الجمعة 17 رمضان 1447 | 2026-03-06

A a

قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أقبل رجل بناضِحَيْن، وقد جَنَحَ الليل، فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضِحَهُ، وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرَّجل، وبلغه أنَّ معاذًا نال منه، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فشكا إليه معاذًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا معاذ، أَفَتَّان أنت؟ أو أفَاتِن؟» ثلاث مرار؛ «فلولا صليتَ بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} الأعلى:1، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} الشمس:1، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} الليل:1، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة».
أحسبُ هذا في الحديث.
قال أبو عبد الله: وتابعه سعيد بن مسروق، ومسعر والشيباني، قال عمرو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزبير: عن جابر: «قرأ معاذ في العشاء بالبقرة»، وتابعه الأعمش، عن محارب.


رواه البخاري برقم: (705)، واللفظ له، ومسلم برقم: (465) من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بناضِحَيْن»:
مُثَنَّى ناضح: وهو الجمل الذي يُحمل عليه الماء لِسَقْيِ أرضٍ أو شربٍ. غريب الحديث، لإبراهيم الحربي (2/ 897).

«جُنْح الليل»:
بضم الجيم: أَوَّلُه إلى نصفه، أو بمعنى: أقبل بظلمته. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (2/ 345).

«نال منه»:
أي: ذكره بسوء، فقال: إنه منافق. إرشاد الساري (2/ 59).

«أَفَتَّان»:
الفتنة: كثيرة التَّصَرُّف في الاستعمال، ومعناها هاهنا: صرف الناس عن الدين، وحملهم على الضلال. أعلام الحديث (1/ 480).
قال الصنعاني-رحمه الله-:
المراد: أَتُعَذِّب أصحابك بالتطويل؟ سبل السلام (1/ 367).

«وذو الحاجة»:
أي: صاحب حاجة يريد أن يقضيها بعد الصلاة. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (4/ 483).


شرح الحديث


قوله: «أقبل رجلٌ بناضحين، وقد جَنَحَ الليل»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«أقبل رجل» لم يُسَمَّ «بناضِحَيْن» تثنية ناضح، وهو: البعير الذي يُسْقَىْ عليه. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 419).
وقال ابن حجر -رضي الله عنه-:
قوله: «أقبل رجل بناضِحَيْن» الناضح: بالنون والضاد المعجمة، والحاء المهملة: ما استُعمل من الإبل في سقي النخل والزرع.
قوله: «وقد جَنَحَ الليل» أي: أقبل بظلمته، وهو يُؤيد أنَّ الصلاة المذكورة كانت العشاء. فتح الباري (2/ 200).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أقبل رجل بناضِحَيْن» الرجل هو الذي ذكرناه هو: حزم بن أبي كعب، وقيل: حرام بن ملحان، وقيل: حازم، وقيل: سليم، ذكره الشارح بداية شرح الحديث، والناضح: هو البعير الذي يُسْتَقَى عليه، والأنثى: ناضحة، والجمع: نواضح، سُمِّيَتْ بذلك لنضحها الماء باستقائها، والنضح: الرَّشُّ.
قوله: «وقد جَنَحَ الليل» الواو للحال، يقال: جَنَح الليل: إذا أقبل، والشمس تغيب. نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (4/ 72).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قد اختلف بيان عذره الذي اعتذره في طُرق الحديث، ففي هذا الحديث أنه قال: «كنت أعمل في نخل، وخفت على الماء»، وفي الحديث الذي يليه أنه قال: «إنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا»، وفي رواية للبخاري من رواية محارب بن دثار عن جابر: «أنه كان مع الرجل ناضحان، وقد نضح الليل، فوافق معاذًا يصلي؛ فترك ناضحيه، وأقبل إلى معاذ» الحديث.
وفي رواية لأحمد من حديث الرجل صاحب الواقعة: أنَّ «معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة، فنخرج فيُطَوِّل علينا» الحديث، ولا منافاة في شيء من ذلك، ولا يلزم من كونهم أصحاب نواضح أن لا يكون معه ناضحان حينئذٍ، ولا يلزم من ذكر هذين أن لا يكون خَافَ على الماء.
وقوله في الحديث الآخر: «إنه يأتيهم بعدما ينامون» لعلَّهُ أراد في بعض الليالي غير تلك الليلة التي جاء فيها بالناضِحَيْن، أو أراد بعدما يدخل وقت نومهم، أو بعد أن نام غير صاحب الواقعة، أو يكون ذلك واقعتين -كما سيأتي في آخر الباب-.
وهذا الرجل المبهم في حديث بريدة وحديث جابر: اسمه: سليم، جاء مبينًا في مسند أحمد من رواية معاذ بن رفاعة الأنصاري عن «رجل من بني سليم يقال له: سليم، أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إنَّ معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار» الحديث.
وقيل: إن الرجل المذكور اسمه: حزم بن أبي كعب، فقد رواه أبو داود من رواية عبد الرحمن بن جابر عن حزم بن أبي كعب أنه «أتى معاذًا وهو يصلي بقوم صلاة المغرب» في هذا الخبر، والظاهر: أنهما واقعتان، كما ذكرنا، -والله أعلم-. طرح التثريب (2/ 274).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
وفي رواية البخاري في رواية محارب هذه: «أنه مَرَّ، وقد جنح الليل»، والمشهور عند أهل اللغة: أن جُنْحَ الليل: أوله، وقيل: قطعة منه، نصف النصف، حكاهما صاحب النهاية قال: والأول أشبه. طرح التثريب (2/ 275).

