الجمعة 17 رمضان 1447 | 2026-03-06

A a

كانَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إذا رأى ما يُحِبُّ قال: «الحمدُ للَّهِ الذي بنعمتِهِ تَتِمُّ الصَّالحاتُ»، وإذا رأى ما يَكْرَهُ قال: «الحمدُ للَّهِ على كُلِّ حَالٍ».


رواه ابن ماجه برقم: (3803)، والطبراني في الأوسط برقم: (6663)، والحاكم في المستدرك برقم: (1840)، والبيهقي في الشُّعب برقم: (4065)، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم: (378)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (4727)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (265).


مختصر شرح الحديث


كان من هَدْيِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- دوامُ ذكرِ ربِّه، والتسليمُ له، والرِّضا بقضائِه من خيرٍ وشرٍّ، ومن ذلك: ما أخبرت به عائشةُ -رضي الله عنها- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى ما يُحِبُّ قال: «الحمدُ للهِ الذي بِنِعْمَتِه تَتِمُّ الصالحات»: أي تَكْمُل الأمورُ كلُّها من صالحِ الأقوالِ والأفعالِ النافعةِ عاجلًا وآجلًا بتوفيقِه سبحانه وتيسيرِه، وهذا حَمْدُ شكرٍ واعترافٍ بالنعمة.
فإذا نال المسلمُ ما يرضيه ويَسُرُّه من أمرِ دِينِه أو دُنياه حَمِدَ الله؛ لأنَّ كلَّ أمرٍ صالحٍ مِن قولٍ أو فعلٍ إنما يَتِمُّ بِنِعْمَةِ الله وتوفيقِه، فهو المُنْعِمُ والمُتفضِّل على الحقيقة.
وإذا نزل به ما يكره في نفسِه أو مالِه أو أهلِه، قال: «الحمدُ للهِ على كلِّ حال»؛ لأنَّ ما يُقدِّره الله قد يَبدو في ظاهره شرًّا، لكنَّه في الحقيقة يَشْتَمِل على مصلحةٍ خَفِيَّة لا يُدركها العبد؛ إذ إنَّ الله حكيمٌ عليم، لا يَقْضِي قضاءً إلَّا وفيه الخيرُ لعبادِه.
وفي هذا الحديث يظهر كمالُ تأدُّبِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مع ربِّه؛ ففي الحال الأولى صرَّح بأنَّ النعمةَ من فضلِ الله، فقال: «الحمدُ لله الذي بِنِعْمَتِه تَتِمُّ الصالحات». أمَّا عند رؤيتِه ما يُكره فقال: «الحمدُ للهِ على كلِّ حال»، فلم يُصرِّح بنسبةِ المكروه إلى الله كما صرَّح بنسبةِ النعمة، مع أنَّ الكلَّ بقضاءِ الله وقَدَرِه؛ وذلك من كمالِ تأدُّبِه مع الله جلَّ وعلا.


شرح الحديث


قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى ما يُحِبُّ» ويَرْضَى ويطمئنُّ إليه قلبه «قال: الحمد لله الذي بـ» سبب «نعمته» أي: بسبب إنعامه على عباده «تتم» وتحصل لهم «الصالحات» أي: الأعمال الصالحة؛ بسبب توفيقه إياهم إلى سبيل الهدى والرشاد إن كانت دينية، وبسبب تيسيرها لهم إن كانت دنيوية؛ والأمر الصالح: ما فيه نفع لصاحبه عاجلًا أو آجلًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 291).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أتاه الشيء يسرُّه» وفي رواية: «كان إذا أتاه الأمر» الذي «يسرّه». التيسير (2/ 234)
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«بنعمته» بكرمه ومنته «‌تتم» أي: تكمل «‌الصالحات» أي: النعم الحسان. التيسير (1/ 103).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «بنعمته» بسبب إنعامه «‌تتم ‌الصالحات» أي: الأمور كلها من الأقوال والأفعال. التنوير (2/ 83).
وقال الصنعاني-رحمه الله-أيضًا:
«بنعمته» لا غيرها «‌تتم ‌الصالحات» من خصال الدنيا والدين {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} النور: 21.
والله لولا الله ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا. التنوير (8/ 307).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «بنعمته» أي: بسبب نعمته، أو بمصاحبتها، أي: بإنعامه.
قوله: «تتم الصالحات» أي: تكمل الأعمال الصالحة من الصلاح ضد الفساد. الفتوحات الربانية (6/ 271).
وقال مجدي الأحمد -حفظه الله-:
«بنعمته» المراد من النعمة ها هنا: النعمة الخاصة، وهي رؤية الشيء الذي يسرُّه، ورؤية الشخص ما يحبه ويسرُّه نعمة؛ فلأجل ذلك قال: «بنعمته ‌تتم ‌الصالحات» أي: الأشياء ‌الصالحات، وهي تتناول كل شيء صالح من الدنيا والآخرة. شرح حصن المسلم (ص: 305).

