الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«ضَحَّى خالٌ لي يُقالُ له: أبو بُرْدَة قبلَ الصلاةِ، فقال له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: شاتُكَ شَاةُ لحمٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عندي دَاجِنًا جَذَعَةً من المَعْزِ، قال: اذبحها، ولن تَصْلُحَ لغيرِكَ، ثم قال: مَن ضحَّى قبل الصلاة فإنما ذَبَحَ لنفسِهِ، ومَن ذبحَ بعدَ الصلاةِ فقد تمَّ نُسُكُهُ، وأصابَ سُنَّة المسلمين».


رواه البخاري برقم: (5556) واللفظ له، ومسلم برقم: (1961)، من حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما-.
ولفظ مسلم: «ولا تَجْزِي جَذَعَةٌ عن أحدٍ بعدَكَ».
وفي لفظ للبخاري برقم: (955): «فإنَّ عندنا عَنَاقًا لنا جَذَعةً هي أحبُّ إليَّ من شاتين، أفتُجزي عنِّي؟ قال: نعم، ولن تُجزيَ عن ‌أحدٍ ‌بعدَكَ».
ورواه البخاري برقم: (5546)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«دَاجِنًا»:
هي الشاة التي يَعْلِفُها الناس في منازلهم، يقال: شاة داجِن، ودَجَنَتْ تَدْجُن دُجُونًا، والمداجنة: حسن المخالطة، وقد يقع على غير الشاء من كل ما يَألَف البيوت من الطير وغيرها. النهاية، لابن الأثير (2/ 102).

«جَذَعَة»:
هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سَنة. النهاية، لابن الأثير (3/ 311).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الجَذَعُ: بفتحتين ما قبل الثَّنِي، والجمع: جِذَاع، مثل: جَبَل وجِبَال. المصباح المنير، للفيومي (1/ 94).

«عَنَاقًا»:
العَنَاق: الأنثى مِن ولد المعز قبل استكمالها الحول، والجمع: أَعْنُق وعُنُوق. المصباح المنير، للفيومي (2/ 432).
والعَنَاق: ولد المعز، والجمع أَعْنُق وعُنُوق، وقيل: هو ما لم يتم له سَنة من الإناث خاصة. المجموع المغيث، للأصبهاني (2/ 513).

«مَن ضَحَّى»:
من الأُضْحِيَةِ، وهي شاةٌ تُذبح يوم الأضحى، والضَّحِيةُ: ما ضحَّيْتَ به، وهي الأُضْحاةُ. لسان العرب، لابن منظور (14/ 476).

«نُسُكُهُ»:
النُّسْكُ والنُّسُكُ: الطاعة والعبادة، وكل ما تُقُرِّب به إلى الله تعالى. النهاية، لابن الأثير (5/48).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
النُّسك يطلق ويراد به الذبيحة، ويستعمل في نوع خاص من الدماء المراقة، ويستعمل بمعنى العبادة، وهو أعم، يقال: فلان ناسِكٌ، أي، عابد. فتح الباري (10/4).  


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «ضَحَّى خالٌ لي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ضحَّى» أي: ذبح الأضحية «خالي» أخو أمي. الكوكب الوهاج (20/ 403).
وقال البخاري -رحمه الله-:
كَتَبَ إليَّ محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون، عن الشعبي، قال: قال البراء بن عازب: «وكان عندهم ضيف لهم، فأمر أهله أن يذبحوا قبل أن يرجع؛ ليأكل ضيفُهم، فذبحوا قبل الصلاة، فذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فأمره أن يعيد الذبح، فقال: يا رسول الله، عندي عَناقٌ جَذْعٌ، عَناقُ لَبَنٍ، هي خير من شاتَي لحم». صحيح البخاري (8/ 137).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
هذا صريحٌ في أنَّ القصة وقعت للبراء، فلولا اتحاد المخرج لأمكن التعدُّد، لكن القصة متحدة، والسند متحد من رواية الشعبي عن البراء، والاختلاف من الرواة عن الشعبي، فكأنه وقع في هذه الرواية اختصار وحذف.
ويحتمل أنْ يكون البراء شارك خاله في سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القصة فنُسبت كلها إليه تجوُّزًا، قال الكرماني: كان البراء وخاله أبو بردة أهل بيت واحد فنُسبت القصة تارة لخاله، وتارة لنفسه، انتهى، والمتكلم في القصة الواحدة أحدهما، فتكون نسبة القول للآخر مجازية، والله أعلم. فتح الباري(11/ 555).

قوله: «قَبْلَ الصلاةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: ذبحها «قبل الصلاة» أي: قبل صلاة العيد. الكوكب الوهاج (20/ 403).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قبل الصلاة» أي: صلاة العيد، فالألف واللام للعهد. إرشاد الساري (8/ 304).

