السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«أسرفَ رجلٌ على نفسِهِ، فلمَّا حضرَهُ الموتُ أوصى بنيهِ فقال: إذا أنا مُتُّ فأحرِقُونِي، ثم اسْحَقُونِي، ثم اذْرُونِي في الرِّيحِ في البحرِ، فواللهِ لئن قَدَرَ عليَّ ربِّي لَيُعَذِّبُنِي عذابًا ما عذَّبَهُ به أحدًا، قال: فَفَعَلُوا ذلك به، فقال للأرضِ: أَدِّي ما أَخَذْتِ، فإذا هو قائمٌ، فقال له: ما حَمَلَكَ على ما صَنَعْتَ؟ فقال: خشيَتُكَ يا ربِّ -أو قال: مَخَافَتُكَ- فَغَفَرَ له بذلك».


رواه البخاري برقم: (3481)، ومسلم برقم: (2756) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَسَرَفَ»:
السَّرَفُ: تجاوُزُ مَا حُدَّ لك. والسَّرَفُ: الخطأُ. لسان العرب (9/ 149).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
السَّرف: مجاوزة القصد، والغلو في الشيء. فتح الباري (1/131).

«اسحقوني»:
‌سَحَقَ ‌الشَّيء ‌يَسْحَقُه سَحقًا: دَقّه أَشدَّ الدَّق، وقيل: السَّحق: الدَّقِ الرقيق، وقيل: هو الدَّق بعد الدِّق. لسان العرب(10/ 152)

«اذروني»:
يقال: ذرت الريح التراب وغيره تَذْرُوه وتَذْرِيه ذَرْوًا وذَرْيًا، وأَذْرَتْه وذَرَّتْه: أطارته وسَفَتْهُ وأذهبته. لسان العرب (14/282).


شرح الحديث


قوله: «أسرف رجل على نفسه»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «أسرف رجل على نفسه» أي: أخطأ وزاد على خطأ غيره، وغلا في المعاصي، وجاوز قصد الأمر، والسَّرف: الخطأ، وهو أيضًا: مجاوزة القصد في الأمور. إكمال المعلم (8/255).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
الإسراف: هو مجاوزة الحد، أي: بالغ في المعاصي. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (14/108).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قيل: إن هذا الرجل اسمه جُهينةَ؛ وذلك أن في صحيح أبي عوانة عن أبي بكر أن هذا الرجل هو آخر أهل النار خروجًا منها، وفي الرواية عن مالك للخطيب من رواية ابن عمر: «آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين». فتح الباري (1/336).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«على نفسه» مُضيِّعًا لحقوقها التي هي طاعة ربه وخالقه. الكوكب الوهاج (25/215).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الرواية التي في الرِّقاق: «أنه كان يسيء الظن بعمله»، وفيه: «أنه لم يَبْتَئِر (أي: يدَّخر) خيرًا». فتح الباري (6/522).
وقال البخاري -رحمه الله-:
قال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذاك: وكان نبَّاشًا. صحيح البخاري (4/ 169).
قال ابن حجر- رحمه الله-:
وصف هذا الرجل أنه كان نباشًا وذلك...في أخبار بني إسرائيل أن رجلًا كان يسيء الظَّن بعمله. فتح الباري (11/ 458).

قوله: «فلما حضره الموت أوصى بنيه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أوصى بنيه» أي: أولاده. الكوكب الوهاج (25/215).

قوله: «فقال: إذا أنا مُتُّ فأحرقوني»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إذا أنا مُتُّ» بضمتين أو بكسر فضمٌّ. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (26/127).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«إذا مُتُّ فأحرقوني» هو رباعي من أحرق، فهو مقطوع الألف. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (19/518).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إذا أنا مُتُّ فأحرقوني» بالنار. الكوكب الوهاج (25/215).

