«إذا لَقِيَ أحدُكُم أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عليه، فإنْ حالتْ بينهما شجرةٌ أو جِدَارٌ أو حَجَرٌ، ثم لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عليه أيضًا».
رواه أبو داود برقم: (5200)، والبخاري في الأدب المفرد برقم: (1010)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (186)، صحيح سنن أبي داود برقم: (5200).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«حَالَتْ»:
أي: حَجَزَت. التنوير شرح الجامع الصغير، للصنعاني (2/ 206).
وقال الكفوي -رحمه الله-:
وكل مَا حَجَزَ بَين شَيْئَيْنِ فقد حَال بَينهمَا. الكليات (ص: 360).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
والمراد بالحيلولة: ما يمنع الرؤية بحيث يُعَدُّ فاصلًا عُرفيًّا. تطريز رياض الصالحين (ص: 520).
شرح الحديث
قوله: «إذا لقي أحدُكم أخاه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«إذا لقِي» بكسر القاف «أحدكم» والظاهر أنَّ المراد به معنى العموم؛ لكونه في سياق الشرط، وهو الأقرب، «أخاه» عبَّر به بَعْثًا على أداء ما بعده. دليل الفالحين (1/ 279).
وقال ابن رسلان-رحمه الله-:
لفظ (اللقي) يُشعر بأنه لا يُسلم عليه إلا إذا استقبله بوجهه؛ لأنّ كُل من استقبل شيئًا فقد لقيه، ومنه لقاء البيت وهو استقباله، وبأنه إذا رآه من بُعد بحيث إذا خاطبه لا يسمعه، فإنه لا يُسلم عليه باللفظ ولا بالإشارة فليسلم عليه استحبابًا لا وجوبًا، وإن كان بلفظ الأمر.شرح سنن أبي داود(19/٥٢٢).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أخاه» أي: المسلم. مرقاة المفاتيح (7/ 2946).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أخاه» في الدِّين. فيض القدير (1/ 436).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
لفظ اللَّقْي يُشْعِر بأنه لا يُسَلِّم عليه إلا إذا استقبله بوجهه؛ لأن كل مَن استقبل شيئًا فقد لَقِيَه، ومنه لِقاء البيت وهو استقباله، وبأنه إِذا رآه مِن بُعْد بحيث إذا خاطبه لا يسمعه، فإنه لا يُسلّم عليه باللفظ ولا بالإشارة. شرح سنن أبي داود (19/ 522).
قوله: «فليُسَلِّم عليه»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فليُسَلِّم عليه» باللفظ الذي يسمعه، لا بالإشارة باليد ونحوها. شرح سنن أبي داود (18/ 669).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
«فليُسَلِّم عليه» استحبابًا لا وجوبًا، وإن كان بلفظ الأمر. شرح سنن أبي داود (19/ 522).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فليُسَلِّم عليه» ندبًا مؤكدًا، والوجوب أصل الأمر، فلا يُحْمَل على خلافه إلا بدليل. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 206).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: يَبْدأ به ندبًا. دليل الفالحين (5/ 337).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال الإمام الرازي: الحكمة في طلب السلام عند التلاقي والمكاتبة دون غيرهما: أن تحية السلام طُلبت عند ما ذُكر لأنها أول أسباب الألفة، والسلامة التي تَضمَّنها السلام هي أقصى الأماني، فتنبسط النفس عند الاطلاع عليه أيّ بَسْطٍ، وتتفاءل به أحسن فأل. فيض القدير (1/ 437).
وقال النووي -رحمه الله-:
السلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميّز لهم من غيرهم من أهل الْمِلَل. شرح مسلم (2/ 36).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
مع ما فيه (أي السلام) من رياضة النفس ولزوم التواضع، وإعظام حُرمة المسلمين. وفيه: رفع التقاطع والتهاجر. شرح سنن أبي داود (19/ 509).
