السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة».


رواه أحمد برقم: (18959)، والبيهقي في الكبرى برقم: (8454) واللفظ لهما، والترمذي برقم: (797)، وابن خزيمة برقم: (2145)، وابن أبي شيبة برقم: (9741)، من حديث عامر بن مسعود -رحمه الله-.
صحيح الجامع برقم: (3868)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1922).


مختصر شرح الحديث


بيَّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ مِن رحمةِ الله بعباده أنْ جَعَلَ لهم أوقاتًا تَسْهُل فيها العبادات، ويَعْظُم فيها الأجر والثواب؛ ترغيبًا لهم في الاجتهاد، وحثًّا على اغتنام الأوقات.
ومن ذلك: ما أخبر به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الصوم في الشِّتاء من الغنائم الباردة، والمعنى: أنَّ الصيام في فصل الشِّتاء يُشْبِهُ الغنيمةَ التي تُنال بلا قتال ولا عَنَاء؛ فلا جُوع لِطُولِ يومه، ولا عَطَشَ لِحَرِّه، فيؤدِّي العبدُ العبادةَ بيُسرٍ وسهولة، ومع ذلك يُعطَى عليه الأجرُ العظيم والثوابُ الجزيل من غير نقصان، وفضلُ الله تعالى واسعٌ.
وفي الحديث: الترغيبُ في الإكثار مِن الصيام في فصل الشتاء، واغتنامُ أوقات الفضائل، وفيه: سَعةُ رحمةِ الله تعالى وعظيمُ جُوده وكَرَمِهِ.


غريب الحديث


«الغنيمة الباردة»:
أي: لا تَعَبَ فيه ولا مشقة، وكل محبوب عندهم بارد، وقيل: معناه: الغنيمة الثابتة المستقرَّة، من قولهم: بَرَدَ لي على فلان حقٌّ، أي: ثبت. النهاية، لابن الأثير (1/114-115).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
إنما سمّاه غنيمة: لما فيه من الأجر والثواب. النهاية (3/390).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
هي التي تجيء عفوًا من غير أنْ يُصطلَى دونها بنار الحرب، ويُباشرَ حرُّ القتال. الفائق (1/91).


