الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُفْطِرُ على رُطَبَاتٍ قبلَ أنْ يُصلِّي، فإنْ لم تكن رُطَبَاتٌ فعلى تَمَرَاتٍ، فإنْ لم تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ من ماءٍ».


رواه أحمد برقم: (12676)، وأبو داود برقم: (2356)، والترمذي برقم: (696)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4995)، صحيح أبي داود برقم: (2040).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«رُطَبَات»:
جمع رُطَبَةٍ وهو تمر النَّخْل إذا أدرك ونضج قبل أن يكون تمرًا. المنهل العذب المورود (10/79).

«حَسَا»:
أي: شَرِبَ. مرقاة المفاتيح (4/ 1385).

«حَسَوَات»:
الحُسْوَة بالضم: الجُرْعَة من الشراب بقدر ما يُحْسَى مرة واحدة. والحَسْوَة بالفتح: المَرَّة. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير(1/387).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«حَسَا حَسَوَات» أي: يشرب شربات مِن ماء. شرح مصابيح السنة (2/517).


شرح الحديث


قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُفْطِرُ على رُطَبَاتٍ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«كان يُفْطِرُ» إذا كان صائمًا «على رُطَبَاتٍ». فيض القدير (5/235).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «يُفْطِرُ على رُطَبَاتٍ» جمع رُطَبَةٍ، وهو تمر النخل إذا أدرك ونضج قبل أن يكون تمرًا، وأقل الجمع ثلاث، وهو الأكمل الذي كان يعمله النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (10/ 79).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وكان يفعل (أي النبي صلى الله عليه وسلم) ذلك وِتْرًا. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 606).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ليس بواجب، بل ولا سُنة أن يُفْطِر الإنسان على وتر، ثلاث أو خمسٍ أو سبعٍ أو تسعٍ إلا يوم العيد عيد الفطر؛ فقد ثبت «أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:كان لا يغدو للصلاة يوم عيد الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا»، وما سوى ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن لم يكن يتعمَّد أن يكون أكْلُه التمر وترًا.فتاوى نور على الدرب (7/ 284).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وظاهر الحديث أنه لا بد من ثلاث رُطَبات؛ لأنها أقل الجمع، وبذلك صرَّح بعض أصحابنا، فلا تحصل السُّنة بدون ثلاث. شرح سنن أبي داود (10/356)
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قال في الخادم (للزركشي معظمه لم يطبع):...والمقصود: إزالة ما في المعدة من المرَّة المتصاعدة إليها من الصوم، وهو بالرُّطَب والتمر أبلغ؛ لحلاوتهما. إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام (ص: 153).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ الرُّطَب من التمر أَوْلَى من اليابس، فيُقدَّم عليه إن وُجد. نيل الأوطار (4/262).

