السبت 25 رمضان 1447 | 2026-03-14

A a

أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «ويلك، ‌قطعتَ ‌عُنُقَ ‌صاحبك، ‌قطعتَ ‌عُنُقَ ‌صاحبك» مرارًا، ثم قال: «من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أَحْسِب فلانًا والله حسيبه، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا، أَحْسِبُه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه».


رواه البخاري برقم (2662) واللفظ له، ومسلم برقم (3000)، من حديث أَبي بكرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«ويلك»:
كلمة ‌للدُّعاء ‌بالهلاك ‌والعذاب على مَن وقع في هَلكة يستحقُّها بقصد التهديد والتحذير. معجم اللغة العربية المعاصرة(3/٢٥٠٤)
قال ابن بطال -رحمه الله-:
قال بعض أهل اللغة: ولا يُرَادُ بها الدعاء بإيقاع الهلكة لمن خوطب بها، وإنما يُرَادُ به المدح والتعجب، كما تقول العرب: ويلُ أمه مِسْعَر حرب، على عادتها في نقلها الألفاظ الموضوعة في بابها إلى غيره، كما يقال: انْجُ، ثَكِلَتْك أمك. شرح صحيح البخاري، ابن بطال (9/ 332).

«لا محالة»:
أي: لا حيلة له في ترك ذلك، وهو بمعنى: لا بد، والميم زائدة. التوشيح شرح الجامع الصحيح (8/ 3665).
وقال العيني -رحمه الله-:
«لا محالة»، بفتح الميم، أي: ألبتة لا بد منه. عمدة القاري (13/ 238).

«أَحْسِب فلانًا»:
أي: أظنه...عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 238)
وقال البرماوي -رحمه الله-:
بفتح السين، وحُكي الكسر. قال الجوهري: وهو شَاذٌّ، أي: أظنه، أي: لا تقطع بتزكية من لا تَطَّلِع على باطنه، فيُحكم بالظاهر، والله متولي السرائر. اللامع الصبيح (8/ 209).

«حَسِيْبه»:
أي: كافِيْه، فعيل بمعنى مفعول، من أحسبني الشيء إذا كفاني. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 238)
وقال الطيبي -رحمه الله-:
يعني: مُحَاسِبُه على عمله الذي يحيط بحقيقة حاله، ويعلم سِره. شرح المشكاة (10/ 3117).

«أُزكِّي»:
أي: لا أقطع له على عاقبة أحد بخير ولا غيره؛ لأن ذلك مُغَيَّب عنّا، ولكن نقول: نحسب ونظن؛ لوجود الظاهر المقتضي لذلك. عمدة القاري، شرح صحيح البخاري (13/ 238).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
جاء بإثبات الياء، إخبار في معنى النهي، أي: لا تُكن منكم التزكية على الله. شرح المشكاة (10/ 3117).


شرح الحديث


قوله: «أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي -صلى الله عليه وسلم-»، أي: بالَغَ في مَدحه. مرقاة المفاتيح (7/ 3031).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يحتمل: أن يُفسَّر (المُثْني) بمحجن بن الأدرع الأسلمي، وحديثه بذلك عند الطبراني، وأحمد وإسحاق، وعند إسحاق فيه زيادة من وجه آخر، قد يُفَسّر منها (الْمُثْنى عليه) بأنه عبد الله ذو البجادين. فتح الباري (5/ 276).

قوله: «ويلَكَ، ‌قطعت ‌عُنُقَ ‌صاحبك، ‌قطعت ‌عُنُقَ ‌صاحبك»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الويل بمعنى: الهلاك، أي: هَلَكْتُ هلاكًا، وأَهْلَكْتُ إهلاكًا، وفي نسخة: «ويحك»، وهو للشفقة والمرحمة بخلاف الأول، فإنه للزجر في الموعظة. مرقاة المفاتيح (7/3031).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويل: كلمة عذاب. فتح الباري(10/477).

