السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«لا يزَالُ أحدُكُمْ في صلاةٍ ما دامَتِ الصلاةُ تَحبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أنْ يَنْقَلِبَ إلى أهلهِ إلَّا الصلاةُ».


رواه البخاري برقم: (659)، ومسلم برقم: (649) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يَنْقَلِب»:
أي: يَرجع إلى أهله. شرح أبي داود، للعيني (2/ 383).
والانقلاب: الرجوع مطلقًا. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (4/ 96).


شرح الحديث


قوله: «‌لا ‌يزال ‌أحدكم ‌في ‌صلاة»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «في صلاة» أي: في ثواب صلاة لا في حكم الصلاة، ألا ترى أنه يحل له الكلام وغيره مما يُمنع في الصلاة؟ عمدة القاري (5/176).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: لِمَ عَدَلَ عن التعريف ولم يقل: في الصلاة؟
قلتُ: ليُعلم أنَّ المراد نوع صلاته التي ينتظرها، فالتنكير للتنويع، كما لو قال: في انتظار صلاة الظهر، وهلم جرًّا. الكواكب الدراري (3/ 16).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«‌لا ‌يزال ‌أحدكم ‌في ‌صلاة...» إذا قعد المتوضئ ينتظر الصلاة أُعطي حكم المصلي، فإذا أحدَثَ خرج عن تلك الحالة (يعني: وإذا توضأ رجع إلى عبادة انتظار الصلاة). كشف المشكل (3/ 451-452).
وقال العراقي -رحمه الله-:
المراد بكون الجالس ينتظر الصلاة في صلاة: أنه يُكتب له أجر المصلي، لا أن عليه ما على المصلي من اجتناب ما يحرم في الصلاة أو يُكره فيها، إلا أنه يجتنب العبث المنهي عنه في الصلاة؛ لما روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبَّك بين أصابعه»، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وروى أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث كعب بن عجرة سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة عامدًا فلا يُشَبِّك بين يديه؛ فإنه في صلاة». طرح التثريب (2/ 371).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذه الأحاديث (التي أوردها النووي في رياض الصالحين) في بيان فضل انتظار الصلاة، سواء كان ذلك بعد صلاة سابقة أو تقدَّم الإنسان إلى المسجد ينتظر الصلاة، فقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأحاديث أن الإنسان ما دام ينتظر الصلاة فإنه في الصلاة، وبين أيضًا أنَّ الملائكة تصلي عليه ما دام في مُصلّاه الذي صلى فيه ما لم يُحْدِثْ تقول: «اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه».شرح رياض الصالحين(5/ 67/68.

