الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى».


رواه البخاري برقم: (5893) واللفظ له، ومسلم برقم: (259)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (7132)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- «قصوا الشَّوارب».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«انْهِكُوا»:
أي: بالغوا في الأخذ منها. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/90).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
هو بفتح الهمزة، وكسر الهاء، وفي نسخة بهمزة وصل مكسورة، وفتح الهاء، يقال: نهك كـ: فَرِحَ، وأنهك بالغ في قصِّهِ. مرقاة المفاتيح (7/ 2815).

«الشَّوَارِب»:
الشارب: الشعر النَّابت على الشفة العُليا، وإنما سَمَّوه شَاربًا؛ لأنه أول ما يَرِدُ الماء إذا شرب الشَّارِبُ. أمالي ابن الشجري (2/473).
وقال الفيروز أبادي -رحمه الله-:
الشوارب:...ما سال على الفَمِّ من الشَّعر، وما طال من ناحية السَّبَلَةِ، أو السَّبَلَةُ كلها شارب. القاموس المحيط (ص: 100).

«أَعْفُوا»:
بقطع الهمزة، بمعنى أوفروا. مرقاة المفاتيح، للقاري (7/ 2815).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يريد وفِّروها، من قولك: عفا النَّبْت إذا طَرَّ (طَلَع) وكثر. أعلام الحديث (3/2154).

«اللِّحى»:
اللِّحى: بكسر اللام وحكي ضمها، وبالقصر والمد: جمع لِحْيَة بالكسر فقط، وهي اسم لما نبت على الخَدَّين والذِّقْن. فتح الباري (10/ 350).


شرح الحديث


قوله: «انْهِكُوا الشَّوَارِب»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أنهكوا» أمر مخاطبين من أنهك: إذا نقَّص شيئًا. المفاتيح في شرح المصابيح (5/38).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى «انهكوا» بالغوا في الأخذ منها من غير استئصال، وهو ثلاثي من نَهَك يَنْهِك، ومعناه: مثل: «أحفوا». التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/114).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
والنهك: المبالغة في كل ما تُعالجه من شيء، وقد يُسْتَعمل ذلك في القتال والضرب؛ كما يستعمل في الأكل والشرب والطعام. أعلام الحديث (3/2154).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
والأصل في قص الشوارب وإحفائها وجهان:
أحدهما: مخالفة زَيِّ الأعاجم، وقد وردت هذه العلة مَنْصُوصَة في الصحيح، حيث قال: «خالفوا المجوس».
والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من وَضَر (يعني: أَثَر) الطعام. إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام (1/124).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وهذا لأنه كان من زي آل كسرى: قصّ اللحى، وتوفير الشارب، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بمخالفتهم في الهيئة، وفي ذلك أربعة معانٍ:
أحدها: مخالفة الكفار.
والثاني: أنه أجمل وأحسن.
والثالث: أنه أطيب وأنظف، فإن الإنسان إذا أكل أو شرب أو قبَّل منعه طول الشارب من كمال الالتذاذ، وربما دخل الشعر في الفم مع المتناول، ثم يحصل فيه من الزهم والوسخ، واللحية بعيدة عن ذلك. والرابع: أن الله تعالى خلق اللحية على صفة تقبل الطول، بخلاف الشارب، فإنه لا يطول كطولها، فكان المراد: موافقة الحق -عز وجل- فيما رتَّب. كشف المشكل (2/ 519-520).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه بظاهر قوله: «أحفوا»، و«انهكوا»، وهو قول الكوفيين (الأحناف)، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وقاله مالك، وكان يرى حَلْقَه مُثْلَة، ويأمر بأدب فاعله، وكان يكره أن يأخذ من أعلاه، ويذهب هؤلاء إلى أن الإحْفَاء والجزَّ والقصَّ بمعنى واحد، وأنه الأخذ منه حتى يبدو الإطار، وهو طرف الشفة، وذهب بعض العلماء إلى التخيير في الفِعْلَيْنِ. إكمال المعلم (2/64).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقص الشارب: أن يأخذ ما يطول عن إطار الشفة بحيث لا يشوش على الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ. المفهم (1/ 512).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختلف في جانبيه (يعني: الشارب) وهما السِّبَالان؛ فقيل: هما من الشَّارِب، ويشرع قصهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية. فتح الباري (10/346).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمختار في الشارب: ترك الاستئصال والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة. شرح صحيح مسلم (3/ 151).
وقال المحب الطبري -رحمه الله-:
السُّنَّة المشهورة فيه (الشارب) الأخذ من أطرافه، بحيث يبدو طرف الشفة العليا الحائل بين منابت الشعر والشفة، ويقال له: الإطار، وعليه يدل الحديث: «جزوا الشوارب» وفي فصل قبله في قص الشارب، وأما «أحفوا» فالإحفاء: الاستقصاء في الحزِّ، وقد روي «حفوا الشوارب»، وهو بمعناه... ، وقد يراد: أنْ يؤخذ منه حتى يُحفى ويَرِقّ من غير استقصاء واستئصال، وهو أولى؛ جمعًا بين الحديثين. غاية الأحكام (1/454).

