الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«لَا يُردُّ الدعاءُ بين الأذان والإقامة».


رواه أحمد برقم: (12200)، وأبو داود برقم: (521) والترمذي برقم: (212)، والنسائي في الكبرى برقم: (9812)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (12584)، بلفظ: «إن الدعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة، فادْعُوا».
ورواه أبو يعلى برقم: (3680)، بلفظ: «الدعاء بين الأذان والإقامة مستجاب، فادْعُوا»، وابن حبان برقم: (478): بلفظه: «...يستجاب فادْعُوا».
صحيح الجامع برقم: (3405)، صحيح الترغيب والترهيب برقم (265)، وقال الأرنؤوط في تحقيق سنن أبي داود: حديث صحيح.


مختصر شرح الحديث


الدعاءُ من أجلِّ العبادات، وقد جعل الله تعالى له أوقاتًا تُرجى فيها الإجابة، ومن ذلك: ما بين الأذان والإقامة. وفي هذا الحديث يقول النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا يُردُّ الدعاءُ بين الأذان والإقامة»، وفي لفظ: «إنَّ الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة»، وفي آخر: «الدعاء بين الأذان والإقامة مُستجاب فادعوا»، أي: أنَّ ما بين الأذان والإقامة من أوقات إجابة الدعاء، فاغتنِموهُ بالدعاء، وأكثروا منه فيه، ولا تُفرِّطوا فيه.
وهو عامٌّ فيما بين كلِّ أذانٍ وإقامةٍ في الصلوات الخمس والجُمعة، سواءٌ كان الداعي في المسجد أو خارجه، فيشمل النساءَ ومَن يصلِّي في بيته من الرجال.
وقوله: «لا يُردُّ الدعاءُ» إنما يكون مع تحقُّق شروط الإجابة وانتفاء موانعها؛ فلا يدعو بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ، ولا يستعجل الإجابة، وأن يدعو بقلب خاشع حاضر، وحُسن ظنِّه بالله تعالى.
ولا يعني ذلك أنَّ كلَّ مَن دعا في هذا الوقت يتحقَّق له عينُ ما طلب؛ فإمَّا أن يُعجِّلَ له دعوتَه، وإمَّا أن يدَّخرَها له في الآخرة، وإمَّا أن يَصرفَ عنه من السُّوء مثلَها؛ فلا يُعدم الداعي خيرًا.
وفي الحديث: فضيلةُ الدعاء بين الأذان والإقامة، والحثّ عليه.


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «لَا يُردُّ الدُّعاء بين الأذان والإقامة»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لا يُردُّ الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة» سواء كان متصلًا بالأذان أو متراخيًا، والأَوْلى أن يُدعى متصلًا؛ ليوافق كونه عند النداء، كما في الحديث الآتي: («ثنتان لا تُردَّان، أو قلَّما تُردَّان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلْحِمُ بعضهم بعضًا»). لمعات التنقيح (2/ 431).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وهذا عامٌّ بَيْن كلِّ أذان وإقامة من الصلوات الخمس، وللمؤذن والسامع ومن لم يسمع. شرح سنن أبي داود (3/ 474).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لا يُردُّ الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة»؛ وذلك لشرف الوقت. شرح المصابيح (1/ 410).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «الدعاء» مُعرَّف بالألف واللام، بتناول جنس الدعاء، أو الاستغراق، فيتناولُ الدعاء بأمُور الدنيا والآخرة. شرح سنن أبي داود (2/ 478).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يستحب الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة لهذا الحديث؛ لأن الدعاء حينئذ مستجاب، والمستحب أن يَقعد فيها قَعْدَةً ينتظر فيها الجماعة؛ لأن الذي رواه عبد الله بن زيد أنه أذَّن وقَعَد قَعْدَةً ثم قام، إلا في صلاة المغرب؛ لضيق وقتها. انتهى، قاله الدميري. فتح القريب المجيب (2/ 649).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وظاهر الحديث: أن الدعاء المطلق لا يُردّ، وقد وَرَد في تعيين ما يُدعى به ما في حديث مسلم من رواية عبد الله بن عمرو بلفظ: «قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، ثم سَلُوا الله ليَ الوسيلة»، وما أخرج أبو داود والبخاري من حديث جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه، إلَّا حلَّت له شفاعتي يوم القيامة». البدر التمام (2/301، 302).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والحديث دليل على قبول الدعاء في هذه المواطن؛ إذ عَدَم الرَّدِّ يراد به القبول والإجابة، ثم هو عام لكل دعاء، ولا بد من تقييده بما في الأحاديث غيره من أنه ما لم يكن دعاء بإثم أو قطيعة رحم.