قوله: «قبل أن يصلي»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قبل أن يصلي» فيه: دليل على أنه يستحب للصائم أن يُفطر قبل أن يصلي، روى الطبراني عن أنس: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان صائمًا لم يُصلِّ حتى يأتيه بِرُطَبٍ وماء فيأكل ويشرب، وإذا لم يكن رُطَبٌ لم يُصَلِّ حتى يأتيه بتمرٍ وماء». شرح سنن أبي داود (10/356).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
الصَّائم يُفطِر عقِبَ الغروب، قبل صلاة المغرب. شرح سنن أبي داود (3/ 101).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فهو سُنَّته وهديه تقديم الإفطار على المغرب. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 606).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وفيه ثلاث فوائد: تعجيل الإفطار...، وتفريغ البال للصلاة، وفَصْلُ ما بين زمان العبادة والعبادة، وبينهما في أنفسهما. عارضة الأحوذي (3/215-216).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وفيه: إشارة إلى المبالغة في استحباب تعجيل الفطر، وأما ما صح أن عمر وعثمان -رضي الله تعالى عنهما- كانا برمضان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة، فهو لبيان جواز التأخير؛ لئلا يُظَنَّ وجوب التعجيل. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (8/497).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فكان عمر وعثمان إذا رأيا سواد الليل في أُفُقِ المشرق تيقَّنَا غروب الشمس في أُفُقِ المغرب يَشرعان في صلاة المغرب؛ لأنه لا خلاف أن تعجيلها مشروع، فكانا يبدآن بالعبادة، فإذا فرغا من الصلاة أفْطَرَا، وليس هذا بتأخيرٍ للفطر؛ لأن التأخير إنما كُرِهَ ممن أخَّره إلى اشتباك النجوم، على وجه المبالغة، ولم يُؤخِّر للمبادرة إلى عبادة. المنتقى شرح الموطأ (2/ 42).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ويمكن أنْ يكون وجْهُهُ (أي: فِعْلُ عمر وعثمان): أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُفْطر في بيته، ثم يخرج إلى صلاة المغرب، وأنهما كانا في المسجد، ولم يكن عندهما تمر ولا ماء. مرقاة المفاتيح (4/ 1385).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وروى عبد الرزاق عن ابن جُريج قال: سمعتُ عروة بن عياض يُخبر عبد العزيز بن عبد الله: أنَّه يُؤْمَرُ أنْ يُفْطِر قبل أنْ يصلي ولو على حَسْوَةٍ.
وروى أيضًا عبد الرزاق عن صاحبٍ له عن عوف عن أبي رجاء قال: كنتُ أَشْهَدُ ابنَ عباس عند الفطر في رمضان، فكان يُوضَع له طعامه، ثم يَأْمُر مراقبًا يُراقِب الشمس، فإذا قال: قد وَجَبَتْ، قال: كلوا، ثم قال: كنَّا نُفْطر قبل الصلاة.
وليس ما رواه مالك في الموطَّأ عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن: «أنَّ عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يُفْطِرا، ويفطران بعد الصلاة» بمخالف لما رُوي من تعجيل الفطر؛ لأنهما إنما كانا يراعيان أمر الصلاة، وكانا يُعجِّلان الفطر بعدها، من غير كَثْرَةٍ تُنْقَل؛ لما جاء من تعجيل الفطر، ذكره الداودي. شرح صحيح البخاري (4/104- 105).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وكان -صلى الله عليه وسلم- يفطر قبل أنْ يصلي. زاد المعاد (2/ 48).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الذي في الهدي النبوي «أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان يفطر قبل أنْ يصلي» لم يذكر (أي: ابن القيم) عنه غير ذلك.
وكأنَّه ما عرف هذان الصحابيان ذلك مِن فِعْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّه إذا دخل الليل كان وقتًا لتعجيل الإفطار، وإلا لم تصح الصلاة. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 292).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل يُفْطِرُ قبل أنْ يصلي المغرب أو بعدها؟
الجواب: قبل الصلاة؛ لأنه لو أخَّر إلى ما بعد الصلاة كان مُؤخِّرًا للفطر. الشرح المختصر على بلوغ المرام (الطهارة والصلاة والصوم) (7/ 16).
وقال الشيخ عبد الرحمن السحيم -رحمه الله-:
مِن فقه الرَّجُل: المبادرة إلى الإفطار ولو بشيء يسير قبل صلاة المغرب، وعدم تأخير الإفطار احتياطًا. إتحاف الكرام بشرح عمد الأحكام (42/ 1).
وقال الشيخ العبَّاد -حفظه الله- بعد أن أورد الحديث:
وكان ذلك قبل أنْ يصلي، يعني: أنَّه لا يُؤخِّر الإفطار إلى بعد الصلاة؛ لأن هذا فيه موافقة لليهود والنصارى، وإنما عليه أنْ يُبادر بالإفطار بعد تحقُّق الغروب. شرح سنن أبي داود (ص: 2).