قوله: «ثم اسحقوني»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم اسحقوني» أي: دُقُّوا رمادي. الكوكب الوهاج (25/215).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فاسحقوني أو قال: فاسهكوني» هو شكٌّ من الراوي، ووقع في رواية أبي عوانة: «اسحقوني» بغير شك، والسَّهك بمعنى السَّحق، ويقال: هو دونه، ووقع في حديث حذيفة عند الإسماعيلي: «أحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني». فتح الباري (11/ 314-315).

قوله: «ثم اذروني في الريح في البحر»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ثم ذروني» بفتح الذَّال وتخفيف الراء، أي: اتركوني، وهو أمر من: يذر، والعرب أماتوا ماضيه، وفي رواية الكشميهني: «ثم أذروني» بفتح الهمزة في أوله من: أذرت الرِّيح الشيء: إذا فرَّقته بهبوبها. عمدة القاري (16/63).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ثم ذروني» مِنْ ذراه، أي: أطاره الريح في البحر (لتتفرق) الأجزاء بحيث لا يكون هناك سبيل إلى جمعها، فيحتمل: أنه رأى أن جمعه حينئذٍ يكون مستحيلًا، والقُدرة لا تتعلق بالمستحيل. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/564).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «في الريح في البحر»، وفي حديث أبي سعيد: «في يوم عاصف» أي: عاصف ريحه، وفي رواية: «في ريح عاصف». وإنما أمرهم بهذا لتتفرق أجزاؤه، بحيث لا يكون هناك سبيل إلى جمعها في ظنِّه البحر المحيط الثجاج (42/660).