قوله: «فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضحه، وأقبل إلى معاذ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فوافق معاذًا يصلي» أي: صلاة العشاء. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 419-420).
وقال العراقي -رحمه الله-:
في حديث بريدة وحديث جابر بعده: أنَّ الصلاة التي طوَّل فيها معاذ هي العشاء، ووقع في سنن النسائي من رواية محارب بن دثار عن جابر قال: «مَرَّ رجل من الأنصار بناضِحَيْن على معاذ، وهو يصلي المغرب، فافتتح بسورة البقرة فصلى الرجل، ثم ذهب» الحديث، هكذا في رواية النسائي، وبوَّب عليه: "القراءة في المغرب"، ورواه البيهقي هكذا، ثم قال: كذا قال محارب بن دثار عن جابر: «المغرب»، قال: وقال عمرو بن دينار وأبو الزبير وعبيد الله بن مقسم عن جابر: «العشاء»، ثم رواه من حديث حزم بن أبي كعب، وقال فيه: «المغرب»، ثم قال: والروايات المتقدمة في العشاء أصح، -والله أعلم-.
ورواية محارب بن دثار عن جابر عند البخاري -كما تقدم- فلم يذكر فيها المغرب ولا العشاء، وإنما قال: «فوافق معاذًا يصلي»، ورواية النسائي هذه وهمٌ من بعض رواة الحديث، فإنها شاذَّة مخالِفَة لبقية الطرق الصحيحة. طرح التثريب (2/ 274-275).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
قوله: «فترك ناضِحَه»، وفي نسخة: «فبرَّك ناضِحَه». منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 419-420).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «فترك ناضحه» بتخفيف الراء، بعد المثناة الفوقية، والإفراد، ولأبي ذر في نسخة، والأصيلي: «فبرَّك ناضحيه» بالتشديد، بعد الموحدة، والتثنية. إرشاد الساري (2/ 59).
وقال مصطفى البغا -رحمه الله-:
قوله: « أقبل إلى معاذ» أي: فاقتدى به؛ ليصلي. تعليق مصطفى البغا على فتح الباري، لابن رجب (6/ 229).

