«إذا قَضَى أحدُكُمْ حجَّهُ فلْيَجْعَلِ الرِّحْلَةَ إلى أهلهِ، فإنَّهُ أعظمُ لأجرِهِ».
رواه الحاكم في المستدرك برقم: (1753) واللفظ له والدارقطني برقم: (2790)، والبيهقي في الكبرى برقم: (10363)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ لهم: «فليُعَجِّلِ الرِّحلَةَ».
صحيح الجامع برقم: (732)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1379).
مختصر شرح الحديث
حَرِصَ الشرعُ على أداءِ حقوقِ الغير، وأكد على حقوق الأهل خصوصًا، وهي كثيرة ومتنوعة، ومنها ما يتعلَّق بالأسفار، كما أخبرت به عائشةُ -رضي الله عنها- أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا قضى أحدُكم حجَّه فليجعلِ الرِّحلةَ إلى أهله...».
وسواءٌ كان سفرَ طاعةٍ كالحجِّ والعمرة، أو سفرًا مُباحًا، فليُعجِّل الرجوعَ إلى أهله، ولا يُطيل المكثَ بعد قضاء أمورِه؛ فإنَّ في تعجيلِ الرجوع مصالحَ عظيمةً: من حضورِ الجمعة والجماعة، والتقوّي بالراحة على الطاعة، وإدخالِ السُّرور على الأهل، وحفظِ حقوقِهم من الضياع، فكان ذلك أرجحَ في الثواب وأعظمَ في الأجر من إطالةِ الغياب بلا حاجة.
وفي الحديثِ: دلالةٌ على أنَّ الشرعَ يُوازن بين حقِّ الله وحقوقِ العباد، فجعل في الرجوعِ إلى الأهل بعد الفراغِ من السفر أجرًا أعظم؛ لما فيه من تحقيقِ مقاصدِ الدِّين في العبادة والعِشرة، والتنبيهِ إلى أنَّ تضييعَ حقوقِهم فيه إثمٌ عظيم.
غريب الحديث
«قَضَى»:
أي: أتم. فيض القدير، للمناوي (1/ 418).
«فلْيَجْعَلِ»:
أي: فليسرع. فيض القدير، للمناوي (1/ 418).
والعجل: ضد البطء. جمهرة اللغة، ابن دريد (1/ 482).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
العَجَلُ والعَجَلَةُ: السُّرْعة. المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده (1/ 322).
شرح الحديث
قوله: «إذَا قَضَى أحدُكُمْ حَجَّهُ فَلْيَجْعَلِ الرِّحْلَةَ إلى أهلِهِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إذا قضى أحدكم» أي: أتمَّ «حجَّه» أو نحوه من سفر طاعة كغزو «فليعجل» أي: فليُسرِع ندبًا «الرجوع إلى أهله» أي: وطنه، وإن لم يكن له أهل. فيض القدير (1/ 418).
وقال النووي -رحمه الله-:
السُّنَّة للمسافر إذا قضى حاجته أن يُعجِّل الرجوع إلى أهله. المجموع شرح المهذب (4/ 398).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
(وفي الحديث) استحباب استعجال الرجوع ولا سيَّما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة؛ ولِمَا في الإقامة في الأهل من الراحة المُعِينة على صلاح الدِّين والدنيا؛ ولِمَا في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة. فتح الباري (3/ 623).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
والمقصود تعجيل الرجوع إلى الأهل بعد قضاء الشُّغْل، ولا يتأخَّر بما ليس له بمُهِمٍّ. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 601).
قوله: «فإنَّهُ أعظمُ لأجرِهِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإنه أعظم لأجره» لِمَا يدخله على أهله وأصحابه من السُّرور بقدومه؛ لأن الإقامة بالوطن يسهل معها القيام بوظائف العبادات أكثر من غيرها، وإذا كان هذا في الحجِّ الذي هو أحد دعائم الإسلام، فطلبُ ذلك في غيره من الأسفار المندوبة والمباحة أولى.
ومنه أخذ أبو حنيفة كراهة المجاورة بمكة، وخالفه صاحباه كالشافعي، وفيه ترجيح الإقامة على السفر غير الواجب. فيض القدير (1/ 418).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«فإنَّه أعظم لأجره» لِمَا يدخله على أهله من السرور؛ ولأن الإقامة بالوطن يسهل معها القيام بوظائف العبادات، وقضية العِلَّة الأولى أنه لو لم يكن له أهل، لا يندب له التعجيل، وقضية الثانية خلافه. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 121).
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث دليل على أن طول التغرُّبِ عن الأهل لغير حاجة وكيدة من دين أو دنيا، لا يصلح ولا يجوز، وأن من انقضت حاجته، لزمه الاستعجال إلى أهله الذين يُمَوِّنَهم ويقُوتُهم؛ مخافة ما يحدثه الله بعده فيهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يقوتُ». التمهيد (13/ 570).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
المعنى: ليسرع الرجوع إليهم؛ محافظةً على فضل الجمعة، والجماعة، وأداءً للحقوق الواجبة لمن يمونه. البحر المحيط الثجاج (33/ 49).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إذا قضى أحدكم حجَّه فليعجِّل الرجوع إلى أهله؛ فإنه أعظم لأجره» لعله خطاب لمن كان قد هاجر من مكة؛ لأنه لم يأذن -صلى الله عليه وسلم- للمهاجرين بالإقامة بها، أو لمن يضيِّع مَنْ خلفه بإقامته في مكة، وإلا فإنه قد ورد الحثُّ على الإقامة بمكة. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 171- 172).