«مَن كان يُؤمن بالله واليومِ الآخر فلا يَدخُلِ الحمَّامَ إلا بِمِئزَرٍ، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخِلْ حَلَيلتَهُ الحمَّام، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَقْعُد على مائدةٍ يُشربُ عليها الخَمْر، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَخْلُونَّ بامرأة ليس معها ذو محرم منها؛ فإنَّ ثالثهما الشيطان».
رواه أحمد برقم: (14651) واللفظ له، والترمذي برقم: (2801)، والنسائي برقم: (401) مختصرًا، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (164)، قال محققو مسند الإمام أحمد: حسن لغيره.
غريب الحديث
«بِمِئزَرٍ»:
المِئزر: الإزار، والجميع المآزِرُ والأُزُرُ، وشَدَّ فلانٌ أَزْرَهُ: أي مَعْقِدَ إزاره. وائْتَزَرَ إزْرَةً، والعرب تؤنِّث الإزار وتذكِّره، ويُقال: إزَارَةٌ. المحيط في اللغة، لابن عباد (9/ 85).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
والإزار: ما ائْتَزَر به الرَّجل مِن أسفله. مشارق الأنوار (1/ 29).
«حَلَيلتَهُ»:
الحليلة: الزوجة. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 195).
وقال المطرزي -رحمه الله-:
الحَليلةُ: الزوجةُ؛ لأنَّها تُحالُّ زوجَها في فراش. المغرب (1/ 219).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «مَن كان يُؤمن بالله واليومِ الآخر»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
الإيمان في اللغة: هو التصديق بالقلب، و«اليوم الآخر» هو: يوم القيامة. فتح القريب المجيب (2/ 246).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
مذهب السلف في الإيمان: هو قول وعمل، والإيمان على وجه التفصيل يتكون من الأجزاء التالية: قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح.
أو يتركب من العناصر التالية: اعتقاد بالجَنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان.
فقول القلب: هو تصديقُه وعِلْمه، وقول اللسان: هو تَهْليلُه وذِكْره، وعمل القلب: هو حُبُّه وخوفه ورجاؤه وغيره، وعمل الجوارح: هو الأعمال الظاهرة، من صلاة وصيام وحج وذبح ونذر ودعاء وغير ذلك.
فالإيمان إذن: يتكون من ظاهر وباطن، والظاهر يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، وأما الباطن فيشمل قول القلب وعمل القلب. الإيمان الأوسط (ص181).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» يعني: في هذا الأسلوب استثارة للنفس، واستشعار لهذه الصفة العظيمة وهي الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بالله هو الأصل؛ لأن من لا يؤمن بالله لا يتورع عن شيء؛ لأنه ما بعد الكفر ذنب... الذي يؤمن باليوم الآخر عليه أن يستشعر هذا الإيمان باليوم الآخر، وعليه أن يستعد لهذا اليوم الآخر، الذي فيه النعيم المقيم، أو العذاب السرمدي الأبدي الذي لا ينقطع، وهذا هو السبب في تخصيص الإيمان باليوم الآخر بالذِّكْر دون سائر أركان الإيمان. شرح الأربعين النووية (11/ 16 بترقيم الشاملة آليا).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» فليفعل كذا وكذا يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان، وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان، وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بالصبر والسماحة، قال الحسن: المراد: الصبر عن المعاصي، والسماحة: بالطاعة، وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق الله كأداء الواجبات، وترك المحرمات... وتارة تتعلق بحقوق عباده. جامع العلوم والحكم (1/ 363).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» ذَكَرَ طرَفَي الإيمان اختصارًا أو إشعارًا بأنهما الأصل، والمراد به: كمال الإيمان، أو أريد به التهديد. تحفة الأحوذي (8/ 69).
