ما خَطَبَنَا نَبِيُّ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلا قال: «لا إِيمَانَ لمن لا أَمانةَ له، ولا دِينَ لمن لا عَهْدَ له».
رواه أحمد برقم: (12383)، وابن حبان برقم: (4142)، وأبو يعلى برقم: (2863) والبزار برقم: (7196)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7179)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3004).
مختصر شرح الحديث
جعَلَتِ الشريعةُ الأمانةَ والوفاءَ بالعهدِ من أعظمِ أخلاقِ الإسلام، ورَبَطتْ بينهما وبين كمالِ الإيمانِ والدِّين؛ لِما يترتب عليهما مِن حفظِ الحقوق، واستقامةِ أحوالِ الناس. وفي هذا الحديث يقول أنسٌ -رضي الله عنه-: «ما خَطَبَنَا نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم- إلا قال»؛ أي: ما وَعَظَهُم في غالب خُطَبه إلا ذكَّرهم بهذا الأصل العظيم: «لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له»؛ أي: لا إيمانَ كاملًا لمن اعتاد الخيانةَ، وضيَّع ما اؤتمن عليه من حقوقِ الله تعالى أو حقوقِ العِباد؛ لأن الأمانةَ تشملُ كلَّ ما كلَّف اللهُ به عباده من الفرائض، كما تَشْملُ حفظَ الودائع، والحقوق، والأسرار، وسائرَ ما يُؤتمن عليه الإنسان؛ زجرًا عن الخيانة، وبيانًا لعظيمِ خطرها. وليس المرادُ نفيَ أصلِ الإيمان، وإنما نفي كمالِه الواجب.
ثم قال: «ولا دِينَ لمن لا عَهدَ له»؛ أي: لا دِينَ كاملًا لمن لا يفي بما عاهد اللهَ عليه، أو بما عاهد الناسَ عليه من المواثيقِ والعهودِ المشروعة؛ لأن الوفاءَ بالعَهدِ من أجلِّ خصالِ المؤمنين، والغَدرَ من صفاتِ المنافقين.
فدلَّ الحديثُ على أنَّ الأمانةَ والوفاءَ بالعهدِ من أعظمِ شُعبِ الإيمان، وأنَّ الخيانةَ والغدرَ من كبائرِ الذنوبِ؛ لما يترتب عليهما من نقصِ الإيمانِ والدِّين.
وفي الحديث: عِظَمُ شأنِ الأمانةِ والوفاءِ بالعهد، وحرصُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- على تكرارِ الوصيةِ بهما في خُطبِه، وأنَّ الأمانةَ تشملُ حقوقَ اللهِ تعالى وحقوقَ العباد، ووجوبُ الوفاءِ بالعهودِ والمواثيقِ المشروعة، وأنَّ الإيمانَ يزيدُ بالطاعةِ وينقصُ بالمعصية.
غريب الحديث
«أَمَانَة»:
ما يُؤْتَمَنُ عليه. شمس العلوم، لنشوان الحميري (1/ 324).
وقال البركتي -رحمه الله-:
الأمَانة عند الفقهاء: هي الشيء الذي يُوجَد عند أَمِينٍ، سواء كان أمانةً بعقدِ الاسْتِحْفَاظِ كالوديعة، أو كان أمانةً في ضمن عقدٍ كالمأجور والمستعار، أو دَخَلَ بطريقِ الأمانةِ في يد شخص بدون عقد ولا قصد، كما لو أَلْقَتِ الريحُ في دار أحدٍ مالَ جاره...
وأصل الأمانة: موافقةُ الحقِّ بإيفاءِ العَهْدِ في السرِّ، ونَقِيضُها: الخيانة، قاله الراغب.
وأيضًا الأمانة: كلُّ ما فُرِضَ على العباد. التعريفات الفقهية (ص: 35).
«عَهْدَ»:
العَهْدُ: الأَمَانُ، واليمين، والْمَوْثِقُ، والذِّمَّة، والحِفَاظ، والوصِيَّة. وقد عَهِدْتُ إليه، أي: أوْصَيتُه. ومنه اشْتُق العهدُ الذي يُكتب للولاة. وتقول: عليَّ عهد الله لأفعلنَّ كذا. الصحاح، الجوهري (2/ 515).