هذا وقد ورَدَ تعيين أدعية تقال بعد الأذان، وهو ما بين الأذان والإقامة:
الأول: أن يقول: «رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ مَن قال ذلك غُفِرَ له ذنبه».
الثاني: أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد فراغه من إجابة المؤذن.
الثالث: أن يقول بعد صلاته عليه: «اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه» وهذا في صحيح البخاري، وزاد غيره: «إنك لا تُخلف الميعاد».
الرابع: أن يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله كما في السُّنن عنه -صلى الله عليه وسلم-: «قل مثلما يقول -أي: المؤذن-، فإذا انتهيت فَسَل تُعْطَه»، وروى أحمد بن حنبل عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من قال حين ينادي المنادي: اللهم ربّ هذه الدعوة القائمة، والصلاة النافعة، صلِّ على محمد، وارضَ عنه رضًا لا سُخْطَ بعده، استجاب الله دعوته»، وأخرج الترمذي من حديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «علَّمَنِي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبالُ لَيْلِكَ وإدبارُ نَهَارِكَ، وأصوات دُعَاتِكَ فاغفر لي». (ضعيف الترغيب والترهيب برقم: (171). سبل السلام (2/76، 77).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
هذا الوعد (بإجابة الدعاء) غير ما وَعَد من إجابة الدعوة بعد الأذان؛ إذ هذه الإجابة لا تتحقق إلا فيمن حضر للصلاة بعدما سمع النداء، وإلَّا فكيف له العلم إذا لم يحضر الصلاة أنَّ ذلك الوقت هو ما ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة؟ بخلاف الدعوة التي بعد الأذان؛ فإنها عامة لكل من سمع النداء سواء كان ممن هو أَهْل هذه المحلة أو من غيرهم، وذلك الوعد سبب لهم وترغيب على حضور المسجد للجماعة مِن أول الوقت؛ إذ المصلي إذا سمع النداء وتهيأ بفور سماعها للذهاب إلى المسجد، فتوضأ وأحسن الوضوء ثم مشى إلى المسجد فكُتِبَتْ آثار أقدامه، وقرأ أدعية دخول المسجد، ثمَّ صلَّى على النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تقدَّم، وحيَّا المسجد بالشفعة، ثم جلس ينتظر الصلاة فكان في صلاة؛ لقوله -عليه السلام-: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها»، فهل أنتَ في مِرْية مِن أن يجاب دعاؤه؟! وقد كان السببُ في قوله -عليه الصلاة والسلام- ذلك أن يكونوا في أمر صلاتهم كذلك، ولا يتأخَّروا في الحضور حتى إذا قَرُبَ وقت الإقامة حضروا، ليس له تمكُّن من تحية الوضوء ولا تحية المسجد، فكيف بانتظار الصلاة حتى يدعوا فيُجاب لهم؟!
وعلى هذا فلو عَلِم أحد وقت الإقامة مع أنه لا يحضر الجماعة أو يحضر حضور مَن أسلفناه لك آنفًا، ولكنه دعا من بيته بعد الأذان قبل وقت الإقامة لا يشمله هذا الوعد؛ نظرًا إلى فقه الحديث الذي بُنِي عليه، وإن كان ظاهر لفظ الحديث يَشمله هذا، والله أعلم بالصواب، وعنده علم الكتاب. الكوكب الدُّرِّي (1/411، 412).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وظاهر البينيَّة أن وقت الإجابة يبتدئُ من انتهاء الأذان، وينتهي بابتداء الإقامة، ويحتمل أن يكون المراد أن الدعاء لا يُردُّ بين أثناء الأذان من حين ابتدائه إلى انتهائه، وكذا الإقامة...
