«كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يتعوَّذُ من الجانِّ، وعينِ الإنسانِ، حتى نزلتِ المعوَّذَتانِ، فلما نزلتا أخذَ بهما، وتركَ ما سواهما».
رواه الترمذي برقم: (2058)، والنسائي في الكبرى برقم: (7804)، من حديث أبي سعيد الخُدْرِي -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4902)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (4563).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يتعوَّذُ»:
أي: يقول: أعوذُ بالله. فيض القدير (5/ 202).
وقال أبو البقاء الكفوي -رحمه الله-:
العوذ: الالتجاء والاستجارة، فمعنى أعوذ بالله أي: ألتجئ إلى رحمته وعصمته، والعوذ: الإلصاق أيضًا، يُقال: أطيب اللَّحْم عوذه، وهو ما أُلْصِقَ منه بالعظم، وعلى هذا معناه: ألصق نفسي بفضل الله ورحمته. الكليات (ص: 651).
«الجانِّ»:
هو أبو الجن خُلق من نار ثم خُلق منه نسله. تهذيب اللغة، للأزهري (10/ 266).
وقال الرازي -رحمه الله-:
الجانُّ أبو الجن، والجانُّ أيضًا: حَيَّة بيضاء. مختار الصحاح (ص: 62).
«عينِ الإنسان»:
أي: ومن إصابة عين الإنسان الحاسد. مرقاة المفاتيح (7/ 2886).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
العين: عين الإنسان وكل ذي بصر، وهي مؤنثة، والجمع: أعين وعيون، وعِنْتُ الرجلَ: أصبته بعيني، وهو مَعِيْنٌ ومعيون، والفاعل: عائن. مجمل اللغة، لابن فارس (ص: 640).
شرح الحديث
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتعوَّذُ مِنْ الجانِّ وعين الإنسان»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من الجان» أي: بالأدعية والأذكار بأن يقول: أعوذ بالله من الجان، وفي المغرب للمطرزي: الجانُّ أبو الجن، وحيَّة صغيرة.
«وعين الإنسان» أي: ومن إصابة عين الإنسان الحاسد. مرقاة المفاتيح (7/ 2886).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كان يتعوذ من الجان» أي: يقول: أعوذ بالله من الجانِّ. «وعين الإنسان» من نَاْسَ يَنُوْسُ: إذا تحرك، وذا يشترك فيه الإنس والجن وعين كل ناظر. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 270).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«كان رسول الله يتعوذ من الجانِّ وعين الإنسان» لعظم ضررهما، أي: كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجانِّ وعين الإنسان». دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (6/ 496).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان يتعوذ من الجانِّ» وهم الشياطين بقوله: أعوذ بالله من الجانِّ.
«وعين الإنسان» فيه: أنه يختص إصابة العين بالإنسان فغيره من الخلائق لا يعين. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 535).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
والعين عينان: عين إنسية، وعين جِنية، فقد صح عن أم سلمة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى في بيتها جارية في وجهها سَفْعَة، فقال: «استرقوا لها، فإن بها النَّظْرَة»، قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله «سَفْعَة» أي: نظرة، يعني: من الجن، يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أَسِنَّةِ الرماح. زاد المعاد (4/ 151).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
وإنما يصح من العين أن يكون العائن يصيب بعينه إذا تعجب من شيء أو استحسنه، فيكون الفعل لنفسه بعينه؛ لذلك سموا العين نفسًا؛ لأنها تفعل بالنفس...، وقال ابن عباس في الكلاب: «إنها من الجن، وهي ضعفة الجن، فإذا غشيتكم عند طعامكم، فألقوا لها، فإن لها أنفسًا» يريد: أن لها عيونًا تضر بنظرها إلى من يطعم بحضرتها. تأويل مختلف الحديث (ص: 478).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله- أيضًا:
وهذه الأمور لا تُدْرَكُ بالنظر والقياس والعقول، وإنما ينتهى فيها إلى ما قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو ما قاله من سمع منه وشاهده. تأويل مختلف الحديث (ص: 208).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
«يتعوذ من الجانِّ وعين الإنسان» أي: يقول: أعوذ بالله من الجانِّ وعين الإنسان. تحفة الأحوذي (6/ 182).
قال المظهري -رحمه الله-:
يعني: كان يقول: أعوذ بالله من الجان وعين الإنسان، قبل أن تنزل عليه المعوذتان، فلما نزلتا كان يقرؤهما على نفسه وعلى كل من احتاج إلى رقية، وترك قراءة التعوذ من الجان وعين الإنسان، وما أشبه ذلك. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 86).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أبطلت طائفة ممن قلَّ نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة له، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابًا، وأكثفهم طباعًا، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس، وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين، ولا تنكره، وإن اختلفوا في سبب وجهة تأثير العين.
...
وأصله من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين، وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني، وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إن من عُرف بذلك حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعًا. زاد المعاد (4/ 152-154).