وقال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
والعَهْد: الحِفاظ والرِّعَايَة. المجموع المغيث (2/ 525).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «ما خَطَبَنا نبِيُّ الله -صلى الله عليه وسلم- إلا قال»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ما» مصدرية، أي: قلَّ خُطْبَةً خَطَبَنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويجوز أن تكون كافَّة، وهو يستعمل في النفي، ويدل عليه الاستثناء، أي ما وَعَظَنا «إلا قال» أي فيها، ولعل الحَصْرَ غَالِبِيٌّ. مرقاة المفاتيح (1/ 108).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ومعنى الخطبة: الوعظ والتذكير. المفاتيح (1/ 133).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعظ أصحابه، ويُذَكِّرُهُمْ، ويَتَخَوَّلُهُمْ بالموعظة، ويبالغ في التخويف، كأنَّه مُنذِر جيشٍ. القصاص والمذكرين (ص: 165).
قوله: «لا إِيمانَ لمن لا أَمانةَ لهُ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له» أي: لا إيمان كاملًا لمن لم يكن له أمانة؛ يعني: مَن كانَ في نفسه خيانة يَخُون في مالِ أحدٍ أو نفسه أو أهله إيمانه ناقص، وكذلك السارق والغاصب وأصحاب المعاصي. المفاتيح (1/ 133).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لا إيمان» هذا الكلام وأمثاله وَعِيدٌ لا يُراد به الانقلاع، وإنما يُقْصد به الزجر والرَّدع، ونفيُ الفضيلة، دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 492).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا إيمان لمن لا أمانة له»... ويحتمل أنه يريد به: لا إيمان كاملًا ولا دين كاملًا، وأن يُريد به الوعيد والزجر دون حقيقة إبطال الإيمان، ويحتمل أن يُراد به الحقيقة، فمعناه: إذا اعتاد المرءُ هذه الأمور لم يُؤْمَنْ عليه أن يقع في ثاني الحال في الكفر، كما قيل: «مَن رَتَعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشك أنْ يُوَاقِعَه»، أو لأن هذه الخصال من خصال المنافقين، والنفاق لا يجتمع مع الإيمان. فتح القريب المجيب (4/ 72- 73).
وقال الفيومي -رحمه الله- أيضًا:
وفي حديث آخر: «لا إيمان لمن لا أمانة له»... ولفظ الأمانة يقع على الطاعة والعبادة، والوديعة، والثقة، والأمان، وقد جاء في كلٍّ منهما حديث: «الأمانةُ غِنًى» أي: سبب الغنى، ومعناه: أن الرجل إذا عُرِفَ بها كثر مُعَامِلُوه فصار ذلك سببًا لِغِنَاه، فأما الأمانة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الأحزاب: 72 فاختَلف الناس فيها، فقال ابن مسعود: هي في أمانات الأموال كالودائع ونحوها، ورُوي عنه أنها في كل الفرائض وأشدها أمانة المال، وقال الجمهور: هي في كل شيء يُؤْتَمَن عليه الإنسان مِن أمرٍ أو نهيٍ ودِينٍ ودنيا، فالشرع كله أمانة. فتح القريب المجيب (8/ 159).
وقال الفيومي -رحمه الله- أيضًا:
قيل: هو على التغليظ، قيل: سُمِّيت الأمانة أمانةً لأنه يُؤْمَنُ معها مِن مَنْعِ الحق، مأخوذة مِن الأَمْنِ، حكاه في التحصيل. فتح القريب المجيب (12/ 84).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا إيمان لمن لا أمانة له» ... وإنما انتفى كمال الدِّين بانتفائها؛ لأنه يؤدي إلى استباحة الأموال، والأعراض، والأَبْضَاعِ، والنفوس، وهذه فواحش تُنْقِصُ الإيمان وتقهره إلى أن لا يبقى منه إلا أَقَلُّه، بل ربما أدَّت إلى الكفر، ومِن ثَمَّ قيل: المعاصي بَرِيدُ الكفر. مرقاة المفاتيح (1/ 108- 109).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا إيمان لمن لا أمانة له»...فما يَصْدر عن المؤمن من الكذب والخيانة فهو من الأمور العارضة لطبيعته لا من أصل خِلْقته وجِبِلَّته، ويمكن أن يُراد به المبالغة في نفي المؤمن عنهما. مرقاة المفاتيح (7/ 3050).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما الأمانة: فالظاهر أنَّ المراد بها: التكليف الذي كلَّف الله تعالى به عباده، والعهد الذي أخذه عليهم، قال الإمام أبو الحسن الواحدي -رحمه الله- في قول الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} الأحزاب: 72: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: هي الفرائض التي افترضها الله تعالى على العباد، وقال الحسن: هو الدِّين؛ والدِّين كلُّه أمانة، وقال أبو العالية: الأمانةُ مَا أُمِرُوا به وما نُهوا عنه، وقال مقاتل: الأمانةُ الطاعةُ، قال الواحدي: وهذا قول أكثر المفسرين، قال: فالأمانة في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب، والله أعلم.