قوله: «فقرأ بسورة البقرة أو النساء»:
قال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «فقرأ بسورة البقرة أو النساء» زاد أبو داود الطَّيَالِسِيّ عن شُعْبَة «شك مُحارِب»، وفي هذا رَدٌّ على من زعم أن الشك فيه من جابر. كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (9/ 47).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي رواية محارب: «فقرأ بسورة البقرة أو النساء» على الشك، وللسراج من رواية مسعر عن محارب: «فقرأ بالبقرة والنساء» كذا رأيته بخط الزكي البرزالي بالواو، فإن كان ضَبَطَه احتُمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثانية بالنساء.
ووقع عند أحمد من حديث بريدة بإسناد قوي: «فقرأ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَة} القمر: 1»، وهي شاذَّة، إلا إنْ حُمِل على التعدُّد. فتح الباري (2/ 193).
قوله: «فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذًا نال منه»:
قال مصطفى البغا -رحمه الله-:
قوله: «فانطلق الرجل» فارقه، ولم يتم صلاته معه. تعليق مصطفى البغا على فتح الباري، لابن رجب (6/ 229).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قال الشافعي: يجوز للمأموم الخروج عن الصلاة لعذر أو لغير عذر، فيتم منفردًا؛ لأنه -صلى الله عليه وسلّم- لم ينكر على الذي خرج من صلاة معاذ.
وقال بعضهم: لما أمره بالتخفيف كان الْمطَوِّل عاصيًا، ولا يُوافَقُ الإمام إلا في المعروف.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أن يخرج منها؛ لأنه يُؤدي إلى ترك ما ألزم نفسه من الجماعة، وإذا دخل الإنسان في طاعة وجب عليه الْمُضِيُّ فيها، إلا أن يطرأ عليه عذر. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (5/ 85).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وبلغه» أي: بلغ الرجل، وهو صاحب الناضح. عمدة القاري (8/ 430).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «نال منه» أي: أصاب منه، أراد: تكلم في حقِّه بما يسوؤه. نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (4/ 72).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله في لفظ البخاري: «إن معاذًا نال منه» قد فسَّره في رواية قال: «إنه منافق»، وفي رواية قال: «أنافَقْتَ يا فلان؟». البدر التمام شرح بلوغ المرام (3/ 323).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقد جاء ما قاله معاذ مُفسَّرًا بلفظ: «فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم-». سبل السلام (2/ 320).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «أني منافق» في رواية للبخاري: «فكأن معاذًا نال منه»، وللمستملي: «تناول منه»، وفي رواية ابن عيينة: «فقال له: أنافقتَ يا فلان؟ فقال: لا والله، ولآتِيَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»، وكأنَّ معاذًا قال ذلك أولًا، ثم قاله أصحابه للرجل، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو بلَّغه الرجل، كما في حديث الباب، وغيره. نيل الأوطار (3/ 173).

قوله: «فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فشكا إليه معاذًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فشكا إليه معاذًا» أي: أخبر بسوء فعله. إرشاد الساري (2/ 59).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في هذه الرواية: «أنَّ الرجل هو الذي اشتكى من معاذ»، وفي رواية النسائي: «فقال معاذ: لئن أصبحتُ لأذكرنَّ ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فذكر ذلك له، فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول اللَّه، عملت على ناضحٍ لي..» فذكر الحديث، وكأنَّ معاذًا سبقه بالشكوى، فلما أرسل له، جاء فاشتكى من معاذ، -واللَّه أعلم-. البدر التمام شرح بلوغ المرام (3/ 323-324).

