السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إذا دُعِيَ أحدُكُم فلْيُجبْ، فإنْ كان صائمًا فلْيُصَلِّ، وإنْ كان مفطرًا فليطْعَمْ».


رواه مسلم برقم: (1431)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له برقم: (1150) «فليقل: إني صائم».
وفي رواية لمسلم برقم: (1429) بلفظ: «إذا دُعي أَحدكم إلى ‌وليمة ‌عُرسٍ فَلْيُجِبْ»، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ورواه مسلم -أيضًا- برقم: (1430)، من حديث جابر بلفظ: «فإن شاء طعم، ‌وإن ‌شاء ‌ترك».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«فَلْيَطْعَم»:
بفتح العين المهملة، مضارع طعم من باب عَلِمَ، أي: فليأكل من الوليمة. المنهل العذب المورود، للسبكي (10/ 227).


شرح الحديث


قوله: «إذا دُعِيَ أحدكم فلْيُجب»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إذا دعي» بالبناء للمجهول، ونائب فاعله قوله: «أحدُكُم». البحر المحيط الثجاج (25/ 416).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «إذا دعي أحدكم» أي: إلى طعام عرسًا كان أو غيره «فلْيُجب». مرعاة المفاتيح (7/109).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دُعِيَ» ولم يُبيِّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا دُعِيَ إليه، وعلى هذا: فيكون مطلقًا، أي: غير مقيد بالدعوة إلى وليمة العُرس. فتح ذي الجلال والإكرام (4/607).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إذا دعي أحدكم إلى طعام» هذا أعم من الوليمة، ويحتمل: أنه مقيد بما سلف (يعني: بالوليمة). التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 49).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إذا دُعي أحدكم فلْيُجب» وجوبًا إن كان المدعو إليه وليمة نكاح في اليوم الأول، وخلت من الأعذار المسقطة للوجوب المبينة في كتب الفقه، وإلَّا فندبًا، إلا في الوليمة للنكاح في اليوم الثالث.دليل الفالحين (5/224).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فلْيُجب» أي: فليحضر الدعوة، قيل: وجوبًا، وقيل: ندبًا، وقيل: وجوبًا في وليمة العرس، وندبًا في غيرها.
قال: بالأول الظاهرية، وبالثاني المالكية والحنابلة والحنفية، وبالثالث الشافعية. مرعاة المفاتيح (7/109).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وهذا في غير القاضي، أما هو فلا يجب عليه في محل ولايته، بل إن كان للداعي خصومة، أو غلب على ظنه أن سيخاصم حرمت. فيض القدير (1/ 346). مهمة
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة غير العرس:
ذهبت طائفة إلى وجوب الإجابة مطلقًا، وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب يخص العرس فقط، وأما غيرها فتستحب إجابتها، وإلى المذهب الأول مال الإمام البخاري -رحمه الله-. البحر المحيط الثجاج (25/ 391).
وقال البخاري -رحمه الله-:
باب إجابة الداعي في العرس وغيره: حدثنا علي بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، قال: سمعتُ عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها» قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العُرس وغير العرس وهو صائم. صحيح البخاري (7/25).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: قال: كان عبد الله، القائل هو نافع، وقد أخرج مسلم من طريق عبد الله بن نمير عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع بلفظ: «إذا دُعِيَ أحدكم إلى وليمة عرس فلْيُجب»، وأخرجه مسلم وأبو داود من طريق أيوب عن نافع بلفظ: «إذا دعا أحدكم أخاه فلْيُجب عرسًا كان أو نحوه»، ولمسلم من طريق الزبيدي عن نافع بلفظ: «من دُعِيَ إلى عرس أو نحوه فلْيُجب»، وهذا يؤيد ما فهمه ابن عمر، وأن الأمر بالإجابة لا يختص بطعام العرس، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا عرسًا كان أو غيره بشرطه، ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويعكر عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص، وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: لم يكن يدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا، وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه دعا بالطعام، فقال رجل من القوم: اعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا، فقم، وأخرج الشافعي وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أن ابن صفوان دعاه فقال: إني مشغول، وإن لم تعفني جئتك.
وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسي منهم فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعي إليها رجل وليمة، فلا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها كما تبين لي في وليمة العرس. فتح الباري (9/246-247).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تبين ...أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب إجابة الدعوة مطلقًا؛ لقوة أدلته، ولم يأتِ القائلون بالفرق بين العرس وغيرها بدليل صحيح صريح، فتبصر بالإنصاف. البحر المحيط الثجاج (25/ 392).

قوله: «فإنْ كان صائمًا فلْيُصَلِّ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فلْيُصَلِّ» قيل: معناه: فليدع لصاحب الطعام، وقيل: معناه: ليصل ركعتين كما فعل رسول الله -عليه السلام- في بيت أُمِّ سُليم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 49).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
أقول: ظاهر حديث أُمِّ سُليم أن يجمع بين الصلاة والدعاء. مرقاة المفاتيح (4/ 1431).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلفوا في معنى «فلْيُصَلِّ» قال الجمهور: معناه: فليدعُ لأهل الطعام بالمغفرة والبركة، ونحو ذلك، وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه: قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} التوبة: 103، وقيل: المراد: الصلاة الشرعية بالركوع والسجود، أي: يشتغل بالصلاة؛ ليحصل له فضلها؛ ولتبرك أهل المكان والحاضرين. شرح صحيح مسلم (9/ 234).
وقال المناوي -رحمه الله-:
والأولى ما ذهب إليه في المطامح من ندب الجمع بينهما؛ عملًا بمقتضى الروايات كلها، ونقل عن جمع من السلف. فيض القدير (1/ 346).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وحمله بعض الشراح على ظاهره، فقال: إن كان صائمًا فليشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها، ويحصل لأهل المنزل والحاضرين بركتها، وفيه نظر؛ لعموم قوله: «لا صلاة بحضرة طعام»؛ لكن يمكن تخصيصه بغير الصائم. فتح الباري (9/ 247).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فإن كان صائمًا فلْيُصَلِّ» وقع في رواية هشام بن حسان في آخره «والصلاة: الدعاء»، ويؤيده ما وقع عند أبي داود من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع في آخر الحديث المرفوع: «فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليدع»، وهو يرد قول بعض الشراح أنه محمول على ظاهره، وأن المراد: فليشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها، ويحصل لأهل المنزل والحاضرين بركتها، ويرده أيضًا حديث: «لا صلاة بحضرة طعام». نيل الأوطار (6/214).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فلْيُصَلِّ»...، أي: فليدع لأهل الطعام بالبركة، كما في حديث ابن مسعود عند الطبراني «وإن كان صائمًا فليدع بالبركة»، وقد روي أن أُبي بن كعب لما حضر الوليمة وهو صائم أثنى ودعا، وعند أبي عوانة عن نافع كان ابن عمر إذا دعي أجاب، فإن كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا لهم وبرَّك، ثم انصرف. مرعاة المفاتيح(7/109).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإذا قال قائل: كيف نحملها على الدعاء مع أن الصلاة المطلقة في لسان الشارع تحمل على الصلاة الشرعية؟ قلنا: لقرينة لفظية ومعنوية، أما اللفظية، فلأن الحديث رواه أبو داود بلفظ: «فإن كان صائمًا فليدع» وهذا مفسر لقوله: «فلُيصَل»، ولا يحتمل بعد هذا التفسير النبوي أن يكون المراد بها: الصلاة الشرعية..
والقرينة المعنوية أنه لا علاقة بين الصلاة الشرعية وبين كون هذا المدعو صائمًا.
ثم يقول قائل: كيف يؤمر بالصلاة في هذه الحال بحضرة الطعام، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة بحضرة طعام»؟ إذًا: يتعين أن المراد بالصلاة: الدعاء.فتح ذي الجلال والإكرام(4/ 607-608).