قوله: «فلا يَدخُلِ الحمَّامَ إلا بِمِئزَرٍ»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
الحمَّام: هو الموضع الذي يُغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل: الماء الحارّ، ثم قيل للماء الذي يُغتسل به مطلقًا. المنهل العذب المورود (4/ 116).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ولا يجوز للرجال دخول الحمام ودخول الماء بغير إزار ساتر ما بين سُرَّته وركبته. المفاتيح (5/ 58).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
كان الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء يتورَّعون عن دخول الحمَّام. فتح القريب المجيب (2/ 246).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إلا بمئزر» يستر عورتهم عمَّن يحرم نظره إليها. التيسير (1/ 380).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلَّا بِمِئزر» بكسر الميم وسكون الهمزة، يجوز إبداله، وبفتح الراء: ما يُتَّزر به، وهو الإزار الذي يستر العورة، وظاهره: الإطلاق، سواء بكونه هناك أحد أجنبي أم لا؛ فإن الله تعالى أحق أن يُسْتَحَى منه؛ ولأن الحمَّام مَجْمع الشياطين، ولا يجوز التَّكشّف عندهم؛ ولذا أورد أنه إذا اضطر إلى كشف عورته يسمِّي الله تعالى؛ فإنه ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم، «ومن لم يستر عورته» وهي من الرَّجل ما بين سرته وركبتيه «من الناس» أي: غير امرأته وَأَمَتِه «كان في لعنة الله والملائكة والخلق أجمعين» فإنهم كلهم يَلعنون العاصي في أمر الدِّين، وقد روى الترمذي، والحاكم، عن جابر مرفوعًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدْخِل حليلته الحمام». شرح مسند أبي حنيفة (1/ 171).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فلا يدخل الحمَّام بغير إزار» (كما في لفظ الترمذي)، هذا تخصيص من العموم، وهو تحريم كشف العورات، وربما خصَّ الحمَّام؛ لأنه مظنة ذلك. التحبير (7/ 461).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«لا يدخلون الحمَّام إلا بمئزر» (كما في لفظ) يسترون به عوراتهم، وهذه العبارة تفيد تأكيد وجوب ستر العورة، وخصَّ الحمَّام؛ لأنه مظنة انكشاف العورات. التنوير (4/ 284).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
حديث الباب يدل على جواز الدخول للذكور بشرط لِبْس المآزر، وتحريم الدخول بدون مئزر. نيل الأوطار (2/ 408).
وقال محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
المئزر: هو الإزار، والمعنى: لا يكشف عورته أمام الناس كما يفعله كثيرون في الحمامات؛ لأن ستر العورة واجب بالإجماع بل الكتاب والسنة دلَّا عليه، ودخول الحمام لا يُسقط هذا الواجب، فمَن دَخَله يجب عليه المحافظة على عورته كغيره، مع أنه لا ينبغي دخوله من غير ضرورة. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (3/ 897).
قوله: «ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخِلْ حَلَيلتَهُ الحمَّام»،
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فلا يُدخِل» من باب الإدخال، أي: فلا يأذن بالدخول. تحفة الأحوذي (8/ 69).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «حَلِيلَته» أي: زوجته. المفاتيح (5/ 60).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فلا يُدخِل حليلته الحمَّام» فإنه لها مكروه إلا لعذر، كحيض ونفاس، قال الغزالي: ويُكره للرجل أن يعطيها أجرته فيكون كفاعل المكروه. فيض القدير (6/ 211).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فلا يُدخِل حليلته» زوجته التي يحل له وطؤها «من غير عذر» (كما في لفظ) وهو المرض والنفاس الذي سلف استثناؤه، ولكن لفظ الجامع: «إلَّا مِن عذر» قيل عليه: هذا الاستثناء لم يذكره الترمذي، ولم يوجد هذا الحديث في النسائي، ولعلّ ذلك في بعض النُّسَخ، فيُطلب، والظاهر أنه غلط، فإنه لم يذكره الشريف أبو المحاسن في كتابه في "الحمَّام"، ولم يذكر الاستثناء في حديث جابر ولا عزاه إلى النسائي، وهو في "المنتقى" عن أبي هريرة، وليس فيه هذا الاستثناء. التحبير (7/461، 462).
وقال المظهري -رحمه الله-:
لم يرخص للنساء في دخول الحمام؛ لأن النساء جميع أعضائهن عورة، وكشف العورة غير جائز إلا عند الضرورة، كغسل الجنابة وقضاء الحاجة، ولا ضرورة لهن في دخول الحمام؛ لأن الغسل ممكن في بيتها.
