الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«لَعَنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زَوَّاراتِ القُبور». 


رواه أحمد برقم: (8449)، والترمذي برقم: (1056)، وابن ماجه برقم: (1576)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (15657)، من حديث حسان بن ثابت -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (2603)، وأبي داود برقم: (3236)، والترمذي برقم: (320)، والنسائي في الكبرى برقم: (2181)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- بلفظ: «لَعَنَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زائرات القبور».
صحيح الجامع برقم: (5109)، صحيح، إرواء الغليل برقم: (774).
وقال محققو مسند الإمام أحمد: إسناده حسن.
وقال الأرنؤوط في رواية ابن عباس كما في تحقيق سنن أبي داود: حسن لغيره. وضعفها الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم:( ‌‌225).


مختصر شرح الحديث


جاءت الشريعةُ بالحثِّ على زيارة القبور؛ لما فيها من تذكُّر الآخرة والدُّعاء للأموات، غير أنَّ زيارة النساء للقبور قد جاء فيها النهي، ومن ذلك: قول أبي هريرة -رضي الله عنه-: «لَعَنَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- زوَّارات القبور»، واللَّعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، و«زوَّارات القبور» والزوارات: جمع زوَّارة، وقيل: هي صيغة مبالغة، فيكون المراد المُكثِرات من زيارة القبور، وقيل: لا يُراد بها الإكثار، بل تشمل مَن زَارَتْ ولو مرةً واحدة، ويؤيِّد ذلك: ما جاء في روايةٍ: «زائرات القبور» إلا أنه اختُلف في ثبوتها.
واللَّعن يدل على تحريم زيارة النساء للقبور. وأمَّا قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، فحملوا الإذن فيه على الرجال دون النساء. ومنهم مَن كَرِهَها، ومنهم مَن أجازها إذا أُمِنت الفتنة ولم يصحبها محظورٌ شرعي؛ كالنِّياحة والجَزع ونحوهما.
وفي الحديث: أنَّ زيارة النساء للقبور من كبائر الذنوب، ولو لم يصحبها محظورٌ. 


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «لَعَنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال المناوي -رحمه الله-:
اللعن: أي: الإبعاد عن منازل الأبرار. فيض القدير (5/ 274).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لعن» يعني: قال: اللهم الْعَن زائرات القبور، أو قال: هن ملعونات، فعلى الأول يكون معنى «لعن»: أي دعا باللعنة، وعلى الثاني يكون معنى «لعن»: أخبر بأنَّهنَّ ملعونات، وكِلا الأمرين سواء في المعنى، واللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله -سبحانه وتعالى-، ولا يكون اللعن إلا على فعل كبيرة من كبائر الذنوب. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 611).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وأما لعن المسلم المتصف بما يجوز لعنه فلا يجوز لعنه على الخصوص، ويجوز لعنه بالوصف من غير تعيين، وقد: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمِّصة»، و«لعن مَن كمّه أعمى عن الطريق» أي: حيّرَه، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتُقطع يده».
وأما المخاطبة باللعن فلا تجوز، فلا يقال لمسلم متصف بذلك: لعنه الله، ويجوز في حق الكافر المقطوع له بالنار، وقد ثبت في صحيح مسلم أنه -صلى الله عليه وسلم- خاطب الشيطان باللعن في الصلاة فقال: «أعوذ بالله منك، ألعنك بلعنة الله» قاله ابن العماد في شرح العمدة. فتح القريب المجيب (14/76، 77).

قوله: «زَوَّاراتِ القُبور»، وفي حديث ابن عباس: «زائرات القبور»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
رأي بعض أهل العلم أن هذا (اللعن) كان قبل أن يُرخَّص في زيارة القبور، فلمَّا رخَّص عمَّت الرخصة لهن فيه. الكاشف (4/ 1433).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
يحتمل أن يكون اللعن؛ لأجل عدم رعايتهن آداب الزيارة، لا للنهي...، وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور لِقلة صبرهن وكثرة جزَعَهِن، فلا حاجة إلى حمله على ما قبل زمان الرخصة. لمعات التنقيح (4/ 223).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«زائرات القبور» إنما نهى -عليه الصلاة والسلام- النساء من زيارة القبور؛ لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن...، وفي بعض النسخ: «‌زوَّارات ‌القبور» جمع: زوَّارة، وهي للمبالغة، يدل على أن مَن زار منهنَّ على النُّدرة فهي غير داخلة في الملعونات. شرح المصابيح (1/447، 448).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«القبور»: جمع قبر، والمقابر: جمع مقبرة، بفتح الباء وضمها، ولم يأت في القرآن ذكر المقابر وزيارتها إلا في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} التكاثر: 1 - 2. فتح القريب المجيب (14/ 83).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لعن ‌زوارات ‌القبور» رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخِّص في زيارة القبور، فلما رخَّص عمَّت الرخصة لهنَّ فيه، أقول: هذا المبحث موقوف على التاريخ، وإلا فظاهر هذا الحديث العموم؛ لأن الخطاب في «نهيتكم» كما أنه عام للرجال والنساء على وجه التغليب، أو أصالة الرجال، فكذلك الحكم في «فزوروها» مع أن ما قيل من أن الرخصة عامة لهن، واللعن قبل الرخصة مبنيٌّ على الاحتمال أيضًا، وقيل: يكره لهن الزيارة؛ لقلة صبرهن وجزعهن. اهـ. مرقاة المفاتيح (4/ 1255).
