ضعيف، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبَّه، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (41/ 143).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
والجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو المشرك، وجار له حقان: الجار المسلم، وجار له ثلاثة حقوق: الجار المسلم له الرحم، وهما صنفان: قريب وبعيد، وأبعده في قول الزهري: من بينك وبينه أربعون دارًا.
وقيل: البعيد من يَلِيْكَ بحائط، والقريب من يليك ببابه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل قال له: إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا».
وحقوقه عشرة يجمعها الإكرام، وكف الأذى. أحكام القرآن (1/ 546، 547).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قد تتفاوت ‌حقوق ‌الجار، فمن الجيران من يُدلي بالقرب في الدار، وبقرب نسبه، وبالإسلام، ومنهم من يُدلي بحقَّين، ومنهم من يدلي بحق واحد، وهو ‌الجار الذمي، ومِن حقِّه أن يدعوه جاره المسلم إلى الإسلام. الإفصاح (6/ 175).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يحصل امتثال الوصية به (الجار) بإيصال ضروب ‌الإحسان إليه بحسب الطاقة، كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقُّد حاله ومعاونته فيما يحتاج إليه، إلى غير ذلك، وكفِّ أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه، حسية كانت أو معنوية. فتح الباري (10/ 442).

قوله: «حتى ظننتُ أنه سيورِّثُه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ظننتُ» أي: حسبتُ. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 557).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
(يدل) قوله: «ظننتُ» أنَّ الظن إذا كان في طريق الخير جائز شرعًا، ما صح منه وما لم يصح، فإنَّه -صلى الله عليه وسلم- قد ظن أنَّه سيورثه، ولم يقطع بذلك، ففائدة إخباره -عليه السلام- لنا بذلك لنأخذ منه الدليل على جواز ذلك، والفرق بينه وبين الظن السوء: بأنَّ هذا ممنوع شرعًا، كما قال -عز وجل-: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} الحجرات: 12.
وفي ذلك دليل على الطمع في زيادة خير المولى سبحانه عند توالي نعمه على عبده، بلغ ذلك حده أو لم يبلغه؛ لأنَّه أيُّ توالي نِعَم أكبر من كثرة تردد جبريل -عليه السلام- بالوصية في حق الجار إلى خير البشر -صلى الله عليه وسلم-؟!. جمع النهاية في بدء الخير والغاية (4/166).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«سيورِّثه» الضمير للجار، أي: يُورِّث الجار من الجار. الأزهار مخطوط لوح (422).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«حتى» إنه لما أكثر عليَّ في ذلك «ظننتُ أنه سيُورِّثه» أي: يحكم بتوريث الجار من جاره. التيسير (2/ 350).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى» من شدة ذلك «ظننتُ أنه سيورثه» فيكون سبب الإرث الجوار، كما كان سببه أول الإسلام التحالف والتعاهد، حتى نُسخ بآية المواريث. دليل الفالحين (3/ 135).
وقال العيني -رحمه الله-:
أي: ‌سيجعله ‌قريبًا ‌وارثًا، ‌وقيل: ‌معناه أنه ‌يأمرني عن الله بتوريث الجار من جاره، وهذا خرج مَخرج المبالغة في شِدِّة حفظ حقِّ الجار وعظيم منزلته. عمدة القاري(22/ 108)
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختلف في المراد بهذا التوريث، فقيل: يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يُعطاه مع الأقارب، وقيل: المراد أن ينزل منزلة من يَرث بالبر والصلة، والأول أظهر. فتح الباري (10/ 441).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
في قوله: «حتى ظننتُ أنه سيورثه» وجوهٌ:
أُمهاتها: أنَّه أنزل الجوار منزلة الرحم.
