السبت 27 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-10

A a

«الغُسْلُ يومَ الجمعة واجِبٌ على كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وأنْ يَسْتَنَّ، وأنْ يَمَسَّ طيبًا إنْ وجَدَ»، قال عَمْرٌو: «أمَّا الغُسْلُ، فأشْهَدُ أنَّه واجبٌ، وأمَّا الاسْتِنَانُ والطِّيبُ فاللَّهُ أَعلمُ أَواجبٌ هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث».


رواه البخاري برقم: (880) واللفظ له، ومسلم برقم: (846)، من حديث أبي سعيد الخُدْرِي -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم برقم: (846): «ولو مِنْ طِيْبِ المرأةِ».
وفي لفظ عند مسلم برقم: (846): «ويَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ ما قَدَرَ عليه».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (11250): «ولو مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ».


مختصر شرح الحديث


جاءتِ الشريعةُ بالأمرِ باجتماعِ المسلمين وكَلِمَتِهِم، والتَّحْذِيرِ مِن التَّفَرُّقِ بَيْنَهُم، ومن ذلك: الاجتماع لصلاةِ الجُمُعةِ، ومع التشديد في حضورها، والوعيد لمن تخلف عنها، إلا أنها راعت أحوال أهل الأعذار، فجاءت باليُسرِ ورفعِ الحَرجِ عنهم كما في قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «الجُمُعةُ حقٌّ واجبٌ...»؛ أي أنَّ صلاةَ الجُمُعةِ فَرضُ عَيْنٍ على كُلِّ مُسلمٍ بالغٍ عاقلٍ حُرٍّ مُقيمِ: «في جماعة»، أي: لا بدَّ من إقامتها مع جماعة المسلمين، فلا تنعقد فُرادى بالاتفاق، ثم استثنى -صلَّى الله عليه وسلَّم- أربعةً لا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ، وهم: «عبدٌ مملوك…»؛ لأنه مشغولٌ بخدمةِ سيِّده: «أو امرأةٌ»؛ لأنَّ الأصلَ قرارُها في بيتِها، ولِما في خروجِها من مخالطةِ الرجالِ، وهو مظنَّةُ الفتنةِ، ولانشغالها بأهلِ بيتِها، ولهذا جاءت نصوص كثيرة ترغِّبُ المرأة في الصلاة في بيتها: «أو صبيٌّ»؛ لعدم التكليف، وهو محلُّ إجماع، ويُلحق به المجنون، لكِنْ يُؤْمَرُ بها تَمْرِينًا وتأديبًا، لا على جهة الوجوب، «أو مريضٌ»، ويلحق به كلُّ صاحبِ عذرٍ معْتَبَرٍ، كالكبير العاجز ونحوه؛ لأن الشريعة مبناها على التَّيسير ورفع الحَرج. ويُسْتَثْنَى أيضًا من وُجوبِ الجُمُعَةِ: المُسافِرُ؛ سواءٌ كان سائرًا أو نازلًا؛ لبقاءِ أحكامِ السَّفرِ عليه كالجَمْعِ والقَصْرِ؛ ولعَدَمِ نَقْلِ إقامتها عنه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- في أَسْفَارِهِ، وكذلك أهلُ البادية، فلا تجبُ عليهم الجُمُعة؛ لعدمِ الاستيطان. وكلُّ مَن لم تَلزَمْه الجُمُعةُ صلّاها ظُهرًا، فإن حَضَرَها أَجْزَأَتْ عنه، وأُجِرَ عليها.
وفي الحديث: بيانُ عِظَمِ شأنِ صلاةِ الجُمُعةِ، وأنها فرضُ عينٍ على المكلَّفين إلا مَن استُثْنِي، وفيه: دلالةٌ على رحمةِ الشريعةِ وتيسيرِها على العِبَادِ؛ حيث لم تُكلِّفهم ما يشقُّ عليهم أو يزيدُ في أَعْبَائِهِم.