قوله: «فإن لم تكن رُطَبَاتٌ فعلى تمرات»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإن لم يكن رُطَبَاتٌ» أي: لم تتيسر، «فتمرات» أي: فيفطر على تمرات. فيض القدير (5/235).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه تفضيل الرُّطَبِ إن وُجِدَ على التمر. شرح سنن أبي داود (10/356).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وقيل: تقديم التمر في الشتاء، والماء في الصيف. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (8/498).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
وروي أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يفطر في الشتاء على تمرات، وفي الصيف على الماء. سنن الترمذي (3/ 126).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الحكمة -والله أعلم- في الفطر على التمر: ما فيه من البركة، وأنها أفضل المطعومات. عارضة الأحوذي (3/215).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والحكمة في استحباب التمر: لما في الحُلْوِ مِن تقوية البصر الذي يُضْعِفُه الصوم؛ ولأن الحُلْوَ مما يُوافِق الإيمان، ويُعبَّر به المنام، ويَرِقُّ به القلب، وهو أَيْسَرُ من غيره، ومن ثَمَّ استَحَبَّ بعض التابعين أنه يفطر على الحلو مطلقًا، كالعسل. فتح الباري (2/ 447).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وإنما شُرع الإفطار بالتمر لأنه حُلْوٌ، وكل حُلْوٍ يُقوِّي البَصَر الذي يَضْعَفُ بالصوم، وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة.
وقيل: لأن الحُلْوَ مما يوافق الإيمان ويَرِقُّ القلب، وإذا كانت العلة كونه حلوًا، والحُلْوُ له ذلك التأثير فيُلحق به الحلويات كلها، أما ما كان أشد منه حلاوة فبِفَحْوَى الخطاب، وما كان مساويًا له فبِلَحْنِهِ. نيل الأوطار (4/262).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وكان (صلى الله عليه وسلم) يحضُّ على الفطر بالتمر، فإنْ لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أُمَّتِه، ونصحهم، فإنَّ إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله، وانتفاع القُوى به، ولا سيما القوة الباصرة، فإنها تقوى به، وحلاوة المدينة التمر، ومُرَبَّاهم عليه، وهو عندهم قُوْتٌ وأُدْمٌ، ورُطَبه فاكهة.
وأما الماء فإنَّ الكَبِدَ يحصل لها بالصوم نوعُ يُبْسٍ، فإذا رُطِّبَتْ بالماء كَمُلَ انتفاعها بالغذاء بعده؛ ولهذا كان الأَوْلى بالظمآن الجائع أنْ يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده.
هذا مع ما في التمر والماء من الخاصيَّة التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب. زاد المعاد (2/ 48).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ويجب على مَن وَجَد التمر أنْ يُفْطِرَ عليه، فإنْ لم يجد فعلى الماء، وإلا فهو عاصٍ لله تعالى، إنْ قامت عليه الحُجة فعَانَد، ولا يَبْطُل صومُه بذلك؛ لأن صومه قد تمَّ، وصار في غير صيام. المحلى بالآثار (4/ 455).
وقال العيني -رحمه الله-:
وذهب ابن حزم إلى وجوب الفطر على التمر إنْ وَجَده، فإنْ لم يجده فعلى الماء، وإنْ لم يفعل فهو عاصٍ، ولا يبطل صومه بذلك. عمدة القاري (11/ 66).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
ويجب أنْ يُفْطِر على تمر، فإنْ لم يجد فعلى ماء. الإقناع (1/ 200).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ولعل مراده (أي: ابن المنذر): تأكيده، نعم ذهب إليه ابن حزم، على مقتضى الحديث، قال: فإنْ لم يفعل فهو عاصٍ، ولا يبطل صومه بذلك.