وقال المناوي -رحمه الله-:
‌
«زائرات ‌القبور»؛ لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن، فأيّ امرأة خالفت ذلك منهن وكانت حيث يُخشى منها أو عليها الفتنة، فقد استحقت اللعن، أي: الإبعاد عن منازل الأبرار. فيض القدير (5/ 274).
وقال العزيزي -رحمه الله- متعقبًا:
وهذا لا يتعلق بزيارة القبور، فالأَوْلى حمْله على ما إذا ترتَّب على زيارتهن نَوْح ونحوه. السراج المنير (4/ 127).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«زوَّارات ‌القبور» أي: الْمُفتِنات أو المفتَتِنات. التيسير (2/ 294).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
قال الجلال المحلي في شرح المنهاج: الدائر على ألسنة الناس ضم زاي «زوَّارات» جمع زائرة سماعًا لا قياسًا. فيض القدير (5/ 274).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«زوَّارات ‌القبور» المعروف فتح الزاي، وضُبِط فيما قُوبل على خط المصنف بفتحها وضمها، فالفتح على أنها جمع زَوَّاره، اسم فاعل للمبالغة، قيل: ولأجل ذلك لا يشمل اللعن الزائرة نادرًا، وَرُدَّ بأنه إنما جاء به على صفة المبالغة؛ مقابلة لجمع القبور، وأحسن منه أن يقال: هذا المفهوم قد دفعه منطوق: «زائرات القبور» فإنه جاء كذلك في رواية، ولا حكم للمفهوم مع المنطوق، وتقدَّم أنه ادَّعى البعض أنه قد نُسخ النهي لهن عن الزيارة؛ لحديث: «كنتُ قد نَهَيتكم عن زيارة القبور فزوروها» وَرُدّ بأنه مبني على أن الخطاب المذكور يشمل الإناث، وهو غير الأصح في الأصول. التنوير (9/59، 60).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «زائرات القبور» جمع زائرة، والزيارة هنا: الخروج إلى المقابر. منحة العلام (4/ 361).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله- أيضًا:
«زوَّارات» بضم الزاي أو فتحها مع تشديد الواوين، أمَّا الضم فهو جمع زُوَّار، جمع زائرة سماعًا وزائر قياسًا، مثل: كاتب وكُتَّاب، وأما بالفتح فهي إما صيغة مبالغة، لكن لا يراد بها المبالغة، وهو الإكثار من الزيارة؛ لأن الرواية الأخرى («زائرات») تحدِّد المراد، فإننا لو حملناها على المبالغة ما كان للرواية الثانية فائدة في حين أنها أفادت أن المحذور يحصل بزيارة واحدة، ففيها زيادة علم.
وقد يحمل التَّضعيف على كثرة الفاعلين وتعدُّدِهم، لا على كثرة الفعل، كما في قوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} ص:50، والأبواب لا تُفتح إلا مرة واحدة، أو تكون بالفتح، صيغة نسب، أي: ذوات زيارة القبور، والمقصود أن رواية: «زائرات» نص صريح في أن «زوَّارات» ليست للمبالغة؛ لأنها تدل على أن النهي يحصل بزيارة واحدة. منحة العلام (4/361، 362).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
إباحة الخروج إلى المقابر وزيارة القبور: وهذا مجتمع عليه للرجال، مختَلَف فيه للنساء، وقد ثبت عن النبي -عليه السلام- أنه قال: «نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هُجْرًا (سوءًا)؛ فإنها تذكِّر الآخرة»، وزار -عليه السلام- قبر أمه يوم الفتح في ألف مقنَّع، وزارت عائشة قبر أخيها عبد الرحمن، وزار ابن عمر قبر أخيه عاصم، ولا خلاف في إباحة زيارة القبور للرجال، وكراهيتها للنساء، واحتُجَّ بحديث ابن عباس قال: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زوَّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج» وروي عن أبي هريرة مثله. الاستذكار (1/183، 184).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا اللعن إنما هو للمُكْثِرات من الزيارة؛ لأن «زوَّارات» للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنَعن من إكثار الزيارة لما يؤدِّي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يُخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يفرّق بين الزائرات والزوَّارات. المفهم (2/ 633).