غريب الحديث


«مُحْتَلِمٍ»:
أي: بالِغٍ مُدْرِك. النهاية، لابن الأثير (1/ 434).
والاحتلام: مصدر: احْتَلَمَ؛ إذا رأى في نومه، تقول: احْتَلَمَ وحلَم -بفتح الحاء واللام- حُلُمًا وحُلْمًا -بضم اللام وسكونها، مع ضم الحاء-، والمراد هنا: إنزال الْمَنِيِّ ولو كان مستيقظًا، ولو رأى في نومه أنه يجامع ولم ينزل؛ لم يُحْكَم ببلوغه. المطلع على ألفاظ المقنع ، البعلي (ص: 159).

«وأنْ يَسْتَنَّ»:
أي: يدلك أسنانه بالسواك. فتح الباري (2/ 364).
والاسْتِنَانُ: استعمال السِّواك، وهو افْتِعاَل مِن الأَسْنَانِ: أي: يُمِرُّه عليها. النهاية، لابن الأثير (2/ 411).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
والاستنان: مأخوذ من السَّنن، يقال: سَنَنْتُ الحديد: حَكَكْتُهُ على السَّن، وقيل له: الاستنان؛ لأنه إنما يستاك على الأسنان. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (7/ 392).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «الغُسْلُ يومَ الجمعة»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «غسل يوم الجمعة» استُدِلَّ به لمن قال: الغسل لليوم؛ للإضافة إليه، وقد تقدَّم ما فيه، واستُنبِط منه أيضًا: أنَّ لِيَوْم الجمعة غُسْلًا مخصوصًا، حتى لو وُجِدت صورة الغسل فيه، لم يُجْزِ عن غسل الجمعة إلا بالنية، وقد أخذ بذلك أبو قتادة، فقال لابنِه وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: «إنْ كان غسلك عن جنابة فأَعِدْ غسلًا آخر للجمعة» أخرجه الطحاوي وابن المنذر وغيرهما، ووقع في رواية مسلم: «الغسل يوم الجمعة»...، وظاهره: أنَّ الغُسْل حيث وُجِدَ فيه كفى؛ لكون اليوم جُعِلَ ظرفًا للغسل، ويحتمل أنْ يكون اللام للعهد، فتتفق الروايتان. فتح الباري (2/ 361).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
غُسْل يوم الجمعة إنما هو لليوم، لا للصلاة، فإنْ صلى الجمعة والعصر ثم اغتسل أجزأه ذلك، وأول أوقات الغسل المذكور إثر طلوع الفجر من يوم الجمعة، إلى أن يبقى من قُرص الشمس مقدار ما يتم غسله قبل غروب آخره، وأفضله أن يكون متصلًا بالرواح إلى الجمعة، وهو لازم للحائض والنفساء كلزومه لغيرهما. المحلى بالآثار (1/ 266).
وقال ابن حزم -رحمه الله- أيضًا:
وغسل يوم الجمعة فرض لازم لكل بالغ من الرجال والنساء، وكذلك الطيب والسواك. المحلى بالآثار (1/ 255).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
ولقد أبعد الظاهري إبعادًا يكاد يكون مجزومًا ببطلانه، حيث لم يشترط تقدُّم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده؛ تعلقًا بإضافة الغسل إلى اليوم في بعض الروايات، وقد تبيَّن من بعض الأحاديث: أنَّ الغسل لإزالة الروائح الكريهة، ويُفهم منه: أنَّ المقصود: عدم تأذِّي الحاضرين؛ وذلك لا يتَأَتَّىْ بعد إقامة الجمعة، وكذلك أقول: لو قدَّمه بحيث لا يحصل هذا المقصود لم يُعتَدَّ به، والمعنى إذا كان معلومًا كالنص قطعًا، أو ظنًا مقاربًا للقطع؛ فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرَّدِ اللفظ. إحكام الأحكام (1/ 332).