قوله: «ما دامت الصلاة تحبسه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ما دامت» في رواية الكشميهني: «ما كانت». فتح الباري (2/ 142).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما» مصدرية ظرفية، وجملة «دام» صِلَتُها. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 227).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ما دامت الصلاة تحبسه» أي: مدة دوام حبس الصلاة له. إرشاد الساري (2/31).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أي: مدة دوامه في المكان الذي صلى فيه من المسجد، ينتظر صلاة أخرى.
ويحتمل: أن المراد بالمصلَّى المسجد كله، ويؤيده ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد، ما لم يُحْدِثْ»، فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت -يعني: الضرطة-، ولفظ الترمذي: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يُحْدِثْ، فقال رجل من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فساء، أو ضراط»، فأفاد أنه لو انتقل إلى موضع آخر من المسجد غير موضع صلاته منه يحصل له ذلك الثواب. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 227).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«تَحْبِسُهُ» عن الذهَاب في حَاجَته. شرح سنن أبي داود (3/ 308).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«ما دامت الصلاة تحبسه» يريد أن حكمه حكمُ من هو في صلاة في كثرة ثوابه إذا نوى بمقامه في موضعه انتظار الصلاة، لا يكون لمقامه وامتناعه من الانقلاب إلى أهله معنى غير انتظار الصلاة في المسجد، وقد يكون انتظار الصلاة لمعنيين:
أحدهما: أن ينتظر وقتها.
والثاني: أن ينتظر إقامتها في الجماعة.
وفي المبسوط: سئل مالِك عن رجل صلى في غير جماعة ثم قعد بموضعه ينتظر صلاة أخرى أتراه في صلاة بمنزلة من كان في المسجد كما جاء في الحديث؟ قال: نعم -إن شاء الله-، أرجو أن يكون ذلك. المنتقى شرح الموطأ (1/284).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الصلاة تحبسه» أي: تمنعه من الخروج من المسجد. فيض القدير (4/217).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
(فيه) ما يُشعِر بأنَّه مهما بقي في مسجده. التحبير لإيضاح معاني التيسير (5/ 593).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «ما كانت الصلاة تحبسه» بيان أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر مِن انتظارِ أحدٍ أو تَنَزُّهٍ أو نحو ذلك أنه ينقطع عنه أجر الصلاة، فإن تجدَّدت نية أخرى مع استحضار انتظار الصلاة فهل ينقطع الثواب لِمَا وُجِدَ من التشريك أو لا ينقطع؛ لوجود النية في انتظار الصلاة؟
محتمل، لكن الظاهر انقطاع الثواب بالتشريك في النية؛ لقوله: «لا يمنعه إلا انتظارها» فهو يدل على أنه إذا منعه مانع آخر ولو مع وجود قصد الانتظار لها فإنه لا يكون كالمصلي. طرح التثريب (2/ 371).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي أن الأَوْلَى أن يُنظر إلى الأغلب، فلو كان الأمر الذي أشْرَكَهُ في النية أغلب؛ بأن يكون لو حصل غرضه منه لانقلب إلى أهله، ولا ينتظر الصلاة، فليس له هذا الثواب، وإن كان لا ينقلب بل ينتظر الصلاة بعد حصول غرضه الآخر، حصل له ذلك؛ لأنه لم يمنعه من الانقلاب إلى أهله إلا الصلاة، كما هو ظاهر النص. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 241).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
ويحتمل: أن المراد بالمصلَّى المسجد كله، ويؤيده ما رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تُصلي على أحدكم ما دام في المسجد»، فأفاد أنه لو انتقل إلى موضع آخر من المسجد غير موضع صلاته منه يحصل له ذلك الثواب.
ولا فرق في ذلك بين المسجد ومصلى البيت، فلو جلَسَت امرأة في مصلى بيتها تنتظر وقت صلاة أخرى لم يبعد أن تصلي عليها الملائكة أيضًا؛ لأنها حَبَسَت نفسها لأجل الصلاة. المنهل العذب المورود (4/83).
وقال العراقي -رحمه الله-:
يقتضي حصول الثواب المذكور بمجرد جلوسه في مصلاه حتى يخرج، لكن رواية البخاري تقتضي تقييد حصول الثواب بكون جلوسه ذلك لانتظار الصلاة، فإنه قال فيها: «ما دام في المسجد ينتظر الصلاة» وهو واضح. طرح التثريب (2/ 367).
قال ابن بطال -رحمه الله-:
ويدخل في ذلك مَن أشْبَهَهُم في المعنى ممن حَبَسَ نفسه على أفعال البر كلها. شرح صحيح البخاري (2/284).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
فيما قاله ابن بطال نظر؛ إذ الحديث نصٌّ في التقييد بالصلاة، حيث قال: «لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أنه ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» متفق عليه، ففيه أنه لو حبسه غير الصلاة لم يكن له هذا الفضل. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 229).

