الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«ثلاثةٌ لا يُرَدُّ دعاؤُهُمْ: الإمامُ العادلُ، والصَّائمُ حتَّى يُفْطِرَ، ودعوةُ المظلومِ، يرفعُهَا اللهُ فوقَ الغمامِ يومَ القيامةِ، ويفتحُ لها أبوابَ السَّماءِ، ويقولُ الرَّبُّ -عزَّ وجلَّ-: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ ولو بعدَ حينٍ».


رواه أحمد برقم: (9743) واللفظ له، والترمذي برقم: (3598) وابن ماجه برقم: (1752) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
قال محققو مسند الإمام أحمد: حديث صحيح بطرقه وشواهده.


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «ثلاثة لا يُرَدُّ دُعَاؤُهم: الإمام العادل»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثلاثة» أي: أشخاص، وهذا أولى من قول ابن حجر: أي: من الرجال، وذكرهم للغالب، «لا تُرَدُّ دعوتهم» (لفظ الترمذي وابن ماجه) قيل: سرعة إجابة الدعاء؛ إنما تكون لصلاح الداعي، أو لتضرعه في الدعاء إليه تعالى. مرقاة المفاتيح (4/ 1534).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثلاثة» أنفار «لا تُرَدُّ دعوتهم» عند الله تعالى؛ أحدهم: «الإمام العادل» أي: الذي يحكم بالعدل والحق، فلا يجور في رعيته. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (10/304-305).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وأما «الإمام» فلأنَّ عَدْلَهُ أفضلُ العبادات؛ لأن عدلَ ساعةٍ يُدْرِكُ عبادةَ ستين سنة. (ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب برقم: (1318)) المفاتيح في شرح المصابيح (3/131).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال الغزالي: فيه أن الإمارة والخلافة من أفضل العبادات إذا كانتا مع العدل والإخلاص، ولم يزل المتَّقون يحترزون منها ويَهْرُبُون مِن تَقَلُّدها؛ لما فيها من عظيم الخطر؛ إذ تتحرك به الصفات الباطنة، ويغلب على النفس حب الجاه والاستيلاء، ونفاذ الأمر، وهو أعظم ملاذ الدنيا. فيض القدير (3/ 324).

قوله: «والصائم حتى يفطر»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الصائم» أي: منهم، أو أحدهم الصائم «حين يفطر» (كما في لفظ)؛ لأنه بعد عبادة، وحال تضرع ومسكنة. مرقاة المفاتيح (4/ 1534).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يفطر» يدل على أن دعاءه تمام النهار مستجاب، وعلى هذا فلفظ الدعوة بمعنى الدعاء لا للمرة كما هو أصل البناء، والأقرب أنَّ «حتى» سهو من بعض الرواة، والصواب: «حين». كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 533).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الصائم» فرضًا كان أو نفلًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 305).
وقال المظهري -رحمه الله-:
اعلم أن سرعة قَبولِ الدعاء إنما تكونُ لصلاح الداعي، أو لتضرُّعه في الدعاء، و«الصائمُ» يُقبل دعاؤه؛ لأنه فَرَغَ من عبادةٍ محبوبةٍ إلى الله تعالى، وهي الصوم، كما قال رسول الله -عليه السلام- حكايةً عن الله تعالى أنه قال: «الصَّومُ لي». المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 131).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«والصائم حتى» وفي رواية: «حين يفطر» بالفعل أو يدخل أوان فِطْرِه، قال العلقمي: قال الدميري: يستحب للصائم أن يدعو في حال صومه بمهمات الآخرة والدنيا له، ولمن يحب وللمسلمين؛ لهذا الحديث والرواية فيه «حتى» بالمثناة من فوق هو كذلك في بعض الأصول، وفي بعضها بالمثناة التحتية والنون، وفي خط شيخنا كذلك، ويؤيده: «إنَّ للصائم عند فِطْرِهِ لَدَعْوةٌ ما تُرد» كما تقدم، وقول سائر أصحابنا يستحب للصائم أن يدعو عند إفطاره. السراج المنير شرح الجامع الصغير(3/ 65).

قوله: «ودعوة المظلوم»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«دَعوة» بفتح الدال المهملة، أي: دعاء «المظلوم» والإتيان بالوحدة تنبيه على أن جميع دعواته بجنس ما ظُلم به مستجابة، لا لِقَصْرِ الحكم بالإجابة عليها دون ما فوقها، على أن المفرد المضاف يفيد العموم، وتستمر إجابة دعائه حتى ينتصر كما جاء عند البزار. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (6/ 468).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وأما المظلوم فلأنه لَمَّا لحقته نار الظلم، واحترقت أحشاؤه، خرج منه الدعاء عن التضرع، وصار مُضطرًا إلى قبول الدعاء، ودفع الظلم عنه، فيقبل الله دعاءه، كما قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} النمل: 62. المفاتيح في شرح المصابيح (3/131).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ودعوة المظلوم» كان حال كذا قيل، والأَولى أن يكون أي: يرفعها خبرًا لقوله: «ودعوة المظلوم»، وقطع هذا القسم عن أخويه؛ لشدة الاعتناء بشأن دعوة المظلوم ولو فاجرًا أو كافرًا، ويَنْصُر هذا الوجه: عطفُ قوله: «ويقول الرب» على قوله: «ويفتح»؛ فإنه لا يلائم الوجه الأول؛ لأن ضمير «يرفعها» للدعوة حينئذ، لا لدعوة المظلوم كما في الوجه الأول.
والظاهر أن الضمير على الوجهين لدعوة المظلوم، وإنما بُولِغ في حقها؛ لأنه لَمَّا لَحِقَتْهُ نار الظالم واحترقت أحشاؤه، خرج منه الدعاء بالتضرع والانكسار، وحصل له حالة الاضطرار، فيقبل دعاؤه كما قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} النمل: 62مرقاة المفاتيح (4/ 1534).

