الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«لَزَوَالُ الدُّنيا أَهْوَنُ عندَ اللَّهِ مِن قَتْلِ رَجُلٍ مُسلمٍ».


رواه الترمذي برقم: (1395)، والنسائي برقم: (3987) واللفظ له، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
ورواه ابن ماجه برقم: (2619) بلفظ :«من قتل مؤمن بغير حَقٍّ..»، من حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5077 - 5078)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2439).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَهْوَنُ»:
‌أي: ‌هيِّن. الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، (ص:59).
وقال الصاحب بن عباد -رحمه الله-:
وهيِّن: ليِّن، وقوله عز وجل: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} الروم: 27، ‌أي: ‌هيِّن يسير. المحيط في اللغة (1/ 321).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «لزوال الدّنيا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لزوال الدنيا» اللام للابتداء وخبره «أهون». مرقاة المفاتيح (6/ 2268).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لزوال الدنيا» التي هي مَعْبَر الإنسان إلى دار البقاء، ومحل تحصيل الأنبياء والأولياء أنواع القربات، من عالم الملكوت، ومما عند الله سبحانه مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. شرح المصابيح (4/ 129).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «لزوال الدنيا» أي: وليس فيها مسلم. الكوكب الدري على جامع الترمذي (2/ 367).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لزوال الدنيا» وفناؤها وانعدامها.مرشد ذوي الحجا والحاجة (15/ 271).

قوله: «أهون عند الله»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«أهون» أي: أسهل. شرح المصابيح (4/ 129).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أهون» أي: أحقر وأسهل. مرقاة المفاتيح (6/ 2268).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: أيسرُ عند الله تعالى.مرشد ذوي الحجا والحاجة (15/ 271).