قوله: «فإن حَالَتْ بينهما شجرة أو جدار أو حجر»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإن حَالَتْ بينهما» أي: حَجَزَ ومَنَعَ. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 127).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فإن حالَ بينهما شجر أو جدار أو حجر» يمنع الرؤية، بحيث يُعَدُّ فاصلًا عُرفيًّا، بدليل قوله: «ثم لَقِيَهُ». دليل الفالحين (5/ 337).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«شجرةٌ» إطلاقه يدل على أنه لا فرق بين كون الشجرة مرتفعة لا تمنع رؤية شخصه، أو ظَلِيْلَة على الأرض تمنع الرؤية. شرح سنن أبي داود (19/ 522).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«شجرة» تمنع من رؤية أحدهما الآخر؛ لغِلَظِ أصلها، فإن لم تَحُلْ لِرِقَّتِها ويَرى كل منهما صاحبه مع وجودها بينهما فلا؛ لانتفاء الحيلولة العُرفية. دليل الفالحين (5/ 336).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أو جدار» مبني، أو مجدر بلا بناء، «أو حَجَر» مرتَفِع يحول بين الرَّجُلين، ويُفَرِّق بينهما. شرح سنن أبي داود (19/ 522).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو حَجَر» أي: كبير. مرقاة المفاتيح (7/ 2946).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«أو حَجَرٌ» أي: صخرة كبيرة فرَّقت بينهم، لا الحجر الصغير، أو الشيء النازل، وإنما شيء يَحْجُب بعضهم عن بعض، أو يُبْعِدُ بعضهم عن بعض؛ كأن تكون صخرة كبيرة، أو شيء على مقدار الإنسان أو أقل منه، وأما إذا كان شيئًا في الأرض ثم حصل بينهما مفارقة بسبب أن هذا مَشَى عن يمين الحصاة وهذا عن شمالها، فهذا لا يحتاج إلى سلام؛ لأنها لم تفصل الفصل الذي يتميَّز به أحدهما عن الآخر وتحصل به المفارقة، فالمقصود بالحَجَر: الحجر الكبير مثل الجدار. شرح سنن أبي داود (591/ 8).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-
«ثم لقيه فلْيُسَلِّم عليه أيضًا» فما لم يحصل به التفرق لا يحتاج إلى تكرار السلام. شرح سنن أبي داود (19/ 522).
قوله: «ثم لقيه فلْيُسَلِّم عليه أيضًا»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ثم لقيه»...، المراد بها: ما يشمل حصول التلاقي عن قرب. دليل الفالحين (5/ 337).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ثم لقيه» مرة أخرى «فلْيُسَلِّم عليه» ندبًا، وإن تكرر ذلك عن قُرْبٍ. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 127).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلْيُسَلِّم عليه» أي: مرة أخرى؛ تجديدًا للعهد وتأكيدًا للوِدِّ. مرقاة المفاتيح (7/ 2946).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«ثم لقيه فلْيُسَلِّم عليه» إن عُدَّا متَفَرِّقَين عُرفًا. السراج المنير شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير (1/ 171).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فليسلم عليه» وإن تكرر ذلك وتقدم قريبًا، وأنه حث على السلام عند تغير كل حال. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 206، 207).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: يأتي به حينئذٍ؛ لأن هذا لقاء جديد، وهو مقتضي لطلب البدء بالسلام، ولا يمنع قُرْب ما قبله له. دليل الفالحين (5/ 337).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا سلَّم عليه إنسان ثم لقيه على قُرْبٍ يُسَنُّ له أن يُسلِّم عليه ثانيًا وثالثًا وأكثر. الأذكار (ص: 249).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وأما حديث الأعرابي -واسمه خلاد كما في مسند ابن أبي شيبة-: أنه جاء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَدَّ عليه السلام، فقال: «ارجع صلِّ، فإنك لم تصلِّ» فرجع فصلى، ثم جاء فسلّم، فيُحمل تكرار السلام على أن الدخول في الصلاة فراق، فإن عند أهل التحقيق أن الدخول في الصلاة خروج من هذا العالَم إلى العالَم العلوي بسره؛ ولهذا شُرع السلام على الحاضرين من إنس وجن وملائكة للخارج من الصلاة، فكأنه خرج من عالم علوي إلى عالم سُفلي، فاحتاج إلى تكرار السلام، مع أنه قبل الدخول في الصلاة كان معهم. شرح سنن أبي داود (19/ 523).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
