الإثنين 4 صفر 1448 | 2026-07-20

A a

«التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخِرِ -يعني: ليلةَ القدْرِ-؛ فإنْ ضَعُفَ أحدُكُم أو عَجَزَ، فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبْعِ البواقِي».


رواه مسلم برقم: (1165)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الْتَمِسُوهَا»:
أي: اطلبوها. إرشاد الساري، القسطلاني (1/ 138).
وقال محمد الركبي -رحمه الله-:
الالْتِمَاسُ: الطَّلَبُ، والتَّلَمُّسُ: التَّطَلُّبُ مَرةً بعد أُخْرَى. النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب(1/ 178).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «التمسوها» من الالتماس، وهو الطلب. عمدة القاري (1/ 280).

«السَّبْعِ البواقِي»:
أي: الليالي السبع اللاتي بقين من رمضان. البحر المحيط الثجاج للإتيوبي(21/ 565).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «الْتَمِسُوهَا»:
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «التمسوها» أي: ليلة القدر. تحفة الأحوذي (3/ 426).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «التمسوها» أي: اطلبوها؛ إذ لو كان المراد رفع وجودها، لم يأمرهم بالتماسها. إرشاد الساري (1/ 138).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فهي باقية إلى يوم القيامة، بدليل قوله: «التمسوها». التوضيح لشرح الجامع الصحيح (3/ 166).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «التمسوها» كذا فيه بإضمار المفعول، والمراد به: ليلة القدر. فتح الباري (4/ 261).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «التمسوها» هو أمرٌ على جهة الإرشاد إلى وقتها، وترغيب في اغتنامها، فإنها ليلة عظيمة، تُغْفَرُ فيها الذنوب، ويُطْلِعُ الله تعالى فيها مَن شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته، على ما سبق به علمه؛ ولذلك عظَّمها سبحانه بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} القدر: 2، إلى آخر السورة. المفهم (3/ 250).

قوله: «في العشرِ الأواخِرِ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «في العشر الأواخر» أي: من رمضان...، وأولها ليلة الحادي والعشرين، إلى آخر ليلة التاسع والعشرين. مرعاة المفاتيح(7/ 128).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختَلف الناس اختلافًا كثيرًا في ليلة القدر هل كانت مخصوصة بزمن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو لا؟
فالجمهور: على أنها ليست مخصوصة، ثم اختلفوا: هل هي متنقلة في الأعوام أو ليست متنقلة؟ ثم الذين قالوا: إنها ليست متنقلة اختلفوا في تعيينها، فَمِنْ مُعَيِّنٍ ليلة النصف من شعبان، ومِنْ قائل: هي ليلة النصف من رمضان، ومِنْ قائل: هي ليلة سبع عشرة، ومِنْ قائل: هي ليلة تسع عشرة، ثم ما من ليلةٍ من ليالي العشر إلا وقد قال قائل: بأنها ليلة القدر، وقيل: هي آخر ليلة منه، وقيل: هي مُعيَّنة عند الله تعالى، غير مُعيَّنة عندنا، وهذه الأقوال كلها للسَّلف والعلماء، وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث كما ترى.
قلتُ: والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقر عليه أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في طلبها: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها متنقلة فيه، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها، وهو قول مالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عياض، فاعتَمِد عليه، وتَمَسَّك به. المفهم(3/ 251).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا، وتحصَّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولًا، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إخفاء كل منهما؛ ليقع الْجِدُّ في طلبهما (ثم سرد الأقوال). فتح الباري (4/262- 263).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يُستحبُّ طلبها في جميع ليالي رمضان، وفي العشر الأواخر آكد، وفي ليالي الوتر منه آكد.
وقال أحمد: هي في العشر الأواخر، وفي وتر من الليالي، لا يخطئ -إن شاء الله-، كذا روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. المغني (6/ 203).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
شذَّ قومٌ فقالوا: إنها كانت خاصة للنبي -عليه السلام- ثم رُفِعَت، واحتجوا بالحديث الذي جاء فيه: أنه أُعْلِمها -عليه السلام- حتى تَلَاحَى (تخاصم) رجلان فرُفِعَت، ومعنى هذا عندنا: أنَّه رُفِعَ عنه عِلْمُ عينِها، كما قال في الحديث: «فأنسيتُهَا»، وفيه شؤم الخصام والتلاحِي، وعقوبة العامة بذنب الخاصة، وأنَّ نسيان مثل هذا على النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- مما لم يُؤمَر بتبليغه، ولا هو من باب البلاغ. إكمال المعلم (4/ 146).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع مَن يُعتد به على وجودها، ودوامها إلى آخر الدهر؛ للأحاديث الصحيحة المشهورة. شرح النووي على مسلم (8/ 57).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «فالتمسوها في العشر الأواخر»، تحديد لها بما يمكنه أنْ يَحُدَّها بها، فحضَّ على قيام العشر الأواخر تحريًّا لها، ثم بيَّن أنها إنما تكون في الوتر منه، وبيَّن ذلك ليتحرَّاها في الوتر مَن عجز عن قيام جميع العشر، كما بيَّنها في العشر الأواخر لمن عجز عن قيام رمضان، وحضَّ على قيام جميع رمضان لمن عجز عن قيام جميع العام. المنتقى شرح الموطأ (2/ 87).