قوله: «فو الله لئن قدَر عليَّ ربي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فو الله» أي: فأقسمتُ لكم بالله الذي لا إله غيره. الكوكب الوهاج (25/215).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
وهذه الرواية تدل على أنه لم يجهل إحياء الله الموتى، ولكنه ابتدع بدعة عظيمة، وهي إحراقه نفسه. تفسير الموطأ (1/306).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فلما حضره الموت خاف تفريطه، فأمر أهله أن يحرِّقوه ويذروا نصفه في البحر ونصفه في البَرِّ، وذلك على وجهين:
أحدهما: على وجه الفرار مع اعتقاده أنه غير فائت، كما يفِرُّ الرجل أمام الأسد مع اعتقاده أنه لا يفوقه سَبْقًا، ولكنه يفعل نهاية ما يمكنه فعله.
والوجه الثاني: أن يفعل هذا خوفًا من الباري تعالى وتذلُّلًا؛ ورجاء أن يكون هذا سببًا إلى رحمته، ولعله كان مشروعًا في مِلَّته. المنتقى شرح الموطأ (2/32).
وقال المازري -رحمه الله-:
لا يصح حمل هذا الحديث على أنه أراد بقوله: «قدَر عليَّ» من القدرة؛ لأنه من شكَّ في كون الباري سبحانه قادرًا عليه فهو كافر غير عارف به، وقد ذكر في آخر الحديث أن الله قال له: «ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتُك يا رب، أو مخافتُك» فغفر له بذلك، والكافر لا يخشى الله، ولا يغفر الله له، فإذا ثبت أنه لا يصح حمل الحديث على هذا المعنى، فيحمل على أحد وجهين:
إما أن يكون المراد به «لئن قدَر عليَّ» بمعنى: قدَّر عليَّ العذاب، يقال: قدَر وقدَّر بمعنى واحد.
أو يكون أراد «قدر عليَّ» بمعنى: ضيَّق عليَّ، قال الله تعالى: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} الفجر: 16، وهكذا القول في قوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} الأنبياء:. المعلم بفوائد مسلم (3/334).
وقال ابن العربي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
فمن الناس من قال: إن معنى: «لئن قدر الله عليَّ»، لئن ضيَّق الله عليَّ.، وهذا تأويل بعيد لوجهين:
أحدهما: أنه لو خاف التضييق ما ذرأ نصفه في البَرِّ ونصفه في البحر، ولَلَقَى الله كذلك.
الثاني: أن في بعض طرق الصحيح: «ذروا نصفي في البَرِّ، ونصفي في البحر لعلي أضل الله»، وهذا تصريح بنفي العلم الخفي عن البارئ، وتقصير القدرة عن جمع المفترق.
وقال آخرون: «لئن كان الله قدر عليَّ» والتخفيف والتشديد في هذا سواء في اللغة، وهو من باب القَدْر الذي هو الحكم، وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء، قالوا: وهو مثل قوله في قصة ذي النون: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} الأنبياء: 87، وقد تأول العلماء من أهل التفسير في هذا قولان:
أحدهما: أنه من التقدير والقضاء.
والآخر: أنه من التقتير والتضييق، كأنه قال: لئن كان قد سبق لي في قدرة الله تعالى وقضائه أن يعذبني على ذنوبي ليعذبني عذابًا لا يعذِّبه أحدًا من العالمين، وهذا منه خوف ويقين، وإيمان وتوبة، وخشية منه لربه، وتوبة على ما سلف من ذنوبه، وهكذا يكون المؤمن مصدقًا موقنًا بالبعث والجزاء. المسالِك في شرح موطأ مالك (3/604-605).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدره فليس ذلك بِمُخرِجِه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب وعمران بن حُصين وجماعة من الصحابة سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن القَدَر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مؤمنين. التمهيد (18/46).
وقال ابن العربي -رحمه الله- مُتعقِّبًا لابن عبد البر:
وهذا من أبي عمر غلطة لا مردَّ لها؛ لأن الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يجهلوا صفة، وإنما جهلوا العمل، وإلا فالجهل بالصفة قد يكون جهلًا بالموصوف، ألا ترى أنه إن جهل أنه حي وقادر وعالم وخالق ومتكلم فإنه كافر، وإنما جهلت الصحابة العمل، ولم تجهل القضاء والقَدَر والصفات. المسالِك في شرح موطأ مالك (3/607).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ويجوز أن يكون هذا الرجل لما رأى أنه تعمد في دهره حسنة واحدة، وذكر ذلك في تضعيف حالة الموت حين ضعفه، هو الانتقام من نفسه، أوصى بنيه أن يحرِّقوه ويطحنوه، ويذروه في الريح، فلما جمعه الله –سبحانه- قال له: «ما حملك على ذلك؟ قال: مخافتك وأنت تعلم» فاستشهد من علم الله الغاية في ثبوت صدقه على ما ادعاه، فغفر الله له سوء فعله في نفسه، هذه الوصية بالتَّحريق والطحن والتَّذرية مضافًا إلى ما سبق من ذنوبه؛ إذ ذلك بدعة وذنب عظيم، لا يَحِلُّ لأحد فعله في نفسه، ولا يوصي به غيره، فإن أوصى به والد ولدًا أو حميمًا لم يَحِلَّ للموصى أن ينفِّذَ هذه الوصية. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/224).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
يحتمل: أن يكون من قول رسول الله -صلوات الله عليه-، ويكون معناه: أنه تعالى لو وجده على ما كان عليه ولم يفعل به ما فعل، فترحَّم عليه بسببه، ورفع عنه أعباء ذنبه؛ لعذَّبه عذابًا لا يعذِّبه أحدًا من العالمين. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 81).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث:
فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله، فإن الشَّاكَّ في قدرة الله تعالى كافر، وقد قال في آخر الحديث: إنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى، ولا يغفر له، قال هؤلاء: فيكون له تأويلان:
أحدهما: أن معناه: «لئن قدر عليَّ العذاب» أي: قضاه، يقال منه: قدر بالتخفيف، وقدَّر بالتشديد بمعنى واحد.
والثاني: إن «قدر» هنا بمعنى ضيق عليَّ، قال الله تعالى: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} الفجر: 16 وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} الأنبياء:87.
وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه، ومعتقد لها، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع، بحيث ذهب تيقُّظُه وتدبُّرُ ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: «أنت عبدي وأنا ربك»، فلم يكفر بذلك الدَّهْش والغلبة والسَّهو، وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم: «فلعلي أضِلُّ الله» أي: أغيب عنه، وهذا يدلُّ على أن قوله: «لئن قدر الله عليَّ» ظاهره.
وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها، يسمَّونَه مزج الشَّكِّ باليقين، كقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى} سبأ: 24 فصورته صورة شكٍّ، والمراد به اليقين.
وقالت طائفة: هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، قال القاضي: وممن كفَّرَه بذلك ابن جرير الطبري، وقاله أبو الحسن الأشعري أَوَّلًا، وقال آخرون: لا يكفر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، وعليه استقرَّ قوله؛ لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا يقطع بصوابه، ويراه دِينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حقٌّ، قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلًا.
وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرَّدُ التوحيد، ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} الإسراء: 15.
وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا، وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} النساء: 48 وغير ذلك من الأدلة، والله أعلم.
وقيل: إنما وصَّى بذلك تحقيرًا لنفسه وعقوبة لها لعصيانها وإسرافها؛ رجاء أن يرحمه الله تعالى. شرح صحيح مسلم (17/71-72).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لِمَا يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذَّاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه.
وأبعد الأقوال قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر. فتح الباري (6/523).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: إن كان مؤمنًا فلم شكَّ في قدرة الله، وإن لم يكن فكيف غفر له؟
قلتُ: كان مؤمنًا بدليل الخشية. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (14/108).

