الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«بَلَغَ عائشةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرو يأمُرُ النساءَ إذا اغتسلنَ أن يَنْقُضْنَ رُؤوسَهنَّ، فقالت: يا عَجَبًا لابنِ عَمْرو هذا، يأمرُ النساءَ إذا اغتسلن أن يَنْقُضْنَ رُؤوسهنَّ، أفلا يَأْمُرُهُنَّ أن يَحْلِقْنَ رُؤوسهنَّ! لقد كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- من إناءٍ واحد، ولا أزيدُ على أن أُفْرِغَ على رأسي ثلاثَ إفراغات».


رواه مسلم برقم: (331)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.


مختصر شرح الحديث


راعَتِ الشريعةُ التيسيرَ ورفعَ الحرج، فلم تُوجِب على المرأة نقضَ ضفائرها عند الغُسل من الجنابة، ما دام الماء يصلُ إلى شعر الرأس ومنابته. وفي هذا الحديث بلَغَ عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّ عبدَ الله بن عمرو -رضي الله عنهما- كان يأمر النساء إذا اغْتَسلن أن يَنْقُضْنَ رؤوسَهن، أي: يَحْلُلْنَ ضفائر شُعورهن؛ إمَّا لأنَّه -رضي الله عنه- كان يرى وجوبَ نقض الشَّعر في الغُسل من الجنابة، أو أنَّه أراد بذلك الاحتياط، فأنكرت عائشةُ -رضي الله عنها- ذلك، وقالت: «يا عجبًا لابن عمرو...»؛ أي: تعجَّبت من أمره للنساء بالنقض، وبالغت في الإنكار بقولها: «أفلا يأمرهُن أن يحلقنَ رؤوسهن؟!»؛ والكلام واردٌ على سبيل التَّهكُّم؛ لِما يترتَّب على إلزامهن بنقض الضفائر من المشقَّة. ثم بيَّنت -رضي الله عنها- ما جاء في السُّنَّة بقولها: «لقد كنتُ أَغْتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، ولا أَزِيدُ على أن أُفرغ على رأسي ثلاث إفراغات»، أي: كانت تغتسل من الجنابة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتكتفي بصبِّ الماء على رأسها ثلاث مرات، من غير أن تنقض ضفائرها. وفي حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أنها قالت: «يا رسولَ الله، إنِّي امرأةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رأسي، فأَنْقُضُه لِغُسلِ الجنابة؟ قال: لا، إنَّما يكفيكِ أن تَحْثِي على رأسِكِ ثلاثَ حَثَيَاتٍ، ثم تُفِيضِينَ عليكِ الماءَ فتَطْهُرِينَ». وهذا ممَّا يؤكِّد وجهَ إنكار عائشةَ -رضي الله عنها- على ابن عمرو -رضي الله عنهما-؛ إذ جاءت السُّنَّة بالتخفيف في أمرٍ تعمُّ به البلوى، وتَكثر حاجة النساء إليه، فدلَّ ذلك على أنَّ نقض الضفائر ليس واجبًا لذاته، وإنما الواجب إيصال الماء إلى ما يجب غَسله. وقد نصَّ الفقهاء على أنَّ الضفائر إذا حالت دون وصول الماء إلى محلِّ الغسل الواجب وجب نقضها. وأمَّا أمرُه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لعائشةَ -رضي الله عنها- بقوله: «انقضي رأسك وامتشطي»؛ فيُحمل على الاستحباب، ولا سيما أنَّ السُّنَّة دلَّت صراحةً على عدم وجوبه.
وفي الحديث: التيسيرُ في أحكام الطهارة ورفعُ الحرج، واستحبابُ صبِّ الماء على الرأس ثلاثًا، وحرصُ عائشة -رضي الله عنها- على بيان السُّنَّة، وإنكار ما خَالَفَها، وعلى جوازُ اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد.