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وأظنُّ بعض الظاهرية يخالف فيه، ويزعم: أنَّ الغسل لليوم لا للصلاة، ولا يُعبأ بقوله في ذلك. فتح الباري (8/ 92).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد أجمع العلماء على أنَّ مَن اغتسل بعد صلاة الجمعة يوم الجمعة، فليس بِمُغْتَسِلٍ للسُّنة، ولا للجمعة، ولا فاعل لما أُمِرَ به، فدل ذلك على أنَّ الغُسْل للجمعة وشهودها لا لليوم. الاستذكار (2/ 13).
قوله: «واجِبٌ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «واجب» في الأخلاق الكريمة، وحسن المجالسة. فيض القدير(4/ 411).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «واجب» معناه: وجوب الاختيار والاستحباب، دون وجوب الفرض، كما يقول الرجل لصاحبه: حقُّك عليَّ واجب، وأنا أوجِبُ حقك، وليس ذلك بمعنى: اللزوم الذي لا يسع غيره...، وقد اختلف الناس في وجوب الغسل يوم الجمعة، فكان الحسن يراه واجبًا، وقد حُكِيَ ذلك عن مالك بن أنس، وقال ابن عباس: هو غير محتوم.
وذهب عامة الفقهاء إلى أنَّه سُنة، وليس بفرض، ولم تختلف الأمة في أنَّ صلاته مجزئة إذا لم يغتسل، فلما لم يكن الغسل من شرط صحتها، دلَّ أنَّه استحباب؛ كالاغتسال للعيد وللإحرام الذي يقع الاغتسال فيه مُتقدِّمًا لسببه، ولو كان واجبًا لكان متأخِّرًا عن سببه، كالاغتسال للجنابة والحيض والنفاس. معالم السنن (1/ 106-107).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
قوله: «واجب» هذا صريحٌ في وجوب غُسل الجمعة. (وأيضًا) قوله: «إذا راحَ أحدُكُم إلى الجُمعةِ، فلْيَغْتَسِلْ» ظاهرٌ فيه، فقال بعض الناس بالوجوب تمسكًا بذلك، وخالف الأكثرون، وهم محتاجون إلى الاعتذار.
وأقول: مما عارضوا به حديث: «مَنْ توضَّأَ يوم الجُمعةِ، فَبِهَا ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ، فالغُسْلُ أفضلُ».
قال ابن المنير: الوجوبُ لغةً: السقوطُ، فكأنَّ الخطابَ عبءٌ ثقيلٌ سقطَ على المخاطَب، فكل خطابٍ فيه تكليفٌ مؤكَّد ينبغي بالأصالة أنْ يُسمَّى واجبًا، فيدخل فيه الفرضُ والسننُ المؤكَّدة، وتخصيصُ الواجب بالفرض اصطلاحٌ حادثٌ، فلا دليل في الحديث على فرضية الغسل، انتهى، وفيه نظرٌ. مصابيح الجامع (2/ 429-430).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قالوا: فقد أوجبه بصريح البيان فيه كما ترى، وكان أبو هريرة يقول: هو واجب كغسل الجنابة، وكان الحسن يوجبه، ويذهب مالك بن أنس إلى الإيجاب له، وذهب أكثر الفقهاء إلى أنَّه غيرُ واجب، وتأَوَّلُوا الحديث على معنى الترغيب فيه، والتوكيد لأمره، حتى يكون كالواجب على معنى التمثيل والتشبيه، واستدلوا في ذلك: بأنه قد عطف عليه الاستنان والطيب، ولم يختلفوا في أنهما غير واجبين، قالوا: فكذلك المعطوف عليه، واحتجوا أيضًا فيه بعمر وعثمان -رضي الله عنهما- (يعني: بقصتهما). أعلام الحديث (1/ 568).