قوله: «وإن كان مفطرًا فليطْعَم»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وإن كان مفطرًا فليطعم» فليأكل وليشرب، وقوله: «فليطعم» يشمل الأكل والشرب؛ لأن الشرب يسمى طعامًا، قال الله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} البقرة: 249. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 608).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن كان مُفطرًا فليأكل» ندبًا؛ لما فيه من تأنيس من دعاه، أو أنه للإباحة، وفي حديث مسلم: «إذا دُعي أحدكم إلى طعام فلْيُجب، فإن شاء أكل، وإن شاء ترك». التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 49).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «فليطعم» أي: ندبًا، وقيل: وجوبًا. فتح الإله في شرح المشكاة (7/44).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
والأظهر: أنه (أي: الأكل) يجب إذا كان يتشوش خاطر الداعي، ويحصل به المعاداة إن كان الصوم نفلًا، وإن كان يعلم أنه يفرح بأكله، ولم يتشوش بعدمه فيستحب، وإن كان الأمران مستويين عنده، فالأفضل أن يقول: إني صائم، سواء حضر أو لم يحضر، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (4/ 1431).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقال الشافعي: إذا كان المجيب مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا، واحتج بحديث ابن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دُعي أحدكم إلى وليمة فلْيُجب، فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فلْيُصَلِّ» يعني: فليدع، وفعله ابن عمر ومدَّ يده، وقال: بسم الله كلوا، فلما مد القوم أيديهم، قال: كلوا، فإني صائم.
وقال قوم: ترك الأكل مباح، وإن لم يصم إذا أجاب الدعوة، وقد أجاب علي بن أبي طالب فدعا، ولم يأكل.
وقال مالك: في كتاب ابن المواز (محمد بن إبراهيم بن المواز): أرى أن يجيب في العرس وحده إن لم يأكل أو كان صائمًا، والحجة له: حديث سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دُعي أحدكم فلْيُجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك». شرح صحيح البخاري (7/ 288).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وفرضٌ على كل مَن دُعي إلى وليمة أو طعام أنْ يجيب إلا من عذر، فإنْ كان مفطرًا ففرض عليه أنْ يأكل، فإنْ كان صائمًا، فليدعُ الله لهم، فإن كان هنالك حرير مبسوط، أو كانت الدار مغصوبة، أو كان الطعام مغصوبًا، أو كان هناك خمر ظاهر، فليرجع، ولا يجلس. المحلى بالآثار (9/ 23).
وقال النووي -رحمه الله-:
ولو كانت الدعوة ثلاثة أيام، فالأول: تجب الإجابة فيه، والثاني: تستحب، والثالث: تكره. شرح مسلم (9/ 234).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما الأعذار التي يسقط بها وجوب إجابة الدعوة أو ندبها فمنها: أن يكون في الطعام شبهة، أو يُخَصُّ بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته أو يدعوه لخوف شره، أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل، وأن لا يكون هناك منكر من خمر، أو لهو أو فرش حرير، أو صور حيوان غير مفروشة، أو آنية ذهب أو فضة، فكل هذه أعذار في ترك الإجابة، ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه. شرح مسلم (9/ 234).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما البطاقات فلا تجب الإجابة فيها إلا إذا علمت أن الرجل أرسل إليك البطاقة بدعوة حقيقية؛ لأن كثيرًا من البطاقات ترسل إلى الناس من باب المجاملة، ولا يهمه حضرت أم لم تحضر، لكن إذا علمتَ أنه يهمه أن تحضر؛ لكونه قريبًا لك، أو صديقًا لك، فأجب. شرح رياض الصالحين (4/ 204-205).

قوله: «فليقل: إني صائم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فليقل» أي: ندبًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1431).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله «فليقل: إني صائم» أي: لئلا يُكرِهوه على الأكل، أو لئلا يضيق صدورهم بامتناعه عنه، وقيل: أي: فليقل اعتذارًا، فإن سمح ترك حضوره، وترك أكله، وداوم على صومه، وإلا أكل. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/532).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فليقل: إني صائم» هو محمول على أنه يقول له اعتذارًا له، فإن سمح ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسامح وطالبه بالحضور لزم، وليس الصوم عذرًا في الإجابة. شرح سنن أبي داود (10/ 604).
وقال المازري -رحمه الله-:
أعمال البر النوافل يستحب إخفاؤها غالبًا، ولكن دعت الضرورة لذكر هذا منها على جهة العُذر؛ لئلا يحدث بتخلفه تَشَاجرًا وبغضاء إذا كان المراد أن يقول ذلك نطقًا؛ ليعتذر به. المعلم بفوائد مسلم (2/ 61).