غريب الحديث


«أُفْرِغَ...إفراغات»:
وافْتَرَغْتُ: صَبَبْتُ على نفسي ماء. العين، للخليل بن أحمد (4/ 408).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
فَرِغَ الماءُ بالكسر يَفْرَغُ فَراغًا، مثل سَمِع سَماعًا، أي: انصبَّ، وأفْرَغْتُهُ أنا... وأفْرَغْتُ الدلاءَ: أرقْتُها. وفَرَّغْتُهُ تفريغًا، أي صَبَبْتُه... وتفريغُ الظروف: إخلاؤها. الصحاح (4/ 1324).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «بَلَغَ عائشةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرو يأمُرُ النساءَ إذا اغتسلنَ أن يَنْقُضْنَ رُؤوسَهنَّ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن عبد الله بن عمرو» بن العاص بن وائل السهمي المدني، أحد السابقين إلى الإسلام، «يأمر نساءه» (كما في لفظ) أي: حَلِيلَاته أمْر إيجاب، «إذا اغتسلن» أي: أَرْدن الاغتسال من الجنابة بـ«أن ينقضن» ويَحْلُلْنَ ويَفْكُكْنَ ضفائر شعور «رؤوسهن». مرشد ذوي الحجا والحاجة (4/ 409).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
نَقْضُ الرَّأس: هو حَلُّ الشَّعْر. كشف المشكل (4/ 409).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أن يَنْقُضْنَ رُؤوسهن» «أنْ» وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، وفي الكلام مضاف محذوف، والتقدير: يأمر النساء بنَقْضِ شَعر رؤوسهن إذا اغْتَسَلْنَ غُسلًا واجبًا. فتح المنعم (2/ 336).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أن ينقضن رؤوسهن» أي: ضفائر رؤوسهن. البحر المحيط الثجاج (8/ 90).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما أمْر عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- بنقض النساء رؤوسهن إذا اغتسلن، فيُحمل على أنه أراد إيجاب ‌ذلك ‌عليهن، ويكون ذلك في شُعور لا يصل إليها الماء، أو يكون مذهبًا له، أنه يجب النَّقض بكل حال، كما حكيناه عن النخعي، ولا يكون بَلَغَه حديث أم سلمة وعائشة.
ويحتمل: أنه كان يأمُرُهنَّ على الاستحباب والاحتياط، لا للإيجاب، والله تعالى أعلم. شرح صحيح مسلم (4/ 13).

قوله: «فقالت: يا عَجَبًا لابنِ عَمْرٍو هذا، يأمرُ النساءَ إذا اغتسلن أن يَنْقُضْنَ رُؤوسَهنَّ»:
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا» «يا» حرف تنبيه، و«عجبًا» مفعول مطلق لفعل محذوف «يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن» الكلام على الاستفهام التوبيخي، أي: لا ينبغي أن يأمر، أو التعجبي، وهو المناسب لقولها: «يا عجبًا»، أي: أعجب لأمره. فتح المنعم (2/336، 337).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقالت: يا عجبًا لابن عمرو» هذا تعجب من فعل ابن عمرو - رضي الله عنهما -، ثم إذا نُوِّنَ «عجبًا» كان مفعولًا مطلقًا لفعل مُقدَّر، أي: أَعْجَبُ عجبًا، والمنادى محذوف، أي: يا قوم، أو «يا» حرف تنبيه، وإذا لم يُنوَّن كان هو المنادى، وأصله: يا عجبي، فَأُبدِلَتِ الياء ألفًا؛ للتَّخفيف، بعد قَلْبِ الكسرة قبلها فتحة. البحر المحيط الثجاج (8/ 90).

قولها: «أفلا يَأْمُرُهُنَّ أن يَحْلِقْنَ رُؤوسهنَّ؟!»:
قال السندي -رحمه الله-:
قولها: «أفلا يأمُرُهنَّ أن يَحلِقن رؤوسهن؟!» تريد: أنه لو وَجَب النقض كلّ مرَّة، لوجب الحَلْق؛ لدفع حرجه. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 210).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أفلا يأمُرُهن أن يحلقن رؤوسهن؟» الاستفهام إنكاري، بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، والفاء عاطفة على محذوف، مثلها في قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الغاشية:17، أي: أَعَمُوا فلا ينظرون، أي: فلينظروا إلى الإبل كيف خُلِقت، والتقدير هنا: أَتَهَاوَنَ في دِينه فلا يأمرهن بحلق رؤوسهن؟! أي: فلْيَأْمُرهن بحلق رؤوسهن، والكلام على سبيل التَّهكُّم. فتح المنعم (2/ 337).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أفلا يأمرهن أن يَحْلِقْنَ رؤوسهن» أي: شُعورهن، والاستفهام للإنكار المتضمِّن معنى التَّعجُّب. الكوكب الوهاج (6/ 216).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أن يحلقن رؤوسهن؟» «أنْ» مصدرية، والمصدر المؤول مفعول «يأمر»، أي ألا يأمرهن بحلق رؤوسهن؛ حتى يتضررن بنقضها كلما اغتسلن.
وفي رواية أبي عوانة: «أفلا يأمرهن بجَزِّ نَوَاصِيهنَّ؟!». البحر المحيط الثجاج (8/ 91).

