الجمعة 17 رمضان 1447 | 2026-03-06

A a

«تَجِدُ مِن شرِّ الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجهٍ».


رواه البخاري، برقم: (6058)، ومسلم، برقم: (2526)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


هذا الحديثُ الشريفُ يُبيّن خطورةَ خُلُقٍ ذميمٍ وصفةٍ قبيحة، وهي صفةُ ذي الوجهين، الذي يُظهِرُ لكلِّ طائفةٍ خلافَ ما يُظهِرُ للطائفةِ الأخرى. فالنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُخبر أنَّ ذا الوجهين مِن أَبْعَدِ الناس منزلةً عند الله تعالى، وأوضعِهم قَدْرًا يومَ القيامة؛ لأنَّه تَزَيَّا بِزِيِّ المنافقين، الذين قال الله عنهم: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} البقرة: 14. وقد عُدَّ هذا من كبائر الذنوب.
ووجهُ الشَّرِّ في ذلك: أنَّ ذا الوجهين يمشي بالكذبِ والخداع، فيُظهِرُ الرِّضا عن أهل الباطل إذا لَقِيهم، ويُظهِرُ الرِّضا عن أهل الحق إذا اجتمع بهم، فيتلوَّنُ بحسب ما يوافق كلَّ فريق؛ إمّا طلبًا للسلامة، أو جلبًا للمصالح الدنيوية، أو سعيًا في الإفساد بين الناس.
وهذا السلوكُ نفاقٌ عمليٌّ صريح، ولذلك عُدَّ صاحبُه مِن شرارِ الخلق عند الله. وجاء في حديثِ أنسٍ -رضي الله عنه- عند أبي دواد: «مَن كان ذا لِسَانَيْنِ في الدنيا جعل اللهُ له لَسَانَيْنِ من نارٍ يومَ القيامة»، وهذا وعيدٌ عظيمٌ يُبيّن فداحةَ جُرمه.
إلّا أنَّه ينبغي التنبّهُ إلى الفَرْقِ بين المُداهنة المذمومة والمُداراة المحمودة؛ فالمداهنة: أن يُرضي صاحبَ الباطل بما يُقوّيه على باطله، وهذا حرام. وأمَّا المُداراة: فهي لينُ القولِ لإصلاح ذات البَين، وذِكرُ الجميل من كلِّ طائفةٍ للأُخرى بقصد الإصلاح والتقريب، وهذه مشروعةٌ بل مطلوبة.
فالحديثُ يُربّي المسلمَ على لزوم الصِّدق، ويُحذّره من النفاق الذي يُفسد القلوبَ ويُمزّق الروابط.


غريب الحديث


«ذو الوجهين»:
هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، ويظهر لها أنه منها في خير أو شر، وهي مداهنة محرَّمة. شرح صحيح مسلم (16/ 79)