ألا ترى أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، بخلاف الرجال، فإذا اقتضت حاجة النساء إلى دخول الحمام، مثل: أن تكون مريضة؛ تدخل الحمام للتداوي، أو يكون قد انقطع نفاسها؛ تدخل الحمام للتنظيف، أو تكون قد انقطع حيضها، أو تكون جُنُبًا، والبرد شديد، ولا تقدر أن تسخن الماء، فتخاف استعمال الماء البارد ضررًا؛ ففي هذه الأعذار جاز لهن دخول الحمام. المفاتيح (5/ 58).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وأنشِد الله نساء أمَّتي ألَّا يدخلن الحمَّام» (كما في لفظ) مطلقًا لا بإزار ولا بدونه، فدخول الحمَّام لهن مكروه تنزيهًا إلا لضرورة، كحيض أو نفاس. التيسير (1/380، 381).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وحديث الباب يدل... على تحريمه (أي: الحمَّام) على النساء مطلقًا، واستثناء الدخول مِن عذر لهن لم يثبت من طريقٍ تصلح للاحتجاج بها، فالظاهر: المنع مُطلقًا، ويؤيِّد ذلك ما سلف من حديث عائشة الذي رَوَته لنساء الكُورة (الصقع والمدينة، والحديث هو: أنها قالت لنسوة دخلن عليها من نساء الشام: لعَلَّكُنَّ من الكُورة التي يدخل نساؤها الحمام؟ قلن: نعم، قالت: أما إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هَتَكَتْ ما بينها وبين الله من حجاب»)، وهو أصح ما في الباب، إلا لمريضة أو نفساء كما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا، إنْ صح، (وهو: «... وامنعوا النِّساء إلَّا مريضة أو نفساء»). نيل الأوطار (2/ 408).
وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله-:
والصحيح عندنا: أنه لا بأس باتخاذ الحمَّام للرجال والنساء جميعًا للحاجة إلى ذلك، خصوصًا في ديارنا، والحاجة في حق النساء أظهر؛ لأن المرأة تحتاج إلى الاغتسال من الحيض والنفاس والجنابة، ولا تتمكن من ذلك في الأنهار والحياض كما يتمكن منه الرجل؛ ولأن المطلوب به معنى الزينة بإزالة الدَّرَن وحاجة النساء فيما يرجع إلى الزينة أكثر، وقد صح في الحديث: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل حمام الجحفة»، وتأويل ما رُوي من كراهة الدخول: إذا كان مكشوف العورة، فأما بعد الستر فلا بأس بدخول الحمام. المبسوط (15/156، 157).
وقال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله-:
دخول الحمام جائز للرجال إذا كان بمآزر، ولا يجوز للنساء إلا من عِلَّة، إما من مرض لا يُصلحه إلا الحمام أو الحاجة إلى الاغتسال لحيض أو نفاس؛ لشدة البرد...، وإنما فرَّقنا بين الرجل والمرأة في ذلك: لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الحمَّام بيت لا يُستر فيه، لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخله إلا بمئزر، ولا امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخله إلا مِن عِلَّة»، وروي أن نسوة من أهل حمص دخلن على عائشة -رضي الله عنها- فقالت: لعلكُنَّ من النساء اللاتي يدخلن الحمامات؟ قلن: إنَّا لنفعل ذلك، فقالت: أما إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتَكَت ما بينها وما بين الله -عز وجل-».
وقال بعض متأخري أصحابنا: إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء مُفردًا، فأما اليوم فقد زال ذلك فيجب أن يجوز. المعونة (3/ 1724).