وقال صاحب التحرير (قوام السُّنة): الأمانة في الحديث: هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الأحزاب: 72، هي عين الإيمان، فإذا اسْتَمْكَنَت الأمانةُ مِن قلبِ العبدِ قام حينئذ بأداء التكاليف، واغتنم ما يَرِدُ عليه منها، وجدَّ في إقامتها. والله أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 168).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لا إيمان لمن لا أمانة له» أي: لا إيمان كاملًا، فالأمانة لُبُّ الإيمانِ، وهي منه بمنزلة القلب من البدن، والأمانة الجوارحُ السَّبْعُ: العين والسمع واللسان واليد والرِّجل والبطن والفرج، فمن ضيع جزءًا منها سقم إيمانه وضعف بِقَدْرِه، فإن ضيع الكلَّ خَرَج عن جملة الإيمان. فيض القدير (6/ 381).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«لا إيمان لمن لا أمانة له»؛ فإنَّ المؤمن مَن أمَّنه الخَلْق على أنفسهم وأموالهم، فمَن خَان وجار، فليس بمُؤْمِن، أرادَ نفي الكمال، لا الحقيقة. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 488).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«لا إيمان لمن لا أمانة له» والأمانة ضد الخيانة مُطلقًا، فتدبر. لمعات التنقيح (1/ 301).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لا إيمانَ» كاملٌ «لمن أمانة له»؛ لأن الأمانة مِن أهم خِصال الإيمان. التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 72).
وقال السندي -رحمه الله-:
«لا إيمان» قيل: المراد في الموضعين: نفي الكمال، وقيل: معناه: لا إيمان لمن لا يُؤَدِّي الأمانة مستحِلًّا لذلك...، ثم قيل: المراد بالأمانة: أمانة العباد من الودائع وغيرها، وأمانة الله: من الصلاة والصوم والزكاة وأمثالها، وحفظ الفرج من الحرام، والجوارح من الآثام. حاشية السندي على مسند أحمد (3/214).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قلتُ: ومُحَصَّل البحث: أن الإيمان هو الاعتماد والوثوق بالرسول في كل ما جاء به علمًا وعملًا، ومن ههنا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا إيمان لمن لا أمانة له»؛ فإن الأمانة أيضًا عبارة عن وَصْفٍ به يَعتمد الناس، وبه يَثِقُون على أحدٍ، فمن لا تكون فيه تلك الصفة فيما بينه وبين العباد، كيف يحصل له الإيمان، وهو صفة الاعتماد فيما بينه وبين الله ورسوله؟ فعُمْدة الإيمان هو الوثوق والاعتماد على الرسول، ولذا قالوا: إن رجلًا لو أَذْعَنَ بكل الشرائع، بَيْدَ أنه لا يعتمد على الرسول -ولكنه حققها من عند نفسه كسائر التحقيق- فهو كافر قطعًا، نعم، إذا وَثِقَ بالرسول أَذْعَنَ مُعتمدًا عليه، فذلك هو الإيمان. وهذا هو وجه الاشتراك بين الأمانة والإيمان، فافهم. فيض الباري (1/ 126).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له» وقوله: «ليس بالمسلم مَن لم يَأْمَن جَارُهُ بَوَائِقَهُ» هذا كله على معنى الزجر والوعيد، أو نفي الفضيلة وسلب الكمال، دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله والله أعلم. معالم السنن (4/ 317).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
كل ذلك يدل على أنه ليس بإيمانٍ كاملٍ، وأن بَعض الإيمان أَوْثَقُ عُرْوة، وأَكْمَل مِن بعضٍ. التمهيد (6/ 383-384.