قوله: «أَفَتَّان أنت -أو أفاتن-؟ ثلاث مرار»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-» لمعاذ بعد أن أرسل إليه، وحضر عنده: «يا معاذ أَفَتَّان أنت؟» صفة واقعة بعد الاستفهام، رافعة للظاهر، فيجوز أن يكون مبتدأ، و(أنت) سادٌّ مَسَدّ الخبر، ويجوز أن يكون (أنت) مبتدأ تقدم خبره.
«أو» قال: «أفاتن؟» بالهمزة، والشكُّ من الراوي، ولابن عساكر: «فاتن؟»، زاد في رواية لأبوي ذر والوقت وابن عساكر في نسخة: «أنت، ثلاث مرار»، ولأبي ذر والأصيلي: «مرات» بالتاء بعد الراء. إرشاد الساري (2/ 59-60).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «أَفَتَّان أنت -أو قال: أفاتن-؟» قال ابن سيد الناس: الأولى أن يكون للشك من الراوي، لا من باب الرواية بالمعنى، كما زعم بعضهم؛ لِمَا تحلَّت به صيغة (فعَّال) من المبالغة، التي خلت عنها صيغة (فاعل). نيل الأوطار (2/ 272).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أَفَتَّان أنت؟» فَتَّان: صفة واقعة بعد ألف الاستفهام، رافعة لظاهر، ويجوز أن يكون مبتدأ، و(أنت) سادًا مَسَدَّ الخبر، ويجوز أيضًا أن تكون (أنت) مبتدأ، وهو خبره، وفَتَّان: صيغة مبالغة من فاتن، وقوله: «أو فاتن؟» على وزن فاعل، شك من الراوي. عمدة القاري (8/ 430).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتُ: ما الحكمة في أنه -صلى الله عليه وسلّم- في بعض المواضع عمَّ الخطاب، ولم يخاطب معاذًا بخصوصه؟ وقال: «إن منكم»، وفي بعضها خصَّصه، وقال: «أَفَتَّان أنت؟»
قلتُ: نظر إلى المقام، فحيث بلغ -صلى الله عليه وسلّم- أنَّ معاذًا نال منه، خاطبه بالصريح، وحيث لم يبلغه عممه؛ تضعيفًا للتقرير بتضعيف الجريمة. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (5/ 83).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
هذا كلامه، وليس بشيء؛ إذ لو لم يبلغه أنه نال منه لم يكن كلامه واردًا على طريق الزجر، على أن قوله: عمم للتقرير بتضعيف الجريمة، مما لا معنى له.
بل الصواب: أنه لما بلغه عن معاذ حين شكاه الرجل عمَّم الخطاب على طريقه في تبليغ الأحكام، وحيث حضر معاذ خاطبه؛ لأنه صاحب الجريمة. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (2/ 345).
وقال الكوراني -رحمه الله- أيضًا:
معنى الفتنة هنا: التنفير عن الصلاة بالتطويل فيها الزائد. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (2/ 345).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والمراد بـ«فَتَّان» أي: أَتُعَذِّب أصحابك بالتطويل، وحُمل ذلك على كراهة المأمومين للإطالة، وإلا فإنه -صلى الله عليه وسلم- قرأ الأعراف في المغرب، وغيرها.
وكان مقدار قيامه في الظهر بالستين آية، وقرأ بأقصر من ذلك، والحاصل: أنه يختلف ذلك باختلاف الأوقات في الإمام والمأمومين.
والحديث: دليل على صحة صلاة المفترض خلف الْمُتَنَفِّل، فإن معاذًا كان يصلي فريضة العشاء معه -صلى الله عليه وسلم-، ثم يذهب إلى أصحابه، فيصليها بهم نفلًا. سبل السلام (1/ 367).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «أَفَتَّان؟» مبالغة في الزجر له؛ لما يلزم منه من ترك الناس السنن، وتنفيرهم عن الانضمام في الجماعات؛ ولذلك صرح في قصة من شكا منه تطويل صلاة الصبح بقوله: «إنَّ منكم مُنَفِّرينَ».
ويدل عليه: ما أخرجه البيهقي في شُعَب الإيمان من حديث عمر، قال: «لا تُبَغِّضوا اللَّه تعالى إلى عباده، يكون أحدكم إمامًا فيُطَوِّل على القوم الصلاة، حتى يُبغِّض عليهم ما هم فيه».
وقال الداودي: يحتمل: أن يريد بـ«فَتَّان» أي: مُعذِّب لهم بالتطويل، وهذا محمول على كراهة المؤتمين للإطالة، بدليل أنه قد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قرأ الأعراف في المغرب، وغيرها، وكان مقدار قيامه في صلاة الظهر: الستين الآية؛ وذلك يختلف باختلاف الأوقات والمأمومين والإمام. البدر التمام شرح بلوغ المرام (3/319- 320).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وتفسيره الفتنة هاهنا بالإضلال بعيد، والأظهر: أنَّ المراد بالفتنة هاهنا: الشغل عن الصلاة؛ فإنَّ مَن طوَّل على من شق عليه التطويل في صلاته، فإنه يشغله عن الخشوع في صلاته، ويلهيه عنها، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نظر إلى أعلام الخميصة التي كانت عليه في الصلاة نزعها، وقال: «كادت تَفْتِنُنِي»، وأمر عائشة أن تُمِيْط قِرَامِهَا الذي فيه تصاوير، وقال: «لا يزال تصاويره تَعْرِض لي في صلاتي».
ومنه: تخفيفه -صلى الله عليه وسلم- الصلاة لما سمع بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه.
ومنه: قول أبي طلحة لما نظر إلى الطائر في صلاته، وهو يصلي في حائطه حتَّى اشتغل به عن صلاته: لقد أصابني في مالي هذا فتنة...
والفتنة في هذه المواضع كلها هو: الاشتغال عن الصلاة، والالتهاء عنها.
ويجوز أن يكون منه قول الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} التغابن:15، وأنْ يكون المراد: أنها تشغل عن عبادة الله، وذكره.
ويدل عليه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كان يخطب ورأى الحسن والحسين قد أقبلا، نزل فحملهما، ثمَّ قال: «صدق الله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} التغابن: 15، إني رأيتُ هذين الغلامين يمشيان ويعثران، فلم أصبر». فتح الباري (6/ 231).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه: من الفقه ما يدل على أنَّ تطويل الإمام للصلاة تعريض للمأمومين بالفتنة. ووجه الفتنة: أنه يُعَرِّض العبادة للضجر منها، فينبغي للإنسان أن يجتنب ذلك.
وفي معناه: القارئ إذا أتى قومًا عاكفين على حديث قد شرعوا فيه، فقرأ عليهم من القرآن في حال هم عنه معرضون؛ فإني أخاف أن يكون ذلك القارئ مُتَعَرِّضًا لعقاب الله -عز وجل-، كيف عرَّض كلام الله تعالى لِأَنْ يُعرَضَ عنه، أو يُنْتَظَر الفراغ من قراءته، بل يُمْسِك، حتى إذا فرغوا ما كانوا فيه بسبيله، قرأه عليهم على مكث، كما قال الله -عز وجل-، ومعنى مكث: أي: يقرؤوه على ترتيل وتثبُّت؛ ليتمكَّن سامعوه من تدبيره. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/300- 301).

