«أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نَهَى أنْ يُصلَّى على الجنائزِ بينَ القبورِ».
رواه الطبراني في الأوسط برقم: (5631)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6834)، وأحكام الجنائز: (ص:108).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الجنائز»:
والجنازة بالكسر والفتح: الميت بسريره، وقيل: بالكسر السرير، وبالفتح الميت. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (1/ 306).
«القبور»:
القبر: مدفن الإنسان، وجمعه قبور، والمقبر المصدر، والمقبرة بفتح الباء وضمها: موضع القبور. لسان العرب، لابن منظور (5/ 68).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور»؛ لأن الصلاة بين المقابر مطلقًا مكروهة. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 598).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور» فإنها صلاة شرعية، والصلاة في المقبرة مكروهة تنزيهًا. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 476).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قال ابن المنذر: وقد قال نافع مولى ابن عمر: صلينا على عائشة وأم سلمه وسط البقيع، والإمام يومئذٍ أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر. قلتُ: صلاة الجنازة مستثناة من النهي عند الإمام أحمد وغيره، وقد سبق قول أحمد في ذلك. وقال -أيضًا-: لا يصلي في مسجد بين المقابر إلا الجنائز؛ لأن الجنائز هذه سنتها. يشير إلى فعل الصحابة -رضي الله عنهم- ... واستدل مَنْ رخص في صلاة الجنازة في المقبرة: بأن الصلاة على القبر جائزة بالسنة الصحيحة، فعُلِمَ أن الصلاة على الميت في القبور غير منهي عنها. فتح الباري (3/ 193).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فأما الصلاة على الجنازة في المقبرة، ففيها روايتان:
إحداهما: لا باس بها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى على قبر وهو في المقبرة، وقال ابن المنذر: ذكر نافع أنه صلى على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع، صلى على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر، وفعله عمر بن عبد العزيز.
والرواية الثانية: يكره، روي ذلك عن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس، وبه قال عطاء والنخعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»؛ ولأنه ليس بموضع للصلاة غير صلاة الجنازة، فكرهت فيه صلاة الجنازة كالحمام. الشرح الكبير على متن المقنع (2/ 358-359).
وقال النووي -رحمه الله-:
تكره الصلاة على الجنازة في المقبرة بين القبور؛ هذا مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعطاء وابن سيرين وأحمد وإسحاق وأبي ثور، قال: وبه أقول. ولم يكرهها أبو هريرة وعمر بن عبد العزيز، وعن مالك روايتان كالمذهبين. المجموع شرح المهذب (5/ 268).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
وقال البعض: تجوز الصلاة على الجنازة في المقبرة؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى على قبر المرأة، قالوا: ولأن صلاة الجنازة ليس فيها سجود، بخلاف ما إذا صلينا الصلوات المعهودة، فإننا نحتاج أن نركع فيها، ونسجد عند جدار القبر، فكأن المصلي يعبد القبر، قالوا: فصلاة الجنائز ولو صليت عند المقابر ليس محظورًا؛ لأنها ليس فيها سجود، لكن الأولى الحفاظ على عموم النهي، وسلامة العقائد؛ فيكون موضع الصلاة على الجنائز أمام المقبرة بحيث تكون المقبرة خلف المصلين، أو عن يمينهم، أو عن يسارهم، وإذا لم يوجد مكان للصلاة على الجنائز عند المقابر إلا أن تكون المقابر أمامهم، فيرفع جدار صغير بين المصلى والقبور. شرح بلوغ المرام (120/ 8).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
حكم الصلاة على الجنازة وسط المقابر:
س: هل تجوز صلاة الجنازة في وسط المقابر؟
ج: لا حرج في ذلك، صلاة الجنازة يصلى عليها وتفعل في المقبرة، وهكذا على الميت بعد الدفن، النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى على الميت بعد الدفن في المقبرة، والصلاة على المقبرة مثل الصلاة على القبر، سواء بسواء، وإذا وضعت هناك وصلى عليها الناس فلا حرج في ذلك، الممنوع الصلوات ذات الركوع والسجود، تمنع في المقابر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة -رضي الله عنها-: يحذِّر ما صنعوا. فتاوى نور على الدرب (14/ 27).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فالمقبرة لا تصح فيها صلاة النافلة ولا الفريضة، ولا سجدة التلاوة ولا سجدة الشكر، ولا أي شيء من الصلوات إلا صلاة واحدة وهي صلاة الجنازة، إذا صلى على الجنازة في المقبرة فلا بأس، سواء كان ذلك قبل الدفن أم بعده، لكن بعد الدفن لا يصلى عليها في أوقات النهي، يعني: مثلًا لو جئت لحضور جنازة بعد صلاة العصر ووجدت أنهم قد دفنوها فلا تصل عليها؛ لأنه يمكنك أن تصلي في وقت آخر غير وقت النهي كالضحى مثلًا، وأما إذا جئت وهم لم يدفنوها لكن قد وضعت في الأرض للدفن، فلا بأس أن تصلي عليها، ولو كان ذلك بعد العصر؛ لأنه في هذه الحال تكون صلاة لها سبب، والصلاة التي لها سبب ليس عنها وقت نهي. شرح رياض الصالحين (4/ 683).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة»، وهذا فيه استثناء المقبرة والحمام، وقد ذكرنا أن المقصود من ذلك أنها ليست مكانًا للصلاة، وأنه منع من الصلاة فيها؛ لِمَا يترتب على ذلك من الأمور الخطيرة والأمور العظيمة، ويستثنى من ذلك صلاة الجنازة فإنه يمكن أن يصلى على الجنازة في المقبرة، وهذه الصلاة لا محذور فيها؛ لأن هذا شيء يتعلق بالميت والصلاة على الميت، وإنما المقصود هو الصلاة التي هي ذات ركوع وسجود، سواء كانت صلاة فرض أو نفل. شرح سنن أبي داود (68/ 15).