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
«لا إيمان لمن لا أمانة له»...إذا قال القائل في مثل هذا: ليس بمؤمن كامل الإيمان؛ أو نفى عنه كمال الإيمان لا أصلَه؛ فالمراد به: كمال الإيمان الواجب ليس بكمال الإيمان المستحب؛ كمن ترك رمي الجمار أو ارتكب محظورات الإحرام غير الوطء، ليس هذا مثل قولنا: غُسْلٌ كاملٌ ووُضوءٌ كاملٌ، وأنَّ الْمُجْزِئَ منه ليس بكاملٍ؛ ذاك نفي الكمال المستحبّ. وكذا المؤمن المطْلَق هو المؤدي للإيمان الواجب، ولا يلزم من كون إيمانه ناقصًا عن الواجب أن يكون باطلًا حابِطًا كما في الحج، ولا أن يكون معه الإيمان الكامل كما تقوله المرجئة، ولا أن يقال: ولو أدى الواجب لم يكن إيمانه كاملًا؛ فإن الكمال المنفي هنا الكمال المستحب، فهذا فُرْقَانٌ يزيل الشبهة في هذا المقام، ويقرر النصوص كما جاءت. مجموع الفتاوى (19/ 293- 294).
قوله: «ولا دِينَ لمن لا عهدَ له»:
قال المظهري -رحمه الله-:
كذلك تأويل: «لا دين لمن لا عهد له» أي: لا دين كاملٌ لمن لا عهد له؛ يعني: مَن جرَى بينه وبين أحدٍ عَهْدٌ وميثاقٌ، ثم غَدَرَ ونَقَضَ العَهد مِن غيرِ عُذرٍ شرعيٍّ، فدِينُه ناقصٌ، فإنْ كانَ له عذر شرعي في نقض العهد، مثل أنْ عَهِدَ الإمامُ مع أهل الحرب من الكفار، ثم رأى المصلحة في نقض العهد، جاز أن ينقض العهد. المفاتيح (1/ 133).
وقال السندي -رحمه الله-:
ولا دين لمن لا يفي بالعهد مستحلًّا لذلك...، والمراد بالعهد: عهد العباد ووعدهم، وعهد الله ووعده، وقيل: هو تغليظ وتشديد كما هو شأن الوعيد، وليس المراد: نفي الإيمان.
وقال بعضهم: معنى «لا دين لمن لا عهد له» أي: مَن جرى بينه وبين أحد عهد وميثاق، ثم غدر من غير عذر شرعي، فدينه ناقص، وأما العذر كنقض الإمام المعاهدة مع الحربي إذا رأى المصلحة، فإنه جائز، -والله تعالى أعلم-. حاشية السندي على مسند أحمد (3/214-215).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا دِين» على طريق اليقين «لِمَن لا عَهْدَ له»؛ بأن غَدَرَ في العهد واليمين. مرقاة المفاتيح (1/ 109).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«ولا دين» على طريق اليقين، «لمن لا عهد له» بأنْ غدر في العهد واليمين، قيل: هذا الكلام وأمثاله وعيد لا يُراد به الوقوع؛ بل الزجر، ونفي الفضيلة دون الحقيقة.
وقيل: يُحتمل: أنْ يُراد به: الحقيقة، فإنَّ مَن اعتاد هذه الأمور لم يُؤمَن عليه أنْ يقع ثاني الحال في الكفر، كما في الحديث: «مَن يَرْتَعْ حول الحمى يوشك أنْ يقع فيه» رواه البيهقي في شعب الإيمان، وكذا رواه محيي السنة، -أي: صاحب المصابيح- بإسناده في شرح السنة (أي: البغوي)، ورواه الطبراني في معجمه الكبير من حديث ابن مسعود بزيادات لا بأس بذكرها، ولفظه قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، والذي نفس محمد بيده لا يستقيم دين عبد حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم له حتى يستقيم قلبه، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه»؛ فقيل: ما البوائق يا رسول الله؟ قال: غَشْمُهُ (الغَشْمُ: الغَصب) وظُلْمُهُ، وأيما رجل أصاب مالًا من حرام، وأنفق منه؛ لم يُبَارَكْ له فيه، وإنْ تصدَّق منه لم يُقبَل منه، وما بقي فزاده إلى النار، ألا أنّ الخبيث لا يُكفِّر الخبيث، ولكن الطيب يُكفِّر». مرقاة المفاتيح (1/ 109).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ولا دِين» الدِّين: الخضوع لأوامر الله ونواهيه وأمانيه، والعهد الذي وضعه الله بينه وبين عباده يوم إقرارهم بالربوبية في حمل أعباء الوفاء في جميع جوارحه، فمن استكمل الدِّين استوفى الجزاء {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} التوبة: 111.
