الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يَتْبَعُ حَمامة، فقال: شيطانٌ يَتْبَعُ شيطانةً».


رواه أحمد برقم: (8543)، وأبو داود برقم: (4940)، وابن ماجه برقم: (3765)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (3724)، مشكاة المصابيح برقم: (4506).


مختصر شرح الحديث


نهتِ الشريعةُ عن اللهوِ الذي لا نفعَ فيه ويُشْغلُ العبدَ عمَّا يعنيه، ومن ذلك: اللعبُ بالحَمام وتَتَبُّعِهَا. وفي هذا الحديث رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «رجلًا يَتْبَعُ حمامةً» أي: يمشي خلفها ويتتبَّعها لاعبًا بها، فقال: «شيطانٌ يَتْبَعُ شيطانةً»، والشيطانُ قيل: مشتقٌّ من "شَطَنَ"، أي: بَعُد؛ فوصفَ الرجلَ بالشيطان؛ لعمله عملَ الشياطين من اللهو الباطل والبُعد عمَّا ينفعه، ووصفَ الحمامةَ بأنها «شيطانة»؛ لكونها سببًا في انشغاله عمَّا ينفعه، كما يفعل الشيطان، وليس المراد أنَّ الرجلَ شيطانٌ من الجِنِّ، ولا أنَّ الحمامةَ شيطانةٌ أو مَسْخٌ من الجن.
ولا يدلُّ الحديثُ على تحريم اقتناء الحَمام مطلقًا؛ فاتخاذُه لمصلحةٍ مباحة كالفراخ والبيض والأُنس وحمل الرسائل جائزٌ في الأصل، وإنما النهيُ عن اتخاذه للَّهو والعبث، ويشتدُّ المنع إذا اقترن به محرَّمٌ، كالقِمَار أو تضييع الواجبات أو أذية الجيران.
ولا يعارضه ما رُوي في الحثِّ على اقتناء الحَمام؛ كحديث: «اتَّخِذْ زوجًا من الحَمَام»، وحديث: «اتَّخِذُوا الحمام؛ فإنها تُلهي الجنَّ عن صبيانكم»؛ فكلُّها لا تثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل حُكم عليها بالبطلان أو الوضع.
وفي الحديث: النهيُ عن اللعب بالحَمَام وتَتَبُّعِها على وجه اللهو والعبث، ويَلحق بذلك كلُّ لهوٍ مباحٍ شَغَل عن أداء الواجبات، أو ترتَّب عليه أذًى للناس. 


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: رأى رجلًا يَتْبَعُ حَمامة»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
«يتبع حمامة» أي: يقفو أثرها؛ لاعبًا بها. تحفة الأبرار (3/ 167).