وقال الشوكاني -رحمه الله- معلِّقًا:
وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر. نيل الأوطار (7/ 512).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيها (أي: زيارة النساء للقبور) خلاف للعلماء وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا:
أحدها: تحريمها عليهن؛ لحديث: «لعن الله زوَّارات القبور».
والثاني: يُكره.
والثالث: يُباح، ويُستدل له بهذا الحديث («قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين...»)، وبحديث: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، ويجاب عن هذا: بأنَّ «نَهَيْتُكُم» ضمير ذكور، فلا يدخل فيه النساء، على المذهب الصحيح المختار في الأصول، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (7/ 45).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
وأما النساء فقال المصنف (الشيرازي) وصاحب البيان: لا تجوز لهنَّ الزيارة، وهو ظاهر هذا الحديث، ولكنَّه شاذ في المذهب والذي قطع به الجمهور أنها مكروهة لهن كراهة تنزيه، وذكر الروياني في البحر وجهين:
أحدهما: يكره كما قاله الجمهور.
والثاني: لا يكره، قال: وهو الأصح عندي إذا أُمِن الافتتان، وقال صاحب المستظهري: وعندي إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنَّوْح على ما جرت به عادتهن حَرُمَ، قال: وعليه يُحمل الحديث «لعن الله زوارات القبور»، وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة، كُرِهَ إلا أنَّ تكون عجوزًا لا تُشتهى، فلا يكره، كحضور الجماعة في المساجد، وهذا الذي قاله حسن، ومع هذا فالاحتياط للعجوز تَرْكُ الزيارة؛ لظاهر الحديث. المجموع (5/310، 311).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختُلف في النساء، فقيل: دخَلْن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحله: ما إذا أُمِنَت الفتنة، ويؤيِّد الجواز حديث الباب (وهو قوله للمرأة التي كانت تبكي عند قبر ابنها: «اتقي الله واصبري»)، وموضع الدلالة منه: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يُنكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حُجَّة، وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء: عائشة، فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: "أليس قد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى، ثم أَمَرَ بزيارتها".
وقيل: الإذن خاص بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في المهذب، واستدل له...، بحديث: «لعن الله زوَّارات القبور»...، واختلف من قال بالكراهة في حقهن: هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟. فتح الباري (3/148، 149).
وقال العيني -رحمه الله-:
وحاصل الكلام من هذا كله: أن زيارة القبور مكروهة للنساء، بل ‌حرام ‌في ‌هذا ‌الزمان، ولا سيما نساء مصر؛ لأن خروجهن على وجه فيه الفساد والفتنة، وإنما رُخِّصت الزيارة؛ لتذكّر أمر الآخرة، وللاعتبار بمن مضى، وللتزهّد في الدنيا. عمدة القاري (8/ 70).
وقال الشيخ حماد الأنصاري -رحمه الله- متعقِّبًا:
قاله العيني في نساء مصر القرن التاسع، فكيف لو رأى هو وأمثاله من الغيورين على الإسلام نساء القرن الرابع عشر، وما يرتكبنه من التبرج والسفور، وفتنة العُرِيّ، والاختلاط، لَمَا تردَّد هو وأمثاله في منعهن من الزيارة، قولًا واحدًا، والله أعلم. كشف الستور في نهي النساء عن زيارة القبور (ص46).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
وفيه (الحديث) كراهة زيارة القبور للنساء، وهي كراهة تحريم إن اشتملت زيارتهن على التعديد والبكاء والنَّوْح على عادتهن، وإلا فكراهة تنزيه، وإنما لم تحرم عليهن -أيضًا-؛ لقول عائشة: قلت: كيف أقول يا رسول الله -يعني إذا زارت القبور-؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، ويُسْتَثنى من الكراهة: قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيُسنَّ لهن زيارته. فتح العلام (313، 314).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «زائرات القبور» للمؤنث، وتحصل الزيارة بالمرة، فإذا زارت المرأة القبور ولو مرة واحدة فقد فعلت كبيرة من كبائر الذنوب، ودخلت في لعنة الله -والعياذ بالله-.