قوله: «شاتُكَ شاةُ لحمٍ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«شاتك» التي ذبحتها قبل صلاة العيد «شاة لحم» ليست أضحية ولا ثواب فيها. إرشاد الساري (8/ 304).
وقال القسطلاني -رحمه الله- أيضًا:
استُشكِلَت هذه الإضافة بأن الإضافة إما معنوية مقدرة بـ"من" كخاتم حديد، أو باللام كغلام زيد، أو بـ"في" كضرب اليوم، أي: ضربٌ في اليوم، وإما لفظية صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد، وحَسَن الوجه، ولا يصح شيء منها في شاة لحم.
وأُجيب: بأن الإضافة بتقدير محذوف، أي: شاة طعام لحم، أي: لا طعام نسك، أو ما أشبه ذلك، يعني: شاة لحم غير نسك، فهي مضافة إلى محذوف أُقيم المضاف إليه مقامه. إرشاد الساري (8/ 304).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «شاة ‌لحم» الإضافة للبيان، كخاتم فضة؛ لأن الشاة شاتان، شاة يأكل لحمها الأهل، وشاة نُسك يُتصدق بها لله تعالى. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1294).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «شاة لحم» الإضافة بيانية، أي: شاة هي مجرد لحم يؤكل، ليس فيها معنى النسك والعبادة. لمعات التنقيح (3/ 554، 555).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تلك ‌شاة ‌لحم» معناه: أي ليست ضحية، ولا ثواب فيها، بل هي لحم لك تنتفع به، كما في الرواية الأخرى: «إنما هو لحم قدَّمْتَه لأهلك». شرح صحيح مسلم (13/ 112).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«قال: شاتُك ‌شاة ‌لحم» أي: ليس فيها مِن القُربة شيء، بل إنما هي للأكل كسائر الأيام. الكوثر الجاري (3/ 71، 72).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«‌شاة ‌لحم» لا شاة نسك، فلا يجزئ عن أداء الواجب أو السُّنة. بذل المجهود (9/ 546).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌شاة ‌لحم» أي: شاة ذبحتَها لأكل لحمها لا للتقرب، يعني: لن تقع أضحية، وإنما صارت مذبوحة لأكل لحمها. الكوكب الوهاج (20/ 403).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: من استعجل شيئًا قبل وقته فعقوبته أن يمنع ذلك الشيء، وهذا ‌أبو ‌بردة استعجل الذبح قبل وقته، فحُرم أن تجزئ عنه مرة أخرى، ولولا أنه ذكر من جيرانه جوعةً ومشقة أراد إطعامهم، وسد جوعتهم وخلِّتهم لَمَا عذره النبي -عليه السلام-، وجوَّز له الضحية بجذعة من المعز. شرح صحيح البخاري (6/ 11).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «شاتك ‌شاة ‌لحم» دلالة على إبطال كونها نسكًا، وفيه دليل أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالجهل، وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات، فعَذَروا في المنهيات بالنسيان والجهل، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة، وفُرِّق بينهما بأنَّ المقصود من المأمورات إقامة مصالحها؛ وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها؛ امتحانًا للمكلَّف بالانكفاف عنها؛ وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه. إحكام الأحكام (1/ 342 ، 343).

قوله: «إنَّ عندي دَاجِنًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«إن عندي داجنًا» بالجيم والنون: الذي يألف البيوت، لا سنَّ لها معينًا. إرشاد الساري (8/ 304).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
والدَّاجِن: الشاة التي أَلِفَت البيوت واستأنست، قيل: إنما لم تدخل التاء فيها؛ لأن الشاة مما يفرَّق بين الجنس وواحده بالتاء، فتأنيثه وتذكيره يظهر بالوصف، وأجيب بأن هذا التقرر لا يصح ها هنا؛ لأن الجذعة للمؤنث، فيلزم أن يكون مذكرًا مؤنثًا، والأولى أن يقال: الداجن صار اسمًا للإلف في البيت، واضمحلَّ معنى الوصفية عنه، فاستوى فيه المذكر والمؤنث. الكواكب الدراري (20/ 127، 128).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
الداجن: الشاة التي يَعْلِفُها الناس في منازلهم. بذل المجهود (9/ 549).

قوله: «جَذَعَةً من المَعْزِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«جذعة» بالجيم والذال المعجمة، بالنصب عطف بيان لـ«داجنًا». إرشاد الساري (8/ 304).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «جذع من المعز» وهو الذي لم يطعن في الثالثة، وهذا أيضًا من خواص أبي بردة -رضي الله تعالى عنه-. الكواكب الدراري (20/ 127).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«جذعة» بفتح الجيم والذال المعجمة، هو وصف لسنٍّ معيَّن مِن بهيمة الأنعام، فمن الضأن ما أكمل السَّنة، وهو قول الجمهور، وقيل: دونها، ثم اختُلف في تقديره فقيل: ابن ستة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة، وحكى الترمذي عن وكيع أنه ابن ستة أشهر، أو سبعة أشهر، وعن ابن الأعرابي: أن ابن الشَّابَّين يجذع لستة أشهر إلى سبعة، وابن الهَرِمَين يجذع لثمانية إلى عشرة، قال: والضأن أسرع إجذاعًا من المعز، وأما الجذع من المعز فهو ما دخل في السَّنة الثانية، ومن البقر ما أكمل الثالثة، ومن الإبل ما دخل في الخامسة. فتح الباري (10/ 5).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
اختُلف في سن الجذعة من الضأن، فأقل ما قيل في ذلك: ستة أشهر، وأقصى ما قيل في ذلك سنة تامة. الكوكب الوهاج (20/ 403).

قوله: «قال: اذْبَحْهَا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«قال» -صلى الله عليه وسلم-: «اذبحها» عن أضحيتك خصوصية لك. إرشاد الساري (8/ 304).