«لمن لا عهد له»؛ لأن الله إنما جعل المؤمن مؤمنًا لِيَأْمَنَ الخَلقُ جَوْرَه، والله عَدْلٌ لا لا يَجُورُ، وإنما عَهِدَ إليه لِيَخْضَع له بذلك العَهد فيأتمر بأموره. ذكره الحكيم. فيض القدير (6/ 381).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» إن أريد بالأمانة المعنى المتعارَف مِن حِفظ أموال الناس ومجالسهم مثلًا، وبالعهد ما جرى بينهم من ميثاق، فهذا تغليظ وحثٌّ على محافظتهما، والمنفي هو الإيمان الكامل، وإن أُريد التكاليف الشرعية والعهدُ الذي أخذه اللَّه من عباده بأداء حقوق ربوبيته والانقياد لأحكامه، فحيث يشتمل ذلك الدِّين والإيمان كله أصولًا وفروعًا فلا إشكال في هذا النفي، ويكون في الكلام تكرير أو تأكيد أو تقرير، ويحتمل أن تكون الأمانة محمولة على المعنى الأعمِّ، والعهد على الأخص، فيكون تخصيصًا بعد تعميم، فتدبر. لمعات التنقيح (1/ 271).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا دِين» كامل «لمن لا عهد له»؛ فإن الله أمر بالوفاء بالعهود، وأكد ذلك، فمَن نقض عهده فهو لِقِلَّةِ دِينه وعدم كماله، وإنما يجوز للإمام نَقْضُ العهد بينه وبين المعاهدين لوجه شرعي. التنوير (11/ 72).
وقال الحكيم الترمذي -رحمه الله-:
وأما العَهْد: فهو تذكرة الله الَّذي وضعه فيما بينه وبين العباد يوم أخذهم للعبودية قبل خَلْق السَّماوات والأرض، فلمَّا خرجوا إلى الدُّنيا نَسِيَهُ الأعداء، وحفظه الموحِّدُون، ثمَّ غلب الْمُوَحِّدين غفلة على ذلك الحفظ، فَوَهِلُوا (نسوا)؛ فأوفرهم حظًّا من الحفْظ، أوفرهم حظًّا من الذِّكر. نوادر الأصول في أحاديث الرسول (3/ 175).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول: وفي الحديث إشكال، وهو أنه قد سبق أن الدِّين، والإيمانَ، والإسلامَ، أسماء مترادفةٌ موضوعات لمفهوم واحدٍ في عُرفِ الشَّرع، فلِمَ فرَّق بينهما، وخصَّص كلَّ واحد منهما بمعنى؟
والجواب: أنهما وإن اختلفا لفظًا فقد اتفقا ههنا معنىً؛ فإن الأمانة ومراعاتها إما مع الله، فهي ما كُلِّف به من الطاعة، وسُمِّي أمانة لأنه لازم الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء، قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} الأحزاب: 72. وإما مع الخَلق فظاهر.
وإن العهد وتوثيقه إما مع الله تعالى فاثنان:
الأول: الذي أَخَذه على جميع ذرية آدم في الأزل، وهو عهد الإقرار بربوبيته قبل خلق الأجساد، مصداقُه قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} الأعراف: 172. والثاني: ما أَخَذه عند هبوط آدم إلى الدنيا؛ من متابعة هدى الله، ومن الاعتصام بكتاب يُنَزِّله، ورسولٍ يَبْعَثُه، مِصْداقه قوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} البقرة: 38.
وإما مع الخلق فكذا ظاهر، فحينئذ مرجع الأمانة والعهد إلى طاعة الله تعالى بأداء حقوقه وحقوق العباد، كأنه قيل: لا إيمان ولا دِين لمن لا يفي بعهد الله بعد ميثاقه، ولا يؤدي أمانة الله بعد حَمْلِها، وهي التكاليف من الأوامر والنواهي، ويشهد له قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} البينة: 5، والتكرير المعنوي توكيد وتقرير. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 492).