قولها: «لقد كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من إناءٍ واحد»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لقد» اللام هي الموطِّئة للقسم، أي: والله لقد «كنت أغتسل أنا» ضمير منفصل للمتكلم؛ أُتِي لأجل العطف على الضَّمير المتَّصِل، كما سبق غير مرة «ورسول الله -صلى الله عليه وسلم-» عطف على الضمير المتصل في الفعل، «من إناء واحد» وهذا الإناء فُسِّر في رواية أخرى، فقد أخرج النسائي...، أن عائشة قالت: «لقد رَأَيْتُنِي أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن هذا -فإذا تَوْر موضوع مثل الصاع، أو دونه- فنَشْرَعُ فيه جميعًا، فأُفِيضُ على رأسي بيدي ثلاث مرَّات، وما أَنْقُضُ لي شَعْرًا»، والتَّور -بفتحٍ، فسكون، فراء-: إناء من صُفْرٍ، أو حجارة. البحر المحيط الثجاج (8/ 91).
وقال السندي -رحمه الله-:
قولها: «من إناء واحد» المتبادر منه وحدة الإناء مع وحدة الماء، لا مع تعدده، وهو المراد، والله تعالى أعلم. الحاشية على سنن الترمذي (1/ 93).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قولها: «من إناء واحد» كان هذا الإناء مِن نحاس؛ لِمَا رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- في تَور من شَبَه». والتَّوْرُ: الإناء، والشَّبَه بفتحتين: النحاس الأصفر، ويُجمع الإناء على آنية، وجمع الجمع: أوانٍ. المنهل العذب المورود (1/ 269).
وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله-:
ولا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة في ‌إناء ‌واحد؛ لحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقد رويناه، فإذا جاز أن يفعلا معًا فكذلك أحدهما بعد الآخر. المبسوط (1/ 61).
وجاء في الجامع لعلوم الإمام أحمد -رحمه الله-:
قال إسحاق بن منصور: قلت: يغتسل الرجل والمرأة من ‌إناء ‌واحد؟
قال: نعم، ولا يعجبني أن يتوضَّأ إذا خَلَت به. الجامع لعلوم الإمام أحمد (5/ 170).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأمَّا تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين؛ لهذه الأحاديث التي في الباب.
وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع -أيضًا.
وأما تطهير الرجل بفضلها، فهو جائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء، سواء خَلَت به أو لم تَخْلُ، قال بعض أصحابنا: ولا كراهة في ذلك؛ للأحاديث الصحيحة الواردة به.
وذهب أحمد بن حنبل وداود إلى أنها إذا خَلَت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فَضْلِهَا، ورُوي هذا عن عبد الله بن سرجس والحسن البصري.
ورُوي عن أحمد -رحمه الله تعالى- كمذهبنا.
ورُوِي عن الحسن وسعيد بن المسيب كراهة فَضْلِهَا مطلقًا، والمختار ما قاله الجماهير؛ لهذه الأحاديث الصحيحة في تطهيره -صلى الله عليه وسلم- مع أزواجه، وكلُّ واحد منهما يستعمل فضل صاحبه، ولا تأثير للخُلوة، وقد ثَبَتَ في الحديث الآخر: «أنه -صلى الله عليه وسلم- اغتسل بفضل بعض أزواجه» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأصحاب السنن، قال الترمذي هو حديث حسن صحيح، وأما الحديث الذي جاء بالنهي -وهو حديث الحكم بن عمرو- فأجاب العلماء عنه بأجوبة:
أحدها: أنه ضعيف، ضَعَّفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره.
الثاني: أن المراد النَّهيُ عن فَضْل أعضائها، وهو المتساقِط منها؛ وذلك مستعمل.
الثالث: أن النهي للاستحباب والأفضل، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (4/2، 3).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على جواز تطهُّر الرجل والمرأة من إناء واحد، كما هو نص الحديث، وكذلك تطهُّر المرأة بِفَضْل الرَّجل. رياض الأفهام (1/376- 378).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا، ويتوضآ من ‌إناء ‌واحد...، ويجوز للمرأة التَّطّهر بفَضْل طهور الرجل وفضل طهور المرأة، وللرجل التطهر بفضل طهور الرجل وفضل طهور المرأة ما لم تَخْلُ به، فإن خَلَت به، ففيه وجهان:
إحداهما: يجوز -أيضًا-؛ لما روت ميمونة -رضي الله عنها- قالت: «أَجْنَبْتُ فاغْتَسَلْتُ من جَفْنة، فَفَضُلت فيها فَضْلة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليغتسل منه، فقلت: إني اغتسلت منه، فقال: إن الماء ليس عليه جنابة» رواه أبو داود؛ ولأنه ماء لم ينجس، ولم يزل عن إطلاقه، فأشبه فضلة الرجل.
والثاني: لا يجوزُ للرَّجل التطهر به؛ لما روى الحكم بن عمرو قال: «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتوضَّأ الرجل بفضل طهور المرأة» حديث حسن. الكافي (1/117، 118).
وقال الحطاب المالكي -رحمه الله-:
لم يُختَلف في تطهير الرَّجل والمرأة جميعًا من ‌إناء ‌واحد. مواهب الجليل (1/ 52).