قوله: «مِن قَتْلِ رَجُلٍ مسلم»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«من قتل رجل مسلم» أي: من إراقة دمه؛ إذ المسلم هو المقصود من إيجاد الدنيا وخلقها. شرح المصابيح (4/ 129).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«..مِن قتل مؤمن بغير حقٍّ» أي: ظلمًا بغير استحقاق.مرشد ذوي الحجا والحاجة (15/ 271).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: الدنيا التي هي مَعْبَر الإنسان إلى دار البقاء، ومحل تحصيل الأنبياء والأولياء أنواع القربات من عالم الملكوت، ومما عند الله تعالى مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فلو أزالها واحد مثلًا لكان أهون على الله من إراقة دم مسلم؛ لأن الدنيا مَعْبَرٌ وطريق، والمسلم هو المقصود من إيجاد الدنيا وخلقتها. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 198).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الدنيا هنا عبارة عن الدار القربى التي هي مَعْبر إلى دار الأخرى وهي مزرعة لها، وما خُلقت السماوات والأرض إلا لتكون مسارح أنظار المتبصِّرين ومتعبدات المطيعين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} آل عمران : 191، أي: بغير حكمة، بل خلقتها لأن تجعلها مساكن للمكلَّفين، وأدلة لهم على معرفتك، فمَن حاول قتل من خُلِقَت الدنيا لأجله فقد حاول زوال الدنيا، وبهذا لمح ما ورد في الحديث الصحيح: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله». الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2463).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لأن الله خلق الدنيا لأجله؛ لتكون مَعْبرًا له للآخرة، ومزرعة لها، فمن أعدم من خُلقت الدنيا لأجله فقد حاول زوال الدنيا. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 291).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«مِن قتل رجل مُسلم» فهو أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/ 122).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«من قتل رجل مسلم» مبالغة في مدح بقاء المسلم العارف بالله وصفاته، فهو المقصود مِن خَلْقِ العالم؛ لكونه مظهر آيات الله، ومظهر أسراره، وما سواه في هذا العالم الحسي من السماوات والأرض مقصود لأجله، ولولاه لم يخلق. لمعات التنقيح (6/ 284).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «لزوال الدنيا...» إلخ الكلام مسوق لتعظيم القتل، وتهويل أمره، وكيفية إفادة اللفظ ذلك: هو أن الدنيا عظيمة في نفوس الخلق، فزوالها يكون عندهم على قدر عظمتها، فإذا قيل: إن زوالها أهون من قتل المؤمن: يفيد الكلام من تعظيم القتل وتهويله وتقبيحه وتشنيعه ما لا يحيطه الوصف، ولا يتوقف ذلك في كون الزوال إثمًا أو ذنبًا، حتى يقال: إنه ليس بذنب، فكل ذنب بجهةِ كونه ذنبًا أعظم منه، فأي تعظيم حصل للقتل بجعل زوال الدنيا أهون منه، وإن أُريد بالزوال الإزالة، فإزالة الدنيا يستلزم قتل المؤمنين، فكيف يقال: إنَّ قَتْلَ واحد أعظم مما يستلزم قتل الكل؟ وكذا لا يتوقف على كون الدنيا عظيمة في ذاتها عند الله حتى يقال: هي لا تساوي جناح بعوضة عند الله، فكل شيء أعظم منها، فلا فائدة في القول بأن قتل المؤمن أعظم منها مثلًا، وقيل: المراد بالمؤمن الكامل الذي يكون عارفًا بالله تعالى وصفاته، فإنه المقصود مِن خَلْقِ العالم؛ لكونه مظهرًا لآياته وأسراره، وما سواه في هذا العالم الحسي من السماوات والأرض مقصود لأجله، ومخلوق ليكون مسكنًا له، ومحلًّا لتفكره، فصار زواله أعظم من زوال التابع. كفاية الحاجة (2/ 134).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا السندي-:
هذا القول الأخير غير صحيح؛ لأنه مخالف لإطلاق النصّ، فبأي دليل يخالفه، وما ذكره من أنَّ العالَم خُلق لأجل المؤمن الكامل، مخالف لقوله -عزَّ وجلَّ-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} الآية، البقرة: 29، وقوله -عزَّ وجلَّ-: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} الآية، لقمان: 20، وقوله -عزَّ وجلَّ-: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} الآية، الجاثية: 13، إلى غير ذلك من النصوص التي بيّنت أنَّ السموات والأرض خلَقها اللَّه تعالى لخدمة بني آدم عمومًا؛ لأن الخطاب في الآيات المذكورات وغيرها لجميعهم، لا لخصوص الكامل منهم، فمن أين له أنها خُلقت للمؤمن الكامل فقط، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (31/ 249).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث سِيق لبيان عِظَم حرمة المسلم، وأن قتله بغير حق أعظم من ذهاب الدنيا برُمَّتها، والمراد أنه تعالى لو أقدر إنسانًا على إذهاب الدنيا بِرُمَّتها من دون ما فيها من المسلمين فإذهابها ظلمًا وعدوانًا أهون في عقاب الله من العقاب على قتل رجل مسلم ظلمًا. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 36).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ولا شك: أن حرمة ما دون النفس أهون من حرمة النفس. المفهم (5/ 36).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وإنَّ قتل البهائم بغير حق لموجِب ذنبًا عظيمًا، فكيف قتل الآدمي الذي لو وزن بالدنيا بأسرها لرجحها؟!. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 978).
وقال الشيخ ابن جبرين -رحمه الله-:
فالمؤمن له حرمة، ومن حرمته ألا يُتَعدَّى عليه، فإذا كان الله تعالى توعد من قتل نفسًا بغير حق بأشد الوعيد، فكذلك الوعيد أيضًا يَنْصَبُّ على من تسبَّب في قتل نفسه والعياذ بالله.
فننتبه لمثل هذا.
ونحذِّر هؤلاء الذين يتساهلون في الانتحار، وما أكثرهم! ولكنهم قليلون -والحمد لله- في البلاد الإسلامية، وإنما يكثرون في البلاد التي يكون الإسلام فيها ضعيفًا، أو أنهم يقلدون الدول الكافرة الذين يَقتل أحدهم نفسه بأدنى سبب يخالف ما يهواه. شرح عمدة الأحكام (66/ 17).


إبلاغ عن خطأ