قوله: «فلولا صلَّيتَ بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} الأعلى:1، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} الشمس:1، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} الليل:1»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«فلولا» أي: فهَلَّا «صليتَ» أي: قَرأْتَ، بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} الأعلى:1، ليس قَصْرًا على السُّوَر الثَّلاث، بل وما في معناها، كما في رواية زيادة: «ونحوها»؛ ولهذا ذكرها ثلاثًا، وإنَّما يقرأ بثنتين في الرَّكعتَين الأَوَّلتين.
وفيه: دليلٌ على أنَّ أوساط الْمُفصَّل إلى (الضحى) لا إلى (الانشقاق)؛ لأَنَّ هذه الصَّلاة كانت العشاء، فيُقرأ فيها بالأوساط لا بالقِصار. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (4/43- 44).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فلولا صليتَ» أي: فهلا صليتَ، وقال الخطابي: معناه: فهلا قرأتَ. عمدة القاري (8/ 430-431).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: المسنون قراءة شيء من الأوساط أم هذه السور الثلاث بعينها؟
قلتُ: المراد هذه الثلاث ونحوها من القصار، كما جاء صريحًا في بعض الروايات لفظ: «ونحوها».
فإن قلتَ: يكفي ذكر السورتين؛ إذ السنة قراءة السورة في الركعتين الأوليين فقط.
قلتُ: هذا أيضًا مؤكد بما قلنا: من أنَّ المراد هذه، ونحوها. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (5/ 84).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
زاد عبد الرزاق: {وَالضُّحَى} الضحى: 1...
ولم يُعيِّن في هذه الرواية في أي الصلاة قيل له ذلك، وقد عُرِفَ أن صلاة العشاء الآخرة، طوَّل فيها معاذ بقومه -كما يأتي-، فيدل ذلك على استحباب قراءة هذا القدر في العشاء الآخرة.
ومن الحَسَن: قراءة هذه السور بعينها فيها؛ وكذلك كل ما ورد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من هذه القراءة المختلفة، فينبغي أن يُفْعَل، ولقد أحسن من قال من العلماء: اعمل بالحديث ولو مرة، تكن من أهله.
قلتُ: ويُسْتَدَلُّ من مجموع روايتي: «اقرأ من أوساط المفصل»، وزيادة: {وَالضُّحَى} الضحى: 1، أنَّ قصار الْمُفَصَّل ما دون الضحى، وقد استثنى بعض العلماء -ومنهم شيخنا التغلبي-: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} العلق: 1، و{لَمْ يَكُنِ} البينة: 1، فقال: هي من أوساطه، لا من قصاره. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (2/ 454-455).

