«بَعَثَ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- سَرِيَّة فأصابهم البَرْدُ، فلما قدِموا على النبي -صلى الله عليه وسلم- شَكَوا إليه ما أصابهم من البَرْدِ؛ فأمرهم أن يمسحوا على العَصَائِبِ، والتَّسَاخِين».
رواه أحمد برقم: (22383)، وأبو داود برقم: (146)، من حديث ثوبان -رضي الله عنه-.
صحيح أبي داود برقم: (134)، وقال محققو مسند الإمام أحمد: إسناده صحيح.
غريب الحديث
«سَرِيَّة»:
السَّريَّة: خيلٌ تَبْلُغُ أربع مائة، أو نحوه. العين، للفراهيدي (7/ 288).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
والسَّريَّة: الَّتي تنْفُذُ إلى بلاد العدو، وأصلها: من السُّرى وهو: سَيْرُ الليل، وكانت تخفي خروجها؛ لئلا ينتشر الخبر به وتَكتب به العيون؛ فتخرج ليلًا، فيقال: سَرَتْ سَرِيَّة، أَي: خرجت وسارت ليلًا وهي: فعيلة بمعنى: فاعلة. غريب الحديث (1/ 227).
«العَصَائِبِ»:
العصائب: وهي: العمائم. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 226).
قال إبراهيم الحربي -رحمه الله-:
الواحدة عصابة، وهو ما عَصَبْتَ به رَأْسَكَ من عمامة أو خرقة، وإن عَصَبْتَ غير الرأس قلت: عِصَابٌ بغير هاء. غريب الحديث(1/ 304).
«والتَّساخين»:
قال حماس...: المساخن، ولا أعرف التّساخين، أي: الخفاف. العين، للخليل بن أحمد (6/ 280).
وقال ابن دريد -رحمه الله-:
التَّسَاخِين: الْمَراجِل، لَا أعرف لَهَا واحدًا من لفظها، إِلَّا أَنه قد قيل: تَسْخَان، وما أدري ما حقيقة ذلك، وفي الحديث: «أمرنا أن نمسح على المَشَاوِذِ وَالتَّسَاخِينِ» فالْمَشَاوِذُ: العمائم، والتساخين: الخِفَاف في هذا الحديث. جمهرة اللغة (1/ 600).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «بَعَثَ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- سَرِيَّة فأصابهم البَرْدُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرية» أي: قطعة من الجيش، فعيلة بمعنى فاعلة، سُمِّيت بذلك لأنها تَسْرِي في خُفْيَةٍ «فأصابهم البَرْدُ» بإسكان الراء يعني: الشديد... شرح سنن أبي داود (2/114، 115).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والسَّرِيَّة: -بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية- هي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار، وقيل: سُميت بذلك لأنها تُخْفِي ذهابها، وهذا يقتضي أنها أُخِذَت من السِّر، ولا يصح؛ لاختلاف المادة، وهي: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، فما زاد على خمسمائة يقال له: مَنْسَرٌ بالنون والمهملة، فإن زاد على الثمانمائة سمي جيشًا، وما بينهما يسمى هَبْطَة، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلًا، فإن زاد فجيش جَرَّارٌ، والخَمِيسُ: الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثًا، فالعشرة فما بعدها تسمى حفيرة، والأربعون عُصبة، وإلى ثلاثمائة مقنب -بقاف ونون ثم موحدة-، فإن زاد سُمِّي جمرة بالجيم، والكَتِيبَةُ ما اجتمع ولم ينتشر. فتح الباري (8/ 56).
وقال العيني -رحمه الله-:
السرايا: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر، وخيارهم من الشيء: السّري النفيس، وقيل: سُموا بذلك لأنهم ينفذون سرًّا وخفية، وهذا ليس بشيء؛ لأن لام السر "راء" (يقصد: أصلها سَرَرَ)، وهذه "ياء" (سَرَيَ). شرح سنن أبي داود (1/344، 345).