قوله: «فقال: شيطان يَتْبَعُ شيطانة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«شيطان ‌يتبع» أي: يُدرك ويَلْحَق. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 192).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«شيطان يتبع شيطانة»؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان نَهى عن الَّلعب بالحمام، وتطييرها. الاستذكار (2/ 277).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-أيضًا:
«شيطان ‌يتبع شيطانة» وليس في ذلك ما يدل على أنه كان مَسْخًا من الجن، ولا أن الحمامة مُسِخَت من الجِن. التمهيد (9/ 130).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
إنَّما سمَّاه شيطانًا؛ لإعراضه عن العبادة واشتغاله بما لا يعنيه في الدارين، وسماها: شيطانًا؛ لأنها أغْفَلَتْهُ عن الحق، وأَشْغَلته عما يهمه من صلاح المنزلين، والله أعلم. تحفة الأبرار (3/ 167).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «‌شيطان ‌يتبع شيطانًا» (كما في لفظ) سمَّى الحمامة ومَن لعِب بها شيطانًا؛ لأن من حمل أحدًا على معصية أو شَغَلَه عن الطاعة فهو شيطان، ومن يطيعه فهو أيضًا شيطان، واللَّعِب بالحمام يُشغِل الرَّجل عن أوقات الصلاة؛ لحرصه بها، ويقلل مروءته؛ لأن اللعب لا يليق بأهل المروءة، وربَّما يصعد موضعًا عاليًا؛ ويَطَّلع على عورات المسلمين، واللَّعِب بالحمام مكروه. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 67).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث): النهي عن اللعب بالحمام ونظيره، قال شريح: اللعب بالجوز أخف من اللعب بالحمام.
وهذا الحديث محمول على ما إذا تَبِع الحمام؛ ليطيِّره ويلعب به؛ فإنَّ فيه دناءة وقلة مروءة، ويتضمَّن أذى الجيران بإشرافه على دُورهم.
والأظهر: أنه لا تجوز المسابقة على الطير الحمام ونحوه؛ لأنها ليست من آلات القتال.
وقيل: يجوز الطيور؛ للحاجة إليها بمعرفة الأخبار في حمل الكتب التي ترسل بها، وأما إذا اتُّخذ الحَمَام ليطلب فراخها والانتفاع بأكلها أو للتأنس بها فجائز؛ لما روى عبادة بن الصامت أن رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فشكى إليه الوحشة فقال: «اتَّخذ زوجًا من الحَمَام» (قال ابن القيم في زاد المعاد: حديث باطل لا أصل له).
وروى الطبراني: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعجبه النظر إلى الأُتْرُجّ والحَمام الأحمر» (قال عنه الألباني: حديث موضوع)، «وكان في منزله حمام أحمر، اسمه: وردان».
وعن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اتخذوا الحَمَام؛ فإنها تلهي الجنَّ عن صبيانكم» (عَدَّ ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات). شرح سنن أبي داود (19/24، 25).
وقال السفيري -رحمه الله-:
وهو محمول على إدمان صاحب الحَمَام على طَيَرانه والاشتغال به، والارتقاء بسببه إلى السطوح التي يُشرف منها على بيوت الجيران وحُرمتهم لأجله، وسمَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحمام شيطانًا؛ لأنه لا يكاد يخلو من عصيان العاصي، قال تعالى: {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} الأنعام:112، وأطلق على الحمامة شيطان؛ مجاورة، ولا تُردّ الشهادة بمجرد اللعب عندنا بها، خلافًا لأبي حنيفة ومالك، فإن انضم إليه قِمارٌ ونحوه رُدَّت الشهادة. المجالس الوعظية (1/ 321).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
«شيطان» قالوا: مادة "شَطَنَ" بمعنى: بَعُد...، «‌شيطان ‌يتبع شيطانة»؛ لأن كلًّا منهما مُتعَصٍّ على الثَّاني، هي متعصِّية أن تقر له، وهو متعصٍّ عليها إلَّا أن يأخذها. شرح بلوغ المرام (48/ 7).
‌وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
«شيطان ‌يتبع شيطانة» فَوَصَفه بأنه شيطان، وأنَّ عمله مِن عمل الشياطين، وقال للحمامة: إنها شيطانة، على اعتبار أنه ابتُلِيَ بها، وافتتن بها، وإن كانت هي لا علاقة لها، وإنما البلاء كله ممن لَعِب بها، ولكنه وَصَفها بهذا الوصف؛ لأنها تشغله أو أنها سبب انشغاله بها. شرح سنن أبي داود (561/ 23).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
اللعب بالطيور حرام وفِسق، تُردُّ به الشَّهادة. لمعات التنقيح (7/ 465).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
الأظهر: أنه لا تجوز المسابقة على تطيير الحمام؛ لأنها ليست من آلات القتال.
وقيل: تجوز للحاجة إليها بمعرفة الأخبار في حمل الكتب التي يُرسل بها، أما إذا اتُّخذ الحمام؛ ليطلب فراخها والانتفاع بأكلها أو التأنُّس بها فجائز، وتقدم: «اتَّخذوا هذه الحمام المقاصيص...» (سبق أن ابن الجوزي عدّه في الموضوعات). السراج المنير (3/ 246).
وقال العيني الحنفي -رحمه الله-:
اتِّخاذ ‌الحمام في البيوت؛ للاستئناس مباح، وكذا اتِّخاذ برج الحمام. البناية (9/ 146).
وقال السندي -رحمه الله-:
قيل: اتخاذ الحمام للبيض والأُنْس ونحو ذلك جائز غير مكروه، واللعب بها بالتطيير مكروه، ومع القِمار يصير مردود الشهادة. الحاشية على سنن ابن ماجه (2/ 412).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على كراهة اللعب ‌بالحمام، وأنه من اللهو الذي لم يُؤذن فيه، وقد قال بكراهته جمع من العلماء، ولا يَبْعد على فرضِ انتهاض الحديث تحريمه؛ لأن تسمية فاعله شيطانًا يدل على ذلك، وتسمية الحمامة شيطانة إمَّا لأنها سبب اتباع الرجل لها، أو أنها تفعل فِعل الشيطان حيث يتولَّع الإنسان بمتابعتها واللعب بها؛ لحُسن صورتها وجودة نغمتها. نيل الأوطار (14/ 483).
‌وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«شيطان ‌يتبع شيطانة» أورد أبو داود باب: اللعب بالحمام، أي: أنه لا يسوغ اتخاذ الحمام لِلَّعب به، لكن أن يُتَّخذ للاستفادة منه، والانتفاع به، فلا بأس بذلك وهو سائغ، ولكن أن يُتَّخذ لِلَّعب، هذا هو الذي ترجَم له المصنف، وأورد فيه هذا الحديث عن رسول الله -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه- وفيه: أنه رأى رجلًا يتبع حمامة يلعب بها. شرح سنن أبي داود (561/ 23).
‌وقال الشافعي -رحمه الله-:
اتخاذ ‌الحمام للفرخ والبيض، أو الأُنس، أو حمْل الكتب جائز بلا كراهة، وأما اللعب بها بالتطيير والمسابقة، فقيل: لا يُكره، والصحيح أنه مكروه، ولا تُردُّ الشهادة بمجرده، فإن انضمَّ إليه قمار ونحوه رُدَّت. روضة الطالبين (11/226، 227).
وقال حرب الكرماني -رحمه الله-:
سمعت أحمد يقول: لا بأس أن يَتَّخِذ الرجل في منزله الطيور والحمَامات المقصوصة؛ لِيستأنس إليها، فإن تَلَهَّى بها فإني أكرهه. مسائل حرب الكرماني (2/ 915).
وقال ابن الهمام الحنفي -رحمه الله-:
‌
اللَّعب ‌بالطيور فِعْلٌ مُستخفٌّ به؛ يوجب في الغالب اجتماعًا مع أناس أراذل، وصحبتهم، وذلك مما يُسقط العدالة. فتح القدير (7/ 411).
وقال الحطاب -رحمه الله-:
ولا تجوز شهادة لاعب الحمام إذا كان يقامر عليها، واختلف الشيوخ هل يقيّد ما قاله في غير هذا الموضع بهذا القيد، أي: المقامرة أو خلاف؟ انتهى. وقال في الشامل: بترك غير لائق مَن لَعِب بحمام، وإن دون قمار، على الأصح، انتهى. (والظاهر أن في العبارة سقطًا، وتقديره: «بترك شيء غير لائق»، كما جاء في «الفقه على المذاهب الأربعة»).
لكن يُفهم من كلامه في التوضيح اشتراط الإدمان، وظاهر كلام المصنف هنا خلاف ذلك، وعَزَا أبو الحسن التقييد بالإدمان لكتاب الشهادات، ويُفهم من كلام المصنف وغيره من أهل المذهب أن ‌اللعب ‌بالحمام غير حرام، ولكنه غير لائق، والله أعلم. مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (6/ 153).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
اللعب ‌بالحَمَام: فمذهب مالك تُردُّ به الشهادة من غير تفصيل، وعلى مذهب الشافعي ينقسم على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما تُردُّ به شهادته، وهو ما يخرج به إلى السفاهة، إما بالبذلة في أفعاله، وإمَّا بالخنا في كلامه، والسفاهة خروج عن العدالة تُردُّ بها الشهادة، وقد رُوي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يسعى بحمامة فقال: «شيطان يتبع شيطانة».
والضرب الثاني: ما لا تُرد به الشهادة، وهو ما كان به محفوظ المروءة؛ لاتخاذها إمَّا للاستفراخ، وإمَّا لحمل الكتب إلى البلاد، وإما للأنسة بأصواتها، فيكون على عدالته وقبول شهادته، وروى عبادة بن الصامت أن رجلًا شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الوحدة فقال: «اتَّخِذْ زوجًا من حمام» (سبق حكم ابن القيم عليه بالبطلان)، ولأنها تُسَمِّد (سَمَّده إذا ألهاه، وَسَمَّد الأرض إذا خصَّبها) كما تُسَمِّد المواشي.
والضرب الثالث: ما اختُلف في رد الشهادة به، وهو أن يَتَّخِذَه للمسابقة به، وفيه وجهان، بناء على ما قدمناه من اختلاف الوجهين في قوله: «لا سَبْقَ إلا في خفٍّ أو حافر أو نَصْلٍ».
فإن جعل في أحد الوجهين أصلًا قِيْسَ عليه إباحة السبق بالحمام، فلم يخرج به من العدالة، ولم تُرَدّ به الشهادة.
وإن جعل في الوجه الثاني استثناء من جملة محظور لم يُقَس عليه السبق بالحمام، فخرج به من العدالة، ورُدَّت به الشهادة.
فإن اقترن به بِعوض كان حرامًا، وإن تجرد عن العِوض كان سَفَهًا.
وأما قول الشافعي: واللاعب بالشطرنج والحمام أخف حالًا، ولم يذكر ما صار به أخف حالًا منه، فقد ذكره الشافعي في الأم، وحذفه المزني اختصارًا. فقال: أخف حالًا من الاختلاف في فروع الدين. الحاوي الكبير (17/181، 182).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فأما اللعب بالحمام فإن كان يقصد به تعليمها حَمْل الكتب ونحوها مما تدعو الحاجة إليه، فلا بأس به؛ لأنه كتأديب الفَرَس، وإن كان لغرض مُحرَّم مِن القمار، أو أخذ حمام غيره ونحوه، فهو محرم، وإن كان عبثًا فهو دناءة وسَفَه، فما دام عليه صاحبه من المحرم والسَّفَه لم تُقبل شهادته؛ لزوال عدالته، وما نَدَر لم يمنع؛ لأنه من الصغائر. الكافي (4/ 274).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
اللعب بالحمام منهي عنه وفي السنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رأى رجلًا ‌يتبع ‌حمامة فقال: «شيطان يتبع شيطانة»، ومَن لَعِب بالحمام فأشرف على حريم الناس أو رماهم بالحجارة فوقعت على الجيران فإنه يُعزَّر على ذلك تعزيرًا يَرْدَعُه عن ذلك، ويُمنع من ذلك؛ فإن هذا فيه ظلم وعدوان على الجيران؛ مع ما فيه من اللعب المنهي عنه. والله أعلم. مجموع الفتاوى (32/ 246).


إبلاغ عن خطأ