قوله: «لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لا يمنعه» يقتضي أنَّه إذا صَرَفَ نيته عن ذلك صارف آخر انقطع عنه الثواب المذكور، وكذلك إذا شارك نية الانتظار أمر آخر، وهل يحصل ذلك لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه؟ الظاهر خلافه؛ لأنه رتَّب الثواب المذكور على المجموع من النية وشغل البقعة بالعبادة، لكن للمذكور ثوابٌ يخصه، ولعل هذا هو السر في إيراد المصنف الحديث الذي يليه وفيه: «ورجل قلبه معلق في المساجد». فتح الباري (2/ 142-143).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «أَنْ يَنْقَلِبَ» بالقَاف والموَحدة. شرح سنن أبي داود (3/ 308).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» جملة حالية مؤكِّدة لمضمون عاملها. دليل الفالحين (6/546).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لا يمنعه أن ينقلب» أي: لا يمنعه الانقلاب، وهو الرواح «إلى أهله إلا الصلاة» أي: لا غيرها، ومقتضاه: أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر انقطع عنه الثواب المذكور، وكذا إذا شارك نية الانتظار أمر آخر. إرشاد الساري (2/31).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» كناية عن كون جلوسه لوجه الله خالصًا. الكوثر الجاري (2/308).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أن ينقلب» فـ(أن) مصدرية في محل الرفع على الفاعلية تقديره: لا يمنعه الانقلاب، أي: الرواح إلى أهله إلا الصلاة. عمدة القاري (5/176).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
«وأنْ ينقلب» محله النصب على المفعولية، وارتفاع الصلاة على الفاعلية، والمعنى: لا يَمنعه الانقلابَ إلى أهله إلا الصلاة. شرح أبي داود (2/ 383).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
دل هذا الحديث على فضل أمرين:
أحدهما: الجلوس في المصلى، وهو موضع الصلاة التي صلاها، والمراد به في المسجد دون البيت، وآخر الحديث يدل عليه...
والثاني: أنَّ منتظر الصلاة لا يزال في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه.
وقد فسَّر ذلك بأنه «لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة»، وهذا يشمل مَن دخل المسجد للصلاة فيه جماعة قبل إقامة الصلاة فجلس ينتظر الصلاة، ومن صلى مع الإمام ثم جلس ينتظر الصلاة الثانية.
وهذا من نوع الرباط في سبيل الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» خرجه مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. فتح الباري (6/40-42).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
فيه من الفقه: الترغيب في عمارة المساجد لمشاهدة صلاة الجماعة، وإن لكل امرئ ما نوى. تفسير الموطأ (1/204).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
والحديث يدل على أن منتظر الصلاة له ثواب كثواب المصلي. المنهل العذب المورود (4/85).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث الحث على الإخلاص في الطاعات، وأن تكون مُتَمَحِّضَة لله تعالى. شرح صحيح مسلم (3/ 116).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفي قوله: «ما كانت الصلاة تحبسه» إشارة إلى النفس اللوامة التي تشتهي استيفاء لذاتها، واشتغالها بخلع العِذَار، والصلاة تنهاها عن هواها، وتحبسها في بيت الله تعالى، كما كانت آمرة بالمعروف في قوله: «لا يخرجه إلا الصلاة»، فإذا لزم مصلاه وانتظر الصلاة الأخرى اطمأنت، وقيل لها: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة} الفجر:27، فإذا طلبَت الملائكة الغفران والرحمة لها قيل لها: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} الفجر: 27 إلى آخر الآية. الكاشف عن حقائق السنن (3/934- 935).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا حديث صحيح، لا مطعن لأحد فيه من جهة الإسناد، وقد رُوي عن أبي هريرة من وجوه، وفي هذا الحديث دليل على أنَّ فضل مُنتظر الصلاة كفضلِ المصلي؛ لأنه معلوم أنَّ قوله -عليه السلام-: «لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه» لم يرد به أن ينتظر الصلاة قائم ولا أنه راكع وساجد، وإنما أراد أن فضل انتظار الصلاة بالقصد إلى ذلك وبالنية فيه كفضل الصلاة، وأن منتظرها كالمصلي في الفضل، ولله أن يتفضل بما شاء على من يشاء فيما شاء من الأعمال، لا مُعقب لحكمه، ولا رادَّ لفضله، ومِن الوجه الذي عَرَفنا فضل الصلاة فيه، عَرَفنا فضل انتظارها، وقد عَلم الناس أنَّ المصلي في تلاوته وقيامه وركوعه أتْعَب من المنتظِر للصلاة ذاكرًا كان أو ساكنًا، ولكن الفضائل لا تُدرك بنظر، ولا مَدخل فيها لقياس، ولو أخذتَ قياسًا لكان مَن نوى السيئة كمن نوى الحسنة، ولكن الله مُنْعِم كريم متفضِّل رحيم، يَكتب الحسنة بالنية وإن لم تُعمل، فإن عُمِلَت ضُعِّفَت عشرًا إلى سبعمائة، والله يضاعف لمن يشاء، ولا يؤاخذ عباده المسلمين بما وسوست به صدروهم، ونَوَوْا من الشرِّ ما لم يعملوه، وهذا كُله لا مدخل فيه للقياس. التمهيد (19/ 26-27).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا


إبلاغ عن خطأ