قوله: «وأَعْفُوا اللِّحى»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
في قوله: «أعفوا» «وأحفوا» ثلاثة أنواع من البديع: الجناس والمطابقة والموازنة. فتح الباري (10/352).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«وأَعفُوا» بفتح الهمزة، من الإعفاء، وهو توفيرها وتكثيرها، فلا يجوز حلقُها ولا نتفُها ولا قصُّ الكثير. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (14/ 483).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
أي: اتركوا اللِّحى حتى تكثر بحالها، أو لا تتعرضوا لها واتركوها لتكثر. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/155).
وقال المحب الطبري -رحمه الله-:
وإعفاء اللحية: تركها حتى تعفو، أي: تكثر، ومنه قوله: {حَتَّى عَفَوْا} الأعراف: 95، أي: كثروا... ، وروي: «وفروا اللحى»، وروي: «وأوفوا اللحى»، وروي: «وارخوا اللحى» بالخاء المعجمة، وروي: «أرجوا» بالجيم، ومعناه: أرخوا، وأراد: اتركوا، واختلف السلف هل لذلك حدٌّ؟، فقيل: لا حدّ له، إلا أنه لا يتركها إلى حد الشهرة، ومنهم مَن حدَّد بالقبضة، ويأخذ ما زاد، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة. غاية الأحكام (1/454).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال الطبري: فإن قلتَ: ما وجه قوله: «أعفوا اللحى»، وقد علمت أن الإعفاء: الإكثار، وأن من الناس من إن ترك شعر لحيته اتباعًا منه لظاهر هذا الخبر تَفَاحَش طولًا وعرضًا، وسَمُجَ (أي: قَبُحَ) حتى صار للناس حديثًا ومثلًا؟.
قيل: قد ثبتت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على خصوص هذا الخبر، وأن من اللحية ما هو محظور إعفاؤه، وواجب قصه على اختلاف في السلف في قدر ذلك وحدّه، فقال بعضهم: حدُّ ذلك أن يزداد على قدر القَبْضَة طُولًا، وأن ينتشر عرضًا فيَقُبُح ذلك، فإذا زادت على قدر القبضة كان الأولى جَزُّ ما زاد على ذلك من غير تحريم منهم ترك الزيادة على ذلك.
وروي عن عمر -رضي الله عنه-: أنه رأى رجلًا قد ترك تحت لحيته حتى كثرت فأخذ يجذبها ثم قال: ائْتُونِي بجلمين (والجَلمَانِ : المِقْراضانِ، مثنَّى: جَلَم)، ثم أمر رجلًا فجزَّ ما تحت يده، ثم قال: اذهب فأصلح شعرك أو أفسده، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سَبُع من السِّبَاع، وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ ما فَضُلَ، وعن ابن عمر مثله.
وقال آخرون: يأخذ من طولها وعرضها ما لم يَفْحُش أخذه، ولم يَحُدُّوا في ذلك حدًّا، غير أن معنى ذلك عندي: ما لم يخرج من عُرْف الناس، وروي عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا أن يأخذ من طول لحيته وعرضها ما لم يَفْحُش الأخذ منها، وكان إذا ذبح أضحيته يوم النحر أخذ منها شيئًا.
وقال عطاء: لا بأس أن يأخذ من لحيته الشيء القليل من طولها ومن عرضها إذا كثرت، وغلب كراهة الشهرة كالملبس. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/116).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
وأقرب ما يبيّن حدّ ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر -وهو من عرفت حالته في الاتباع-: أنه كان يقبض على لحيته فيأخذ منها ما زاد على القبضة...، فهذا يبيّن أن الأخذ المراد: إنما هو تصليح الشعر الذي جرت العادة بأنه يحسنه ويجمله، وبهذا يتبين أن الذي يفعله كثير من الناس الآن من حلقها باسم التقصير، ولا يترك إلَّا سَوادَ أصول الشعر أنه بعيد من السنة بل هو الحلق بعينه، واقتداء بِمَن نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الاقتداء بهم من الأعاجم، وإن رأى كثير من الناس الفرق بينه وبين مَسْحِهَا بالكلية ففي الواقع أنه مثله...، فهو بعيد من الامتثال؛ بل هو قريب إلى الاستهزاء، فلا يَصْدُق عليه الإعفاء ولا التوفير ولا الإرخاء. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (1/132-133).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: إذا كان الإعفاء مأمورًا به فلِمَ أخذ ابن عمر من لحيته وهو راوي الحديث؟