قولها: «ولا أَزِيدُ على أن أُفْرِغَ على رأسي ثلاثَ إفراغات»:
قال السندي -رحمه الله-:
قولها: «أن أفرغ» من الإفراغ، أي: الصَّب، والله أعلم. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 210).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أفرغتُ ثَلاثُ إِفْرَاغاَتِ: إذا قَلبْتُ ما فيه من الماء. التحبير (7/ 378).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا أَزِيدُ أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات» وهذا إقرار منه -صلى الله عليه وسلم- دال على كفاية ذلك، وتقدَّم الكلام، ولعلَّ ابن عمرو لم يبلغه السُّنَّة. التحبير (7/ 379).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «أُفْرِغُ على رأسي ثلاث إفراغات» أي: أَصُبُّ وأُحْثِي على رأسي ثلاث غرفات، أو ثلاث مرات. منة المنعم (1/ 231).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلا أزيد» في اغتسالي مِن الجنابة «على أن أُفْرِغ» وأَصُبَّ الماء «على رأسي ثلاث إفراغات» أي: ثلاث حَفَنَات، ولم يأمرني أن أَفُكَّ ضَفْرَ شعري، فكيف يُشدِّد ابن عمرو هذا على النساء بأمرهن بنقض ضفائرهن بعدما رخَّص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهنَّ في ترك نقض ضفائرهن؟! فهذا تشديد بلا دليل، فلا يُتَّبع في ذلك. مرشد ذوي الحجا والحاجة (4/409، 410).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولا أزيدُ» وفي نسخة: «فلا أزيد» بالفاء «على أن أُفْرِغَ» بالبناء للمفعول «على رأسي ثلاث إفراغات» هو معنى ما سبق بلفظ: «ثلاث حَثَيَات»، وبلفظ: «ثلاث حفنات» فيكون المعنى: أنها تأخذ الماء بكفَّيها، فتَصُبُّه على رأسها، وفي رواية أبي عوانة: «فما أزيد على أن أَحْفِنَ على رأسي ثلاث مرات». البحر المحيط الثجاج (8/ 92).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
واعلم أنه متى كان الشَّعر مضفورًا ضَفْرًا قويًّا يمنع وصول الماء إلى باطنه وجب حَلُّه، فكذلك إذا كان على الشَّعر الزادرخت (كَمادّة لِغَسْلِ الشَّعْرِ وتَنْظِيفِهِ وتقويته وتَلْيينِه) الخطمي، وكان ثخينًا وجبت إزالته عند الغسل.
فأما إذا لم يكن ثَمَّ مانع ولا قوَّة ضَفْر استحب لها أن تنقض شعرها للحيض دون الجنابة.
قال ابن عقيل: وهذا على وجه الاستحباب؛ لأن الحيض لا يتكرر، قال: وظاهر كلام الخرقي وجوب ذلك. كشف المشكل (4/ 409).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
أكثر العلماء على أنَّ المرأة لا تنقض رأسها لغُسلها من الجنابة.
ورُوي عن طائفة يسيرة، أنها تنقضه، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، والنخعي، وأبو بكر بن أبي شيبة.
وهذا إذا وصل الماء إلى بواطن الشَّعر، فإن لم يصل إلى دواخله بدون النقض ففي وجوب نقضه؛ لغسل باطن الشَّعر قولان:
أحدهما: أنه واجب، وهو قول حماد ومالك والشافعي وأكثر أصحابنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وروي عن ابن عباس، قال: لو اغتسل إنسان من الجنابة، فبقيت شَعرة لم يُصبها الماء، لم يزل جنبًا حتى يصيبها الماء، خرَّجه أبو نعيم الفضل: ثنا مندل، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد ابن جبير، عنه، ومندل، فيه ضعف.
والثاني: لا يجب، وحُكي عن مالك، وأبي حنيفة، والخرقي من أصحابنا، ورجَّحه صاحب المغني منهم.
وهؤلاء جعلوا الشَّعر كالمنفصل عن البدن، ولم يوجِبُوا سوى إيصال الماء إلى بَشَرة الرأس خاصة.