قوله: «قطعت ‌عُنُقَ ‌صاحبك»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
إنما كَرِهَ ذلك شَفَقًا من إعجاب المقول له بذلك، والاعتزاز بقوله، فيجد في نفسه الاستطالة والكبر؛ وذلك جناية عليه، وتعزيز بذَنْبِهِ، فيصير كأنه قطع عنقه فأهلكه. أعلام الحديث (3/ 1656).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «قطعت عُنُقَ صاحبك»، وفي رواية: «قطعتم ظهر الرّجل»، معناه: أهْلَكْتُمُوْهُ، وهذه استعارة من قَطْعِ العُنُق الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك، لكنَّ هلاك هذا الممدوح في دِينه، وقد يكون من جهة الدنيا؛ لما يَشْتَبِه عليه من حاله بالإعجاب. شرح صحيح مسلم(18/ 127).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أي: فعلت به فعلًا يُخَافُ عليه هلاكه منه، كمن قَطَعَ عُنُقَه. إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 424).
وقال أيضًا:
ومعنى قَطْعِ العنق هنا وقَطْعِ الظهر: الهلاك، وأصله: القتل، وهذا استعارة له من ذلك بهلاكه من جهة الدين، وربما كان من جهة الدنيا أيضًا، وما يسببه عليه عُجْبُهُ. إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 550).
وقال أبو إسحاق ابن قرقول -رحمه الله-:
«قطعت ‌عُنُقَ ‌صاحبك» أي: قَتَلْتَهُ وأهلَكْتَهُ في دينه وآخرته، كمن قُطِعَ عُنُقُه في الدنيا؛ بما أدخلْتَ عليه من العُجْبِ بنفسه. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (5/ 8).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: وإنما أنكر -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي بكرة قَطْعَه بالصلاح والخير له، ولم يُرِدِ العلمَ إلى الله في ذلك، ألا ترى أنه أمره إذا أثنى أحد على أحد أن يقول: أَحْسِبُ، ولا يَقْطَع؛ لأنه لا يعلم السرائر إلا الله، وهو في معنى الخبر، لا في معنى الشهادة. شرح صحيح البخاري (8/ 47).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
معنى الحديث: أنك عَرَّضْتَ صاحبك للهلاك بمدحك إيَّاه؛ لأن المدح يُحَرِّك إلى الإعجاب بالنفس والكبر. كشف المشكل(2/ 14).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
معنى هذا الحديث -والله أعلم-: النهي عن أن يُفرِط في مدح الرجل بما ليس فيه؛ فَيَدْخُلَهُ من ذلك الإعجاب، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة؛ ولذلك قال: «قطعتم ظهر الرجل» حين وصفتموه بما ليس فيه، فربما حمله ذلك على العجب والكبر، وعلى تضييع العمل، وترك الازدياد من الفضل، واقتصر على حاله من حصل موصوفًا بما وَصِفَ به، وكذلك تأوَّلَ العلماء في قوله -عليه السلام-: «حُثُّوْا التراب في وجه ‌المدَّاحِيْنَ»، المراد به: المدَّاحون الناس في وجوههم بالباطل، وبما ليس فيهم.
ولذلك قال عمر بن الخطاب: «المدح هو الذبح»، ولم يُرِدْ به مَنْ مدح رجلًا بما فيه، فقد مُدِحَ رسول الله -عليه السلام- في الشعر والخطب والمخاطبة، ولم يَحْثُ في وجه ‌المدَّاحِيْن، ولا أمر بذلك، كقول أبي طالب:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه *** ثِمَالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأراملِ.