قوله: «ولنْ تَصْلُحَ لغيرِكَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولن تصلح» أضحية، ولأبي ذر وابن عساكر: «ولا تصلح» «لغيرك». إرشاد الساري (8/ 304).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في هذا: بيان أن الجذع من المعز لا تجزئ عن أحد، ولا خلاف أن الثَّنِي من المعز جائز.
وقال أكثر أهل العلم: إن الجذع من الضأن يجزئ، غير أن بعضهم اشترط أن يكون عظيمًا.
وحكي عن الزهري أنه قال: لا يجزئ من الضأن إلا الثني فصاعدًا، كالإبل والبقر. معالم السنن (2/ 229).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد أجمع العلماء على الأخذ بحديث أبي بُردة، وأنه ‌لا ‌يجزئ ‌الجذع من المعز. إكمال المعلم (6/ 410).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
في تخصيص النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بردة بإجزائها عنه وجهان:
أحدهما: لأنه كان قبل استقرار الشرع، فاستثني.
والثاني: أنه عَلِمَ من صدق طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمّن سِواه.
واختلفوا هل كان ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن اجتهاد رأيه، أو عن وحي من الله تعالى؟ على وجهين. الحاوي الكبير (15/ 172).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: وفي الأوَّل نظر؛ لأنه لو كان سابقًا لامتنع وقوع ذلك لغيره بعد التصريح بعدم الإجزاء لغيره، والفرض ثبوت الإجزاء لعدد غيره، كما تقدم. فتح الباري (10/ 15).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
اعلم أنَّ بين قوله -صلى الله عليه وسلم- لعُقبة: «ولا رخصة فيها لأحد بعدك» وبين قوله لأبي بردة بن نيار: «ضحِّ بالجذع من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك» منافاة ظاهرة، فإنَّ في كل منهما صيغة عموم، فأيهما يُقدَّم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، فقيل: يحتمل أن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نُسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا، وذكر بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة، لكن ليس التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في الصحيحين، وفي قصة عقبة بن عامر في البيهقي، ولم يشاركهما أحد في ذلك، نعم وقعت المشاركة في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير لزيد بن خالد، رواه أبو داود وأحمد، وصححه ابن حبان، ولسعد بن أبي وقاص رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس. مرعاة المفاتيح (5/ 83).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثَي أبي بردة وعقبة؛ لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم قرر الشرع بأنَّ الجذع من المعز لا يجزئ، واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك، وإنما قلت ذلك؛ لأن بعض الناس زعم أن هؤلاء شاركوا عقبة وأبا بردة في ذلك، والمشاركة إنما وقعت في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير، ومنهم من زاد فيهم عويمر بن أشقر، وليس في حديثه إلا مطلق الإعادة؛ لكونه ذبح قبل الصلاة، وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي زيد الأنصاري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل من الأنصار: «اذبحها ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك» فهذا يحمل على أنه أبو بردة بن نيار، فإنه من الأنصار، وكذا ما أخرجه أبو يعلى والطبراني من حديث أبي جحيفة أن رجلًا ذبح قبل الصلاة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجزي عنك، قال: إن عندي جذعة، فقال: تجزي عنك ولا تجزي بعد» فلم يثبت الإجزاء لأحد، ونفيه عن الغير إلا لأبي بردة وعقبة، وإن تعذر الجمع الذي قدمته، فحديث أبي بردة أصح مخرجًا، والله أعلم. فتح الباري (10/ 15).
وقال العراقي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
أحدها: التفريق بين النوعين، فيجزئ الجذع من الضأن، ولا يجزئ الجذع من المعز، وهذا هو المشهور من مذاهب العلماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة، ونقل القاضي عياض وغيره الإجماع عليه، وحكى الترمذي إجزاء الجذع من الضأن عن أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
القول الثاني: منع الجذع مطلقًا ضأنًا كان أو معزًا، ذهب إليه ابن حزم الظاهري، وحكاه عن طائفة من السلف، وأطنب في الرد على من فرَّق في ذلك بين الضأن والمعز، وحكاه العبدري وغيره من أصحابنا عن الزهري، وحكاه ابن المنذر في الإشراف والعمراني في البيان عن ابن عمر.
القول الثالث: تجويز الجذع مطلقًا، ولو من المعز، حكاه العبدري عن الأوزاعي، وحكاه صاحب البيان عن عطاء بن أبي رباح، وحكاه ابن حزم عن عقبة بن عامر وزيد بن خالد وابن عمر وأم سلمة، وحكاه الرافعي وجهًا عند الشافعية. طرح التثريب (5/ 191).
وقال النووي -رحمه الله-:
وحكى الرافعي وجهًا: أنه يجزئ الجذع من المعز، وهو شاذ ضعيف، بل غلط، ففي الصحيحين عن البراء بن عازب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي بردة بن نيار خال البراء بن عازب: «تجزئك -يعني الجذعة من المعز- ولا تجزئ أحدًا بعدك» والله أعلم.
ثم الجذع: ما استكمل سَنة على أصح الأوجه، والوجه الثاني: ما استكمل ستة أشهر، والثالث: ثمانية أشهر، والرابع: إنْ كان متولدًا بين شابَّين فستة أشهر، وإلا فثمانية. المجموع (8/ 393).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
ولا يُجْزِئُ أقلُّ من جَذَعِ الضَّأْنِ، وثَنْيِ المَعْزِ والإبِلِ والبقرِ، والجَذَعُ: ذو سَنَةٍ تَامَّةٍ، نعم إنْ أَجْذَعَ قبلَها أي: أَسْقَطَ سِنَّهُ أَجْزَأَ، كما لو تَمَّتْ السَّنَةُ قبل أَنْ يُجْذِعَ. أسنى المطالب في (1/ 535).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
تجوز الأضحية بما كان أصغر من الجذع من الضأن (وهو الجذع من المعز) لمن ذبح قبل صلاة العيد جاهلًا بالحكم، ولم يكن عنده ما يعتد به في الأضحية وغيرها؛ لقصة أبي بُردة بن نيار، ويُحمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولن يجزئ أحد بعدك» أي: بعد حالك. الفتاوى الكبرى (5/ 384).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
مع أنَّ هذه العَنَاق لا تجزئ في الأضحية؛ لعدم بلوغها السن المعتبرة شرعًا، لكن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أذن له، وقال: «إنها لا تجزئ عن أحد بعدك»، هل المراد بقوله: «لا تجزئ عن أحد بعدك» عينًا أو حالًا؟ أكثر العلماء على الأول، والصحيح الثاني، وأنَّ مَن وقع له مثل ما وقع لأبي بُردة فلا حرج أن يذبح عناقًا؛ وذلك أن القاعدة الشرعية: أنَّ التكاليف لا تتعلَّق بالشخص لشخصيته؛ لأن الله لا يحابي أحدًا، وإنما تعلق الأحكام بالمعاني والعلل، حتى خصائص الرسول -عليه الصلاة والسلام- ليست خصائص له شخصية، لكن مِن أجل أنه رسول، ولا يتصف بهذا الوصف سواه، وهذا الذي نراه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق.
فإنْ قيل: هل تجزئ العَناق وإن لم تكن ذات بال وقيمة عند صاحبها ولا يحبها؛ لأن أبا بردة: قال: عندي عناق هي أحب إلى من شاتين؟
فالجواب: أنَّ هذا وصف طردي؛ لأن محبة الإنسان للشيء لا ترفعه إلى أن يجزئ، وهو على وصف لا يجزئ؛ ولهذا لو كان للإنسان عَنَاق ولم تحدث له هذه الحال، وقال: إن هذه العناق أحب إلى من شاتين، فنقول: لا تجزئ، فليست العلة هي كونها أحب إليه، فهذا وصف طردي لا يُعلَّل به. الشرح الممتع (7/ 458-459).