وقال النووي الشافعي -رحمه الله-:
أما أصحابنا فكلامهم فيه (أي: دخول الحمَّام) قليل، وممَّن تكلَّم فيه من أصحابنا: الإمام الفقيه الحافظ أبو بكر السمعاني المروزي -رحمه الله- فقال: جملة القول في دخول الحمام: أنه مباح للرجال بشرط التَّستُّر وغض البصر، ومكروه للنساء إلَّا لعذر مِن نفاس أو مرض، قال: وإنما كُره للنساء لأن أمرهن مبني على المبالغة في التستر؛ ولِمَا في وضع ثيابهن في غير بيوتهن من الهتك؛ ولِمَا في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر...، قال: وللدَّاخل آداب، منها: أن يتذكَّر بحَرِّه حَرَّ النار، ويستعيذ بالله تعالى مِن حرِّها، ويسأله الجنة، وأن يكون قصده التنظُّف والتطهّر دون التنعيم والتَّرفّه، وألَّا يدخله إذا رأى فيه عاريًا بل يرجع، وألَّا يصلي فيه، ولا يقرأ القرآن، ولا يُسلِّم، ويستغفر الله تعالى إذا خرج، ويصلِّي ركعتين، فقد كانوا يقولون: يوم الحمَّام يوم إثم. المجموع (2/ 205).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
فأما دخوله (أي: الحمَّام) فإن كان الداخل رجلًا يَسْلَمُ مِن النَّظر إلى العورات، ونظر الناس إلى عورته، فلا بأس بدخوله؛ فإنه يُروى أن ابن عباس دخل حمَّامًا بالجحفة، ويروى ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويُروى عن خالد بن الوليد أنه دخل الحمام، وكان الحسن وابن سيرين يدخلان الحمام، رواه الخلال.
وإن خشي ألَّا يَسْلَم من ذلك كُرِه له ذلك؛ لأنه لا يأمن وقوعه في المحظور، فإنَّ كشْف العورة ومشاهدتها حرام، بدليل...: «احفظ عورتك، إلا مِن زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله أحق أن يُسْتَحْيَا منه مِن الناس»، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة» وقال -عليه السلام-: «لا تمشوا عُرَاة» رواهما مسلم.
قال أحمد: إن عَلِمْت أنَّ كلَّ مَن في الحمَّام عليه إزار فادخله، وإلَّا فلا تدخل، وقال سعيد بن جبير: دخول الحمام بغير إزار حرام.
فصل: فأما النساء فليس لهنَّ دخوله، مع ما ذكرنا من السِّتر، إلَّا لعذر، من حيض، أو نفاس، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها؛ لتعذُّر ذلك عليها، أو خوفها من مرض أو ضرر، فيباح لها ذلك إذا غضَّت بصرها، وسترت عورتها.
وأما مع عدم العذر فلا؛ لما رُوي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ستُفْتَح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها حمَّامات، فامنعوا نساءكم، إلَّا حائضًا أو نفساء» (ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب برقم: (124))، ورُوي... «إن المرأة إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت سترها بينها وبين الله -عز وجل-» المغني (1/305، 306).
قوله: «ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَقْعُد على مائدةٍ يُشربُ عليها الخَمْر»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«على مائدة» أي: على خِوَان يُشرب فيها الخمر؛ أي: لا يجلس مجلسًا تُشرب فيه الخمر. المفاتيح (5/ 60).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلا يجلس على مائدة» أي: لا يحضر في بقعة «تدار عليها الخمر» (كما في لفظ) أي: ويشربها أهلها، فإنه وإن لم يَشْربْه يجب عليه نهيهم عنها، فإذا جَلَسَ ولم يُنكِر عليهم، ولم يُعرِض عنهم، فلا يكون مؤمنًا كاملًا. مرقاة المفاتيح (7/ 2842).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» وإن لم يشرب معهم؛ لأنه تقرير على المنكر. فيض القدير (6/ 211).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» وإن كان لم يشربه مع أهل المائدة فإنه يحرم عليه الجلوس معهم؛ لما فيه من التقاء على المنكر. التنوير (10/ 376).
وقال الشيخ الزهراني -حفظه الله-:
«فلا يقعد على مائدة يُشرب عليها الخمر»...، وقد ورد هذا التحذير؛ لأن المائدة التي يدار عليها الخمر هي مائدة الفساق أو غير المسلمين، وحُرِّم ذلك؛ لإشعاره بالرضا، ولو لم يشرب الْمُجالِس، وفيه مؤانسة للشاربين، والبعد عن ذلك وإنكاره هو من كمال الإيمان بحرمتها، ومنابذة من يشربها. شرح مسند الدارمي (4/190، 191)
وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله-:
ويُكره للرَّجل أن يأكل على مائدة يُشرب عليها الخمر، هكذا نُقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أنه نهى أن يأكل المسلم على مائدة يُشرب عليها الخمر»؛ ولأن في ذلك تكثيرُ جمْعِ الفسقة، وإظهار الرِّضا بصنيعهم، وذلك لا يحل للمسلم. المبسوط (24/ 34).