وكَمَدْحِ العباس وحسان له في كثير من شعره، وكعب بن زهير، وقد مَدَحَ رسول الله -عليه السلام- الأنصار فقال: «إنكم لتَقِلُّون عند الطمع، وتكثرون عند الفَزَع»، ومثل هذا قوله -عليه السلام-: «لا تطروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم، قولوا: عبد الله؛ فإنما أنا عبد الله ورسوله»، أي: لا تَصِفُوني بما ليس لي من الصفات؛ تَلْتَمِسُوْن بذلك مدحي، كما وَصَفَتِ النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنَسَبُوْه إلى أنه ابن الله، فكفَروا بذلك وضلُّوا.
فأما وَصْفُهُ بما فضَّله الله به وشرَّفَه فَحَقٌّ واجب على كل من بَعَثَهُ الله إليه من خلقه، وذلك كوصفه -عليه السلام- نفسه بما وصفها به، فقال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تَنْشَقُّ الأرض عنه».
وفي هذا من الفقه: أن من رفع امرأً فوق حده، وتجاوز به مقداره بما ليس فيه، فَمُعْتَدٍ آثِمٌ؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله، ولكن الواجب أن يقصر كل أحد على ما أعطاه الله من منزلته، ولا يُعدَّى به إلى غيرها من غير قطع عليها. شرح صحيح البخاري (9/ 253-255).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قال أهل العلم: هذا كله في التفاوت في المدح، ووَصْفِ الإنسان مما ليس فيه، أو لمن يُخْشَى عليه العجب والفساد بسماع المدح، وإلا فقد مُدِحَ -عليه السلام-، ومُدِحَ بحضرته غيره بالنظم والنثر فلم يُنْكِر. إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 549).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «إياكم والمدح؛ فإنَّه الذبح»، ويعني بذلك كله: أن الممدوح إذا أُكْثِرَ عليه من ذلك يُخاف عليه منه العُجْب بنفسه، والكبر على غيره، فيهلك دينه بهاتين الكبيرتين، فإذًا: المدح مَظِنَّة الهلاك الديني، فيحرم، لكن هذه الْمَظِنَّة لا تتحقق إلا عند الإكثار منه، والإطراء به، وأما مع النُّدْرَة والقِلَّة؛ فلا يكون مَظِنَّة، فيجوز ذلك إذا كان حقًا في نفسه، ولم يقصد به الإطراء، وأَمِنَ على الممدوح الاغترار به.
وعلى هذا يحمل ما وقع للصحابة -رضي الله عنهم- من مدح بعضهم لبعض مشافهة ومكاتبة، وقد مُدِحَ النبي -صلى الله عليه وسلم- مشافهة نظمًا ونثرًا، ومَدَحَ هو أيضًا جماعة من أعيان أصحابه مشافهة، لكن ذلك كله إنما جاز لما صحَّتِ المقاصد، وأُمِنَتْ الآفات المذكورة. المفهم (6/ 627).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
ويعني بذلك: أن الممدوح إذا كثُرَ عليه من ذلك يُخَاف عليه من العُجْب بنفسه، والكبر على غيره، فيهلك دينه، وإذا كان المدح مَظِنَّة الهلاك الديني عند كثير من الناس فيحرم، لكن هذِه الْمَظِنَّة لا تتحقق إلا عند الإكثار منه لا مع النُّدْرة. شرح سنن أبي داود (18/478).