قوله في رواية: « فإنَّ عندنا عَنَاقًا لنا جَذَعةً»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
العناق من المعز ابن خمسة أشهر أو نحوها، وهو جذعة، ولا يجوز في الضحايا بإجماع، وإنما يجوز من المعز الثَّنِي فما فوقه، وهو ثَنِيٌّ إذا تم له سَنة ودخل في الثانية، وإنما يجوز الجذع من الضأن فقط، وهو ابن سبعة أشهر، قيل: إذا دخل فيها، وقيل: إذا أكملها، وعلامته: أن يرقد صوف ظهره بعد قيامه، وإذا كان كذلك قالت العرب: إنه قد أجذع، ولا يجوز من سائر الأزواج الثمانية من الأنعام إلا الثَّنِي فما فوقه، فثَنِيُّ البقر إذا كَمُلَ له سَنتان ودخل في الثالثة، وثَنِيُّ الإبل إذا كمل له خمس سنين، ودخل في السادسة. شرح صحيح البخاري (6/ 20، 21).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أما العَنَاق: فهي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة، فإذا قوي ورعى وأتى عليه حول قيل للذكر منه: عَتُودٌ، وقال بعضهم: هي الصغيرة من أولاد المعز ما دامت ترضع؛ ولهذا قال في بعض روايات صحيح مسلم: «عندي عَنَاقُ لبنٍ» أي: صغيرة قريبة مما ترضع، وجَمْعُ العناق: أَعْنُقٌ وعُنُوق. العدة (2/ 699، 700).

قوله: «هي أحبُّ إليَّ من شَاتَيْنِ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أحب إليَّ من شاتين» من جهة طِيب لحمها، وكثرة قيمتها، وسِمَنِها. الكواكب الدراري (6/ 65).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المعنى: أنها أطيب لحمًا، وأنفع للآكلين؛ لِسِمَنِهَا ونفاستها. فتح الباري (10/ 13).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «أحب إليَّ من شاتين» يعني: من طِيب لحمها. التوضيح (8/ 81).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «أحب إليَّ من شاتين» أي: إحداهما التي ذبحتها ولم تُعتبر، والثانية هذه، كانت تلك أحب شاتيه، لا أن تلك كانت أسمن وأحب من الشاتين. فيض الباري (2/ 466).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«أحب إليَّ من شاتين» لِسِمَنِهَا، ونجابتها، وكرم أصلها. كشف اللثام (3/ 192).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد استُشكل هذا بما ذُكر أن عتق نفسين أفضل من عتق نفس واحدة، ولو كانت أنفس منهما.
وأجيب: بالفرق بين الأضحية والعتق: أن الأضحية يُطلب فيها كثرة اللحم، فتكون الواحدة السمينة أولى من الهزيلتين، والعتق يُطلب فيه التقرب إلى الله بفك الرقبة، فيكون عتق الاثنين أولى من عتق الواحدة، نعم إن عرض للواحد وصف يقتضي رفعته على غيره كالعِلْم وأنواع الفضل المتعدي فقد جزم بعض المحققين بأنه أولى؛ لعموم نفعه للمسلمين. فتح الباري (10/ 13-14).