شرح الحديث


قوله: « تجد مِن شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «تجد من شرار الناس» كذا وقع في رواية الكشميهني: «شرار» بصيغة الجمع، وأخرجه الترمذي من طريق أبي معاوية عن الأعمش بلفظ: «إن من شر الناس» وقد تقدم في أوائل المناقب من طريق عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عنه، عن أبي هريرة بلفظ: «تجدون شر الناس»، وأخرجه مسلم من هذا الوجه، ومن رواية ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عنه بلفظ: «تجدون من شر الناس ذا الوجهين»، وأخرجه أبو داود من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عنه بلفظ: «من شر الناس ذو الوجهين»، ولمسلم من رواية مالك عن أبي الزناد: «إن من شر الناس ذا الوجهين»، وسيأتي في الأحكام من طريق عراك بن مالك عنه بلفظ: «إن شر الناس ذو الوجهين» وهو عند مسلم أيضًا.
وهذه الألفاظ متقاربة، والروايات التي فيها «شر الناس» محمولة على الرواية التي فيها «من شر الناس».
ووصفه بكونه شر الناس أو من شر الناس مبالغة في ذلك، ورواية «أشر الناس» بزيادة الألف لغة في (شر) يقال: خير وأَخْيَر، وشر وأَشَرّ، بمعنى، ولكن الذي بالألف أقل استعمالًا. فتح الباري (10/474- 475).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وتجدون شر الناس يوم القيامة عند الله» أوضعهم منزلة، وأبعدهم من كرامته. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 9).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
ووجهُ كونِه أشرَّ: أنه يُشبه النفاقَ. اللامع الصبيح (15/ 94).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وصْفُه بأنه شر الناس ذم عظيم، والظاهر: أنه يُؤَوَّل على الرواية الأخرى التي فيها: «من شر الناس»، وقد يُؤَوَّل على أنه شر هؤلاء الناس المتضادين، فإن كل فرقة من الفرقتين المتضادتين المتعاندتين مجانِبة للأخرى، مُظهرة لعداوتها، لا يتمكن من الاطلاع على أسرارها، وهذا بفعله يخادع الفرقتين، ويطَّلع على أسرارهم، فهو شر من الفرقتين معًا، والله أعلم. طرح التثريب في شرح التقريب (8/ 91).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وإنما كان شر الناس؛ لأن حاله حال المنافق؛ إذ هو يتملق بالباطل، ويدخل الفساد بين الناس، نعم لو أتى كل قوم بكلام فيه صلاح، واعتذر عن كل قوم للآخرين، ونقل ما أمكنه من الجميل، وستر القبيح، كان محمودًا. إرشاد الساري (9/ 44).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأما قوله: «إنه من شرار الناس» فكما قال؛ لأنه نفاق محض وكذب، ومخادعة. إكمال المعلم (7/ 563-564).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم- في ذي الوجهين: «إنه من شرار الناس» فسببه ظاهر؛ لأنه نفاق محض، وكذب وخداع، وتَحَيُّل على اطِّلاعه على أسرار الطائفتين. شرح النووي على مسلم (16/ 79).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنَّما كان ذو الوجهين شر الناس؛ لأنَّ حاله حال المنافقين، إذ هو متملِّق بالباطل والكذب، يُدخل الفساد بين الناس، والشرور، والتقاطع، والعداوة، والبغضاء. المفهم (6/ 478).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يحتمل: أن يكون المراد بالناس مَن ذكر من الطائفتين المتضادتين خاصة، فإنَّ كل طائفة منهما مجانِبة للأخرى ظاهرًا، فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا بما ذكر من خداعه الفريقين؛ ليطلع على أسرارهم، فهو شرهم كلهم.
والأَولى حمل الناس على عمومه، فهو أبلغ في الذم، وقد وقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبي شهاب، عن الأعمش بلفظ: «مِن شر خلق الله ذو الوجهين». فتح الباري (10/474-475).

قوله: «ذا الوجهين»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «ذا ‌الوجهين» أي: المنافق، قال تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} النساء: 143. الكواكب الدراري (14/ 112).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والمراد المنافق، يلاقي كل قوم بما يوافقهم، كما قال تعالى في صفاتهم: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} البقرة: 14، ومرادهم بذلك أن يأمنوهم، ويأمنوا قومهم. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/456).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ذا الوجهين» إما أن يكون المراد المنافق، ويكون عذابه أشد، أو المراد مَن صفته هذه من المؤمنين، ويكون حاله شرًّا من سائر المؤمنين. لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (8/ 145).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
يريد أنه يأتي إلى كل قوم بما يرضيهم كان خيرًا أو شرًا، وهذه هي المداهنة المحرمة، وإنما سُمي ذو الوجهين مداهنًا؛ لأنه يُظهِر لأهل المنكر أنه عنهم راضٍ، فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبِشْر، وكذلك يُظهر لأهل الحق أنه عنهم راضٍ، وفي باطنه أن هذا دأبه في أن يرضي كل فريق منهم، ويريهم أنه منهم، وإن كان في مصاحبته لأهل الحق مؤيدًا لفعلهم، وفي صحبته لأهل الباطل منكرًا لفعلهم، فبخلطته لكلا الفريقين، وإظهار الرضا بفعلهم استحق اسم المداهنة للأسباب الظاهرة عليه، المشبهة بالدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء، ويستر بواطنها، ولو كان مع إحدى الطائفتين لم يكن مداهنًا، وإنما كان يُسمى باسم الطائفة المنفرد بصحبتها.
وقد جاء في ذي الوجهين وعيد شديد، روى أبو هريرة عن النبي -عليه السلام- أنه قال: «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا»، وروى أنس عن النبي -عليه السلام- أنه قال: «من كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة»، فينبغي للمؤمن العاقل أن يرغب بنفسه عما يوبقه ويخزيه عند الله تعالى. شرح صحيح البخاري (9/ 251).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وهذا فيما ليس طريقه الإصلاح والخير، بل في الباطل والكذب وتزيينه لكل طائفة عملها، وتقبيحه عند الأخرى، وذم كل واحدة عند الأخرى، بخلاف المداراة والإصلاح المرغَّب فيه، وإنما يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل لها الجميل عنها. إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 76).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ذي الوجهين» يعني: به الذي يدخل بين الناس بالشر والفساد، ويواجه كل طائفة بما يتوجه به عندها مما يرضيها من الشر، فإنْ رَفَعَ حديث أحدهما إلى الآخر على جهة الشر: فهو ذو الوجهين النمَّام، وأما من كان ذا وجهين في الإصلاح بين الناس فيواجه كل طائفة بوجه خير، وقال لكل واحدة منهما من الخير خلاف ما يقول للأخرى، فهو الذي يسمى بالمصلح، وفعله ذلك يسمى: الإصلاح، وإن كان كاذبًا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرًا، وينمي خيرًا». المفهم (6/ 589).