قوله: «فلما قدِموا على النَّبي -صلى الله عليه وسلم- شَكَوا إليه ما أصابهم من البَرْدِ؛ فأمرهم أن يمسحوا على العَصائب، والتَّساخين»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
«العَصَائِبِ»: العمائم، سُمِّيت عصائب؛ لأن الرأس يُعصب بها، و«التَّسَاخِين»: الخِفَاف، ويقال: إن أصل ذلك كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوه. معالم السنن (1/ 56).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فكلُّ ما عَصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو عصابة فهو عصابة. شرح سنن أبي داود (2/115).
وقال العيني -رحمه الله-:
ولا واحد للتساخين من لفظها، وقيل: واحدها: تَسْخان، وتَسْخَن، وتِسْخِين، والياء فيها زائدة.
وذكر حمزة الأصفهاني: أن التّسخان فارسي مُعرَّب "تثْكن"، وهو اسم غطاء من أغطية الرأس، كان العلماء والموابذةُ (هم قضاة المجوس وأصحاب خزائن كتبهم وعلومهم) يأخذونه على رؤوسهم خاصة دون غيرهم، وقال: مَن تعاطى تفسيره: هو الخفُ حيث لم يَعْرِفْ فارِسِيَّته. شرح سنن أبي داود (1/ 345).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «أَمَرَهم أن يمسحوا» إلخ، أي: أَذِنَ لهم في ذلك، بعد أن شَكَوا إليه ما أصابهم من البَرْدِ. المنهل العذب المورود (2/ 96).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
ويمسح على العمامة؛ لثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن أبي بكر وعمر. الإقناع (1/ 63).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد اختلف أهل العلم في المسح على العمامة: فذهب إلى جوازه جماعة من السلف، وقال به من فقهاء الأمصار: الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود، وقال أحمد: قد جاء ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من خمسة أوجه....
وأبى المسح على العمامة أكثر الفقهاء، وتأوَّلوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر على مسح بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدَّمه ومؤخَّره، ولا ينزع عمامته من رأسه ولا ينقضها، وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة كالمفسِّر له، وهو أنه وصف وُضُوءَه ثم قال: «ومسح بناصيته وعلى عمامته» فوصل مسح الناصية بالعمامة، وإنما وقع أداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية؛ إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعًا له، كما رُوي: «أنه مسح أسفل الخف وأعلاه»، ثم كان الواجب في ذلك مسح أعلاه، وصار مسح أسفله كالتبع له، والأصل أن الله تعالى فَرَض مسح الرأس، وحديث ثوبان محتمِل للتأويل، فلا يُترك الأصل المتيقَّن وجوبُه بالحديث المحتمل، ومَن قاسه على مسح الخفين فقد أَبْعَدَ؛ لأن الخفَّ يشق نزعه، ونزع العمامة لا يشق،...عن أنس بن مالك قال: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ وعليه عمامة قِطْريَّة، فأدخل يده من تحت العمامة فمَسَح مقدَّم رأسه ولم ينقض العمامة» (ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: ص 46)، قلت: وهذا يشهد لِمَا تأوَّلوه في معنى الحديث الأول، والقِطر: نوع من البُرُود فيه حُمْرَة. معالم السنن (1/56، 57).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وقد جوَّز المسحَ على العمامة جمعٌ من فقهاء أصحاب الحديث، وأكثر من يدور عليهم عِلْم الفُتْيَا في بلاد الإسلام، على خلاف ذلك، فمنهم من يقول: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخَّص لهم بعد مسح الواجب أن يقتصروا من الاستيعاب على مسح العمائم، ويجعل حديث المغيرة كالمفسِّر لحديث ثوبان، وهذا التأويل لا يستقيم على مذهب من يرى استيعاب جميع الرأس بالمسح واجبًا، وله أن يقول: العمل بحديث ثوبان غير واجب؛ لأن الله فَرَضَ مسح الرأس وقال: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} المائدة:6، ذاكرًا بحرف الإلصاق، فلا يجوز تركُه بحديثٍ غير متواتر محتمل لأقاويل.
قلت: ومن الاحتمال الجائز في حديث ثوبان: أن يكون القوم قد أصابتهم الجراح فعَصَبُوها بالعصائب، فأمرهم أن يمسحوا عليها، ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول الآية.