قوله: «أفتجزي عنِّي؟ قال: نعم»:
قال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
قوله: «أفتجزي عني؟» استفهام طلبي. تأسيس الأحكام (3/ 39).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«أفتجزي عني؟» إن أنا ذبحتها بعد الصلاة مكان أضحيتي؟ «قال» -صلى الله عليه وسلم-: «نعم» أي: تجزئ أضحية عنك خاصة. كشف اللثام (3/ 192).

قوله: «ولن تجزي عن ‌أحد ‌بعدك»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«ولن تجزي» العَنَاق التي لم يتم لها سنة «عن أحد» من الناس «بعدك». كشف اللثام (3/ 192).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
«ولن تجزئ عن أحد بعدك» يعني: أنها خصيصة لأبي بردة، يعني: هذه الرخصة. تأسيس الأحكام (3/ 39).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك» معناه: جذعة المعز، وهو مقتضى سياق الكلام، وإلا فجذعة الضأن تجزي. المنهاج شرح صحيح مسلم (13/ 114).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «ولن تَجزي عن أحد بعدك» الذي اختير فيه فتح التاء، بمعنى تقضي، يقال: جزى عني كذا، أي: قضى؛ وذلك أن الذي فَعَله لم يقع نسكًا، فالذي يأتي بعده لا يكون قضاء عنه، وقد صرح في الحديث بتخصيص أبي بردة بإجزائها في هذا الحكم عما سبق ذبحه، فامتنع قياس غيره عليه. إحكام الأحكام (1/ 343).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولن تجزي عن أحد بعدك» هو بفتح التاء المثناة فوق، ومعناه: لن تقضي، يقال: جزى عني كذا، أي: قضى، أي أنّ الذي فَعَله من الذبح قبل الصلاة لم يقع نسكًا، فالذي يأتي بعده لا يكون قضاء عنه، وهذا الذي ضبطناه في «تَجزي» بفتح التاء هو في جميع الطرق والروايات، وهو من نحو قوله تعالى: {وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} لقمان: 33، وقد امتنع بهذا الحديث قياس غير أبي بردة عليه، وتخصيص أبي بردة بهذا الحكم إمضاء له دون من بعده، ولا شك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى عقبة بن عامر -رضي الله عنه- عَتُودًا، وقال: «ضحِّ به أنت» رواه مسلم في صحيحه، وأعطى زيد بن خالد -رضي الله عنه- عتودًا أجذع، فقال: «ضحِّ به، فقلتُ: إنه جذع من المعز أضحي به؟ قال: «نعم، ضحِّ به، فضحيتُ به»، ورواه أبو داود بإسناد حسن، وليس فيها قوله: «من المعز» لكنه معلوم من قوله: «عَتُود»؛ فإن العَتُود من أولاد المعز خاصة، وهو ما رعى وقوي، قال الجوهري وغيره: هو ما بلغ سنة، وجمعه أعتدة وعدَّان بإدغام التاء في الدال، ومعلوم أنه لا يجزئ في الأضحية، وإنما يجزئ الجذع من الضأن؛ ولهذا روى البيهقي بإسناده الصحيح عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: «أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غنمًا أقسمها ضحايا بين أصحابي، فبقي عَتُود منها، فقال: ضحِّ بها أنت، ولا رخصة لأحد فيها بعدك» فهذان الصحابيان حكمهما في الرخصة لهما حكم أبي بردة بن نيار. العدة (2/ 698، 699).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك» يعني: من المعز، وهو الذي لا نعرف فيه خلافًا، وأما الجذع من الضأن فإنه جائز عند الجمهور، وفيه خلاف شاذ يرده حديث جابر، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن» وما روى الترمذي عن أبي كباش، قال: جلبتُ غنمًا جذعانًا إلى المدينة، فكَسَدَت عليَّ، فلقيتُ أبا هريرة فسألته، فقال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «نِعْمَ -أو: نِعْمَت- الأضحية الجذع من الضأن» فانتهبها الناس، قال: هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، أن الجذع من الضأن يجزئ في الأضحية، فأما الجذع من المعز فلا يجزئ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بردة: «لا تجزي عن أحد بعدك». المفهم (5/ 356، 357).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» لكن «لا تجزئ» أي: لا تكفي «جذعة» ولا عناق «عن أَحدٍ بعدك» فإن إجزائها في الأضحية خصوصية لك. الكوكب الوهاج (20/ 405).
وقال الباجي -رحمه الله-:
الذي يجزئ عن الإنسان في الضحايا من الضأن: الجذع فما فوقه، ومن ‌المعز والإبل والبقر: الثنيُّ فما فوقه.
والدليل على إجزاء الجذع من الضأن: ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا ‌جذعة من الضأن».
والدليل على أن الجذع من ‌المعز لا يجزئ: ما روي في حديث البراء، أن أبا بردة بن نيار قال: «إن عندي عَناق ‌جذعة، وهي خير من شاتي لحم، فهل تجزي عني؟ قال: نعم، ولن تَجزي عن أحد بعدك».
فإن قيل: فما الفرق بين الضأن وغيرها؟
قيل له: الفرق بينهما نص صاحب الشريعة، ولا فرق أصح منه، ووجه آخر وهو أنه قد روى ابن الأعرابي أنه قال: «إنَّ ‌المعز والبقر والإبل لا تُضرب فحولتها إلا بعد أن تُثْنِيَ، والضأن تُضرب فحولتها إذا أجْذَعَت». المنتقى (3/ 87).