قوله «لا يُردّ الدعاء بين الأذان والإقامة» أي: لا يَردُّ الله تعالى طلب الحوائج الدنيوية والأخروية الجليلة والحقيرة في هذا الوقت، بل يجيب الدعاء ويَقبله، كما رواه الحاكم وأبو يعلى عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «إذا نادى المنادى فُتِحت أبواب السماء واستُجيب الدعاء»، وروى الخطيب عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «عند أذان المؤذِّن يستجاب الدعاء، فإذا كان الإقامة لا تردّ دعوته»، وروى مالك والبيهقي عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال: «ساعتان تفتح لهما أبواب السماء، وقَلَّ داع تُردُّ عليه دعوته: عند حضور النداء للصلاة، والصَّفّ في سبيل الله»، وروى البيهقي من طريق أبي حازم بن دينار أن سهل بن سعد أخبره أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قال: «ثنتان لا تردَّان أو قلَّما تُردّان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلْحِمُ بعضهم بعضًا». المنهل العذب المورود (4/186، 187).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لا يُرَدُّ» يعني: أن الله لا يردُّ الدعاء؛ لأن ردَّ الدعاء وقبولَه عند الله -عز وجل-، وقوله: «‌بين ‌الأذان ‌والإقامة» يعني: من كل صلاة، سواء الفجر، ظهر، عصر، مغرب، عشاء، جمعة، لا يُردّ، والغرض من هذا الخبر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الحثّ على اغتنام هذا الوقت بالدعاء؛ فإنه حَرِيٌّ بالإجابة، ففي هذا الحديث أنَّ هذا الوقت ما ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة وقت لإجابة الدعاء؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يُردُّ الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة»، وظاهر الحديث العموم، وأنه لا فرق بين الرجال والنساء، وظاهره أيضًا: أنه لا فرق بين منتظِر الصلاة وغير منتظِر الصلاة، وظاهره أيضًا: أنه لا فرق بين المتوضئ وغير المتوضئ. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 486).
وقال ابن جبرين -رحمه الله-:
«الدعاء لا يُردُّ ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة» ومن ذلك: الدعاء له -صلى الله عليه وسلم- بالوسيلة التي ذكرها في قوله: «إن الوسيلة درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد»، فأَمَرَنا بأن نقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة -وفي رواية: والفضيلة-، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعَدْتَه»، وفي رواية: «إنك لا تخلف الميعاد». شرح عمدة الأحكام (10/ 11).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
هذا إخبار منه -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يُرَدُّ الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة، وهل هذا أسلوب حصر أو خبر عارٍ عن الحصر؟
«لا يُرَدُّ الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة»، هل تَعرَّض لأوقات أخرى؟ ما تعرض لها.
إذًا: هذا إخبار بالنسبة لموضوع الباب، وهو الأذان والإقامة، وهناك مواطن كثيرة جِدًّا يُستجاب فيها الدعاء، كالساعة التي في يوم الجمعة عند صعود الإمام إلى المنبر إلى الفراغ من الخطبة والصلاة، وفي الثلث الأخير من الليل، ودعاء المظلوم، وفي حالة عمل الخير وعمل البر، وعَقِب ختم القرآن، فلكل ختمة دعوة مستجابة، ويوم عرفة، وليلة الجمعة، وليلة العيدين، وكل هذه مواطن يستجاب فيها الدعاء، ولكنَّ المؤلف هنا أتى بما يتعلق بالأذان والإقامة. شرح بلوغ المرام (45/ 9).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الدعاء لا يُردّ ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة» مع تكامل شرائطه؛ فإنَّما هذا بيان وقت الإجابة، ولا بد من سائر الشرائط. التنوير (6/ 129).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة مستجاب، فادْعُوا» بعد أن تجمعوا شروط الدعاء التي منها: حضور القلب وجَمْعه بكليَّته على المطلوب، والخشوع والانكسار والتذلل والخضوع، والاستقبال، وغيرها، وتقديم التوبة والاستغفار، والخروج من المظالم، والطهارة وغير ذلك.
وكثيرًا ما يقع أن يرى إنسان إنسانًا يدعو في وقت فيُجاب فيَظُنّ أن السِّر في ذلك الوقت، وفي اللفظ؛ فيأخذه مجرَّدًا عن تلك الأمور التي قارنته من الداعي، وهو كما لو استعمل الرجل دواء نافعًا في وقت وحالٍ واستعدادٍ؛ فَنَفَعَه، فَظَنَّ غيرُه أن استعماله بمجرده كاف، فَغَلِط. فيض القدير (3/ 541)
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الدعاء عام يشمل كلَّ دعاء، إلَّا أنه مخصوص بما في الأحاديث الصحيحة من أنه ما لم يكن بإثم أو قطيعة رحم، ومشروط بشروط منها: ألا يستعجل بالإجابة؛ لما رواه مسلم عن أبي هريرة أنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحم، ما لم يستعجل»، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أرَ يُستجاب لي؛ فيستحسر -أي: ينقطع- عند ذلك ويَدَع الدعاء».
ومنها: إقبال العبد على رَبِّه حال دعائه.
وأن يكون موقنًا بالإجابة.