وعلى الأحوال فالأخذ بظاهر التنزيل في أصل مثل هذه المسألة أَولى، كيف وقد ذكر العلماء بأيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأساب النزول أن المائدة آخر ما نزل من سُور القرآن، والله أعلم. الميسر (1/ 145).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قال الجوزجاني: رَوى المسحَ على العمامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: سلمانُ الفارسي، وثوبان، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شُعبة، وأبو موسى، وفَعَله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق، وقال عمر بن الخطاب: مَن لم يطهِّره المسح على العمامة فلا طهَّره الله.
قال: والمسح على العمامة سُنَّة مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار، وحكاه عن ابن أبي شيبة وأبي خيثمة زهير، وسليمان بن داود الهاشمي مذهبًا لهم، ورواه أيضًا عَمرو بن أمية الضّمْري وبلال. تهذيب سنن أبي داود (1/ 107).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
لأنها (أي: العمامة) حائل في محلٍّ وَرَدَ الشرعُ بمسحه، فجاز المسح عليه كالخفين؛ ولأن الرأس عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المسح على حائله كالقدمين.
والآية لا تنفي المسح على العمامة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- مبيِّن لكلام الله مفسِّر له، وقد مسح على العمامة وأمر بالمسح عليها، وهذا يدل على أن المراد بالآية المسحُ على الرأس وحَائِلِهِ. شرح سنن أبي داود (2/ 115).
وقال المغربي -رحمه الله-:
والحديث يدل على شرعية المسح على الخفين والعمائم، ولكنه كما ذُكر من حكاية أبي داود مشروط بالعُذْر، فإن إصابة البرد المذكورة في القصة مناسبة للترخيص، فيظهر من تعليق الحكم بها باعتبارها...، وأما مع العذر-وهو: خشية الضرر- فلا كلام في الجواز. البدر التمام (1/ 266).
وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله-:
ولا يجوز المسح على العمامة والقَلَنْسُوَةِ، ومن العلماء من جوزه؛ لحديث بلال -رضي الله تعالى عنه- قال: «رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسح على عمامته» وجاء في الحديث: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثَ سَرِية فأمرهم بأن يمسحوا على الْمَشَاوِذَ والتَّسَاخِين» فالْمَشاوذ: العمائم، والتساخين الخفاف.
ولنا: حديث جابر قال: «رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حسر العمامة عن رأسه ومسح على ناصيته»، وكأنَّ بلالًا -رضي الله عنه- كان بعيدًا منه فظن أنه مسح على العمامة حين لم يضعها عن رأسه، وتأويل الحديث الآخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خصَّ به تلك السرية؛ لعذرهم، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- يخصُّ بعض أصحابه بأشياء كما خص عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه- بلبس الحرير، وخزيمة -رضي الله تعالى عنه- بشهادته وحده، ثم المسح إنما يكون بدلًا عن الغَسل لا عن المسح، والرأس ممسوح، فكيف يكون المسح على العمامة بدلًا عنه؟! بخلاف الرِّجل؛ ولأنه لا يلحقه كثير حرج في إدخال اليد تحت العمامة والمسح على الرأس، قال: وكذلك المرأة لا تمسح على خمارها؛ لحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «أنها أَدْخَلَتْ يدها تحت الخمار ومسحت برأسها، وقالت: بهذا أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»، فإن مَسَحَت على خمارها فنفذت البلَّةُ إلى رأسها حتى ابتلَّ قَدْرَ الربع أجزأها، حتى قال بعض مشايخنا -رحمهم الله تعالى-: إذا كان الخمار جديدًا يجوز، وإن لم يكن جديدًا لا يجوز؛ لأن ثقوب الجديد لم تنسد بالاستعمال فتنفذ البلَّة منها إلى الرأس. المبسوط (1/ 101).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
ولا يجوز المسح على عمامة ولا خمار بدلًا عن الرأس، خلافًا لأحمد وداود؛ لقوله جل وعز: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} المائدة:6، وهذا يوجب مباشرة العضو؛ ولأنه عضو غير منصوص على حدِّه فأشبه الوجه؛ ولأن فرض البدل لا يكون كفرض المبدَل. المعونة (1/ 125).