قوله: «وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإذا رأى ما يكره» ولا يرضاه، ولا يطمئن إليه قلبه دينيًّا كان أو دنيويًّا، وهو الأمر السيئ، وهو الذي يسوء ويحزن عليه صاحبه إما عاجلًا أو آجلًا «قال: الحمد لله على» ما قَدّره من «كل حال» سيئ أو صالح؛ فالكل منه وإليه، ولا حول ولا قوة لنا على دفعه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/291- 292).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «‌الحمد لله على ‌كل ‌حال» من السراء والضراء. التنوير (8/ 307).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «‌الحمد لله على ‌كل ‌حال» أي: على كل كيفية من الكيفيات التي قدّرها؛ فإن قضاء الله للمؤمن كلّه خير، ولو انكشف له الغطاء لفرح بالضراء أكثر من فرحه بالسراء. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 103).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «على كل حال» أي: من الشدائد المكروهة للنفس، أي: ما تكرهه النفس مما لا يؤول إلى عذاب الآخرة موجِب للحمد والشكر؛ إذ هو إما كفارة سيئات، أو رفع درجات. الفتوحات الربانية (6/ 272).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
لأنه لم يأتِ بالمكروه إلا لخيرٍ علِمَه لعبده. السراج المنير (4/ 46).
وقال العزيزي -رحمه الله-أيضًا:
بيَّن به أن شدائد الدنيا يلزم العبد الشكرَ عليها؛ إذ لهم نِعم في الحقيقة بها تُمحى السيئات وتُرفع الدرجات. السراج المنير (4/ 65).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ونبَّه بهذا الحديث على أن على العبد أن يحمد الله على السراء والضراء، وعلى أن للصابرين حمدًا يخصهم، وهو ‌الحمد لله على ‌كل ‌حال، وأن للشاكرين حمدًا يخصهم، وهو ‌الحمد لله الذي بنعمته ‌تتم ‌الصالحات، وهكذا ‌كان هديه وعادته؛ يحمد الله على السراء والضراء بما ذُكر، والتأسي به أولى من أن يستنبط حمدًا آخر؛ فإنه لا أعلى مما وضعه العالِم الأكبر الأكمل الذي شهد له الحق تعالى بالعلم، وأكرمه بختم النبوة وزعامة الرسالة. فيض القدير (1/ 368).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فالذي له ‌الحمد المطلق هو الله -عز وجل-، لا يستحقه أحد سواه، أما غيره فيحمد على أشياء خاصة معينة، ليس على ‌كل ‌حال.
وأيضًا هي للاختصاص؛ يعني أن الذي يختص بالحمد المطلق الكامل هو الله، فهو المستحق له المختص به. الشرح الصوتي لزاد المستقنع(1/ 4).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «الحمد لله على ‌كل ‌حال» أما ما تسمعه من بعض الناس: ‌الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه! فهذا خلاف ما جاءت به السنة، بل قُلْ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «‌الحمد لله على ‌كل ‌حال»، أما أن تقول: ‌الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه! فكأنك الآن تُعلن أنك كارِهٌ ما قدَّر الله عليك، وهذا لا ينبغي، بل الواجب أن يرضى الإنسانُ بما قدّر الله عليه مما يسوءه أو ما يسرُّه... لقاء الباب المفتوح، لقاء رقم:(37).
وقال مجدي الأحمد -حفظه الله-:
قوله: «وإذا أتاه الأمر يكرهه» ويبغضه، قال: «‌الحمد لله على ‌كل ‌حال» يعني: في السراء والضراء، والفرح والترح، والفقر والغنى، والصحة والمرض …، وجميع الأحوال والأفعال والأوقات، ففي الأول خص ‌الحمدَ على شيء، وفي الثاني عمَّمه؛ رعايةً لمقتضى المقام والمقال. شرح حصن المسلم (ص: 305).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ولهذا جاء في الكتاب والسنة حمد الله على ‌كل ‌حال؛ وذلك بتضمن الرضا بقضائه، وفي الحديث: «أوَّل من يُدعى إلى الجنة الحمّادون، الذين يحمدون الله في السّراء والضراء». مجموع الفتاوى (10/ 43).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
واللفظ العام إذا ورد على سبب وجب دخول السبب فيه، فيوجِب هذا ‌الحمد أنه محمود على هذا الأمر المكروه؛ لأنه حَسَن منه وحكمة وصواب، فيستحق أن يُحمد عليه. الصواعق المرسلة (2/ 1070).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قال الحسن: "ما من رجل يرى نعمة الله عليه فيقول: ‌الحمد لله الذي بنعمته ‌تتم ‌الصالحات؛ إلا أغناه الله وزاده". السراج المنير (4/ 46).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فهو -جلّ وعلا- محمود على كل حال، في السراء وفي الضراء، أما في السراء فيحمد الإنسان ربه حمد شكر، وأما في الضراء فيحمد الإنسان ربَّه حمد تفويض؛ لأن الشيء الذي يضر الإنسان قد لا يتبين له وجه مصلحته فيه، ولكن الله تعالى أعلم، فيُحمد اللهُ تعالى على كل حال. شرح رياض الصالحين (5/ 493).


إبلاغ عن خطأ