الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«كان النبي -صلَّى الله عليه وسلم- إذا حَلَفَ قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ».


رواه أحمد برقم: (16216)، وابن ماجه برقم: (2090)، من حديث رِفَاعَة الجُهَني -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4705)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2069). 


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا حلف»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إذا حلف» أي: أراد أن يحلف، وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يلاحظ أنه يبرَّه تعالى، وأنه تعالى قادر على التصرف فيه كيف شاء سيما عند الحلف باسمه تعالى؛ ليرده عليه ذلك عن الاجتراء على المعاصي والحلف به تعالى كاذبًا. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 644).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: إذا أراد الحلف على شيء تركًا كان أو فعلًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (12/ 220).

قوله: «قال: «والذي نفس محمد بيده»:
قال المظهري -رحمه الله-:
الواو في و«الذي» للقسم، وأراد بـ«الذي» الله تعالى.
النفس: الروح والدم والجسد والعين (المراد بالعين هنا الذات وليست العين الباصرة).
«بيده» أي: بقدرته وأَمرهِ، يقلبها ويصرفها كيف يشاء، سُميت القُدرة يدًا؛ لأن قوة الإنسان وقُدرته وتصرفه باليد، فأُطلق اسم اليد التي هي سبب القُدرة والقوة على القوة والقُدرة. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 71).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والذي» أي: والله الذي «نفس محمد» أي: روحه وذاته وصفاته وحالاته وإرادته وحركاته وسكناته «بيده» أي: كائنة بنعمته، وحاصلة بقدرته، وثابتة بإرادته، ووجه استعارة اليد للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا، وهي من المتشابهات، ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله تعالى مع التنزيه عن ظاهره، وهو أسلم حذرًا من أن يعين له غير مراد له تعالى.(نسبة ذلك للسلف خطأ شنيع). مرقاة المفاتيح (1/ 76).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
«والذي نفسي بيده» وهذا القسَم كثيرًا ما يُقْسِم به النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعناه: والذي نفسي في ملْكِه يتصرف فيها بقدرته ومشيئته. هذا هو معنى الكلام مركبًا، فإذا أراد الحافظ أو غيره بقولهم: "المراد باليد هنا القُدرة" المعنى المراد من جملة القَسَم كان صحيحًا، وإن أراد أنَّ يد الله المراد بها قُدْرَتُه؛ فهذا جارٍ على مذهب أهل التأويل مِن نُفَاةِ الصفات الذين ينفون عن الله -عز وجل- حقيقة اليدين، ويُؤَوِّلُون ما ورد في النصوص بالقدرة أو النعمة، وهو تأويل باطل مبني على باطل، وهو: اعتقاد نَفْيِ حقيقة اليدين عن الله -عز وجل-، وهذا التأويل صَرْفٌ للنصوص عن ظاهرها، كقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ص: 75، فلو كان المراد باليدين القدرة لما كان بين آدم وإبليس فَرْقٌ؛ إذ الكل مخلوق بالقدرة، والحافظ -رحمه الله- جارٍ في صفة اليد لله تعالى على طريق النُّفاة. تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري (1/ 352).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه القسم بيد الله -عز وجل-؛ لأن اليد صفة من صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثه الصحيحة، فهي صفة ثابتة على ما يليق بجلاله، بدون تأويلها إلى القدرة، كما يقول به بعض الناس. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (13/ 40).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«بيده» فيه إثبات اليد لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، «ونفس» معناها: روحي، وكثير من الشرح يقول: روحي في تصرفه، فرارًا من إثبات الصفة لله -جلَّ وعلا- بالتفسير بلازم، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة من إثبات اليد لله -جلَّ وعلا-. شرح كتاب الصيام من تقريب الأسانيد (1/ 20).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فيه إِثبات صفة اليد لله -عزَّ وجلَّ-، ولازم ذلك أن كل شيء في ملكه وتحت تصرفه، فإذا فسر مثل هذا اللفظ بأن كل شيء في ملكه وتحت تصرفه وكان المقصود به عدم إثبات اليد فهذا تأويل باطل، وإذا أثبتت اليد وأثبت لازمها وأثرها الذي هو أن كل شيء في يد الله وفي قبضة الله فإن ذلك كله يكون حقًا، وإنما المحذور إذا لم تثبت اليد لله -عزَّ وجلَّ، وهذا مثل قوله -عزَّ وجلَّ-: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} الملك:1، فإذا أريد به أن الملك ملكه وكل شيء في قبضته وكل شيء في يده -سبحانه وتعالى- مع إثبات اليد فإن ذلك يكون كله حقًا. شرح سنن أبي داود (176/23).
وقال أبو نصر السجزي -رحمه الله-:
أهل السُّنة متفقون على أَنّ لله سبحانه يَدَينْ، بذلك ورد النّص في الكتاب والأثر، قال الله تعالى: ‌{لِما ‌خَلَقْتُ ‌بِيَدَيَّ} ص: 75، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وكلتا يدي الرحمن يمين». رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص263).
وقال ابن القطان الفاسي -رحمه الله-:
وأجمعوا ‌أنَّ ‌لله ‌يدين مبسوطتين.
وأجمعوا أنَّ الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه من غير أن تكون جوارح.