قوله: «فإنه يصلي وراءك: الكبير والضعيف وذو الحاجة»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإنه يصلي وراءك» الشيخ «الكبير، و» المريض «الضعيف، وذو الحاجة» أي: صاحب حاجة، يريد أن يقضيها بعد الصلاة. شرح سنن أبي داود (4/ 483).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وإنما ذكر الثلاثة؛ لأنها تجمع الأنواع الموجبة للتخفيف؛ لأن المقتضي له إما في نفسه أو لا، والأوّل إما بحسب ذاته وهو الضعيف، أو بحسب العارض وهو المريض، أو لا في نفسه، وهو ذو الحاجة. إرشاد الساري (1/ 189).
وقال محمَّد الخَضِر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «فإنه يصلي وراءك» كان هذا هو الحامل لمن وجَّه بين القصتين، لكن في ثبوت هذه الزيادة في هذه القصة نظر؛ لقوله بعدها: «أحسب هذا في الحديث» يعني: هذه الجملة الأخيرة «فإنه يصلي...» إلخ. وقائل ذلك هو شُعْبَةُ الراوي عن مُحَارِب، وقد رواه غير شُعْبَة من أصحاب مُحارِب عنه بدونها، وكذا أصحاب جابر. كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (9/ 47).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وفيه: أَنَّهُ جعل الحاجة عذرًا فِي تخفيفها. فتح الباري (6/ 230).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه: من العلم أنه جعل الحاجة عذرًا في تخفيف الصلاة، كالكبر، والضعف المانعين من تطويلها. أعلام الحديث (1/ 481).

قوله: «أحسبُ هذا في الحديث»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أحسبُ» يحتمل: أن يكون كلام محارب، أو مَن بعده، والمحسوب هو «فلولا صليت...» إلى آخره؛ لأن الحديث برواية عمرو فيما تقدم آنفًا انتهى عنده، حيث قال: «ولا أحفظها».
وقيل: أو أنه من كلام البخاري، وأن المراد به لفظ: «ذو الحاجة» فقط، لكن لم يكن مُتَحَقِّقًا لي ذلك لا سماعًا ولا استنباطًا من الكتاب. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (5/ 84).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أحسبُ هذا في الحديث» قائل: أحسبُ هو شعبة الراوي عن محارب، ولفظة «هذا» إشارة إلى الجملة الأخيرة، وهي قوله: «فإنه يصلي...» إلى آخره، والتذكير باعتبار المذكور.
وقال الكرماني: المحسوب هو «فلولا صليت..» إلى آخره؛ لأن الحديث برواية عمرو فيما تقدم آنفًا انتهى عنده حيث قال: ولا أحفظهما.
وقال الكرماني أيضًا: «أحسبُ» يحتمل: أن يكون كلام محارب، أو من بعده.
قلتُ: قد بيَّن أبو داود الطيالسي أن قائله شعبة -كما ذكرنا-، وقد رواه غير شعبة من أصحاب محارب عنه بدونها، وكذا أصحاب جابر -رضي الله تعالى عنه-.
وقال الكرماني أيضًا: وقيل: أو إنه من كلام البخاري، وأن المراد به لفظ: «ذو الحاجة» فقط.
قلتُ: هذا الذي قاله تخمين وحسبان؛ فلذلك قال هو: لكن لم يتحقق لي ذلك لا سماعًا ولا استنباطًا من الكتاب. عمدة القاري (8/ 431).

قوله: «قال أبو عبد الله: وتابعه سعيد بن مسروق ومسعر والشيباني، قال عمرو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزبير: عن جابر، قرأ معاذ في العشاء بالبقرة، وتابعه الأعمش، عن محارب»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
قوله: «قرأ معاذ في العشاء بالبقرة» أي: من غير شك. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 420).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والحديث: يدل على مشروعية القراءة في العشاء بأوساط الْمُفَصَّل، كما حكاه النووي عن العلماء.
ويدل أيضًا: على مشروعية التخفيف للإمام؛ لما بَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض روايات حديث معاذ عند البخاري وغيره بلفظ: «فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير»، وفي لفظ له: «فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة».
قال أبو عمر: التخفيف لكل إمام أَمْرٌ مجمع عليه، مندوب عند العلماء إليه، إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال، وأما الحذف والنقصان فلا؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن نقر الغراب، ورأى رجلًا يصلي ولم يُتِمّ ركوعه وسجوده، فقال له: «ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ»، وقال: «لا ينظر الله -عز وجل- إلى من لا يُقِيم صُلْبَه في ركوعه وسجوده»، وقال أنس: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَخَفَّ الناس صلاة في تمام».
قال ابن دقيق العيد: وما أحسن ما قال: إنَّ التخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلًا بالنسبة إلى عادة آخرين. ا. هـ. نيل الأوطار (2/ 272).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