وقال القاضي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
فيه: (هذا اللفظ) حجة أن ليس للمتنفل إفساد نيته وفطر يومه لغير عذر، ولو كان الفطر مباحًا له ابتداء لم يرشده إلى العذر بصومه. إكمال المعلم (4/ 108).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهل يستحب له أن يفطر إن كان صومه تطوعًا؟ قال أكثر الشافعية وبعض الحنابلة: إن كان يشق على صاحب الدعوة صومه فالأفضل الفطر وإلا فالصوم، وأطلق الروياني وابن الفراء استحباب الفطر، وهذا على رأي من يُجوِّز الخروج من صوم النفل، وأما من يوجبه فلا يجوز عنده الفطر، كما في صوم الفرض، ويبعد إطلاق استحباب الفطر مع وجود الخلاف؛ ولا سيما إن كان وقت الإفطار قد قرب. فتح الباري (9/ 247).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا دعي وهو صائم لزمه الإجابة، كما يلزم المفطر، ويحصل المقصود بحضوره، وإن لم يأكل فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجملون به، وقد ينتفعون بدعائه، أو بإشارته، أو يتصانون عما لا يتصانون عنه في غيبته -والله أعلم-. شرح مسلم (9/ 237).
وقال سليمان بن عبد الله -رحمه الله- متعقبًا:
وقد أكثر من ذلك (يعني: ذكر التبرك بالصالحين) أبو زكريا النووي في شرح مسلم في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئًا من ذلك مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا خطأ صريح لوجوه:
منها: عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الفضل والبركة. ..
ومنها: أنا لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره.
ومنها: أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره (يعني: رسول الله) لا في حياته، ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه... تيسير العزيز الحميد (ص: 151).

قوله: «فإن شاء طعِم، ‌وإن ‌شاء ‌ترك»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فإن شاء طعِم، وإن شاء ترك» هذا صريح في أن الأكل في الوليمة ليس بواجب، وهو مذهب الجمهور، ولأهل الظاهر في الوجوب قولان في الوليمة وغيرها، وقال الشافعي: إذا كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا؛ أخذًا بالحديث.
ويظهر من هذا: أن الأكل أولى من الترك عندهم، وهو الحاصل من مذاهب العلماء؛ لما فيه من إدخال السرور، وحسن المعاشرة، وتطييب القلوب؛ ولما في تركه من نقيض ذلك، وهذا كله ما لم يكن في الطعام شبهة، أو تلحق فيه مِنَّة، أو قارنه منكر، فلا يجوز الحضور، ولا الأكل، ولا يختلف فيه. المفهم (4/153).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
«وإن شاء ترك» فيه دليل على أن نفس الأكل لا يجب على المدعو في عرس أو غيره، وإنما الواجب الحضور، وصحَّح النووي وجوب الأكل، ورجحه أهل الظاهر، ولعل مُتَمَسَّكَه في الرواية الأخرى من قوله: «وإن كان مفطرًا فليطعم». نيل الأوطار (6/214).
وقال العراقي -رحمه الله-:
واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنه لا يجب على المفطر الأكل، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، وبه قال الحنابلة.