شرح الحديث


قوله: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
«الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» أي: السهلة، وقال بعضهم: إنما قيل له: الغنيمة الباردة؛ لأنه لم يشهد فيه حرَّ قتال، وقيل: لأن حرة العطش لا تُنَال. شأن الدعاء (ص: 133).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «الغنيمة البادرة» أي: الشيء الخطير القدر، الرفيع المنزلة، الهنيء المرِيْءُ، الحاصل من غير خطر وقتال، ولا كبير تعب، والأصل في إفادة الناس ما ذُكِر من الراحة والطيب والهناء: أن الماء والهواء لما توقف طيبهما على بردهما، خصوصًا بنحو الحجاز، صار البرد يُكنَّى به عن كل طيب وهناء.
«الصوم في الشتاء» لِقِصَرِ الزمن، وعدم الظمأ الذي هو أشق ما على الصائم، وهذا من عكس التشبيه، نحو: الأسد كزيد؛ لأن فيه إثبات المعنى المطلوب من التشبيه على أبلغ وجه، وأكمله؛ لأن الغنيمة المذكورة الأصل أنْ يُشَبَّه بها الصوم في المعنى المطلوب، إذا شُبِّهَتْ به في ذلك أفادت أبلغ ذلك؛ من حصول أبلغ الثواب من غير إحساس بألم جوع، ولا عطش. فتح الإله في شرح المشكاة (7/34).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» أي: يحصل به الثواب من غير أن تصيبه مشقة الجوع، أو يمسه حر العطش، ويُستعمل البارد في الشيء ذي الراحة، إنما سُمِّيت بردًا؛ لأن الحرارةَ غالبةٌ في ديار العرب، وماؤهم حارٌّ، فإذا أصابوا هواءً باردًا، أو ماءً باردًا، يقولون: راحة. شرح المصابيح (2/ 550).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «الغنيمة» هي كل ما أخذ بغير مشقة، وهي في الأموال في الإطلاق أغلب، «الباردة» إعلامٌ بأنَّها غنيمة هَنِيَّة الصوم في الشتاء؛ وذلك بعض أيامه. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 267).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الغنيمة» التي تحصل بأدنى سعي من غير كثرة مشقة. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 47).
وقال المناوي -رحمه الله-:
شبهها بجامع أن كلًّا منهما حصول نفع بلا جهد ومشقة، والغنيمة الباردة: ما حصل بلا حرب ولا مشقة. فيض القدير (4/ 415).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
لأنه قَصُرَ نهاره، وبرد هواه، فلا جوع لطول يومه، ولا عطش لِحَرِّهِ. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 459).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» أي: الحاصلة بلا مشقة؛ لِقِصَرِ النهار وبرده، شبَّهه بها بجامع أن كلًّا منهما حصول نفع بلا مشقة. السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/280).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
والغنيمة الباردة هي: التي يحوزها صاحبها عفوًا وصفوًا، لا يمسه ولا يصيبه قَرْح (جُرْح)، والعرب تصف سائر ما تستَلِذُّهُ بالبرودة، والمعنى: أنَّ الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش، أو يصيبه لذْعَةُ الجوع...الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 478).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
والتركيب من قلب التشبيه؛ لأن الأصل: الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة...، وفيه من المبالغة: أن الأصل في التشبيه أن يُلحِق الناقص بالكامل، كما يقال: زيد كالأسد، فإذا عُكِسَ وقيل: الأسد كزيد، ويجعل الأصل كالفرع، والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلى الدرجة القصوى في المبالغة، والمعنى: أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش، أو تصيبه لذعة الجوع من طول اليوم. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1615).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
فجعل الحديث من باب التشبيه البليغ، وهو أن يكون محذوف الأداة، والأظهر: أن الجملة مركبة من المبتدأ والخبر المفيدة للحصر؛ لتعريف جزئيها، فالمعنى: أنَّ الغنيمة الباردة هي الصوم في الشتاء. مرقاة المفاتيح (4/ 1425).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «الغنيمة الباردة» هي التي يُحْتاج في تحصيلها إلى الحروب والكروب التي الغالب فيها حرارة المغتنمين، واصطلاؤهم بنيران الحروب، فهي موصوفة بوصف المغتنمين مجازًا، والمراد بذلك: بيان أنَّ أجر نفس الصوم مساوٍ في الوقتين جميعًا، وأما ما كان يزداد لهم في صوم شدة الحر من أجر الصبر على هذه الشدة فلا ينال في صوم الشتاء، إلا أن يتمناه طلبًا لمزيد الثواب، فإنه يثاب ذلك الثواب بنسبة هذه، فزيادة أجره بزيادة مشاقه، كزيادة الإمام لمن رأى منه جرأة وشدة في الحرب زيادة له على سهمه الذي له من الغنيمة.
ووجه التشبيه بالغنيمة: ما يحل له من الأجر الجزيل على صومه مع مشقة كثيرة، أو على مشقة يسيرة؛ كما أن الغنيمة كذلك، فمنها ما هي حاصلة بسهولة، ومنها ما ليست كذلك. الكوكب الدري على جامع الترمذي (2/ 74).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «‌الغنيمة ‌الباردة» هي الحاصلة بلا تحمُّل كلفة المحاربة، وصومُ الشتاء له أجر بلا تحمُّل مشقة الجوع؛ لِقِصَرِ الأيام، والعطش؛ لبرودتها، وفيه: ترغيبٌ للناس في صوم الشتاء، وقد جاء أنه «ربيع المؤمن؛ طال ليله فقامه، وقَصُرَ نهاره فصامه» ...، وهذا الحديث من الأحاديث المشتهرة على الألسنة -والله تعالى أعلم-. حاشيته على مسند أحمد (4/406).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ويُستعمل «البارد» في الشيء ذي الراحة، والبرد: الراحة، وإنما سُميت الراحة بردًا؛ لأن الحرارة غالبة في ديار العرب، وماءهم حار، فإذا وجدوا بردًا أو ماء باردًا يعُدُّونه راحة، يعني: الصوم في الشتاء يحصل الثواب به للصائم، ولم تلحقه مشقة الجوع؛ لِقِصَرِ اليوم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 47).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
وذلك لأنهم كانوا في بلاد شديدة الحر جدًّا، والبرد عندهم من أكبر النِّعم، فالصوم في الشتاء غنيمة باردة لكل من يسكن البلاد الحارة، فينبغي للإنسان أنْ يكثر من صيام التطوع في الشتاء لقصر يومه، وعدم الحر فيه، وشبهه بالغنيمة الباردة بجامع أنَّ كلًّا منهما حصول نفع بلا مشقة. الفتح الرباني (9/ 217).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ومعنى كونها غنيمة باردة: أنها غنيمة حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة، فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفوًا صفوًا بغير كلفة، وأما قيام ليل الشتاء فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظّها من النوم ثم تقوم. لطائف المعارف (ص: 326).


إبلاغ عن خطأ