قلتُ: لعله خصص بالحج أو أن المنهي هو قَصُّها كفعل الأعاجم. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (21/112).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: روى الحديث ابن عمر، فكيف كان يأخذ من لحيته؟
قلتُ: فهم من قوله: «وفروا اللحى» عدم الحلق والقص المفرط كما يفعله النصارى والأعاجم، يؤيده أن عمر رأى رجلًا في لحيته طول مُفْرِط، فدعاه وأمر رجلًا أن يجتز لحيته ما فوق القبضة، وقال: يترك أحدكم نفسه كأنه سَبُع من السِّبَاع. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (9/361).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
ولعل ابن عمر جمع بين حلق الرأس وتقصير اللحية اتباعًا لقوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ} الفتح:27. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (21/111).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الذي يظهر: أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه. فتح الباري (10/ 350).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وسيجيء استحباب أخذ اللحية طولًا وعرضًا، لكنه مقيد بما إذا زاد على القبضة، وهذا في الابتداء، وأما بعدما طالت فقالوا: لا يجوز قصها كراهة أنْ تصير مُثْلَة، وأقول: ينبغي أنْ يدرج في أخذها لتصير مقدار قبضة على ما هو السنة والاعتدال المتعارف، لا أنَّه يأخذها بالمرة، فيكون مُثْلَة. مرقاة المفاتيح (7/ 2815).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، ويكره الشهرة في تعظيمها وتخليتها كما تكره في قصها وجَزِّها. إكمال المعلم (2/64).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ما قاله عياض -رحمه الله- من الأخذ من طولها وعرضها وكراهة الشهرة بها فمِمَّا لا مُسْتَند له، بل هو مخالف للنصوص المذكورة، فلا ينبغي الالتفات إليه، وأما ما نقل عن ابن عمر -رضي الله عنه-... فلا يعارض به المرفوع؛ لأنه لا قول مع قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والصحابي إذا خالف فعله مَرْوِيَّه فالعِبْرَة بما رَوَى لا بما رَأَى. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (1/402).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وقد استدل بذلك (يعني: بفعل ابن عمر -رضي الله عنهما-) بعض أهل العلم، والروايات المرفوعة ترده. نيل الأوطار (1/ 149).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
وقد اختلفوا (يعني: أهل العلم) فيما طال منها (يعني: اللحية)؛ فقيل: إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس، فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة، وقالا: تركها عافية أحب؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أعفوا اللحى»، والأمر في هذا قريب إن لم ينتهِ إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة، ويطلق ألسنة المغتابين بالنبذ إليه، فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية. إحياء علوم الدين (1/ 143).
وقال النووي -رحمه الله-:
الصحيح: كراهة الأخذ منها مطلقًا، بل يتركها على حالها كيف كانت؛ للحديث الصحيح: «وأعفوا اللِّحي»، وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها- فرواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به. المجموع (1/ 290).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
هذا الذي صححه النووي -رحمه الله- مخالفًا للغزالي هو عين التحقيق من هذا المحقق الوثيق. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (1/405).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