وقوله: «لعن زائرات القبور» ليس هو النهي؛ لأن النهي غير اللعن، والرسول -صلى الله عليه وسلم- ما قال: كنت لعنتكم فزوروها، حتى نقول: إن الحديث الأول ناسخ للثاني؛ ولهذا مِن حُسن صنيع ابن حجر أنه أتى بالثاني بعد الأول؛ إشارة إلى أن الثاني مخصِّص للأول، وليس الأول ناسخًا له، وهو كذلك، ومَن تدبَّر الحديثين عرف أنه ليس بينهما نسبة نسخ إطلاقًا؛ لأن الحديث الأول: «كنت نهيتكم» عمومًا، والثاني خاص بالنساء.
ثانيًا: أن الأول فيه النهي دون اللعن، والثاني فيه اللعن، فبينهما فرق واضح.
إذن: يستفاد من هذا الحديث: أن زيارة المرأة للقبور من كبائر الذنوب...، فإن قلت: ما الجواب عن قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: «لعن الله ‌زوّارات ‌القبور» بالتشديد، و"فعَّال" صيغة مبالغة؟
قلنا: إن كلمة "زوّار" تأتي للمبالغة، وتأتي للنسبة كبنَّاء ونجَّار ونحو ذلك، وإذا كان الدليل محتملًا فمع الاحتمال يبطل الاستدلال.
ثانيًا: على فرض أن "زوَّارات" للمبالغة فإنَّ "زائرات" أعم؛ لأنه إذا لُعِنَتِ الزائرة فالزوّارة كثيرة الزيارة من باب أَولى، ومعلوم أننا نأخذ بالأعم. (ثم توسَّع في الرَّد على أدلة المخالفين) فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 611).
وقال الطحطاوي -رحمه الله-:
وأما النساء إذا أردن زيارة القبور: إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والندب -كما جرت به عادتهن- فلا تجوز لهن الزيارة، وعليه يُحمل الحديث الصحيح: «لعن الله ‌زائرات ‌القبور» وإن كان للاعتبار والترحم... فلا بأس به إذا كُنَّ عجائز، وكُره ذلك للشابات، كحضورهن في المساجد للجماعات. الحاشية على مراقي الفلاح (ص620).
وقال ابن الحاج المالكي -رحمه الله-:
فصلٌ في زيارة القبور: وينبغي له أن يمنعهن من الخروج إلى القبور وإن كان لهن ميت؛ لأن السُّنة قد حكمت بعدم خروجهن، قال -عليه الصلاة والسلام- لنساء خَرَجْن في جنازة: «أتحمِلْنه فيمن يحمله؟ قُلْن: لا، قال: أفَتَنْزِلْنَه قَبره فيمن ينزله؟ قلن: لا، قال: أفَتَحُثِّينَ عليه التراب فيمن يحثي؟ قلن: لا، قال: فارجِعْنَ مأزورات غير مأجورات»، وقال -عليه الصلاة والسلام- لفاطمة ابنته -رضي الله عنها- حين لقيها في طريق، «مِن أين أقبلتِ؟» فقالت: مِن عند جيران لنا؛ عزَّيتهم في ميِّتهم. فقال لها -عليه الصلاة والسلام-: «لعلك بَلَغْتِ معهم الكَدَاء؟» -يعني: القبو، فقالت: لا والله، سمعتك تنهى عنها، فقال: «لو بَلَغْتِ معهم الكَدَاء»، وذَكَرَ وعيدًا شديدًا، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «لعن الله زائرات القبور، والمتَّخِذين عليها المساجد، والسُّرج» أخرجه أبو دواد في سننه، والترمذي، والنسائي...، وقد اختلف العلماء في خروجهن على ثلاثة أقوال:
قول بالمنع، وقد تقدم.
والثاني: بالجواز على ما يُعلم في الشرع من الستر، والتحفظ، عكس ما يُفعل اليوم.
والثالث: الفرق بين المتجالَّة، والشَّابة، فيجوز للمتجالَّة، ويُمنع للشَّابة، واعلم أن الخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في نساء ذلك الزمان، وكُنَّ على ما يعلم من عادتهن في الاتِّباع، وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء، أو من له مروءة، أو غيرة في الدِّين بجواز ذلك، فإن وقعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما يُعلم في الشرع من الستر كما تقدم، لا على ما يُعلم من عادتهن الذميمة في هذا. المدخل (1/250، 251).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فأما النساء ففي كراهية ‌زيارة ‌القبور لهن روايتان:
إحداهما: لا يُكره، لعموم ما رويناه؛ ولأن عائشة -رضي الله عنها- زارت قبر أخيها عبد الرحمن.