وقال الرافعي الشافعي -رحمه الله-:
من الشروط (لحضور الوليمة): ألَّا يكون هناك من يتأذى بحضوره، ولا يليق به مجالسته، فإن كان فيُعذَر في التخلف، وأشار في "الوسيط" إلى وجه آخر فيه.
ومنها: ألا يكون هناك منكر كشرب الخمر والملاهي، فإن كان نُظِر إن كان الشخص ممن إذا حضر رفع المنكر فليحضر؛ إجابة للدعوة، وإزالة للمنكر، وإلا فوجهان:
أحدهما: أن الأَولى ألَّا يحضر، ويجوز أن يحضر ولا يستمع، وينكر بقلبه، كما لو كان يصوّت بالمنكر في جواره، فلا يلزمه التحوّل، وإن كان يبلغه الصوت، وعلى هذا جرى العراقيون من الأصحاب.
وأصحهما: أنه لا يجوز له الحضور، وإلى ترجيحه ذهب القاضيان ابن كج، والروياني؛ لأنه الرضَّا بالمنكر، والتقرير عليه، ويُروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدنَّ على مائدة يُدار عليها الخمر»، وإن لم يعلم حتى حَضَر فنهاهم، فإن لم ينتهوا، فليخرج. العزيز (8/ 348).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
إذا دُعي إلى وليمة فيها معصية، كالخمر، والزمر، والعُود ونحوه، وأمكنه الإنكار، وإزالة المنكر، لزمه الحضور والإنكار؛ لأنه يؤدى فرضين: إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر.
وإن لم يقدر على الإنكار، لم يحضر.
وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر أزاله، فإن لم يقدر انصرف. المغني (10/ 198).
قوله: «ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَخْلُونَّ بامرأة ليس معها ذو محرم منها»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا يخلونَّ رجل بامرأة» أي: بامرأة أجنبية. (4/ 27)].
وقال العراقي -رحمه الله-:
والمحْرَم: هي كل من حَرُمَ عليه نكاحها على التأبيد، بسبب مباح، لحرمتها.
فقولنا: "على التأبيد" احتراز مِن أخت امرأته وعمَّتها وخالتها، ونحوهُنَّ، ومِن بنتها قبل الدخول بالأم، وقولنا: "بسبب مباح"، احتراز من أم الموطوءة بشُبهة وبِنْتها، فإنهما حرام على التأبيد لكن لا بسبب مباح، فإنَّ وطء الشبهة لا يُوصف بِحِل ولا حُرمة ولا غيرهما؛ لأنه ليس فعل مكلَّف، وقولنا: "لحرمتها" احتراز عن الملاعِنة فهي حرام على التأبيد، لا لحرمتها بل للتَّغليظ. طرح التثريب (7/ 41).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«لا يخلونَّ» أكده بالنون؛ اهتمامًا، وتشديد التَّحريم، والرَّحم القرابة. فتح القريب المجيب (8/569، 570).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
الخلوة المحرمة التي عناها الشارع هنا هي: انفراد الرجل مع المرأة الأجنبية في مكان يأمنان فيه دخول أحد عليهما، يريد مَن لا يحل له نكاحها من أقاربها كالأب والابن والأخ والعم ومن يجري مجراهم، فإن كان معها أحد مِن هؤلاء فيجوز لانتفاء المحذور، ولو كان معها زوجها كان أولى بالجواز. الفتح الرباني (16/ 76).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الخلوة بالأجنبية -بكرًا كانت، أو ثيِّبًا، ليلًا أو نهارًا- محرمة، بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»...، وبالجملة فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق في كل الأوقات، وعلى كل الحالات. المفهم (5/ 500).