وقال الكوراني -رحمه الله- مُتعقِّبًا الخطابي:
قلتُ: القِرَان في الذكر لا يدُلُّ على اتحاد الحكم، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيْهِمْ خَيْرًا وَآتُوْهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ} النور: 33، فإنَّ إيتاء المال واجب؛ والكتابة ليست واجبة، والمسألة معروفة. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (3/ 9).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «الغُسْلُ يومَ الجمعة واجِبٌ..»
والواجب: اللازم، فيكون هذا منسوخًا، وقد ذكر العلماء: أنَّ ناسِخَهُ: حديث سَمُرَة بن جُنْدُب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «مَن توضأ فَبِهَا ونِعْمَتْ، ومن اغتسل فالغسل أفضل»... ، وقد بيَّنَّا في أول مسند عمر: أنَّ عثمان أخبره أنه لم يغتسل للجمعة فلم يُنْكِرْ عليه، وذلك بمحضر من الصحابة، فدلَّ على أنهم علموا بنسخه. كشف المشكل (3/ 129).
وقال المازري -رحمه الله-:
من الفقهاء مَن أخذ بظاهر هذا، ورأى أنَّ غسل الجمعة يجب، وأكثر الفقهاء على أنَّه لا يجب؛ تعلُّقًا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أتَى الجُمُعةَ وقد توضَّأ؛ فَبِهَا ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ فالغُسْلُ أفضل»؛ فقوله -عليه السلام-: «فَبِهَا ونِعْمَتْ»: يفيد جواز الاقتصار على الوضوء، ولو كان ممنوعًا من الاقتصار عليه لم يقل: «فَبِهَا ونِعْمَتْ»، وأيضًا فإنه قال: «ومَن اغتسل فالغسل أفضل»؛ فدلَّ على أنَّ في الوضوء فضلًا حتى تصح المبالغة، واعتمدوا أيضًا على قول عمر -رضي الله عنه- على المنبر للداخل عليه لما قال له: «ما زِدْتُ على أنْ تَوَضَّأتُ، فقال عمر: الوضوءَ أيضًا»، ولم يأمُرْهُ بالغسل. المعلم بفوائد مسلم (1/ 469).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في معنى الوجوب في هذا الحديث: هل هو على ظاهره أم المراد به: التأكيد؟ وفيه خلاف يأتي في موضع آخر -إن شاء الله سبحانه وتعالى-.
فإن قيل: إنه على ظاهره، وإنه يأثم بتركه، فإنَّ هذا الوجوب يختصُّ بالبالغ، ولا يدخل فيه الصبي، اللهم إلا على رأي من أوجب الصلاة على من بلغ عشرًا من الصبيان، كما هو قول طائفةٍ من أصحابنا (أي: الحنابلة)، فإنهم اختلفوا في وجوب الجمعة عليه، ولهم فيه وجهان: أصحهما: لا يجب، فإن قيل: بوجوبها عليه تَوَجَّهَ وجوبُ الغسل عليه أيضًا، وهو ضعيف؛ لأنه مبطلٌ فائدة تخصيص الوجوب في هذا الحديث بالمحتلم، وإنْ قيل: إنَّ الوجوب في الحديث إنما أُرِيْد به: تأكيد الاستحباب، فهل يدخل فيه الصبي؟ لا يخلو الصبي: إما أنْ لا يُرِيْد حضور الجمعة فلا يُؤمر بالغسل لها، وإما أنْ يُرِيْد حضورها مع الرجال، ففي استحباب الغسل له وجهان لأصحابنا.
وينبغي أنْ لا يتأكد الاستحباب في حقه كتأكيده على الرجال؛ لئلا تبطل فائدة تخصيص الوجوب بالمحتلم في الحديث. فتح الباري (8/ 27-28).