قوله: «حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى نزلت المعوذتين» بكسر الواو ويفتح، «فلما نزلت» أي: كل واحدة منهما، «أخذ بهما» أي: عمل بقراءتهما والتعوذ بهما غالبًا، «وترك ما سواهما» أي: من الرُّقيات. مرقاة المفاتيح (7/ 2886).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما» مما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن؛ لما تضمنتاه من الاستعاذة من كل مكروه. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 270).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد ذكرنا من حديث أبي سعيد: أنه -صلى الله عليه وسلم- ترك ما عدا المعوّذات، لكن ثبتت الرقية بفاتحة الكتاب، فدل على أنْ لا اختصاص للمعوذات، ولعل هذا هو السر في تعقيب المصنف هذه الترجمة بباب الرقى بفاتحة الكتاب، وفي الفاتحة من معنى الاستعاذة بالله: الاستعانة به، فما كان فيه استعاذة أو استعانة بالله وحده، أو ما يُعطي معنى ذلك، فالاسترقاء به مشروع، ويُجاب عن حديث أبي سعيد بأنَّ المراد: أنه ترك ما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن. فتح الباري (10/ 197).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«حتى نزلت» المعوذتان فلما نزلتا، «أخذ بهما وترك ما سواهما» أي: مما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن، وقد ثبت أنه كان يرقي بالفاتحة، وفيها الاستعانة بالله، فكان يرقي بها تارة، ويرقي بالمعوذتين أخرى؛ لما تضمَّنَتاه من الاستعاذة من كل مكروه؛ إذ الاستعاذة من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه في الأشباح والأرواح، والاستعاذة من شر الغاسق وهو الليل، وآيته -وهو القمر إذا غاب- تتضمن الاستعاذة من شر ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة، والاستعاذة من شر النفاثات تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن، والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من شر النفوس الخبيثة المؤذية، والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر الإنس والجن؛ فجمعتِ السورتان الاستعاذة من كل شر؛ فكانتا جديرتين بالأخذ بهما، وترك ما عداهما. فيض القدير (5/ 202).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «أخذ بهما، وترك ما سواهما» أي: ترك الإكثار من غيرهما في التعوذ لغيره -صلى الله عليه وسلم-. الكوكب الدري على جامع الترمذي (3/ 88-89).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليل على الاستعاذة بهاتين السورتين أولى من الاستعاذة بغيرهما، لكن لا في مطلق الاستعاذة، بل في التعوذ من الجانِّ، وعين الإنسان. تحفة الذاكرين (ص: 415).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين؛ بل يدل على الأولوية؛ ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما، وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروهٍ جملةً وتفصيلًا، وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
1. أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
2. وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره.
3. وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.
واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح: أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة، ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: «كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رُقَاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك»، وله من حديث جابر: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرقى؛ فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال: فعرضوا عليه؛ فقال: ما أرى بأسًا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه».
وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جُرِّبت منفعتها، ولو لم يُعْقَلْ معناها؛ لكن دل حديث عوف أنه ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه، لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك؛ فيمتنع احتياطًا.
والشرط الآخر: لا بد منه، وقال قوم: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة، كما تقدم في باب من اكتوى من حديث عمران بن حصين: «لا رقية إلا من عين أو حُمَةٍ (سُم العقرب وضرها)».
وأجيب: بأن معنى الحصر فيه: أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية؛ فيلتحق بالعين جواز رقية من به خَبَلٌ أو مسٌّ، ونحو ذلك لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسيٍّ أو جنيٍّ، ويلتحق بالسُّمِّ كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السُّمِّيَّة. فتح الباري (10/ 195-196).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فلما نزلت أخذ بهما» إفراد الضمير في «نزلت» بتأويل العوذة؛ ولأن السورتين في حكم سورة واحدة حكمًا، ونزلتا دفعة، أو بتأويل كل واحدة، وأما التثنية في «أخذ بهما» فلعله لأجل أن العمل كان بكل واحدة منهما على انفراده أيضًا، ولو جوَّزنا إفراد الفعل في إضمار الفاعل كما في إظهاره مستندًا بهذا الحديث، وإن كان مخالفًا لقاعدة النحاة، فذلك شيء آخر، -واللَّه أعلم-. لمعات التنقيح (7/ 510).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى نزلت المعوذتان؛ فلما نزلتا أخذ بهما» في الاستعاذة، «وترك ما سواهما» مما كان يتعوذ به من الكلام؛ فإنهما قد اشتملتا على الاستعاذة من شرور الدنيا والآخرة. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 535).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
... وأمّا الرُّقَى بكتاب الله وأسمائه وتعظيمه، فهو الشفاء الأعظم، والدواء الأنفع. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 440).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: فضل الْمُعَوِّذَتَين؛ لاشتمالهما على الجوامع في المستعاذ به، والمستعاذ منه. تطريز رياض الصالحين (ص: 592).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
وفي الحديث: دلالة على عِظَمِ شأن هاتين السورتين، وعِظَمِ منفعتهما، وشدَّة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنَّه لا يستغني عنهما أحد، وأنَّ لهما تأثيرًا خاصًّا في دفع الجانِّ والسِّحر والعين وسائر الشرور، وقد تضمَّنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلِّها بأوجز لفظ وأجمعه وأدلِّه على المراد، وأعمِّه استعاذة، بحيث لَم يبقَ من الشرور شيءٌ إلَّا دخل تحت الشرِّ المستعاذ منه فيهما. فقه الأدعية والأذكار (3/ 301-302).