قوله: «يعني: ليلةَ القدْرِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يعني: ليلة القدر» تفسير للضمير من الراوي. مرقاة المفاتيح (4/ 1442).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: وسُمِّيت ليلة القدر لما يُكتَبُ فيها للملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السَّنة، كقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان: 4، وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} القدر: 4، ومعناه: يظهر للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به، وتقديره له، وقيل: سُمِّيت ليلة القدر: لِعِظَمِ قدرها وشرفها. شرح النووي على مسلم (8/ 57).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
ليلة القدر مختصة بهذه الأمة، زادها الله شرفًا، فلم تكن لمن قبلها، وسُمِّيت ليلة القدر، أي: ليلة الحُكْم والفَصْل، هذا هو الصحيح المشهور، قال الماوردي وابن الصباغ وآخرون: وقيل: لعظم قدرها. المجموع شرح المهذب (6/ 447).
وقال المظهري -رحمه الله-:
سُمِّيت ليلةُ القَدْر بهذا الاسم؛ لأن معنى القَدْر: عظيمُ الشأن والمنزلة، هذه الليلةُ عظيمةُ القَدْرِ والمنزلةِ، وقيل: سُمِّيَت هذه الليلةُ بليلة القَدْرِ؛ لِمَا يجري فيها من قضاء الله وقَدَره أكثر مما يجري سائرَ الليالي. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 52).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
يُحتمل: أنها سُمِّيت ليلة القدر لتقدير الله ما كان ينزل فيها من القرآن أيام حياة النبي -عليه السلام- إلى مثلها من العام المقبل. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 480-481).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقيل: لِعِظَمِ قدرها وشرفها، أو لأن مَن أتى بقيامها صار ذا قدر. شرح سنن أبي داود (6/ 614).
وقال القاضي البيضاوي -رحمه الله-:
وسُمِّيت الليلة: ليلة القدر: إما لأنها ليلة تقدير الأمور، فإنه تعالى بيَّن فيها لملائكته ما يحدث إلى مثلها من العام القابل، كما قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان: 4، وإما لخطرها وشرفها على سائر الليالي. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 511).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
اختلف العلماء لم سُمِّيَتْ ليلةُ القدر؟
فقيل: المعنى: أنها ليلةُ الشرف والمنزلة والفضيلة، فسماها بهذا لنزول القرآن جملة إلى سماء الدنيا، وثباتِ خيرها ودوامِه، وهو معنى البركة في قوله تعالى: {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} الدخان: 3، في الآية الأخرى.
وقيل: لأنها ليلةُ تقديرِ الأمور وقضائِها؛ من قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان: 4، وقيل: المراد بهذه الآية: ليلةُ النصف من شعبان.
ومعنى ذلك -واللَّه أعلم-: إظهارُ ما قَدَّره اللَّه تعالى في أَزَلهِ من ذلك لحَمَلةِ وحيه، وملائكةِ سماواته، ونفوذُ أمره بذلك لهم ووحيه، أو إظهارُ ما شاء من أفعاله الدالة على ذلك عندهم، وإلا فقَدَرُ اللَّه وسابقُ علمِه بالآجال والأرزاق، وقضاؤه بما كان ويكونُ لا أولَ له.
وقيل: سماها ليلة القدر لأنها يتنزل فيها من فضل اللَّه، وخزائن مِنَنِهِ ما لا يُقدر قدرُه، قلتُ: وفي هذا التعليل الأخير عندي نظر.
ثم اختلفوا في سر كونها خيرًا من ألف شهر، وتخصيصها بهذه المدة، فقيل: إنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذَكَرَ رجلًا من بني إسرائيل حملَ السلاحَ في سبيل اللَّه ألفَ شهر، فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصَرَتْ إليهم أعمالُهم، فأُعْطُوا ليلة هي خيرٌ من مدة ذلك الغازي.
وقيل: إنَّ الرجل كان فيما مضى ما كان يقال له: عابدٌ حتى يعبد اللَّه ألفَ شهر، فأُعطوا ليلة إن أَحْيَوها، كانوا أحقَّ بأن يُسَمَّوا عابدين من أولئك العُبَّاد.
وروى مالك في مُوَطَّئِهِ: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أُرِيَ أعمالَ الناس قبله، أو ما شاء اللَّه من ذلك، فكأنه تقاصرَ أعمارَ أمته أن لا يبلغوا من العمل مثلَ الذي بلغَ غيرُهم في طول العمر، فأعطاه اللَّه ليلةَ القدر خير من ألف شهر.
قلتُ: هذا أحدُ الأحاديث الأربعة الواقعة في الموطأ المطعونِ فيها، على ما نقله ابن بزيزة في شرح الأحكام لعبد الحق -رحمهما اللَّه-، وغيرُه. رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (3/ 492-494).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
عظَّم القرآن (يعني: في قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} القدر: 1) من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنْ أُسند إنزاله إليه، وجعله مختصًّا به دون غيره.
والثاني: أنَّه جاء بضميره دون اسمه الظاهر؛ شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه.
والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أُنزل فيه. الكشاف (4/ 786).