والحكمة فيه: ما في التمر من البركة، والماء أفضل المشروبات، وقيل غير ذلك. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (13/ 397).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال بعض المتأخرين: هذا مذهب ابن حزم، وأخشى أنْ يكون تَصَحَّف قول ابن المنذر -ويحب بالحاء- مِن الناقل، انتهى، ولا حاجة إلى حَمْلِه بالتَّصْحِيف إذا حُمِلَ الأمر على الوجوب فيما صح وثبت. شرح سنن أبي داود (10/ 354).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وصريح كلامهم كالخبرين: نَدْبُ التمر قبل الماء حتى بمكة، وقول المحب الطبري: يُسن له الفطر على ماء زمزم، ولو جَمَعَ بينه وبين التمر فحَسَن، مردود بأنَّ أوَّله فيه مخالفة للنصِّ المذكور، وآخره فيه استدراكُ زيادةٍ على السُّنة الواردة، وهما ممتنعان إلا بدليل.
ويُرَدُّ أيضًا بأنَّه -صلى الله عليه وسلم- صام بمكة عام الفتح أيامًا من رمضان، ولم يُنقَل عنه في ذلك ما يُخالف عادته المستقرَّة من تقديم التمر، فدل على عمله بها حينئذٍ، وإلا لَنُقِلَ. تحفة المحتاج في شرح المنهاج (3/ 422).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقول مَن قال: السُّنة بمكة تقديم ماء زمزم على التمر، أو خَلْطُه به، مردود؛ بأنه خلاف الاتِّباع، وبأنه -صلى الله عليه وسلم- صام عام الفتح أيامًا كثيرة بمكة، ولم يُنقَل عنه أنه خالف عادته التي هي تقديم التمر على الماء، ولو كان لنُقِل. مرقاة المفاتيح (4/ 1386).

قوله: «فإن لم تكن حَسَا حَسَوات من ماء»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإن لم تكن تمرات» أي: لم تتيسر، «حَسَا حَسَواتٍ من ماء». فيض القدير (5/235).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حَسَا» أي: شَرِبَ «حَسَواتٍ» بفتح أوَّلَيْهِ المهملين، جمع حَسْوَة بالفتح، وهي الْمَرَّة من الشرب. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (7/48).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإن لم يكن تمرات» أو ما في معناها مِن زبيب، وأخرج أبو يعلى عن أنس: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُحِب أن يُفْطِرَ على ثلاث تمرات، أو شيءٍ لم تمسّه النار». شرح سنن أبي داود (10/357).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقال الروياني: يُفْطِر على تمر، فإن لم يجد فعلى حلاوة، فإن لم يجد فعلى الماء.
وقال القاضي حسين: الأَوْلَى في زماننا أن يُفطر على ما يأخذه بكفِّه من النهر؛ ليكون أبعد عن الشُّبْهة.
وهذا الذي قالاه شاذ، والصواب ما سبق كما صرح به الحديث الصحيح، فإنه -صلى الله عليه وسلم- قدَّمَ التمر، ونَقَلَ منه إلى الماء بلا واسطة. المجموع شرح المهذب (6/362).
وقال العيني -رحمه الله-:
قال شيخنا زين الدين -رحمه الله- (العراقي): هذا مخالف لما يقول أصحابنا من استحباب الإفطار على شيء حُلْوٍ، وعلَّلُوه بأن الصوم يُضعِف البصر، والإفطار على الحلو يقوِّي البصر، لكن لم يذكر في الحديث بعد التمر إلا الماء، فلعله خرج مخرج الغالب في المدينة من وجود الرُّطَب في زمنه، ووجود التمر في بقية السَّنة، وتيسير الماء بعدهما، بخلاف الحُلْوِ أو العسل، وإن كان العسل موجودًا عندهم، لكن يحتاج إلى ما يُحْمَل فيه إذا كانوا خارج منازلهم، أو في الأسفار.
واستَحَبَّ القاضي حسين أن يكون فِطْره على ماء يتناوله بيده من النهر ونحوه؛ حرصًا على طلب الحلال للفطر؛ لغلبة الشبهات في المآكل.