قوله: «لَيُعذِّبني عذابًا ما عذَّبه به أحدًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لَيُعذِّبني عذابًا ما عُذِّب به» أي: بذلك العذاب. الكوكب الوهاج (25/215).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«عذابًا» أي: تعذيبًا. مرعاة المفاتيح (8/83).

قوله: «قال: ففعلوا ذلك به»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ففعلوا ذلك به» أي: جميع ما أوصاهم به. البحر المحيط الثجاج (42/661).

قوله: «فقال للأرض: أدِّي ما أخذت»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» الله -عز وجل-، «للأرض: أدِّي» وادفعي ورُدِّي «ما أخذتـ»ـه من رماده. الكوكب الوهاج (25/215).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما أخذت» وفي الرواية الآتية: «فقال الله -عز وجل- لكل شيء أخذ منه شيئًا: أدِّ ما أخذت منه» أي: من أجزاء هذا الميت، وفي رواية البخاري: «فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيكِ منه، ففعلت». البحر المحيط الثجاج (42/661).

قوله: «فإذا هو قائم»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإذا هو قائم» «إذا» هنا هي الفجائية؛ أي: ففاجأ قيامه، وفيه سرعة اجتماع أجزائه، وفي حديث سلمان -رضي الله عنه- عند أبي عوانة في صحيحه: «فقال الله له: كُنْ فكان، كأسرع من طرفة العين». البحر المحيط الثجاج (42/661).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإذا هو» أي: ذلك الرجل حيٌّ «قائم». الكوكب الوهاج (25/215).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهذا جميعه كما قال ابن عقيل: إخبار عمَّا سيقع له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله: «فجمعه الله»؛ لأن التَّحريق والتَّفريق إنما وقع على الجسد، وهو الذي يجمع ويُعاد عند البعث. فتح الباري (6/523).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
لا داعي إلى صرف ظاهر الحديث بهذا التأويل، فإن الحديث ظاهر في كون هذا الأمر بعد أن فعل الرجل ما أمر به مباشرة، فتأمَّلْهُ بالإمعان، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (42/649).

قوله: «فقال له: ما حملك على ما صنعت؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما حملك على ما صنعت؟» «ما» الأولى استفهامية، والثانية موصولة، أي: أيُّ شيء حملك على هذا الذي صنعته من هذه الوصية الجائرة؟ البحر المحيط الثجاج (42/662).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ما حملك» وبعثك «على ما صنعت» من إيصاء الحرق والإذراء في البحر إلى أولادك؟ الكوكب الوهاج (25/215).