وقال النووي الشافعي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: إذا كان عليه عمامة ولم يُرِدْ نزعها لعذر ولغير عذر، مسح الناصية كلها، ويستحب أن يتم المسح على العمامة سواء لبسها على طهارة أو حدث، ولو كان على رأسه قَلَنْسُوَة ولم يُرد نزعها فهي كالعمامة فيمسح بناصيته، ويستحب أن يتم المسح عليها، صرح به أبو العباس الجرجاني في التحرير، وهكذا حُكْم ما على رأس المرأة.
وأما إذا اقتصر على مسح العمامة ولم يمسح شيئًا من رأسه فلا يجزيه بلا خلاف عندنا، وهو مذهب أكثر العلماء...
وقالت طائفة: يجوز الاقتصار على العمامة، قاله سفيان الثوري والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وإسحق ومحمد بن جرير وداود، قال ابن المنذر: ممن مسح على العمامة: أبو بكر الصدِّيق وبه قال عمر وأنس بن مالك وأبو أمامة، وروي عن سعد بن أبي وقاص وأبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز ومكحول والحسن وقتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. المجموع (1/ 407).
وفي الجامع لعلوم الإمام أحمد -رحمه الله-:
قال إسحاق بن منصور: قلت: يمسح على العمامة؟ قال: نعم.
قلت: من غير أن يمسح برأسه بشيء؟ قال: نعم.
قال: وإذا نزعها أعاد الوضوء مثل الخفين. الجامع لعلوم الإمام أحمد (5/ 223).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
ويجوز المسح على العمامة...، وبه قال عمر، وأنس، وأبو أمامة، ورُوي عن سعيد بن مالك، وأبي الدرداء -رضي الله عنهم-، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر.
وقال عروة، والنخعي، والشعبي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يمسح عليها؛ لقول الله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} المائدة:6؛ ولأنه لا تلحقه المشقة في نزعها، فلم يجز المسح عليها، كالْكُمَّيْن.
ولنا ما روي عن المغيرة بن شعبة، قال: «توضأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومسح على الخفين، والعمامة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي مسلم: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح على الخفين والخمار» قال أحمد: هو من خمسة وجوه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، روى الخلال، بإسناده، عن عمر، -رضي الله عنه- أنه قال: من لم يُطَهِّره المسح على العمامة فلا طهَّرَهُ الله؛ ولأنه حائل في محلٍّ وَرَدَ الشرع بمسحه، فجاز المسح عليه، كالخفين؛ ولأن الرأس عضو يسقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله، كالقدمين، والآية لا تنفي ما ذكرناه؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- مبين لكلام الله، مفسِّر له، وقد مسح النبي -صلى الله عليه وسلم- على العمامة، وأمر بالمسح عليها، وهذا يدل على أن المراد من الآية: المسح على الرأس، أو حائله.
ومما يبين ذلك: أن المسح في الغالب لا يصيب الرأس، وإنما يمسح على الشَّعر، وهو حائل بين اليد وبينه، فكذلك العمامة، فإنه يقال لمن لمس عمامته أو قبَّلَها: قبَّل رأسه ولمسه. وكذلك أمر بمسح الرِّجْلين، واتفقنا على جواز مسح حائلهما. المغني (1/ 380).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد ثبت المسح على العمامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجوه صحيحة، لكن العلماء فيها على ثلاثة أقوال: منهم من يقول: الفرض سَقَطَ بمسح ما بدأ من الرأس، والمسح على العمامة مستحب، وهذا قول الشافعي وغيره.
ومنهم من يقول: بل الفرض سقط بمسح العمامة، ومسْح ما بدا من الرأس كما في حديث المغيرة، هل هو واجب؛ لأنه فعله في حديث المغيرة، أو ليس بواجب؛ لأنه لم يأمر به في سائر الأحاديث؟ على روايتين، وهذا قول أحمد المشهور عنه.
ومنهم من يقول: بل إنما كان المسح على العمامة لأجل الضرر، وهو ما إذا حصل بكشف الرأس ضرر مِن بَرْدٍ، ومرض، فيكون من جنس المسح على الجبيرة، كما جاء أنهم كانوا في سرية، فَشَكَوا البرد، فأمرهم أن يمسحوا على التساخين والعصائب، والعصائب هي: العمائم.
ومعلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح التساخين والعصائب ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز، فأهل الشام، والروم، ونحو هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا، وهذا من أهل الحجاز، والماشون في الأرض الحَزْنَة والوعرة، أحق بجواز المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة، وخفاف هؤلاء في العادة لا بد أن يؤثر فيها الحَجَر، فهم برخصة المسح على الخفاف المخرقة أولى من غيرهم. الفتاوى الكبرى (1/ 321).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ومَسَح على العمامة مقتصرًا عليها، ومع الناصية، وثبت ذلك عنه فعلًا وأمرًا في عدَّة أحاديث، لكن هي قضايا أعيان، يحتمل أن تكون خاصَّةً بحال الحاجة والضرورة، وتحتمل العموم كالخفَّين، وهو أظهر. والله أعلم. زاد المعاد (1/ 218).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وَشَرَط من جوَّز المسح على العمامة أن يَعْتَمَّ الماسحُ عليها بعد كمال الطهارة، كما يفعله من يريد المسح على الخفين.
ورُوي عن طاوس أنه قال: لا يُمسح على العمامة التي لا تُجعل تحت الذقن. معالم السنن (1/ 56).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ويمسح على كل ذلك أبدًا (أي: على العمامة والخمار والخفين) بلا توقيت ولا تحديد، وقد جاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- التوقيت في ذلك ثابتًا عنه، كالمسح على الخفين، وبه قال أبو ثور، وقال أصحابنا كما قلنا.
ولا حُجَّة في قول أحد دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والقياس باطل.
وقول القائل: لَمَّا كان المسح على الخفين موقتًا بوقت محدود في السفر، ووقت في الحضر، وجب أن يكون المسح على العمامة كذلك، دعوى بلا برهان على صحتها، وقول لا دليل على وجوبه، ويقال له: ما دليلك على صحة ما تذكر من أن يُحكم للمسح على العمامة بمثل الوقتين المنصوصَين في المسح على الخفين؟ وهذا لا سبيل إلى وجوده بأكثر من الدعوى، وقد مسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على العمامة والخمار، ولم يوقِّت في ذلك وقتًا، ووقَّت في المسح على الخفين، فيلزمنا أن نقول ما قال -عليه السلام-، وألا نقول في الدين ما لم يقله -عليه السلام-، قال الله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} البقرة:229. المحلى بالآثار (1/ 309).
وقال ابن حزم -رحمه الله- أيضًا:
لو كان تحت ما لُبِسَ على الرأس خضاب أو دواء جاز المسح عليهما كما قلنا ولا فرق، وكذلك لو تعمد لباس ذلك ليمسح عليه جاز المسح أيضًا، وإنما المسح المذكور في الوضوء خاصة، وأما في كل غسل واجب فلا، ولا بد من خلع كل ذلك وغسل الرأس. المحلى بالآثار (1/ 310)
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
واشتُرِط لجواز المسح عليها: أن تكون ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدَّم الرأس والأذنين وشِبْههما من جوانب الرأس؛ لمشقة التحرز عنه.
ومِن شرط جواز المسح عليها: أن يكون على صفة عمائم المسلمين، إما بأن يكون تحت الحنك منها شيء؛ لأن هذه عمائم العرب، وهي أكثر سترًا من غيرها، ويشق نزعها فيجوز المسح عليها سواء كانت لها ذؤابة أو لم يكن، وإن لم يكن تحت الحنك منها شيء ولا لها ذؤابة لم يجز المسح عليها؛ لأنها على صفة عمائم أهل الذمة ولا يشق نزعها.
وروي أن عمر رأى رجلًا ليس تحت حَنَكِهِ من عمامته شيء، فحَنَّكَهُ بكور منها، وقال: ما هذه الفاسقية؟! فامتنع المسح عليها؛ للنهي عنها، وإنْ نزع العمامة بعد المسح عليها بطلت طهارته، نص عليه أحمد. شرح سنن أبي داود (2/ 116).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ومن شروط جواز المسح على العمامة: أن تكون ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه، كمقدم الرأس والأذنين، وشبههما من جوانب الرأس، فإنه يعفى عنه، بخلاف الخَرْقِ اليَسِير في الخُفِّ؛ فإنه لا يعفى عنه؛ لأن هذا الكشف جرت العادة به؛ لمشقة التحرز عنه، وإن كان تحت العمامة قلنسوة يظهر بعضها فالظاهر جواز المسح عليهما؛ لأنهما صارا كالعمامة الواحدة.