قوله: «مِرارًا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: إعادة الكلام ثلاث مرات تأكيدًا وتحريضًا على العمل به. شرح سنن أبي داود (18/478).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مِرَارًا»، أي: كرّر هذا القول أكثر من مرّة، وبيّن في رواية وهيب أنه قال ذلك ثلاثًا. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح صحيح(45/ 276).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
وقوله: «مرارًا»: منصوب على المفعولية المطلقة، يقال: أي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمادح: قطعت عُنُقَ صاحبك، قولًا مكرَّرًا مرَّات كثيرة؛ مبالغةً في زجره عن مدح صاحبه. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (22/ 139).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
أي: قال ذلك ‌مِرَارًا، وقَطْعُ العُنُق كناية عن القتل؛ لأنه من أقبح أسبابه. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (5/280).

قوله: «من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«لا محالة»، أي: لا حيلة له في ترك ذلك، وهي بمعنى: لا بد، والميم زائدة، ويحتمل: أن يكون من الحول، أي: القوة والحركة. فتح الباري (10/ 477).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«لا محالة»: بفتح الميم، أي: أَلْبَتَّة؛ بحيث لا بد منه. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (11/ 193).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لا محالة»: بفتح الميم، أي: لا تَحَوُّل عنه. شرح سنن أبي داود (18/ 479).
قال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
أي: إذا كان لا بد من مدحه؛ لأن المقام يقتضي الثناء عليه اقتضاءً شرعيًا، كتزكية الشاهد مثلًا. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 48).

قوله: «فليقل: أَحْسِبُ فلانًا، والله ‌حَسِيبُهُ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
في هذا: أنه لا يُقْطَعُ على عاقبة أحد، ولا على ما في ضميره؛ لأن ذلك مُغيَّب عنَّا، وإنما يقول: بحسب الظاهر. إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/550).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إن كان أحدكم مادحًا أَخاه لا محالة فليقل: أَحْسِبُ فلانًا؛ إن كان يرى أنه كذلك»؛ ظاهر هذا: أنه لا ينبغي للإنسان أن يمدح أحدًا ما وجد من ذلك مَنْدُوْحَة، فإن لم يجد بُدًّا مَدَحَ بما يعلمه من أوصافه، وبما يظنه، ويتحرَّز من الجزم والقطع بشيء من ذلك، بل يتحرَّز بأن يقول: فيما أَحْسِبُ أو أظن، ويزيد على ذلك: ولا أُزَكِّيْ على الله أحدًا، أي: لا أقطع بأنه كذلك عند الله؛ فإنَّ الله تعالى هو المطلع على السرائر، العالم بعواقب الأمور. المفهم (6/627- 628).
وقال المُظْهِري -رحمه الله-:
قوله: «أحسب فلانًا»، يعني: لا يقل جزمًا: إن فلانًا رجل صالح، بل ليقل: أَحْسِبُه، أي: أظنه صالحًا، وإنما نهاهم عن أن يمدحوا أحدًا كيلا يغتر الممدوح فيصير متكبرًا، وحينئذٍ يرى نفسه أفضل من غيره، والله تعالى يغضب على من هذه صفته.
قوله: «والله ‌حَسِيبُهُ»، أي: محاسبه، أي: حساب كل شخص إلى الله تعالى يعلم كونه صالحًا أو غيره، فإذا كان الله عالمـًا بجميع الأشياء فلا يحتاج إلى أن يُزَكِّي عنده أحد أحدًا. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 176).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
المعنى: فليقل: أَحْسِبُ أن فلانًا كَيْتَ وكَيْتَ، والله يعلم سرَّه فيما فعل، وهو يجازيه إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرٌّ.
ولا يقل: أَتَيَقَّنُ أنه محسن، والله شاهد عليه على الجزم والقطع، وأن الله تعالى يجب عليه أن يفعل به كذا وكذا. الكاشف في حقائق السنن(10/ 3117).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«أَحْسِبُه»، أي: أظنه، أي: لا يقطع بتزكيته؛ لأنه لا يطَّلع على باطنه، والله يتولى السرائر، وأما نحن فلا نحكم إلا بالظواهر.
فإن قلتَ: إذا كان يعلم منه ذلك فلم يقول: أَحْسِبُ؟
قلتُ: المراد من (يعلم) يظن، وكثيرًا يجيء العلم بمعنى الظن. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (11/ 193).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أَحْسِبُه»، أي: لا يقطع بذلك، بل يذكره على وجه الظن حتى يخرج من شين التزكية على الله تعالى، وأيضًا هو أقل إغرارًا من القطع في حق صاحب المدح، -والله أعلم-. حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/ 407).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
قوله: «إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أَحْسِبُ كذا وكذا»؛ لأن في ذكر فعل الحُسْبَان إشعارًا بأنه إنما مدحه بما بدا له من ظاهر حاله، ففيه احتراس؛ وذلك يُنَبِّه الممدوح إلى محاسبة نفسه على محامده ونقائصه. النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح (ص: 232).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«الله ‌حَسِيبُهُ»، يعني: مُحاسِبُه على عمله الذي يحيط بحقيقة حاله، ويعلم سره، وهي جملة اعتراضية. الكاشف في حقائق السنن(10/ 3117).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«والله ‌حَسِيبُهُ»: بفتح أوله، وكسر ثانيه، وبعد التحتانية الساكنة موحدة، أي: كافيه، ويحتمل: أن يكون هنا فعيل من الحساب، أي: محاسبه على عمله الذي يعلم حقيقته، وهي جملة اعتراضية، وقال الطيبي: هي من تتمة المقول، والجملة الشرطية حال من فاعل فليقل، والمعنى: فليقل: أَحْسِبُ أن فلانًا كذا إن كان يحسب ذلك منه، والله يعلم سرَّه؛ لأنه هو الذي يُجازيه، ولا يَقُل: أَتَيَقَّنُ ولا أَتَحَقَّقُ جازمًا بذلك. فتح الباري (10/477).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «والله ‌حَسِيبُهُ»، أي: مُحَاسِبُهُ على أعماله، فإن شاء عاقبه بذنوبه. كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 14).