قوله: «مَن ضحَّى قبل الصلاة فإنما ذَبَحَ لنفسه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن ضحى قبل الصلاة» أي: ذبح أضحيته قبل صلاة العيد. فيض القدير (6/173).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
«قبل الصلاة» الصلاة المعهودة، وهي صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصلاة الأئمة بعد انقضاء عصر النبوة. نيل الأوطار (5/147).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قبل الصلاة» أي: قبل مُضي وقت صلاة العيد، وما يتعلَّق بها من الخطبة، وإلا فوقت الصلاة إلى الزوال. إرشاد الساري (8/ 299).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإنما ذَبَحَ لنفسه» لا للقُربة والسُّنة؛ لأن تفويت الوقت تفويت للمُؤَقَّت. التنوير شرح الجامع الصغير (10/299).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإنما ذَبَحَ لنفسه» ولم يضحِّ، وفي رواية: «فإنما هو لحم قدَّمه لأهله». فيض القدير (6/173).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فإنما يذْبَحُ لنفسه» يعني: لا تجوز عن الأضحية. المفاتيح في شرح المصابيح (2/341).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «لنفسه» لحمًا يأكل، لا ثواب له فيه. إرشاد الساري (8/ 299).

قوله: «ومَن ذَبَحَ بعد الصلاة فقد تمَّ نُسُكُهُ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ومَن ذَبَحَ بعد الصلاة» للعيد. فيض القدير (6/173).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«ومَن ذَبَحَ بعد الصلاة فقد تمَّ نُسُكُهُ» أي: عبادته. فتح الباري (10/ 16).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقد تمَّ نُسُكُهُ» أي: ذَبْحُهُ باستكمال آدابه، وقُبِلَت ذبيحته. الكوكب الوهاج (20/403).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقد تمَّ نُسُكُهُ» عبادته بالضحية. التنوير شرح الجامع الصغير (10/299).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فقد تمَّ نُسُكُهُ» أي: ثبت وصح. لمعات التنقيح (3/555).