قوله: «على كُلِّ مُحْتَلِمٍ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«على كل محتلم» أي: بالغ. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 163).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«على كل محتلم» أي: بالغ، وخَصَّه بالذكر؛ لأنَّ الاحتلام أكثرُ ما يبلغ به الذَّكَر؛ كقوله: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ»؛ لأن الحيض أغلَبُ ما يبلغُ به الإناثُ. مصابيح الجامع (2/ 429).
وقال التقي السبكي -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أنَّ الاحتلام يحصل به البلوغ في الرجل، ومن الدليل على ذلك: قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} النور: 59، وقوله -صلى الله عليه وسلم-...: «حتى يحتلم» والآية أصرح؛ فإنها ناطقة بالأمر بعد الحلم. إبراز الحكم من حديث رفع القلم (ص: 67).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«على كل محتلم» أي: بالغ، وهو مجاز؛ لأن الاحتلام يستلزم البلوغ، والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة: أنَّ الاحتلام إذا كان معه الإنزال موجب للغسل، سواء كان يوم الجمعة أو لا. إرشاد الساري (2/ 158).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وظاهر الحديث: أنَّ الغسل مشروع للبالغ، وإن لم يُرِدْ حضور الجمعة، وظاهر خبر: «إذا جاء أحدكم»: أنَّه لِمُرِيدها ولو طفلًا، وبه أخذ الشافعية. فيض القدير (4/ 541).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل»، و«غسل الجمعة واجب على كل محتلم»؛ فالحديث الأول ظاهر في أنَّ الغسل مشروع لكل من أراد الجمعة من الرجال، سواء البالغ والصبي المميز، والثاني صريح في البالغ، وفي أحاديث أُخَر ألفاظ تقتضي دخول النساء، كحديث: «ومَن اغتسل فالغسل أفضل»؛ فيقال في الجمع بين الأحاديث: إنَّ الغسل يُستحب لكل مريد الجمعة، ومتأكِّد في حق الذُّكور أكثر من النساء؛ لأنه في حقِّهِنَّ قريب من الطيب، ومتأكِّد في حقِّ البالغين أكثر من الصبيان، ومذهبنا المشهور: أنَّه يُستحب لكل مُرِيْدٍ لها، وفي وجه لأصحابنا: يُستحب للذكور خاصة، وفي وجهٍ: يُستحب لمن يلزمه الجمعة دون النساء والصبيان والعبيد والمسافرين، ووجهٍ: يُستحب لكل أحد يوم الجمعة، سواء أراد حضور الجمعة أم لا، كغسل يوم العيد يُستحب لكل أحد، والصحيح الأول، -والله أعلم-. شرح صحح مسلم (6/ 134-135).