يُشْعِر باشتراط التفرق لتكرار السلام. رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (2/ 261).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهذا يدلنا على أن الإنسان يكرر السلام إذا خرج وإذا دخل، فالمفارقة قد حصلت، وعندما يمشيان وتُفَرِّق بينهما شجرة، أو جدار، أو صخرة كبيرة، أو ما إلى ذلك فلْيُسَلِّم أحدهما على الآخر، والسلام غير المصافحة التي تحدث عند التلاقي أول مرة. شرح سنن أبي داود (591/ 8).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قضية الأمر بالسلام عليه وإن قَرُبَت مفارقته ثانيًا وثالثًا وأكثر، وقيل: بَثّ السلام رفع للضغينة بأيسر مُؤنة، واكتساب أُخُوة بأهون عطية. فيض القدير (1/ 436).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
(فيه) حثٌّ على إفشاء السلام، وأن يُكَرَّر عند كل تغير حال، ولكل جاءٍ وغادٍ. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3045).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
فيه: تأكيدٌ للتسليم وإن قَرُبَت مُدَّة المفارقة. لمعات التنقيح (8/ 22).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أَمَرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتجديد السلام من الناس بعضهم على بعض، إذا غاب بعضهم عن بعض، مما ذكر في هذا الحديث؛ وذلك أحسن ما يكون من الآداب، وأوصل لما يكون بين الناس، وكذلك كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعلون بعده، كما حدثنا عبد العزيز بن محمد... عن أنس قال: "كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتماشون، فإذا لقيتهم شجرة أو أَكَمَة تفرقوا يمينًا أو شمالًا، فإذا التقوا مرورًا بها سلَّم بعضهم على بعض". وفي ذلك: ما قد دل على تمسكهم بآداب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأموره -رضوان الله عليهم-، والله نسأله التوفيق. شرح مشكل الآثار (13/ 154-155).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الإنسان إذا سلَّم على أخيه، ثم خرج ورجع عن قُرْب أو عن بُعْد من باب أَوْلَى، فإنه يُعيد السلام، مثلًا: إنسان عنده ضيوف في البيت، فدخل إلى البيت يأتي لهم بماء أو طعام أو نحو ذلك، فإنه إذا رجع يُسلم، وهذه من نعمة الله أنه يُسن السلام وتكراره كلما غاب الإنسان عن أخيه، سواء غيبة طويلة أو قصيرة، فإن الله شرع لنا أن يُسلِّم بعضنا على بعض؛ لأن السلام عبادة وأجر، كلما ازددنا منه ازددنا عبادة لله، وازداد أجرنا وثوابنا عند الله، ولولا أن الله شَرَع هذا لكان تكرار السلام على هذا الوجه من البدعة، لكنْ من نعمة الله أنك إذا غِبْتَ عن أخيك ورجَعت ولو عن قُرب فإنك تسلُّم إن حال بينكما شجرة أو حجر كبير، بحيث تغيب عنه، فإذا لقيته فسلم عليه. شرح رياض الصالحين (4/ 411-412).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا مرَّ على واحد أو أكثر، وغلبَ على ظنه أنه إذا سلَّم لا يَرُد عليه، إما لِتَكَبُّر الممرور عليه، وإما لإِهماله المار أو السلام، وإما لغير ذلك، فينبغي أن يُسلِّم ولا يتركه لهذا الظنّ؛ فإنَّ السلامَ مأمورٌ به، والذي أُمِرَ به المار أن يُسلِّم، ولم يؤمر بأن يحصل الرد، مع أن الممرور عليه قد يخطئ الظن فيه ويرد. وأما قول مَن لا تحقيق عنده: إن سلامَ المار سبب لحصول الإِثم في حق الممرور عليه، فهو جهالة ظاهرة، وغباوة بيِّنة؛ فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات، ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على مَن فعله جاهلًا كونه منكرًا، وغَلَبَ على ظننا أنه لا يَنْزَجِر بقولنا، فَإِنَّ إنكارنا عليه، وتعريفنا له قُبْحَه يكون سببًا لإِثمه إذا لم يُقْلِعْ عنه، ولا شك في أَنَّا لا نترك الإِنكار بمثل هذا. الأذكار (ص258-259).