قوله: «فإن ثالثهما الشيطان»:
قال المظهري -رحمه الله-:
أي: فإن الشيطان يكون معهما، ويهيِّج شهوة كل واحد منهما، ويلقي محبة كل واحد منهما في قلب الآخر حتى يوقعهما في الزنا. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 27).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إلا كان الشيطان ثالثهما» بالوسوسة وتهييج الشهوة حتى يجمع بينهما بالجماع، أو ما دونه من مقدماته الموقِعة فيه، والنَّهي للتَّحريم. التيسير (1/ 388).
وقال الحصكفي الحنفي -رحمه الله-:
الخلوة بالأجنبية حرام، إلا لملازمة مديونة هَرَبت ودخلت خَرِبَة، أو كانت عجوزًا شوهاء أو بحائل، والخلوة بالمحرَّمة مباحة، إلَّا الأخت رضاعًا، والصِّهرة الشابة. الدر المختار (ص655).
وقال القيرواني المالكي -رحمه الله-:
ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم، ولا بأس أن يراها لعذر: من شهادة عليها، أو نحو ذلك أو إذا خطبها. الرسالة (ص158).
وقال زروق المالكي -رحمه الله-:
الخلوة بغير ذي محْرَمٍ حرام؛ لما تدعو له من المكروه أو التهمة به، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يخلون رجل بامرأة ليس بذي محرم؛ فإن الشيطان ثالثهما» ومفهوم الكلام: أن الخلوة بذات المحرم جائزة، وهو كذلك بلا خلاف، ولا كراهة في قريب القرابة، كالأخت والأم من النسب، ونحوهما، وكرهها بعض العلماء مع الأباعد عن المخالطة، كالخالة من الرضاع والأخت منه ونحو ذلك. الشرح على متن الرسالة (2/ 1054).
وقال النووي -رحمه الله-:
الشافعي نَصَّ على أنه يحرم أن يصلي الرجل بنساء منفردات إلا أن يكون فيهن مَحْرم له أو زوجة، وقطع بأنه يحرم خلوة رجل بنسوة إلا أن يكون له فيهن مَحْرم، والمذهب ما سبق، وإنْ خلا رجلان أو رجال بامرأة فالمشهور تحريمه؛ لأنه قد يقع اتفاق رجال على فاحشة بامرأة، وقيل: إن كانوا ممن تبعد مواطأتهم على الفاحشة، جاز...
وأما الأحاديث الواردة في المسألة فمنها: ما رُوي عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحَمْوَ؟ قال: الحَمْوُ الموتُ» رواه البخاري ومسلم، الحَمْوُ: قرابة الزوج، والمراد هنا: قريب تحل له، كأخ الزوج وعمِّه وابنهما وخاله وغيرهم، وأما أبوه وابنه وجده فهم محارم تجوز لهم الخلوة وإن كانوا من الأحماء...
واعلم أن المحْرَم الذي يجوز القعود مع الأجنبية مع وجوده يشترط أن يكون ممن يُستحى منه، فإن كان صغيرًا عن ذلك، كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك فوجوده كالعدم بلا خلاف، ولا فرق في تحريم الخلوة بين الصلاة وغيرها، كما سبق، ويستوي فيها الأعمى والبصير.
ويستثنى من هذا كله: مواضع الضرورة؛ بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في بريَّة، ونحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يجب عليه إذا خاف عليها لو تركها، وهذا لا خلاف فيه، ويدل عليه حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة الإفك.
واعلم أن المحْرَم الذي يجوز القعود معها بوجوده يستوي فيه محْرَمه ومحْرَمها، وفي معناه زوجها وزوجته، والله أعلم. المجموع (4/278، 279).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ولا تحل الخلوة بأجنبية، ولو كان في تعليمها القرآن. المغني (9/ 564).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث والأحاديث بعده: تحريم الخلوة بالأجنبية، وإباحة الخلوة بمحارمها، وهذان الأمران مُجْمع عليهما. شرح صحيح مسلم (14/ 153).
وقال الشيخ اللهيميد -حفظه الله-:
في هذا الحديث: بيان أن من مقتضى الإيمان عدم الخلوة بالأجنبية، لا سيما وأن في الخلوة مشاركة للشيطان في هذا الاجتماع، وهو لا يوجد إلَّا ليوقِع في الحرام؛ مما يدل على حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية. شرح بلوغ المرام (2/ 304).