والثانية: يكره؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الله زوَّارات القبور» وهذا حديث صحيح، فلما زال التحريم بالنَّسخ، بقيت الكراهية؛ ولأن المرأة قليلة الصبر، فلا يُؤمن تهيُّج حزنها؛ برؤية قبور الأحبة، فيحملها على فعل ما لا يَحِلّ لها فعله، بخلاف الرجل. الكافي (1/ 376).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله-:
دل هذا (الحديث) على أن المرأة لا يجوز لها اتِّباع الجنائز، ولا زيارة القبور، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها»، فهذه رخصة في حق الرجال. توفيق الرب المنعم (3/ 32).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -رحمه الله-:
الحديث دليل على تحريم زيارة القبور للنساء وأن ذلك من كبائر الذنوب؛ لثبوت اللعن على ذلك، ولا فرق في ذلك بين قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو غيره من القبور؛ لعموم الأدلة، وهذا قول المحققين من أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب بعض المالكية والشافعية والحنفية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والنووي والشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعة.
وذهب أكثر الحنفية والمالكية إلى أن زيارة القبور للنساء مباحة بلا كراهة، وهو رواية عن الإمام أحمد، واستدلوا بحديث بريدة: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» قالوا: فهذا خطاب عام فيتناول النساء؛ ولأنَّه علَّل زيارتها بأمر يشترك فيه الرجال والنساء وهو تذكُّر الآخرة، وبما أخرجه مسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها- وساق الحديث، وفي آخره: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المتقدمين منا والمتأخرين...»، كما استدلوا بحديث أنس -رضي الله عنه- قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري...».
ذهب فريق من أهل العلم إلى أن زيارة القبور للنساء مكروهة من غير تحريم، وهذا هو منصوص الإمام أحمد، وبه قال أكثر الشافعية، وبعض الحنفية، وبعض المالكية، واستدلوا بحديث أم عطية -رضي الله عنها-: «نُهِينا عن اتِّباع الجنائز ولم يُعزَم علينا» والزيارة من جنس الاتِّباع، فيكون كل منهما مكروهًا غير مُحرَّم.
والراجح القول بالتحريم لما يلي:
أولًا: أن أحاديث النهي صريحة في المراد؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعن النساء على الزيارة، وهذا من أوضح الأدلة على التحريم؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة.
ثانيًا: أن سد الذرائع ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، وإذا كان المقصود من الزيارة تذكُّر الآخرة والدعاء للميت، وهذا أمر مظنون من المرأة، ومن المؤكَّد حصول الجَزَع وقلَّة الصبر، وقد تشقُّ الجيب وتلطم الخد وما أشبه ذلك، والدعاء يحصل في البيت كما يقول ابن تيمية، وتذكّر الآخرة يحصل بأمور أخرى، كالوعظ وذكر الموت ونحو ذلك، فما يحصل لهن بالزيارة من المفاسد أعظم مما يحصل من مصلحة يسيرة، والشريعة تحرِّم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته.
ثالثًا: أن الأحاديث التي يَستدل بها مَن يُجيْز الزيارة ليست صريحة في دلالتها كصراحة أحاديث النهي. منحة العلام (4/ 363).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله- بعد أن سرد طرق الحديث وناقشها:
فقد تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ «زوَّارات»؛ لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليه، وكذا حديث ابن عباس في رواية الأكثرين، على ما فيه من ضعف، فهي إن لم تصلح للشهادة فلا تضر، كما لا يضر في الاتفاق المذكور الرواية الأخرى من حديث ابن عباس كما هو ظاهر، وإذا كان الأمر كذلك فهذا اللفظ «زوَّارات» إنما يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة، بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، فلا يجوز حينئذ أن يُعارَض بهذا الحديث ما سبق من الأحاديث الدالة على استحباب الزيارة للنساء؛ لأنه خاص وتلك عامة.
فيُعمل بكل منهما في محله، فهذا الجمع أولى من دعوى النسخ، وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء. (ثم ذكر كلام القرطبي السابق وتأييد الشوكاني له). أحكام الجنائز (1/ 186).


إبلاغ عن خطأ