كانَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- إذا كَرَبَهُ أَمْرٌ قال: «يا حَيُّ يا قَيُّومُ برحمتِكَ أَسْتَغِيثُ».
رواه الترمذي برقم: (3524)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4777)، تخريج الكلم الطيب برقم: (119).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«كَرَبَهُ»:
شقَّ عليه، وأَهَمَّهُ شَأْنُه. التنوير، للصنعاني (8/ 443).
وقال الخليل بن أحمد -رحمه الله-:
والكَرْب مجزوم، هو الغم الذي يأخذ بالنفس، يقال: كَرَبَهُ أمر، وإنه لمكروب النَّفْس. العين (5/ 360).
وقال الحميري -رحمه الله-:
كَرَبَهُ الغم: أي: اشتد عليه. شمس العلوم (9/ 5812).
«الحي»:
نقيض الميت، والحي الذي لا يموت هو الله -عز وجل-، وهو من صفات الأزل، تقول: لم يزل الله حيًّا، ولا يزال سبحانه. شمس العلوم، للحميري (3/ 1248).
«قَيُّوم»:
هو القائم بذاته، المقيم لغيره، وليس ذلك إلَّا الله -سبحانه وتعالى-. المقصد الأسنى، للغزالي، بتصرف يسير (ص: 132).
وقال أبو عبيد الهروي -رحمه الله-:
والقيُّوم والقوَّام: القائم بالأمر، يقال: هو قَيِّمُ قومِه إذا كان قائمًا بأمورهم، وهم قوَام قومهم. الغريبين في القرآن والحديث (5/ 1595).
«أستغيثُ»:
أي: أستعينُ وأستنصرُ. التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوي (2/ 258).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
والاستغاثة: طلب الغوث، وهو التخليص من الشدة والنقمة، والعون على الفكاك من الشدائد. تاج العروس (5/ 314).
شرح الحديث
قوله: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كَرَبَهُ أمر»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان إذا كَرَبَهُ أمر» أي: أصابه كرب وشدة. مرقاة المفاتيح (4/ 1702).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كان إذا كَرَبَهُ أمر» أي: شقَّ عليه وأَهَمَّهُ شأنه. فيض القدير (5/ 159).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «كان إذا كَرَبَهُ أمر» أي: أصابه كرب وشدة، وقيل: أي: أَشَقَّ عليه أمر وأهمه شأنه. مرعاة المفاتيح (8/ 209).
قوله: قال: «يا حي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يقول: يا حي» أي: أزلًا وأبدًا وحياة كل شيء به مؤبدًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1702).
وقال محمد بن عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«يا حي» أي: الدائم البقاء. تحفة الأحوذي (9/ 358).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«يا حي» أي: ذو الحياة الكاملة المتضمنة لجميع صفات الكمال لم تُسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص بوجه من الوجوه.
والْحَيُّ من أسماء الله، وقد تُطلق على غير الله، قال تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} الأنعام: 95، ولكن ليس الحي كالحي، ولا يلزم من الاشتراك في الاسم التماثل في المسمى. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (8/ 134).
قوله: «يا قيوم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يا قيوم» أي: قائم بذاته ويقوم غيره بقدرته. مرقاة المفاتيح (4/ 1702).
وقال محمد بن عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«يا قيوم» أي: المبالِغ في القيام بتدبير خلقه. تحفة الأحوذي (9/ 358).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
قوله: «يا حي يا قيوم» أي: يا دائم البقاء، يا من هو قائم بتدبير خلقه على أبلغ وجه، فلا يشغله شأن، ولا تخفى عليه خافية أبدًا. المنهل العذب المورود (8/ 159).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «يا حي يا قيوم» والقيوم أصله قَيْوُوم على وزن فيعول من أبنية المبالغة، وقيّام أيضًا وأصله قَيْوَام على فيعال كذلك. فتح القريب المجيب (7/ 626).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«يا قيوم» هو من أبْنِيَةِ المبالغة، والقَيِّم معناه: القائم بأمور الخلق ومُدَبِّرهم ومُدَبِّر العالم في جميع أحوالهم، ومنه قَيِّمُ الطفل، والقيوم هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به. فيض القدير (5/ 111).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومعنى «الْقَيُّومُ» أي: أنه القائم بنفسه، فقيامه بنفسه يستلزم استغناءه عن كل شيء، لا يحتاج إلى أكل ولا شرب ولا غيرها، وغيره لا يقوم بنفسه، بل هو محتاج إلى الله -عز وجل- في إيجاده وإعداده وإمداده.
ومن معنى «الْقَيُّومُ» كذلك أنه قائم على غيره؛ لقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} الرعد: 33، والمقابل محذوف تقديره: كمن ليس كذلك، والقائم على كل نفس بما كسبت هو الله -عز وجل-؛ ولهذا يقول العلماء: «القيوم» هو القائم على نفسه القائم على غيره، وإذا كان قائمًا على غيره، لزم أن يكون غيره قائمًا به، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} الروم: 25، فهو إذًا كامل الصفات وكامل الْمُلْك والأفعال. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (8/ 134).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وفي تأثير قوله: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» في دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها؛ وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال؛ ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى هو اسم «الحي القيوم»، والحياة التامة تضاد جميع الآلام والأسقام؛ ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم همٌّ ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات، ونقصان الحياة يضر بالأفعال، وينافي القيومية، فكمال القيومية بكمال الحياة، فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة كمال ألبتة، والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن ألبتة، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال...