قوله: «ولا أُزَكِّي على الله أحدًا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا يُزَكَّى على الله أحد» كذا لأبي ذر، عن المستملي، والسرخسي بفتح الكاف على البناء للمجهول، وفي رواية الكشميهني: «ولا يُزَكِّيْ» بكسر الكاف على البناء للفاعل، وهو المخاطب أولًا، الْمَقُول له: فليقل، وكذا في أكثر الروايات، وفي رواية غندر «ولا أُزّكِّيْ» بهمزة بدل التحتانية، أي: لا أقطع على عاقبة أحد، ولا على ما في ضميره؛ لكون ذلك مُغَيَّبًا عنه، وجيء بذلك بلفظ الخبر، ومعناه النهي، أي: لا تُزَكُّوا أحدًا على الله؛ لأنه أعلم بكم منكم. فتح الباري (10/ 477).
قال النووي -رحمه الله-:
أي: لا أقطع على عاقبة أحد ولا ضميره؛ لأن ذلك مُغَيَّبٌ عنَّا، ولكن أَحْسِبُ وأظن لوجود الظاهر المقتضي. شرح النووي على مسلم (18/126).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
أي: لا يشهد عليه بالجزم أنه عند الله كذا وكذا؛ لأنه لا يعرف باطنه، أو لا يقطع به؛ لأن عاقبة أمره لا يعملها إلا الله تعالى. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (22/ 29-30).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ولا يُزَكِّيْ على الله أحدًا»: منع له عن الجزم، وهو عطف على قوله: «فليقل»، أي: من كان منكم مادحًا فليقل: أَحْسِبُ فلانًا كذا، إن كان يرى أنه كذلك، ولا يجزم بالمدح، ولا يُزَكِّيْ على الله أحدًا بالجزم بمدحه. شرح المشكاة (10/3117).
قال ابن عاشور -رحمه الله-:
قوله: «ولا يُزكَّى على اللهِ أحَدٌ» فائدته: أنه لما ذكر ما يدلُّ على عدم العلم ببواطن الأمور أو بعواقبها، وتفويضه إلى علَّام الغيوب، ففيه زيادة تنبيه الممدوح إلى تَذَكُّر نقائصه، وتنبيهه إلى الجهل بعواقب انتقاص محاسنه؛ ليحرص على إقلال الأولى، ويَدْأَب على الاستكثار من الثانية.
وفي هذا التأديب: تربية للأمة على الصدق، وتوخِّي الحقائق، وطرح المبالغات والمجازفة، ودحض الغرور؛ وذلك من أصالة الرأي، وحكمة معرفة الحقائق. النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح (ص: 232).
قال الشيخ عبد المحسن العباد –حفظه الله-:
قوله: «ولا أُزَكِّيه على الله»، يعني: هكذا يظهر لي، والناس لهم الظاهر، وقد تكون البواطن بخلاف ذلك، فلا يُزَكِّي على الله أحدًا؛ لأنه سواء كان بالنسبة لواقعه أثناء الكلام فيه، أو بالنسبة للنهاية والمآل، فكل ذلك لا يعلمه إلا الله -عز وجل-، وهو الذي يعلم أن المدح يكون في محله، أو في غير محله، فهذا في النهايات، و«الأعمال بالخواتيم»، كما قال ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (546/ 24).