والوجه الثاني لأصحابنا (الشافعية): أنه يجب الأكل، واختاره النووي في تصحيح التنبيه، وصححه في شرح مسلم في الصيام، وبه قال أهل الظاهر، ومنهم ابن حزم، وتوقف المالكية في ذلك، وعبارة ابن الحاجب في مختصره: ووجوب أكل المفطر محتمل، وتمسك الذين أوجبوا بقوله في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: «فإن كان مفطرًا فليطعم»، وكذا في حديث أبي هريرة: «فإن كان صائمًا فلْيُصَلِّ، وإن كان مفطرًا فليطعم»، وهو في صحيح مسلم، وحملوا الأمر على الوجوب، وأجابوا عن حديث جابر المتقدم بأجوبة. طرح التثريب (7/ 80).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في ذلك (يعني: في حكم الأكل من طعام الداعي) والأصح في مذهبنا: أنه لا يجب الأكل في وليمة العرس ولا في غيرها، فمن أوجبه اعتمد الرواية الثانية (يعني: «وإن كان مفطر فليطعم»)، وتأول الأولى على من كان صائمًا، ومن لم يوجبه اعتمد التصريح بالتخيير في الرواية الأولى («فإن شاء طعم، وإن شاء ترك»)، وحمل الأمر في الثانية على الندب. شرح صحيح مسلم (9/ 236).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليل على أنه يجب الحضور على الصائم، ولا يجب عليه الأكل، ولكن هذا بعد أن يقول للداعي: إني صائم، كما في الرواية الأخرى، فإن عذره من الحضور بذلك، وإلا حضر. نيل الأوطار (6/214).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
الإنسان إذا دُعِي إلى الطعام وحضر فلا يكفي الحضور بل يأكل؛ لأن الرجل الذي دعاك لم يصنع الطعام إلا ليؤكل، فقد تكلف لك، وصنع طعامًا أكثر من طعام أهله، ودعاك إليه، فإذا قلنا: لا حرج عليك إن تركت الأكل لزم من هذا أن يبقى طعامه لم يؤكل، فمثلًا لو دعا عشرة وصنع لهم طعامًا، وقلنا: إن الواجب الحضور دون الأكل، ثم قاموا ولم يأكلوا لصار في ذلك مفسدة لماله، ومضيعة لماله، وصار في قلبه على الحاضرين شيء، لماذا لم يأكلوا طعامي؟! شرح رياض الصالحين (4/ 203).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومه فرضًا لم يجز له الأكل؛ لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلًا جاز الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر، وإلا فإتمام الصوم -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (9/ 236).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنه إذا دُعِيَ الإنسان وهو صائم صومًا واجبًا فليقل: إني صائم.
وأما إن كان صائمًا نفلًا فقد جاء في حديث آخر: «أنه يفطر، ويقضي يومًا مكانه». الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 48).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: الحض على حُسن المعاشرة، وحُسن الصُّحبة، ومراعاة الألفة، وحسن الاعتذار. إكمال المعلم (4/ 108).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفيه: دليل لمالك على قوله: إن مَن شرع في الصوم لم يجز له أن يفطر في أضعافه. المفهم (4/ 154).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «فليقل: إني صائم» دليل على جواز إظهار العبادة، وفي ذلك تنوير الاقتداء به في ذلك؛ وليعلم أخوه المسلم أنه ما كان امتناعه إلا لأجل صومه، لا لأنه تحرج من أن يأكل طعامه، أو لأنه عازم في أمره على غير الجميل، فلذلك امتنع؛ لأن من عادة العرب ذلك في أنهم إذا أضمروا لأحد شرًّا، لم يأكلوا من طعامه؛ فلذلك ارتاع إبراهيم من امتناع ضيفه. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 48).
وقال النووي -رحمه الله-:
وإذا قيل: بوجوب الأكل فأقله لُقمة، ولا تلزمه الزيادة؛ لأنه يُسمى أكلًا؛ ولهذا لو حلف لا يأكل، حنث بلقمة. ولأنه قد يتخيّل صاحب الطعام أن امتناعه لشُبهة يعتقدها في الطعام، فإذا أَكل لقُمة، زال ذلك التَّخيل. هكذا صرَّح باللقمة جماعة من أصحابنا.شرح صحيح مسلم (9/ 236).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فيستفاد من هذا الحديث:
أولًا: وجوب إجابة الدعوة؛ لقوله: «فلْيُجب»، وظاهر الحديث أنه عام لكل دعوة، وبهذا أخذ الظاهرية..
ومن فوائد الحديث: أن الإجابة واجبة، حتى للصائم الذي لا يأكل؛ لقوله: «فإن كان صائمًا فلْيُصَلِّ...» إلخ.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان صائمًا فلا يأكل بل يدعو، ولكن إذا رأى أن في ترك الأكل مفسدة، فالأفضل أن يأكل..
ومن فوائد الحديث: أن المشروع لمن كان مفطرًا أن يطعم؛ لقوله: «فليطعم»، وأنه لا ينبغي أن يحضر الناس إلى الدعوة ثم لا يأكلون. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 608).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1 - وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس.
2 - وأن الصوم ليس عذرًا في التخلف عن إجابة دعوة العرس.
3 - الحض على كل ما يؤلف بين قلوب المسلمين.
4 - ينبغي للداعي للوليمة أن يحمل من أجاب ولم يأكل على المحمل الحسن. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (7/ 133).


إبلاغ عن خطأ