وفرَّقت طائفة بين الرجال والنساء، فأوجبوا النَّقض على الرَّجل دون المرأة؛ لحديث ثوبان: حكاه القرطبي وغيره (وحديث ثوبان هو: «أَمَّا الرَّجل فَلْيَنْشُر رأسه، فليغسله حتى يبلغ أصول الشَّعر، وأما المرأة فلا عليها ألَّا تنقضه، لِتَغرِف على رأسها ثلاث غرفات بكفَّيها»).
وهذا هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وأنَّ الرجل يجب عليه نَقْضُ شَعره بخلاف المرأة.
لكن قالوا: إن كان شَعْر المرأة غير مضفور وجب غسله، كما يجب غسل شعر لحية الرجل.
ونقل مهنا عن أحمد، أن المرأة في غُسل الجنابة كالرجل.
وظاهر هذا: يدل على أن حكمهما في نقض الشعر سواء، وفي عدد حثيات المرأة على رأسها كالرجال سواء، لا تزيد على ثلاث. فتح الباري (1/262، 263).
وقال المرغيناني الحنفي -رحمه الله-:
وليس على المرأة أن تنقض ‌ضفائرها في الغُسل إذا بلغ الماء أصول الشَّعر. بداية المبتدي (ص4).
وقال ابن شاش المالكي -رحمه الله-:
ويُؤمر إيصال الماء إلى منابت الشعور وإن كَثُفت، ولا يجب على المرأة نقض ‌ضفائرها، بل تحثي عليها الماء، وتَضْغَثُها (تَعصِرُها، وتَدْلُكُها) بيديها. عقد الجواهر الثمينة (1/ 55).
وقال النووي الشافعي -رحمه الله-:
فإن كان لها ضفائر: فإن كان يصل الماء إليها من غير نقضٍ لم يلزمها نقضها؛ لأن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «يا رسول الله، إني امرأة أَشُدُّ ضَفْر رأسي، أَفَأَنْقُضُهُ للغسل من الجنابة؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا، إنما يَكْفِيكِ أن تَحْثِي على رأسك ثلاث حَثَيَاتٍ من ماء، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طَهُرْتِ»، وإن لم يصل الماء إليها إلا بنقضها لزمها نقضها؛ لأن إيصال الماء إلى الشَّعر والبشرة واجب. المجموع (2/ 186).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
اتفق الأئمة الأربعة على ‌أنَّ ‌نقضه غير واجب؛ وذلك لحديث أم سلمة، أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «إني امرأةٌ أَشُدُّ ضَفْر رأسي...» الحديث، إلا أن يكون في رأسها حشو أو سدر يمنع وصول الماء إلى ما تحته، فيجب إزالته، وإن كان خفيفًا لا يمنع لم يجب.
والرَّجل والمرأة في هذا سواء، وإنما خُصَّت المرأة بالذِّكر لأن العادة اختصاصها بكثرة الشَّعر وتوفيره وتطويله.
وأما نقضه للغُسل من الحيض فاختلف أصحابنا في وجوبه: فمنهم من أوجبه، وهو قول الحسن، وطاوس؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها إذ كانت حائضًا: «خذي ماءك وسدرك، وامتشطي» ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور، وللبخاري: «انقضي رأسك وامتشطي»، ولابن ماجه: «انقضي شعرك واغتسلي»؛ ولأن الأصل وجوب نقض الشعر؛ ليتحقَّق وصول الماء إلى ما يجب غسله، فعُفي عنه في غسل الجنابة؛ لأنه يكثر فيشقُّ ذلك فيه، والحيض بخلافه؛ فبقي على مقتضى الأصل في الوجوب.
وقال بعض أصحابنا: هذا مستحب غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء، وهو الصحيح، إن شاء الله؛ لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «إني امرأة أَشُدُّ ضَفْر رأسي أفأنقضه للحيضة وللجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتَطْهُرِين» رواه مسلم، وهذه زيادة يجب قبولها، وهذا صريح في نفي الوجوب...
‌‌‌‌فصل: وغسل بَشَرَة الرأس واجب، سواء كان الشَّعر كثيفًا أو خفيفًا، وكذلك كل ما تحت الشَّعر، كجلد اللحية، وغيرها. المغني (1/299- 301).


إبلاغ عن خطأ