قوله: «فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك، يا رب، -أو قال: مخافتك-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» الرجل في جواب سؤال الرَّبِّ -جل جلاله-: حملني على ذلك «خشيتك يا رب» أي: خشية عذابك. الكوكب الوهاج (25/215).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك» برفع «خشيتك»، أو «مخافتك» على الفاعلية لفعل مُقدَّرٍ، يدلُّ عليه السؤال. البحر المحيط الثجاج (42/662).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «مخافتك» أي: حملتني مخافتك، أي: لأجل الخوف منك، فيكون ارتفاع مخافتك بالفعل المحذوف، وقال الكرماني: ارتفاعه بأنه مبتدأ محذوف الخبر، أو بالعكس، ويروى بالنصب على نزع الخافض أي: لأجل مخافتك.
قلتُ: الذي ذكرناه أوجه وأنسب على ما لا يخفى على الْمُعْرِب. عمدة القاري (16/61).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«خشيتك يا رب» والخشية لا تكون إلا لمؤمن مُصدِّقٍ، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم، كما قال الله -عز وجل-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر: 28.
قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به، وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده. التمهيد (18/40-41).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
الخشية من لوازم الإيمان؛ ولَمَّا كان فعله هذا من أجل خشية الله تعالى وخوفه فلا بُدَّ من القول بإيمانه، وعلى هذا فالحديث ظاهر بل هو كالصريح في استثناء التوحيد كما تقدَّم، فلا إشكال فيه. مرعاة المفاتيح (8/85).