ومن شروط جواز المسح عليها: أن تكون على صفة عمائم المسلمين؛ بأن يكون تحت الحنك منها شيء؛ لأن هذه عمائم العرب... وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أنه «أمر بالتلحِّي، ونهى عن الاقتعاط»، رواه أبو عبيد، قال: والاقتعاط: ألا يكون تحت الحنك منها شيء. المغني (1/ 381).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
واختلفوا هل يحتاج الماسح على العمامة إلى لبسها على طهارة أو لا يحتاج؟ فقال أبو ثور: لا يمسح على العمامة والخمار إلا من لبسهما على طهارة؛ قياسًا على الخفين، ولم يشترط ذلك الباقون. نيل الأوطار (2/ 118)
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وفي الحديث: مشروعية المسح على العمائم والخفين بشرط: أن تكون العمامة محنِّكة، وهي التي يدار منها لفَّة أو لفَّتَين تحت الحنك؛ لأنه يشق نزعها، ولهذا يقول الحنابلة: له المسح على العمامة إذا كانت محنِّكة أو ذات ذؤابة، يعني: كلها أطراف من الخلف، وهذا فيه نظر؛ لأن الذؤابة لا يشق نزعها، لكن العمامة المحنكة إذا كانت مُدَارةً على الحنك فهذه يشق نزعها، فيشرع للإنسان إذا لبسها على طهارة أن يمسح عليها يومًا وليلة، فإن ظهر شيء من الرأس مسحه مع العمامة كما جاء في حديث المغيرة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح على ناصيته وعلى العمامة».
وكذلك خمار المرأة إذا كان مُدَارًا تحت حَلْقِها فلها أن تمسح عليه. شرح سنن أبي داود (9/ 20).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
اختلفوا في التوقيت، فقال: أبو ثور: إنَّ وقْته كوقت المسح على الخفين، وروي مثل ذلك عن عمر، والباقون لم يوقّتوا. نيل الأوطار (2/ 118).
وقال محمد بن الحسن الحنفي -رحمه الله-:
قال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا باس بالمسح على الخفين. الحجة على أهل المدينة (1/ 15).
وقال ابن عبد الحكيم المالكي -رحمه الله-:
ويمسح المسافر والمقيم على خفيه إذا أدخلهما في رجليه وهما طاهرتان بطهر الوضوء، ما لم ينزعهما أو تُصِبه جنابة، أو يغتسل المقيم لجمعة، وليس لذلك وقت معلوم من الأيام لا لمقيم، ولا لمسافر، والرجال والنساء في ذلك سواء. المختصر الصغير (ص104).
وقال الماوردي الشافعي -رحمه الله-:
يجوز (المسح) إذا لبس خفيه على طهر كامل أن يمسح عليهما بدلًا من غسل رِجليه، إذا ستر قدميه بما أمكن متابعة المشي عليه، ولم يصل بَلَلُ الماء منهما إلى رجليه، ولا يجوز أن يمسح عليهما من غسل رجليه، فإن كان مقيمًا عليهما مِن وقْت حدثه يومًا وليلة، وإن كان مسافرًا مسح ثلاثة أيام ولياليهن. الإقناع (ص22).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم. حكى ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، وعن الحسن قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسح على الخفين. المغني (1/ 359).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله-:
أما المسح على الخفين فالأحاديث فيه متواترة، وقد أنكرها الرافضة مع أنها متواترة، والعلماء ذكروا مسح الخفين في كتب العقائد فقالوا: ونرى المسح على الخفين، وأرادوا من ذلك: الرد على الرافضة الذين أنكروا هذه السُّنة مع تواترها. شرح سنن أبي داود (9/ 20).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث: دلّ الحديث على أن إرسال طائفة من الناس لقضاء المصالح مشروع.
وعلى أن كبير القوم يُطلب منه أن يكون رحيمًا بهم.
وعلى أن الضرورة لها أحكام تخصها.
وعلى أن الدِّين يسر لا عسر فيه. المنهل العذب المورود (2/ 98).