وما روي فيها من حديث عمرو بن شعيب عند الترمذي ... أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها...، فهذا الحديث معلول، وعلى فرض صحته؛ فالمراد به: الأخذ الذي لا ينافي التوفير المأمور به، بل هو محمول على إصلاح الشعر وأخذ ما تَطَايَر منه؛ ولهذا لم يختلف من وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن لحيته كانت كثَّة، وكان إذا رَجَّلَها ملأت صدره. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (1/ 132).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمختار: ترك اللحية على حالها، وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلًا. شرح صحيح مسلم (3/ 151).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
والصواب: أن يقال: إن قوله -عليه السلام-: «أعفوا اللحى» على عمومه إلا ما خُصَّ من ذلك، وأن من اللحى ما الحق فيه ترك إعفائه، وذلك ما تجاوز طوله أو عرضه عن المعروف من خلق الناس، وخرج عن الغالب فيهم. شرح صحيح البخاري (9/ 147).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
هذا الحديث بجميع طرقه ورواياته يدل دلالة واضحة على تحريم حلق اللحى؛ لأن الأمر فيه بالإعفاء، وكذلك رواية: «أرخوا اللحى»، و«أَرْجُوا اللحى»، و«أَوْفُوا اللحى» و«وفروا اللحى» كلها بصيغة الأمر، ومعناها: تركها وعدم أخذ شيء منها...، والأصل في صيغة الأمر: الوجوب، لا سيما وقد تأكد ذلك بكون الحلق سِمَة اليهود أو المجوس، ونحن مأمورون بمخالفة الكل. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (1/132).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وعلة توفير اللحية: أن فيه جمالًا للوجه، وزينة للرجال، وجاء في بعض الخبر: «إن الله تعالى زيَّن بني آدم باللِّحى»؛ ولأن الغرض بذلك مخالفة الأعاجم، وهذا ما لم يخرج طولها عن الحد المعتاد؛ فيفضي بصاحبها إلى أن يُسْخَر به. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/115).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
لم نعلمْ أنَّ أحدًا ذهب إلى أن «أعفوا اللحى» إذا كان بمعنى كثِّروها وأوفوها: أنَّه يدخل تحته معالجتُها بما يُنبت الشعرَ أو يطوِّلُه؛ كما يفعله بعضُ من ينتمي إلى التصوف من المتأخرة، وإن كان اللفظ يحتمله على هذا التقدير، وكان الصارف عنها أحد وجوه:
منها: قرينةُ السياق في قوله -عليه السلام-: «قص الشارب، وإعفاء اللحية»؛ فإنه يُفهَمُ منه مقابلة القص من الشارب بالإعفاء في اللحية، ولا مدخلَ للعلاج في هذا، والسياق يُرشد إلى إيضاح المبهمات، وتعيين المحتملات.
وثانيها: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «جزُّوا الشواربَ، وأرخُوا اللِّحى، خالفُوا المجوسَ» والمنقولُ عن المجوس قصُّ اللّحى.
وذكر الروياني: أنه كان من زيِّ كسرى قص اللحى، وتوفير الشوارب، فندب -صلى الله عليه وسلم- أمتَهُ إلى مخالفتهم في الزي والهيئة؛ أو كما قال، والمخالفة في القصِّ بترك ذلك، وليس ذلك بسبيل من المعالجة.
وثالثها: العملُ المستمر من السلف الصالح والناس، ولم يُنقل أنَّ أحدًا من الناس المتقدمين الْمُقتدَى بهم كان يعالج هذا الأمر، وأمَّا إذا صحَّ حملُ إعفائها على معنى قَصّها؛ كما قال الشاعر -من السريع-:
وكَلَّ مِقْرَاضِي فأعفيتُه.
فهذا ظاهر في البُعد عن معنى المعالجة. شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (3/ 317-319).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أُخذ من هذه الأحاديث ونحوها: أنه يندب مداواة الذقن بما ينبت الشعر أو يطوله، فإن الإعفاء هو التكثير، كما تقرر، وهو غير مأمور به؛ لأنه غير مقدور للرجل، إنما المأمور به سبب التكثير، وهو إما الترك أو المعالجة بما ينبت الشعر، فهو من إقامة المسبّب وهو التكثير مكان السبب وهو الترك أو المعالجة في الأمر به، ورُدَّ بأنَّ الإعفاء بمعنى: الترك، فلا يكون من ذلك، بل يدل على عكسه، فإنه إذا أمر بتركها، فعالجها لتطول- ما فعل ذلك المأمور به. فيض القدير (1/ 198).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا)



إبلاغ عن خطأ