والمقصود أنَّ لاسم «الحي القيوم» تأثيرًا خاصًّا في إجابة الدعوات وكشف الكربات. زاد المعاد (4/ 292- 294).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«قال: يا حي يا قيوم» هما على أكثر الأقوال الاسم الأعظم. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 443).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال بعض الأئمة المتقدمين: هو (اسم الله الأعظم) الحي القيوم؛ لأنه في البقرة في آية الكرسي، وفي أول آل عمران، وفي طه في قوله تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} طه: 111، وهذا الاستنباط حسن، والله أعلم. فتاوى النووي (ص: 277).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يا حي يا قيوم» قيل: هما اسم الله الأعظم، واختاره النووي وقال: لعزتهما في القرآن، لم يذكرا فيه إلا في ثلاثة مواضع، وتُعقِّب تعليله بأنَّ بعض الأسماء لم يذكر فيه إلا مرة، ولم يقل في حقه ذلك. مرقاة المفاتيح (4/ 1702).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وهذان الاسمان هما الاسم الأعظم الذي إذا دُعي اللهُ به أجاب؛ ولهذا ينبغي للإنسان في دعائه أن يتوسل بهما، فيقول: «يا حي يا قيوم»...
هذان الاسمان فيهما الكمال الذاتي والكمال السلطاني، فالذاتي في قوله: «الْحَيّ» والسلطاني في قوله: «الْقَيُّومُ»؛ لأنه يقوم على كل شيء، ويقوم به كل شيء. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (8/ 135).
قوله: «برحمتك أستغيث»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«برحمتك» أي: التي وسعت كل شيء «أستغيث» أي: أطلب الإغاثة، وأسأل الإعانة. مرقاة المفاتيح (4/ 1702).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة. مجموع الفتاوى (1/ 111).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قول الداعي: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث؛ فإن الرحمة هنا صفته تبارك وتعالى، وهي متعلق الاستغاثة، فإنه لا يستغاث بمخلوق؛ ولهذا كان هذا الدعاء من أدعية الكرب لما تضمنه من التوحيد، والاستغاثة برحمة أرحم الراحمين؛ متوسلًا إليه باسمين عليهما مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما مرجع معانيها جميعها، وهو اسم الحي القيوم، فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة؛ فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفي كمال الحياة، وبهذا الطريق العقلي أثبت متكلمو أهل الإثبات له تعالى صفة السمع والبصر والعلم والإرادة والقدرة والكلام وسائر صفات الكمال.
وأما القيوم فهو متضمن كمال غِناه وكمال قُدرته، فإنه القائم بنفسه لا يحتاج إلى من يقيمه بوجه من الوجوه، وهذا من كمال غِناه بنفسه عما سواه، وهو المقيم لغيره فلا قيام لغيره إلا بإقامته، وهذا من كمال قدرته وعزته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال والغنى التام والقدرة التامة، فكأن المستغيث بهما مستغيث بكل اسم من أسماء الرب تعالى، وبكل صفة من صفاته، فما أولى الاستغاثة بهذين الاسمين أن يكونا في مظنة تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإنالة الطلبات!
والمقصود أن الرحمة المستغاث بها هي صفة الرب تعالى لا شيء من مخلوقاته؛ كما أن المستعيذ بعزته في قوله: أعوذ بعزتك مستعيذ بعزته التي هي صفته، لا بعزته التي خلقها يعز بها عباده المؤمنين، وهذا كله يقرر قول أهل السنة: إن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أعوذ بكلمات الله التامات» يدل على أن كلماته -تبارك وتعالى- غير مخلوقة؛ فإنه لا يستعاذ بمخلوق، وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً} غافر: 7، فهذه رحمة الصفة التي وسعت كل شيء كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} الأعراف: 156 وسعتها عموم تعلقها بكل شيء كما أن سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم. بدائع الفوائد (2/ 184- 185).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «برحمتك أستغيث» بصفة الرحمة أطلب الاستغاثة؛ ولما كانت حياة القلب في خلوصه عما سوى الله تعالى، وكان الكرب ينافي ذلك توسَّل باسمه الحي إلى إزالة ما يضاد حياة قلبه، وبالقيوم إلى إقامته على نهج الفلاح. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 443).
وقال عبيد الله الرحماني المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «برحمتك أستغيث» أي: أطلب الإغاثة وأسأل الاستعانة( )؛ يقال: أغاثه الله أعانه ونصره، وأغاثه الله برحمته كشف شدته. مرعاة المفاتيح (8/ 209).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وكذلك قوله: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» ليس المعنى أن الإنسان يستغيث بالرحمة منفصلة عن الله، لكن هذا من باب التوسل بصفات الله -عز وجل- المناسبة للمستعاذ منه أو للمدعو، وليس دعاء صفة، دعاء الصفة أن تقول: يا رحمة الله ارحميني، يا قدرة الله أعطيني، وما أشبه ذلك. لقاء الباب المفتوح (72/ 18).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)