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ولا يُزَكِّي على اللَّه أحدًا»: نفي في معنى النهي، عطف على قوله: «فليقل»، وهو نهي عن الجزم بكونه كما مدحه، أي: لا يُثْنِي على أحد، ولا يُظْهِره حاكمًا على اللَّه وموجبًا عليه، كأنه لما جزم بمدحه حكم على اللَّه، وأوجب عليه أن يكون ما علمه كما مدحه، ولعله لا يكون كذلك. لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (8/ 149).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «إن كان يعلم ذلك منه»: اسم الإشارة، يعود على صفات الكمال التي هي منشأ المدح، وجواب الشرط محذوف، أي: إن كان يعلم فليقل: أَحْسِبُ، والعلم مراد به الظن؛ لئلا يقال: إذا كان يعلم ذلك منه فلم يقول: أَحْسِبُه؟ المنهل الحديث في شرح الحديث (3/ 48).
وقال النووي -رحمه الله-:
ذكر مسلمٌ في هذا الباب الأحاديث الواردة في النهي عن المدح، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه.
قال العلماء: وطريق الجمع بينها: أن النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يُخَافُ عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لا يُخاف عليه ذلك لكمال تقواه، ورسوخ عقله، ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنَشْطِه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحبًا، -والله أعلم-. شرح النووي على مسلم (18/126).
قال المرتضى الزبيدي -رحمه الله-:
وهذه الآفة تتطرَّق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تُعرَف بالأدلة، كقوله: إنه مُتَّقٍ وورع وزاهد وخَيِّر، ودَيِّن، وما يجري مجراه، أما إذا قال: رأيته يصلي بالليل، ويتصدق ويحج وما يجري مجراه، فهذه أمور مستيقنة، ومن ذلك قوله: إنه عدل ورضا، فإن ذلك خفي فلا ينبغي أن يجزم القول به، إلا بعد خبرة باطنة. اتحاف السادة المتقين (2/ 69).
قال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: مشروعية تزكية المسلم بما يُعْلَم فيه عند الشهادة أو غيرها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليقل: أَحْسِبُه كذا أو كذا إن كان يعلم ذلك منه»، أي: يصفه بما يعلم عنه دون إسراف في الثناء أو مبالغة فيه.
ثانيًا: استدل أبو حنيفة بهذا الحديث على جواز الاكتفاء في التزكية برجل واحدٍ، وهو مذهب البخاري، كما تدل عليه الترجمة، وبه قال أبو يوسف، وقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: لا بد في التزكية من اثنين، والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة حسب مفهوم البخاري. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 48).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويُسْتَنْبَط من الحديث:
- أنَّ الثناء على الشخص في وجهه عند الحاجة لا يُكْره، وإنما يُكْره الإطناب في ذلك.
- الندب إلى مراعاة الْحِيْطة والدِّقَّة عند التحدُّث عن الغير. المنهل الحديث في شرح الحديث (3/ 49)


إبلاغ عن خطأ