وأجمعوا أنَّ يديه تعالى غير نعمتيه. الإقناع في مسائل الإجماع (1/ 44).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«والذي نفس محمَّد» روحه «بيده» يتصرف فيها كيف يشاء، وأتى باسمه العلم؛ لأن المقام مقام التواضع، وحضّ النفس؛ ولأنه أدل على إرادة المتكلم بخلاف رسول الله، ونحوه. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 370).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والذي» أي: وأقسمت بالإله الذي «نفس محمد» وروحه، فيه التفات «بيده» المقدسة. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (18/ 45).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: بتصرفه فضلًا عن سائر النفوس. مرقاة المفاتيح (6/ 2491).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقوله: «والذي ‌نفس ‌محمد ‌بيده» خُصَّت بذلك لشرفها، وكذا أنفس الخلق. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (20/ 201).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«والذي نفس محمد بيده» تعبير الإنسان عن نفسه باسمه دون ضميره، وقد ثبت بالضمير في الطريق الأخرى: «والذي نفسي بيده»، وفي الأول نوع تجريد، وفي الحلف بذلك زيادة في التأكيد؛ لأن الإنسان إذا استحضر أن نفسه وهي أعز الأشياء عليه بيد الله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء، استشعر الخوف منه، فارتدع عن الحلف على ما لا يتحققه، ومن ثم شُرع تغليظ الأيمان بذكر الصفات الإلهية، ولا سيما صفات الجلال. فتح الباري (11/ 270).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
مقصوده: تأكيد الإخبار بالقسم، وهذه فائدة القسم كله، ولكن يحتاج إلى فائدة تخصيص هذا القسم المخصوص، وهو قوله -عليه السلام-: «والذي نفس محمد بيده»، وفائدته: ضم التأكيد في وقوع المخبر عنه بمطلق القسم، إلى التأكيد بالصدق في الإخبار بذكر كون النفس بيده وقادر عليها، فتأمله. شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (3/ 215).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولا خلاف في قوله: «والذي ‌نفسي ‌بيده» أنها يمين؛ لأنه حلفٌّ بالله، وقد حلف بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في غير قصة. إكمال المعلم (5/ 419).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هو قسم بالله تعالى، أي: والذي هو مالك نفسي، أو قادر عليها، ففيه دليل على أن الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها اسم الله تعالى، يمين جائزة، حكمها حكم الأسماء الصريحة على ما يأتي. المفهم (4/ 160).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
فإنَّ قوله: «والذي نفسي بيده» ليس من أسماء الله تعالى، ولكنه تنزل منزلة الأسماء في الدلالة، فيلحق به كل ما كان في معناه، كقوله: والذي خلق الخلق، وبسط الرزق، وما أشبه ذلك. المفهم (5/ 107).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «والذي نفسي بيده» هذا قسم، يقسم فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالله؛ لأنه هو الذي أَنفُس العباد بيده -جلَّ وعلا-، يهديها إن شاء، ويضلها إن شاء، ويميتها إن شاء، ويبقيها إن شاء، فالأنفس بيد الله هدايةً وضلالةً، وإحياءً وإماتةً، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} الشمس: 7، 8، فالأنفس بيد الله وحده؛ ولهذا أقسم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان يقسم كثيرًا بهذا القسم: «والذي نفسي بيده»، وأحيانًا يقول: «والذي نفس محمد بيده»؛ لأن نفس محمد -صلى الله عليه وسلم- أطيب الأنفس، فأقسم بها لكونها أطيب الأنفس. شرح رياض الصالحين (2/ 450).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
هذا القسم بهذه الصيغة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسم به كثيرًا، ومضمونه: أنني أقسم قسمًا إن كنتُ غير مصيب فيه فإني أهلك وأموتُ، يعني: قوله: «والذي نفسي بيد الله» كأنه يقول: إن كنتُ كاذبًا فليأخذ الله نفسي؛ لأن النفس بيد الله -عز وجل- فيكون هذا من أعظم القسم، والذي نفسي بيده وهو الله -عز وجل-. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 286).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه إباحة اليمين بالله على كل ما يعتقده المرء مما يحتاج فيه إلى يمين، وما لا يحتاج. شرح صحيح البخاري (5/ 16).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
من الفقه: معرفة يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان يحلف على ما يريد بالله، وفي ذلك رد لقول من قال: لا يحلف بالله صادقًا ولا كاذبًا. التمهيد (11/ 577).
وقال النووي -رحمه الله-:
جواز الحلف بغير تحليف، بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة؛ كتوكيد أمر وتحقيقه ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ‌هذا ‌النوع ‌لهذا ‌المعنى. شرح مسلم (7/ 74).
وقال العراقي -رحمه الله-:
لا بأس بالحلف فيما يريد المخبر أن يخبر به للتأكيد والاهتمام. طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 307).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
جواز الحلف بهذا، وأنه ينعقد به اليمين، ويلزم في الحنث منه الكفارة. شرح سنن أبي داود (11/ 508).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
إقسام على ما يخبر به؛ لأنه خبر عظيم، لا لأن المخاطَب مُنْكِر. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 422).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
هذا مما يصح به اليمين كـ: والذي أعبده، وما شابهه. وفيه جواز الحلف من غير استحلاف تأكيدًا للكلام. شرح سنن أبي داود (4/ 596).


إبلاغ عن خطأ