قوله: «وأنْ يَسْتَنَّ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «وأنْ يَسْتَنَّ» يدلك أسنانه بالسواك، والاستنان: الاستياك. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 452).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وأنْ يَسْتَنَّ» عطف على معنى الجملة السابقة، و«أن»: مصدرية، أي: والاستنان، والمراد بذلك: الاستنان بالسواك. إرشاد الساري (2/ 159).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
«وأنْ يَسْتَنَّ» أي: يستاك، وهذه قرينة على أنَّ الغسل غير واجب. الحلل الإبريزية (1/ 256).

قوله: «وأنْ يَمَسَّ طِيبًا إنْ وجَدَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وأنْ يمس» بفتح الميم على الأفصح، «طيبًا» أيْ: أيَّ طيب كان، «إن وَجَد» الطيب، أو السواك والطيب، لكن تأكُّدهما دون تأكُّد الغسل؛ إذ لم يقل أحد في أحدهما بالوجوب، كما قيل فيه؛ ولهذا أخذ الجمهور من عطفها عليه: عدم وجوبه؛ لأنهما حيث وقع الاتفاق على عدم وجوبهما فما عُطِفا عليه يكون غير واجب. فيض القدير (4/ 541).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأنْ يمس طيبًا إنْ وجد» ظاهره قيد للأخير فقط، وظاهره وجوب الثلاثة المذكورة، إلا أنه قيل: لم يقل أحد بوجوب الآخرَيْن، وجعل الجمهور عطفهما على الغسل من أدلة عدم وجوبه، إلا أنها من دلالة الاقتران، وهي ضعيفة. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 452).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
قوله: «إنْ وجد» عائدٌ لكلٍّ من الأمرين، أي: إن وُجِد السِّواك والطِّيب. اللامع الصبيح (4/ 255).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «ويمسّ من الطيب ما قدر عليه» يحتمل لتكثيره، ويحتمل لتأكيده مما وجده من طيب، وبدليل قوله: «ولو من طيب امرأته» يريد المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، فأباحه هنا له؛ لعدم غيره، وللضرورة إليه، وهذا يدل على تأكيده. إكمال المعلم (3/ 236).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويُؤخَذ من اقتصاره على الْمَسِّ: الأخذ بالتخفيف في ذلك، قال الزين ابن المنير: فيه تنبيهٌ على الرفق، وعلى تيسير الأمر في التطيُّب، بأنْ يكون بأقل ما يمكن، حتى إنه يجزئ مسُّه من غير تناول قدر ينقصه؛ تحريضًا على امتثال الأمر فيه. فتح الباري (2/ 364).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والظاهر من عطف الاستنان والطيب عليه (الغسل): الوجوب أيضًا، فيكون هذا منسوخًا، وقد يجوز أنْ يكونا على سبيل الاستحباب، وإن قُرِنا بواجب، كقوله: «حُتِّيه، ثم اقْرُصِيه، ثم اغسليه بالماء»، والغسل واجب، والحتُّ والقرص لا يجب، هذا إن لم يكن الراوي لذلك خلط كلام أبي سعيد بكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-...، في مسند عائشة أنها قالت: «كان الناس مهنة أنفسهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة»، وهذا يدل على أنهم لم يؤمروا أمر إيجاب، وعلى هذا تكون لفظة الوجوب مُغَيَّرة من بعض الرواة، ويحتمل أنْ تكون صحيحة، وقد نُسِخَتْ كما بَيَّنَّا، ولم يبلغ ذلك عائشة. كشف المشكل (3/129-130).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وظاهر هذا: وجوب السواك والطيب، وليس كذلك بالاتفاق، يدلُّ على أنَّ قوله: «واجب» ليس على ظاهره، بل المراد به: ندب المؤكَّد؛ إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ الواو -والله تعالى أعلم-. المفهم (2/ 479-480).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال ابن المنير في الحاشية: إنْ سُلِّمَ أنَّ المراد بالواجب: الفرض؛ لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه؛ لأن للقائل أنْ يقول: أُخرج بدليل، فبقي ما عداه على الأصل، وعلى أنَّ دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عيينة في جامعه عن أبي هريرة أنه كان يُوجِب الطيب يوم الجمعة، وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر. فتح الباري (2/ 362).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وشُرِع الطيب لأن الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الأول فالأول، فربما صافحوه أو لمسوه. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (7/ 393).

قوله: «ولو مِنْ طِيبِ المرأةِ»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ولو من طيب المرأة» وهو المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، وخفي ريحه، فأباحه للرجل هنا للضرورة؛ لعدم غيره، وهذا يدل على تأكيده -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (6/ 135).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولو من طيب المرأة» أي: ولو من طيبها حقيقة، أي: من مِلكها، فإنَّ حُسن المعاشرة بينهما يقتضي هذا الانبساط -والله أعلم-. مرقاة المفاتيح (3/ 1028).

قوله: «ويَمَسُّ مِن الطِّيبِ ما قَدَرَ عليه»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ويمس من الطيب ما قدر عليه» «يمس» بفتح الميم، وضمها، وقوله: «ما قدر عليه» يحتمل أنْ يُراد منه: التكثير، وأنْ يراد منه: التأكيد، أي: يفعله ما أمكنه ذلك، ولو من طيب امرأته، والفعل «يمس» يصح أن يكون مسبوكًا بمصدر من غير سابك، ويعطف على المبتدأ، أي: ومس طيب مشروع. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (4/ 56).

رواية: «ولو مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ»:
قال المغربي -رحمه الله-:
إذا لم يجد طيبًا تَطَيَّبَ من طيب أهله، وظاهره: الإذن، ولو ظهر أَثَرُهُ. البدر التمام شرح بلوغ المرام (7/ 295).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
ويمكن أنْ يكون قوله: «وليمس من طيب أهله» إشارة إلى أنه ليس عليه التكلف في تحصيل الطيب بمسألة من أحد، أو بشراء، ونحوه، وإنما ذلك لو كان له طيب في أهله، وإن كان له طيب، إلخ. الكوكب الدري على جامع الترمذي (1/ 428).