لكن تكون (الإجابة) على حسب مراد الله تعالى، وفي الوقت الذي يُريده، لا على حسب مراد الداعي، ولا في الوقت الذي يريده؛ إذ قد يدعو بما تكون عاقبته وبالًا. المنهل العذب المورود (4/ 187).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإن قال قائل: إن الإنسان قد يدعو بين الأذان والإقامة فلا نرى إجابة، فما موقفنا من هذا الحديث؟
فالجواب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبرنا بأن هذا الوقت سبب لإجابة الدعاء، والسبب قد لا يُحصِّل المسبَّب؛ لوجود مانع؛ يعني: إذا جاءت مثلُ هذه النصوص التي فيها الأخبار ثم تخلَّف الخبر؛ بناء على ظنك، فاعلم أنه لن يتخلف إلا لوجود مانع يمنع إجابة الدعاء، واستمع إلى قول الرسول -عليه الصلاة والسلام- حين ذَكَرَ: «الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له؟!»؛ لذلك انظر لهذا الحديث: أسباب الإجابة موجودة وهي السفر كونه أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يدعو يا رب يا رب يا رب، واستَبْعَد النبي -صلى الله عليه وسلم- الاستجابة له؛ لأنه يأكل الحرام؛ لأن هذا مانع من إجابة الدعاء مع توافر شروطه...، وقد يوجد المسبَّب على غير السبب المعلوم؛ لأن الأمر كله بيد الله -عز وجل-، ولكن أبشروا أيها الداعونَ اللهَ أنه ما من إنسان يدعو الله إلا حصل على أجرٍ قَطعًا، كيف ذلك؟ لأن الدعاء عبادةٌ من أفضل العبادات، ثم إمَّا أن يستجيب الله له، وإما أن يدَّخِر له عنده ما هو أفضل مما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء الذي انعقدت أسبابه من هذا الداعي ما هو أعظم مما دعا به، فلن يُعدم داعي الله تعالى خيرًا، بل هو على خير على كل حال، أكثِر من الدعاء وأحسِن الظن بالله -عز وجل-، ولهذا جاء في الحديث: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة». فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 487).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلَّف عنه أثره، إمَّا لضعفه في نفسه بأن يكون ‌دعاء ‌لا ‌يحبه ‌الله؛ لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القَوس الرخو جدًّا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة؛ من أكل الحرام، والظلم، ورَين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغَلَبتها عليها، كما في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يَقبل دعاءً مِن قلبٍ غافل لاهٍ». الداء والدواء (ص9).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث: دلّ الحديث على الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة، وعلى أفضلية الدعاء في هذا الوقت. المنهل العذب المورود (4/ 188).
وقال فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: الحث على الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة، وأن هذا الوقت من أوقات الإجابة. تطريز رياض الصالحين (ص609)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث: فضيلة الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة، كما قال -جل وعلا-: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} غافر:60...
ومن فوائد هذا الحديث:... أن الراد والقابل مَنْ؟ هو الله -عز وجل-.
ويتفرع على هذه القاعدة فائدة عظيمة، وهي: أن الإنسان إذا دعا على آخر فهل يخاف الآخر من دعائه؟ الجواب: لا يخاف إلَّا إذا كان ظالِمًا؛ لأن الإنسان إذا دعا على غير ظالم فإن الذي يجيبه هو الله -عز وجل-، ولو أجابه على دعائه لكان الله تعالى يُعين الظالمين، وحاشاه من ذلك، بل قال الله -عز وجل-: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} يوسف:23...، لكن إن كنتَ ظالِمًا فاحذر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ -رضي الله عنه- وقد بعثه إلى اليمن وأَمَرَه بأخذ الزكاة من أموالهم: «واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب». فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 486).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
يؤخذ من الحديث:
1 - أنَّ الدعاء ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة لا يَرُدُّه الله تعالى، بل يقبلُهُ من فضله وكرمه.
2 - استحبابُ الدعاء في هذا الوقت، واغتنامُ النفحةِ الإلهيَّة والكرمِ الرباني.
3 - لعلَّ السبَبَ في قبول الدعاء في هذا الوقت الفاضل: أنَّ منتظِرَ الصلاةِ في صلاة، فهو عند الله تعالى في صلاة، والدعاءُ في الصلاة لا يُرَدُّ...
4 - استحبابُ التقدُّم إلى المسجد؛ لتحصيلِ هذا الوقت والاجتهاد فيه.
5 - قيَّدت الأحاديثُ هذا الدعاء بأنَّه إذا كان بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ، فهذا اعتداءٌ في الدعاء، يأثم صاحبه، ولا يُقبَل دعاؤه. توضيح الأحكام (1/ 549).

ويُنظر حديث: «إذا ثُوِّبَ بالصلاةِ؛ فُتِحَتْ أَبوَابُ السَّماءِ، واستُجِيبَ الدُّعاءُ».


إبلاغ عن خطأ