قوله: «الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
وعند الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن الأعمش: «الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء». إرشاد الساري (9/ 44).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ذا الوجهين» بيَّنه بقوله: «الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» جعل تلوُّنه في الصفة كتلونه في الذات. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 9).
وقال الكرماني-رحمه الله-:
و«هؤلاء» أي: طائفة، أي: يأتي كل طائفة، ويظهر عندهم أنه منهم، ومخالف للآخرين، مُبغِض لهم؛ إذ لو أتى كل طائفة بالإصلاح ونحوه لكان محمودًا. الكواكب الدراري (21/ 197-198).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» وهذا مِثْل أن يمدح رجلًا في وجهه، ثم يأتي إلى عدوه. كشف المشكل (3/ 432).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
هذا إذا لم يكن للإصلاح، فلو كان لأجله جاز. شرح المصابيح (5/ 238).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ويأتي هؤلاء» أي: الأضداد «بوجهٍ» أي: غير ما لقي به الأولين، كما يُؤذِن به التنكير. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (8/ 370).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» ما يُشبه النفاق، بل أعظم، فإنَّه يوقع الفتنة بين المسلمين، والوجه مجاز عن الصفة والشأن، وهذا متعارف، يقال: خرج فلان بوجه غير الوجه الذي دخل به. الكوثر الجاري (11/ 82).
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا حديث ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره في البيان عن ذم مَن هذه حالته وفعله وخُلقه -عصمنا الله برحمته-، وقد تأوَّل قومٌ في هذا الحديث أنه الذي يرائي بعمله، ويُرِي الناس خشوعًا واستكانة، ويُريهم أنه يخشى الله، حتى يُكرموه، وليس الحديث على ذلك، والله أعلم.
وقوله: «يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» يرد هذا التأويل، وما يحتاج ذم الرياء إلى استنباط معنى من هذا الحديث وشبهه؛ لأن الآثار فيه عن النبي -عليه السلام- وعن السلف أكثر من أن تحصى. التمهيد (18/ 261).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: كيف الجمع بين هذا الحديث وبين الحديث الآخر الثابت في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رجلًا استأذن على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ائذنوا له فبئس أخو العشيرة» فلما دخل أَلَانَ له القول، فقلت: يا رسول الله، قلتَ له الذي قلتَ، ثم أَلَنْتَ له القول؟ قال: «يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه»؟.
قلتُ: لا منافاة بينهما؛ فإنه -عليه الصلاة والسلام- لم يُثْنِ عليه في وجهه، ولا قال كلامًا يضاد ما قاله في حقه في غيبته، إنما تألفه بشيء من الدنيا مع لين الكلام له، وإنما فعل ذلك تألفًا له ولأمثاله على الإسلام، ولم يكن أسلم في الباطن حينئذٍ، وإن كان قد أظهر الإسلام فبين -عليه الصلاة والسلام- ليعرف، ولا يغتر به، وتألفه رجاء صحة إيمانه، وقد كان منه في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعده ما دل على ضعف إيمانه، وارتد مع المرتدين، وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر -رضي الله عنه-. طرح التثريب في شرح التقريب (8/ 90-91).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا


إبلاغ عن خطأ