وروينا عن ابن عمر أنه كان ربما أفطر على الجماع، رواه الطبراني من رواية محمد بن سيرين عنه، وإسناده حسن؛ وذلك يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون ذلك لغلبة الشهوة، وإن كان الصوم يكسر الشهوة.
والثاني: أن يكون لتحقق الحِلِّ مِن أهله، وربما يتردد في بعض المأكولات. عمدة القاري (11/ 66).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قال (ابن حجر الهيتمي) في فتح الإله: ومنه أَخَذَ أئمتُنا أنه يُسَنُّ أن يكون الفطر على ثلاث رُطَبات، فإن عزَّ فثلاث تمرات، فإن عزَّ فثلاث غرفات من ماء، سواء كان ذلك في الصيف، أو الشتاء..وقيل: يُقَدَّم التمر في الشتاء، والماء في الصيف؛ لروايةٍ به؛ ولِمَا في ذلك من المناسبة. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (7/48).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في الحديث: دلالة على اختيار ما ذُكِر للإفطار به. البدر التمام (5/30).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
دلَّ على أن الإفطار بما ذُكر هو السُّنة. سبل السلام (1/564).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
وفي هذا -أيضًا- فائدتان أخريان:
الأولى: أن المعدة لا تُرْهَقُ بما يُقدَّم إليها فجأة مِن صنوف الأطعمة الحارّة بعد نهار الصيام، بل يَرِدُ عليها بالتدريج، وذلك بالإفطار على الرُّطَب أو التمر، ثم الفصْلِ بصلاة المغرب، ثم تناول الطعام بلا إسراف.
الثانية: أن الاقتصار على التمر عند الإفطار يحدُّ مِن جشع الصائم، فلا يُقْبِل على طعامه يلتهمه دون مضغ أو تذوُّق، فإن هذا مع أنه خلاف السُّنة -أيضًا- يشغل كذلك عن المبادرة بحضور صلاة المغرب مع الجماعة، بل قد تفوت بالكلية.
فإن لم يجد الصائمُ تمرًا أفْطَرَ على الماء، والماء يُطْفِئ لهيب المعدة وحرارة الصوم وينظفها كما قرر ذلك الطب الحديث. منحة العلام شرح بلوغ المرام (ص: 23).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وظاهر الحديث: أنه لا بد من ثلاث رُطَبات؛ لأنها أقل الجمع، وبذلك صرح بعض أصحابنا، فلا تحصل السُّنة بدون ثلاث. شرح سنن أبي داود (10/356)
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأفضل أن يُفطر على رُطَبٍ، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُفطِر على رُطَيبات قليلة لا يُكْثِر؛ لأنه لا ينبغي الإكثار عند الفطور، فإن المعدة خالية فإذا أكثَرْتَ فهذا يضرُّك، أعْطِها شيئًا فشيئًا، قلِّلْ عند الفطور، ولهذا ليس من الطب أن الإنسان إذا أفطر يتعشى مباشرة كما يفعل بعض الناس، بل الطب يقتضي أن تعطي المعدة الشيء القليل؛ لأنها خالية، فكان -عليه الصلاة والسلام- يُفطِر على رُطَيبات، فإن لم تكن فعلى تُمَيْرات، فإن لم تكن حَسَا حَسَوَات أو حَسَيَات من ماء، هكذا ينبغي، أن تُفْطِر على الرُّطَب ثم التمر، ثم الماء.شرح رياض الصالحين (5/289-290).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
فإن قال قائل: ليس عندي رُطَب ولا تمر ولكن عندي خبز وماء، أيهما أُفْطِرُ عليه؟
أَفْطِرْ على الماء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرشد إلى ذلك وقال: «إنه طهور» يُطَهِّر المعدة والكبد، فلذلك أمرنا -عليه الصلاة والسلام- أن نفطر على الماء، وإنما قَدَّم الرطب والتمر؛ لأنه أنفع للبدن من الماء؛ لأنه حلوى وغذاء وقوة. شرح رياض الصالحين (5/290).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