قوله: «فإنْ ضَعُفَ أحدُكُم أو عَجَزَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإنْ ضَعُفَ أحدكم» عن طلبها في العشر كُله، «أو» قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنْ «عجز» أحدكم عن طلبها في جميع العشر، والشك من الراوي عن ابن عمر. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (13/ 200).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
والضَّعف -بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمها في لغة قريش-: خلاف القوة والصحة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثال: قَرُبَ قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضُعْفًا من باب قتل، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضعيف. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 362).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
فإنْ ضعف أحدكم أو عجز عن قيام العشر، فليحرص على قيام السبع الأواخر، فإنْ عجز عن قيام السبع الأواخر، فليحرص على قيام الوتر من العشر، أو من السبع الأواخر. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 55).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
أي: مَن عجز عن الأهم، حرص على المهم. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 65).

قوله: «فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبْعِ البواقِي»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فلا يُغْلَبنَّ» على صيغة المجهول، المؤكد بالنون الثقيلة. نخب الأفكار (11/ 232).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فلا يغلبنَّ على السبع البواقي»، وفي بعض النسخ «عن السبع» بدل (على)، وكلاهما صحيح. شرح النووي على مسلم (8/ 59).
وقال صفي الرحمن المباكفوري -رحمه الله-:
قوله: «فلا يغلبنَّ على السبع البواقي» أي: على إحياء هذه الليالي، وطلب ليلة القدر فيها. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (2/ 203).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلا يغلبنَّ» بالبناء للمجهول، أي: لا يمنعن أحدكم، ولا يعارضن «على» طلبها في «السبع البواقي» أي: في السبع الأواخر. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (13/ 200).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وهذا يخرج منها ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، إذا عُدَّ على الكمال. إكمال المعلم (4/ 145).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأول الليالي السبع البواقي، وهي ليلة أربع وعشرين، إذا كان الشهر كاملًا. شرح صحيح البخاري (7/ 183).
وقال المغربي -رحمه الله-:
ويجمع بين الروايات بأنَّ العشر للاحتياط فيها، والتسع كذلك، والسبع؛ لأن ذلك من الْمَظِنَّة، وهو أقصى ما يُظَنُّ فيه الإدراك. البدر التمام شرح بلوغ المرام (5/ 151).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وجُمِعَ بين روايتي العشر والسبع، بأنَّ العشر للاحتياط منها، أو يحمل على تعدد الأمرين في عامين، بأنه أُعْلِم أنها في العشر، ثم أُعْلِم أنها في السبع، أو حض على العشر مَن به بعض القوة، وعلى السبع مَن لا يقدر على العشر. مرعاة المفاتيح (7/ 124).


إبلاغ عن خطأ