الثاني: أنَّه أوجب له حقًّا في المال، ويعضد هذا حديث أبي عيسى (الترمذي) وغيره عن عبد الله بن عمرو أنه قال وقد ذُبحت له شاة: «أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» وذكر الحديث...، واليهودي وإنْ كان عدوًّا بدِينه فإنه قريب بجواره وذمَّته...، ويتأكد الحق للمسلم، ويبقى أصله مع الكافر والمسلم...، وقد يكون مع العاصي الستر عليه. عارضة الأحوذي (8/96).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه تنبيه على أنَّ للجار حقًّا في مال جاره، فتُعِيْنه إذا احتاج، وتُقْرِضه إذا اقترض. التنوير (9/ 398).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وفي الحديثُ الأمرُ بحفظِ الجارِ والإحسانِ إليه، ‌والوصاةُ ‌برعايةِ ‌ذِمَّتِه، والقيامِ بحقوقِه، ألا ترى تأكيدَ اللهِ لذكرِه بعد الوالدينِ والأقربين، فقال تعالى: {‌وَالْجَارِ ‌ذِي ‌الْقُرْبَى ‌وَالْجَارِ ‌الْجُنُبِ} النساء: 36 . شرح صحيح البخاري(9/221).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
الإحسان إلى ‌الجار: كفُّ الأذى، والبِرَّ، واللقاء بالبِشْرِ، والإكرام، وحمايتهم من الظلم. المحلى (9/ 277).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وللجار على جاره في أدب السُّنة: أنْ يصبر من أذاه على ما يقدر، كما عليه ألا يؤذيه، وأن يحسن إليه، ولقد أوصى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى كاد أنْ يورثه. التمهيد (12/).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فأما الإحسان إلى الجار فإن الجار قد يكون المُصاحب، وقد يكون الملتجِئ، فعليه أنْ يكرم الجارين إكرامًا يرفع نفسه عن أنْ يرضى لها أنْ يقتصر بجاره على أنْ لا يؤذيه؛ فإنْ منعه الأذى عن الأبْعَدِ متعيِّن، فكيف الأقرب؟! ولكن إنْ حرمها غنيمةً فلا أقل بأنْ يحرص على أنْ لا يؤذيه، وليس وراء ذلك من مقامات الفضل شيء. الإفصاح (6/ 174، 175).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
ومن هذا لا يلزم أن يكون له -صلى الله عليه وسلم- ميراث، ولو سُلِّم أن معنى الكلام: يوصيني نفسي برعاية حق الجار حتى ظننتُ أنه سيورثه مني، يكون هذا قبل أن يُوحى إليه: «إن الأنبياء لا يورثون»؛ لما ثبت ذلك في الصحيح، أو المراد كمال المبالغة في ذلك، حتى إنه ظن بالتوريث فيما ليس فيه، فافهم.لمعات التنقيح (8/ 249).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا تعظيم حق الجار، والاعتناء به، والاهتمام بشأنه. تطريز رياض الصالحين (ص: 217).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
وجملة ‌حق ‌الجار أنْ يبدأه بالسلام، ولا يطيل معه الكلام، ولا يكثر عن حاله السؤال، ويعوده في المرض، ويعزِّيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهنئه في الفرح، ويُظهر الشِّرْكة في السرور معه، ويصفح عن زلاته، ولا يتطلع من السطح إلى عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في مصبِّ الماء في ميزابه، ولا في مطرح التراب في فنائه، ولا يضيق طرقه إلى الدار، ولا يُتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف له من عوراته، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا يسمع عليه كلامًا، ويغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته، ويتلطف بولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه. إحياء علوم الدين (2/ 213).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
1. منها: بيان التشديد في حقّ الجار، حتى إنه -صلى الله عليه وسلم- من كثرة وصيّة جبريل -عليه السَّلامُ- به ظنّ أنه سيجعله من جملة الورثة...
2. ومنها: بيان شدّة عناية الشريعة الإسلاميَّة بالمحافظة على حقوق الجوار، وهو من الأمور التي يستحسنها العقل، ولو لم يَرِدْ بها الشرع؛ ولذا كان أهل الجاهليّة يتفاخرون بها...
3. ومنها: أنَّه اختُلف في حدّ الجار، قال الإمام البخاريّ -رحمه اللهُ- في صحيحه: باب حقّ الجوار في قرب الأبواب. البحر المحيط الثجاج (41/ 142).


إبلاغ عن خطأ