قوله: «فغفر له بذلك»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فغفر» الله سبحانه «له» أي: لذلك الرَّجُل «بذلك» أي: بسبب خشيته من عذابه. الكوكب الوهاج (25/215).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فغفر له» وفي حديث أبي سعيد عند البخاري في الرِّقاق: «فما تلافاه أن رحمه» أي: تداركه. مرعاة المفاتيح (8/85).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد يُسأل عن هذا فيقال: كيف يُغفر له وهو مُنكر للبعث والقدرة على إحيائه وإنشاره؟
فيُقال: إنه ليس بمنكرٍ للبعث، إنما هو رجل جاهل ظنَّ أنه إذا فعل به هذا الصنيع تُرِكَ فلم يُنشر ولم يُعذَّب، ألا تراه يقول: «فجمعه، فقال: لِمَ فعلت ذلك؟ فقال: من خشيتك»، فقد تبيَّن أنه رجل مؤمنٌ بالله، فعل ما فعل من خشية الله إذا بعثه إلا أنه جهل، فحسب أن هذه الحيلة تنجيه مما يخافه. أعلام الحديث (3/1565).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: قيل: قد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فقال بعضهم: أمَّا ما كان من عفو الله عمَّا كان منه في أيام صحته من المعاصي، فلندمه عليها وتوبته منها عند موته؛ ولذلك أمر ولده بإحراقه وذروه في البر والبحر خشيةً من عقاب ربه، والنَّدم توبة. شرح صحيح البخاري (10/ 191).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قالت المعتزلة: غفر له؛ لأنه تاب عند موته، وندم على فعله.
وقالت المرجئة: غفر له بأصل توحيده الذي لا تَضرُّ معه معصية.
وتُعقِّبَ الأوَّل بأنه لم يُرِدْ أنه ردَّ المظلمة، فالمغفرة حينئذٍ بفضل الله لا بالتوبة؛ لأنها لا تتمُّ إلا بأخذ المظلوم حقَّه من الظالم، وقد ثبت أنه كان نبَّاشًا.
وتُعقِّبَ الثاني: بأنه وقع في حديث أبي بكر الصديق المشار إليه أولًا أنه عُذِّب، فعلى هذا فتحمل الرحمة والمغفرة على إرادة ترك الخلود في النار، وبهذا يُردُّ على الطائفتين معًا على المرجئة في أصل دخول النار، وعلى المعتزلة في دعوى الخلود فيها.
وفيه أيضًا: ردٌّ على من زعم من المعتزلة أنه بذلك الكلام تاب، فوجب على الله قبول توبته.
قال ابن أبي جمرة: كان الرجل مؤمنًا؛ لأنه قد أيقن بالحساب، وأن السيئات يعاقب عليها، وأما ما أوصى به فلعله كان جائزًا في شرعهم ذلك لتصحيح التوبة، فقد ثبت في شرع بني إسرائيل قتلهم أنفسهم لصحة التوبة. فتح الباري (11/314).
وقال العراقي -رحمه الله-:
إن قلتَ: ظاهر حال هذا الرجل أنه وقع في كبيرة؛ وهو اليأس من رحمة الله، وكان هذا خاتمة أمره، فكيف كانت هذه الكبيرة سبب المغفرة له؟
قلتُ: إن صرفنا اللفظ عن ظاهره يحمل «قدر» على قضى أو ضيَّق، فليس فيه اليأس من رحمة الله، فإنه يرجو الرحمة بتقدير: أن لا يقضي عليه بالعذاب، أو لا يضيق عليه على اختلاف القولين، وإن أخذناه على ظاهره فالجواب عن هذا أن شدة الخوف اصطلمَتْهُ (أي: استوعبه واستأصله) وأذهلته حتى خرج عن حدِّ التَّكليف، فنفعه خوفه، ونجَّاه مع التوحيد، ولم يضرُّه يأسه؛ لأنه حصل له حالة انقطع عنه فيها التَّكليف، وبتقدير أنه لم يصل إلى حالة أخرجته عن حيّز المكلفين فالخوف الحاصل له كفَّر عن سيئاته من رحمة الله، بل كفَّر عنه سيئاته التي كان يرتكبها طول عمره، وقد يشتمل الفعل الواحد على طاعة من وجه، ومعصية من وجه، فرُبَّما غلبت الطاعة فكفَّرت المعصية، وربما غلبت المعصية فأحبطت ثواب الطاعة، وفي هذا المحل غلبت الطاعة فكفَّرت المعصية. طرح التثريب (3/268-269).
وقال العراقي -رحمه الله-:
إن قلتَ: في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي»، وهذا قد ظن بربه تعذيبه، وعدم المغفرة له، فكيف غفر له؟
قلتُ: قد اختلفوا في معنى هذا الحديث، فقيل: المراد به الرجاء وتأميل العفو، وقيل: معناه: بالغفران له إذا استغفر، والقبول له إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفارة إذا طلب الكفارة. فإن قلنا بالثاني فالجمع بينهما واضح؛ لأن هذا قد ندم على ما فرَّط منه، ولولا ندمه لَمَا أمر أن يفعل به ذلك، فكان تائبًا فقبلت توبته، وغفر له، وإن قلنا بالأول فقد حكى القاضي عياض والنووي في شرح مسلم أنه قيل: إنما وصَّى بذلك تحقيرًا لنفسه، وعقوبة لها لعصيانها وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى، فهو حينئذٍ قد رجا العفو وأمَّله، فكان الله عند ظنِّه به، فعفا عنه، وهذا بعيد من قوله: «إن قدر الله عليَّ» إن لم يؤوِّلْهُ بما تقدَّم، والله أعلم. طرح التثريب (3/269).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومن اللطائف: أن من جملة الأجوبة عن ذلك ما ذكره شيخنا ابن الملقن في شرحه أن الرجل قال ذلك لِمَا غلبه من الخوف، وغطى على فهمه من الجزع، فيعذر في ذلك، وهو نظير الخبر المروي في قصة الذي يدخل الجنة آخر من يدخلها، فيقال: «إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فيقول للفرح الذي دخله: أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح».