قوله: «وأصاب سُنَّة المسلمين»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«وأصاب سُنَّة المسلمين» أي: طريقتهم. فتح الباري (10/ 16).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأصاب» أي: وافق «سُنَّة المسلمين» أي: طريقتهم في قرابينهم. الكوكب الوهاج (20/403).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأصاب سُنّة المسلمين» فيه أن التضحية بعد الصلاة سُنة من سنن المسلمين التي سَنَّها الله لهم، وأنه لا ضحية لمن ضحى قبل الصلاة ولو كان ممن لا تلزمه الصلاة؛ إذ لا دليل على التخصيص. التنوير شرح الجامع الصغير (10/299).
وقال ابن حمزة الحسيني -رحمه الله-:
سببه (أي: الحديث) كما في مسلم عن البراء قال: «ضحى خالي أبو بُرْدَة قبل الصلاة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: تلك شاةُ لحْمٍ، فقال: يا رسول الله، إن عندي جذعة من المعز، فقال: ضحِّ بها ولا تصلح لغيرك، ثم قال: مَن ضحَّى» فذكره. البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف (2/224).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
كون أبي بردة -رضي الله عنه- ضحى قبل الصلاة ولم تعتبر أضحيته؛ لعدم موافقتها للسُّنة، وعدم الإتيان بها على الوجه المشروع، يدلُّنا على أن الإنسان إذا فعل القُربة وهو غير موافق للسُّنة لا يُعتبر ذلك؛ لأن أبا بُردة -رضي الله عنه- كان قصده حسنًا، ومع ذلك لم يُعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذبيحته أضحية؛ لأنها ما وَقَعَت في الوقت. شرح سنن أبي داود (330/14).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه (أي: الحديث) ‌أن ‌العمل ‌وإن ‌وافق ‌نيَّةً ‌حسنة ‌لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع. فتح الباري (10/ 17).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- معلقًا:
ولهذا فإن ما يفعله بعض الناس مِن ذِكْرٍ وأمورٍ مبتدعة مُحْدَثَة لم تأتِ بها سُنة، ويتعللون بأن القصد حسن لا يصح؛ لأن ذلك لا يكون كافيًا؛ لدلالة هذا الحديث الذي معنا. شرح سنن أبي داود (330/14).
وقال المازري -رحمه الله-:
«ومَن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نُسُكُهُ وأصاب سُنَّة المسلمين»، فاعتبر في هذه الأحاديث الصلاة دون الذبح، وقد قال في بعضها: «فمَن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نُسُكُهُ» واشتراط الذبح زيادة تفتقر إلى دليل.
وأما الشافعي فرأى أن المراد بذكره الصلاة: الوقت، وجَعَل الفراغ منها عَلَمًا عليه، فلهذا اعتبر الوقت.
هذا الكلام في مبتدأ زمن الذبح، وأما منتهاه فمن الناس مَن قال: يوم النحر خاصة، ومنهم مَن قال: يوم النحر ويومان بعده وهو مذهب مالك، ومنهم مَن قال: يوم النحر وثلاثة بعده، ومنهم مَن قال: إلى آخر الشهر. المعلم بفوائد مسلم (3/89).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
أجمع كل مَن يُحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الضحايا لا يجوز ذبحها قبل طلوع الفجر من يوم النحر. الإشراف على مذاهب العلماء (3/404).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
سُنَّة الذبح: بعد الصلاة، وأجمع العلماء أن من ذبح قبل الصلاة فعليه الإعادة؛ لأنه ذبح قبل وقته. شرح صحيح البخاري (6/ 25).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
واختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه ذبح الأضحية، فكان الشافعي يقول: إذا برزت الشمس ومضى من النهار قدر ما يدخل الإمام في الصلاة فيصلي ركعتين ويخطب خطبتين خفيفتين حلَّ الأضحى.
وقال الحسن البصري: إذا ذبح قبل صلاة الإمام يُعيد.
وقال الأوزاعي: لا يصلح إلا بعد الصلاة.
وقال أحمد: إذا انصرف الإمام.
وقال إسحاق: إذا فرغ الإمام من الخطبة.
وقال مالك: في أهل البوادي يتحرون أقرب الأئمة إليهم فينحرون بعده.
وفيه قول ثانٍ: وهو أنَّ مَن ذبح بعد الصلاة والإمام يخطب أجزأه، هذا قول الثوري.
وقال مالك: إنْ ذبح قبل الإمام أعاد.
وقال عطاء: إذا ذبح بعد طلوع الفجر في غير مصر أجزأه، وبه قال إسحاق، وأصحاب الرأي في البوادي.
وقال أصحاب الرأي في أهل الأمصار: يذبحون بعد انصراف الإمام.
قال أبو بكر (ابن المنذر): الذي قاله الشافعي حسن. الإشراف على مذاهب العلماء (3/404- 405).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
اختلفوا في وقت الأضحية:
فعند الشافعية بعد مُضي قدر صلاة العيد وخطبتها من طلوع الشمس يوم النحر سواء صلى أم لا، مقيمًا بالأمصار أم لا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن ذبح بعد الصلاة»، وهي أعم من صلاة الإمام وغيره، ولا يشترط فعل الصلاة اتفاقًا لصحة التضحية، فدل على أن المراد بها وقتها.
وعند الحنفية وقتها في حق أهل الأمصار: من صلاة الإمام وخطبته، وفي حق غيرهم بعد طلوع الفجر (الثاني).
وعند المالكية: بعد فراغ الإمام من الصلاة والخطبة والذبح.
وعند الحنبلية: لا يجوز قبل صلاة الإمام ويجوز بعدها قبل ذبحه. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (20/121-122).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما الذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام، فموضع اختلف فيه العلماء؛ لاختلاف الآثار في ذلك، فذهب مالك والشافعي وأصحابهما والأوزاعي إلى أنه لا يجوز لأحد أن يذبح أضحيته قبل ذبح الإمام، وحجتهم: حديث مالك هذا، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر أبا بردة بن نيار لما ذبح ضحيته قبل ذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعيد بضحية أخرى».
وروى ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نحر، فأَمَرَ مَن كان نَحَرَ قبله أن يعيد بذبح آخر، ولا ينحر حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-» ذكره سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج.
ففي هذين الحديثين أن النحر لا يجوز قبل نحر الإمام.
وقال معمر، عن الحسن في قول الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الحجرات: 1 نزلت في قوم ذبحوا قبل أن ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو قبل أن يصلي النبي -صلى الله عليه وسلم-، «فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعيدوا».
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والليث بن سعد: لا يجوز ذبح الأضحية قبل الصلاة، ويجوز بعد الصلاة قبل أن يذبح الإمام، وحجتهم: حديث الشعبي، عن البراء، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من نسك قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم».... (ثم ساق بإسناده) عن البراء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خطبته يوم النحر: «من ذبح قبل الصلاة فليُعِدْ» و(وساق بإسناده) عن البراء بن عازب، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سُنَّتنا، ومن تعجَّل فإنما هو لحم قدَّمه لأهله، وكان أبو بردة بن نيار ذبح قبل الصلاة، فقال: يا رسول الله، إن عندي جذعة خيرًا من مُسِنَّة، فقال: اجعلها مكانه، ولن تَجزئ أو تُوْفِيَ عن أحد بعدك»...