قوله: «قال عَمْرٌو: «أمَّا الغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أنَّه وَاجِبٌ»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
«قال عمرو» بن سليم الأنصاري، راوي الحديث عن أبي سعيد. نيل الأوطار (3/ 279).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«أشهد» عبَّر به لتأكيد القضيَّة وتحقيقها. اللامع الصبيح (4/ 255).
وقال البرماوي رحمه الله- أيضًا:
قوله: «أنه واجب» أي: مؤكَّدٌ كالواجب، كذا حملَه الأكثر على ذلك؛ بدليل عطف الاستنان والطِّيب عليه، وأخذَ مالك بظاهر ذلك، فأوجَب الغُسل. اللامع الصبيح (4/ 255).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «أما الغُسل فإنه واجب» يعني: وجوب سُنة على ما تقدَّم من الأدلة على ذلك، قال الطبري والطحاوي: لمّا قَرَن رسول الله الغسل بالطيب يوم الجمعة، وأجمع الجميع على أنَّ تارك الطيب يومئذٍ غير حرج إذا لم تكن له رائحة مكروهة يؤذي بها أهل المسجد، فكذلك حكم تارك الغسل؛ لأن مخرج الأمر من النبي -عليه السلام- بهما مخرج واحد، وكذلك أجمعوا أنَّ أمره بالاستنان غير فرض، فكذلك الغسل والطيب، وإن كان العلماء يستحِبُّون الطيب لمن قدر عليه، كما يستحبون اللباس الحسن، وكان ابن عمر يُجمِّر ثيابه كل يوم جمعة، وقال معاوية بن قُرَّة: أدركتُ ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذلك. شرح صحيح البخاري (2/ 478-479).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
أشار به (أي: عمرو راوي الحديث) إلى أنَّ العطف لا يقتضي التشريك من جميع الوجوه، فكان القدر المشترك تأكيدًا لطلب الثلاثة، وجزم بوجوب الغسل دون غيره؛ للتصريح به في الحديث، وتوقَّف فيما عداه؛ لوقوع الاحتمال فيه.
وقوله: «واجب» أي: مؤكَّد كالواجب، كما مَرَّ، كذا حَمَلَهُ الأكثرون على ذلك؛ بدليل عطف الاستنان والطيب عليه، المتفق على عدم وجوبهما، فالمعطوف عليه كذلك. إرشاد الساري (2/ 159).

قوله: «وأمَّا الاسْتِنَانُ والطِّيبُ فالله أعْلَمُ أواجِبٌ هو أم لا؟ ولكِنْ هكذا في الحديث»:
قال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
وإنَّما توقَّف في ذلك (أي: في الاستنان والطيب) لأنه تَرَدَّد في العطف، هل معناه: التشريك في كل شيء حتى الوجوب أم لا؟ منار القاري (2/ 232).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «وأما الاستنان والطيب فالله أعلم...» إلخ، هذا يُؤيّد ما تقدَّم من أنَّ العطف لا يقتضي التشريك من جميع الوجوه، وكأنَّ القدر المشترك تأكيد الطلب للثلاثة، وكأنه جزم بوجوب الغسل دون غيره؛ للتصريح به في الحديث، وتوقف فيما عداه؛ لوقوع الاحتمال فيه. البحر المحيط الثجاج (17/ 73).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده:
منها: بيان تأكد الغسل للجمعة، وقد صرَّح بلفظ الواجب في رواية البخاري هنا، ولفظه: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»، وقد تقدَّم أن الراجح: حمل الوجوب على تأكُّد الاستحباب؛ جمعًا بين الأدلة، فتَنَبَّه...
ومنها: الحث على استعمال السواك يوم الجمعة، وحَمَلَهُ العلماء على الاستحباب.
ومنها: الحث أيضًا على استعمال الطيب للجمعة؛ إزالة للرائحة الكريهة، وبعدًا عن إيذاء المسلمين الذين يحضرون الجمعة.
ومنها: بيان أن طيب الرجال مخالف لطيب النساء، وهو أنَّ طيبه ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيبها ما ظهر لونه، وخفي ريحه...
ومنها: اهتمام الشرع بالنظافة، فقد حث عليها في هذا الحديث، فينبغي للمسلم أن يكون نظيف الجسد واللباس والمكان، ولا سيما في الأوقات التي يجتمع الناس فيها، كالجمعة والعيدين ونحوها. البحر المحيط الثجاج (17/ 76-77).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) 


إبلاغ عن خطأ