قلتُ: وتمام هذا أن أبا عوانةَ أخرج في حديث حذيفةَ عن أبي بكر الصديق أن الرجل المذكور في حديث الباب هو آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، فعلى هذا يكون وقع له من الخطأ بعد دخول الجنة نظير ما وقع له من الخطأ عند حضور الموت، لكن أحدهما مِنْ غلبة الخوف، والآخر مِنْ غلبة الفرح.
قلتُ: والمحفوظ أن الذي قال: «أنت عبدي» هو الذي وجد راحلته بعد أن ضلَّتْ، وقد نبَّهت عليه فيما مضى. فتح الباري (11/ 314).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في رواية أبي رافع عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال: «قال رجل لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد»، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرَّجل، والأصول كلها تعضِّدُها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال أن يغفر الله للذين يموتون وهم كُفار؛ لأن الله -عز وجل- قد أخبر أنه لا يغفر أن يُشركَ به. الاستذكار(3/ 94).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه: فضيلة الخوف والخشية، وأنها من مقامات الإيمان وأركان الإسلام، وهي التي نفعت آخرًا هذا المسرف، وغفر له بسببها. إكمال المعلم (8/257).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ومعظم فوائد هذا الحديث أن المسرف على نفسه لا ييأس من رحمة الله تعالى ومغفرته.
وفيه: ما يدلُّ على أنه كان من شرائع من قبلنا أن للرجل أن يورِّثَ ماله من يشاء من الناس، (لقوله لولده كما في رواية مسلم: «لتفعلن ما آمركم به أو لأولين ميراثي غيركم») فنسخ ذلك شرعنا. المفهم (7/79).
وقال العراقي -رحمه الله-:
استدلَّ به المصنِّف -رحمه الله- على أن خوف العبد من ذنبه ليس كراهية للقاء الله تعالى، وهو استدلال واضح؛ لأن الخائف من ذنبه يطلب أن يكون مصيره إلى الدار الآخرة على وجه مرضي يقرِّبُه إلى الله تعالى، فكره حالة نفسه التي هو عليها، ولم يكره لقاء الله مطلقًا، بل أحبَّ لقاءه على غير تلك الحالة.
في هذا الحديث فضيلة خوف الله تعالى، وغلبتها على العبد، وأنها من مقامات الإيمان وأركان الإسلام، وبها انتفع هذا المسرف، وحصلت له المغفرة.
وفيه: دليل على أنه لا ضرر في غلبة الخوف، وإن كانت بقرب الوفاة، وإن كان العلماء رجَّحوا في تلك الحالة تغليب جانب الرجاء على جانب الخوف.
(و) فيه: أن الأعمال بالنيات والمقاصد، فإن الله تعالى لم ينظر إلى هذا العمل بل إلى القصد، فقال له: لِمَ فعلت هذا؟ ولَمَّا كان الحامل عليه الخشية كان سبب المغفرة، ولو حَمَلَ عليه سبب آخر فاسد لكان الأمر بخلاف ذلك فيما يظهر، والله تعالى أعلم.
وفيه: بيان سَعَة رحمة الله تعالى ومغفرته، وأن المسرف على نفسه لا ييأس من ذلك، وقد قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر: 53، وقيل: إن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله تعالى. طرح التثريب (3/269-270).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث جواز تسمية الشيء بما قَرُبَ منه؛ لأنه قال: «حضره الموت» وإنما الذي حضره في تلك الحالة علاماته.
وفيه: فضل الأُمَّةِ المحمدية لِمَا خُفِّفَ عنهم من وضع مثل هذه الآصار، ومنَّ عليهم بالحنيفيَّة السَّمحة.
وفيه: عظم قدرة الله تعالى أن جمع جسد المذكور بعد أن تفرَّقَ ذلك التَّفريق الشَّديد. فتح الباري (11/314).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وفي الحديث: دلالة على أن الله إذا أراد المغفرة لا يمنعه مظالم العباد، فإنه قد ثبت أن هذا الرجل كان نبَّاشًا. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (10/161).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
دلَّ الحديث على أن شدة خشيته من الله تعالى هي التي تسبَّبت له المغفرة في المآل. الكوكب الوهاج (25/215).


إبلاغ عن خطأ