قال أبو عمر (ابن عبد البر): لا أعلم خلافًا بين العلماء أن مَن ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضحٍ، وكذلك لا أعلم خلافًا أن الجذع من المعز ومن كل شيء يضحَّى به -غير الضأن- لا يجوز، وإنما يجوز من ذلك كله الثني فصاعدًا، ويجوز الجذع من الضأن بالسُّنة المسنونة. التمهيد (15/ 114- 121).
وقال المظهري -رحمه الله-:
اعلم أن أول وقت ‌الأضحية: إذا مضى من يوم العيد بعد ارتفاع الشمس بقدر رمح، قدر صلاة العيد والخطبتين، فإذا مضى هذا القدر دخل وقت ‌الأضحية، وإن لم يصلِّ القوم، وآخر وقته: إذا مضى اليوم الرابع مع يوم العيد، يستوي فيه أهل الأمصار والقرى، هذا مذهب الشافعي -رضي الله عنه-، وأما مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز لأهل القرى ‌الأضحية بعد طلوع الشمس، ولا يجوز لأهل المصر حتى يصلي ‌الإمام، فإن لم يصلِّ ‌الإمام فحتى تزول الشمس، وآخر وقته عنده آخر اليوم الثالث مع يوم العيد. المفاتيح (2/ 341).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وأما إذا لم يكن ثَمّ إمام، فالظاهر أنه يعتبر لكل مضحٍّ بصلاته، وقال ربيعة فيمَن لا إمام له: إنْ ذبح قبل طلوع الشمس لا تجزئه، وبعد طلوعها تجزئه.
وقد تأوَّل أحاديث الباب مَن لم يعتبر صلاة الإمام وذبحه: بأن المراد بها الزجر عن التعجيل الذي يؤدي إلى فعلها قبل وقتها، وبأنه لم يكن في عصره -صلى الله عليه وسلم- مَن يصلي قبل صلاته، فالتعليق بصلاته في هذه الأحاديث ليس المراد به إلا التعليق بصلاة المضحي نفسه، لكنها لما كانت تقع صلاتهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- غير متقدمة ولا متأخرة، وقع التعليق بصلاته -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف العصر الذي بعد عصره، فإنها تُصلى صلاة العيد في الْمِصْرَ الواحد جماعات متعددة، ولا يخفى بعد هذا، فإنه لم يثبت أن أهل المدينة ومَن حولهم كانوا لا يصلون العيد إلا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يصلح للتمسك لمن جوز الذبح من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر ما ورد من أنَّ يوم النحر يومُ ذبح؛ لأنه كالعام، وأحاديث الباب خاصة، فيُبنى العام على الخاص. نيل الأوطار (5/147- 148).
وقال الكاساني -رحمه الله-:
وأما الذي يرجع إلى وقت التضحية فهو أنها لا تجوز قبل دخول الوقت؛ لأن الوقت كما هو شرط الوجوب فهو شرط جواز إقامة الواجب، كوقت الصلاة، فلا يجوز لأحد أن يضحي قبل طلوع الفجر الثاني من اليوم الأول من أيام النحر، ويجوز بعد طلوعه، وسواء كان من أهل المصر، أو من أهل القرى، غير أنَّ للجواز في حق أهل المصر شرطًا زائدًا، وهو أن يكون بعد صلاة العيد، لا يجوز تقديمها عليه عندنا.
وقال الشافعي -رحمه الله-: إذا مضى من الوقت مقدار ما صلى فيه رسول الله صلاة العيد جازت الأضحية، وإن لم يصلِّ الإمام.
والصحيح قولنا؛ لما روينا عن رسول الله أنه قال: «مَن ذبح قبل الصلاة فلْيُعِدْ أضحيته»، وروي عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «أَوَّلُ نُسُكِنَا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح»، ورُوِيَ عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه-: «مَن كان منكم ذبح قبل الصلاة فإنما هي غدوة أَطْعَمَهُ الله تعالى، إنما الذبح بعد الصلاة»، فقد رتب النبي -عليه الصلاة والسلام- الذبح على الصلاة، وليس لأهل القرى صلاة العيد، فلا يثبت الترتيب في حقهم.
وإن أخَّر الإمام صلاة العيد فليس للرجل أن يذبح أضحيته حتى يتنصف النهار، فإن اشتغل الإمام فلم يصلِّ العيد، أو ترك ذلك متعمدًا حتى زالت الشمس، فقد حل الذبح بغير صلاة في الأيام كلها؛ لأنه لما زالت الشمس فقد فات وقت الصلاة. بدائع الصنائع (5/ 73).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
لكن الأَوْلَى لصاحب الأضحية أنْ يُؤخر ذبحها؛ ليقع بعد ذبح الإِمام أضحيته احتياطًا، وعملًا بأقوال جميع الأئمة، كما قاله الزرقاني. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (3/ 191).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
واتفقوا أنَّ مَن ضحى بعد أن يضحى ‌الإمام يوم النحر إلى غروب الشمس من يوم النحر فقد ضحى. مراتب الإجماع (ص:153).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
واختُلف في ليالي أيام النحر: هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أو لا؟
فروي عن مالك في المشهور: أنها لا تدخل، فلا يجوز الذبح بالليل، وعليه جمهور أصحابه.
وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: الليالي داخلة في الأيام، ويجزئ الذبح فيها، وروي عن مالك وأشهب نحوه.
ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية، فأجاز الهدي ليلًا، ولم يجز الضحية ليلًا.
وقد تمسك مالك بأصل وضع الأيام؛ فإنه الحقيقة في الكلام.
وقد روي في ذلك نهي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث عطاء بن يسار مرسلًا، ولا يصح؛ لأنه من حديث مبشر بن عبيد، وهو متروك. المفهم (5/354).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
اتفقوا على أنه يجوز ذبح الأضحية ليلًا في وقتها المشروع لها، كما يجوز في نهاره، إلا مالكًا فإنه قال: لا يجوز ذبحها ليلًا، وعن أحمد رواية مثله، وأبو حنيفة يكرهه مع جوازه. اختلاف الأئمة العلماء (1/ 334، 335).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
اتفقوا أنَّ ما بعد اليوم الرابع من يوم النحر ليس بوقت للتضحية، إلا شيئًا بلغنا عن الحسن لا نقف على موضعه من روايتنا: أن التضحية جائزة إلى هلال المحرم. مراتب الإجماع (ص: 153).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-: 
وهذا الحديث صريح في مذهب أحمد ومَن وافقه في تعليق الذبح بفعل الصلاة، وأنَّ وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يُشترط التأخير إلى نحر الإمام. مرعاة المفاتيح (5/43).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: كَرم الرَّبِّ -سبحانه وتعالى-؛ ‌لكونه ‌شرع ‌لعبيدهِ ‌الأضحية مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذَّبح، ثم مَن تصدق أُثيب وإلا لم يأثم. فتح الباري (10/ 17).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه من الفقه: أنَّ من ذبح قبل الصلاة لم يجزه عن الأضحية. معالم السنن (2/ 229). 


إبلاغ عن خطأ