قوله: «يَرْفَعُها الله فوق الغَمَام يوم القيامة»:
قال السندي -رحمه الله-:
المراد به الغمام المذكور في قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} الفرقان: 25، وفي قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} البقرة: 210. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 533).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
وقوله: «يرفعها الله» في موضع الحال، ويحتمل أن تجعل تفضيل ثلاثة، ويكون القسم الثالث محذوفًا؛ لدلالة قوله: «ودعوة المظلوم» عليه، وهو مبتدأ «يرفعها» خبره: استأنف به الكلام؛ لفخامة شأن دعاء المظلوم، واختصاصه بمزيد قبول. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/12).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يرفعُها الله فوقَ الغَمامِ» الضمير في «يرفعها» يرجع إلى دعوة المظلوم، والمراد بقوله -عليه السلام-: «يرفعها فوق الغمام» أنه يرفعها حتى تجاوزَ الغمامَ، وهو السحاب، وتُجَاوِزُ السماءَ حتى تصلَ إلى حضرة الله تعالى. المفاتيح في شرح المصابيح (3/131).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«يرفعُها الله» حال من «دعوة المظلوم» أي: يرفعُ الله دعوةَ المظلوم «فوقَ الغَمَام» قيل: هو السَّحَاب الأبيض فوق السماء السابعة. شرح المصابيح (3/80).

قوله: «ويَفْتَحُ لها أبوابَ السماء»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وتُفْتَحُ لها» أي: الدعوة يوم يدعونها، «أبواب السماء»؛ لتُرفع منها إلى العرش، وهذا يدل ظاهرًا على تجسُّم المعاني، إلا أن يقال: فتح الأبواب للمَلَكِ الحامِلِ لها. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 533).

قوله: «ويقول الرب -عز وجل-: بعزتي لَأَنْصُرَنَّك ولو بعد حين»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ويقول» الله تعالى للمظلوم حين دعاه: «بعِزَّتي» أي: أقسمتُ لك بعزتي وجلالي «لَأَنْصُرَنَّك» أيها المظلوم على ظالمك، وأَجْعَلَنَّكِ غالبًا عليه «ولو بعد حينٍ» ومدةٍ، فلا تستعجل في دعائك؛ فإنه مقبول عندي لا يُرَد، ولو تأخرت إجابته. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 305).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «ولو بعد حين» يدل على أنه سبحانه يُمْهِلُ الظالم ولا يُهْمِلُه. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 12).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
ويقول الربُّ جلَّ ذِكُره: «وعِزَّتي لأنصُرَنَّكَ» أيُّها المظلوم «ولو بعد حين» والحِين: يُستعمل لمطلقَ الوقت، ولستة أشهر، ولأربعين سنةً، والله أعلم بالمراد. شرح المصابيح (3/ 81).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فيقول الله: «وعزتي لَأَنْصُرَنَّك» أيها المظلوم «ولو بعد حين»، يعني: لا أُضَيعُ حقك، ولا أردُّ دعاءك، ولو مضى زمانٌ طويل؛ لأني حكيمٌ، لا أعجّل عقوبة العباد، فلعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى إرضاءِ الخصومِ والتوبة. المفاتيح في شرح المصابيح (3/131).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ويقول الرب -عز وجل-: بعزتي لَأَنْصُرَنَّك» بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة وفتح الكاف، أي: لأسْتَخْلِصَنَّ لك الحق ممن ظَلَمك، وفتح الكاف هو ما اقتصر عليه جمع؛ فإن كان الرواية فهو متعين، وإلا فلا مانع من الكسر، أي: لأستخلصنَّ لصاحبك، وتَجَسُّد المعاني وجَعْلها بحيث تعقل لا مانع منه.
«ولو بعد حين» أي: أمدٍ طويل، بل دل به سبحانه على أنه يُمهل الظالم ولا يُهْمِله {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ} الكهف: 58، وقد جاء في بعض الآثار أنه كان بين قوله: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} يونس: 89، وغَرَقِ فرعون أربعون عامًا، ووقوع العفو عن بعض أفراد الظَّلَمة يكون مع تعويض المظلوم فهو نصر أيضًا.
وفيه تحذير شديد من الظلم، وأن مَرَاتِعَه وخيمة ومصائبه عظيمة، قال:
نَامَتْ جُفُونُك والمظلوم منْتَبِهٌ *** يدعو عليك وعينُ اللهِ لم تَنَمِ
والحين: الزمان قلَّ أو كَثُرَ، والمراد هنا: الزمان المطلق نحو {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} ص: 88. فيض القدير (1/141).

ولمزيد من الفائدة ينظر:
- حديث: «ثلاثةٌ لا يَرُدُّ الله دعاءَهُمُ: الذَّاكِرُون الله كثيرًا، ودعوةُ المظلومِ، والإمامُ المقْسِطُ».
- حديث: «اتقوا دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمَامِ».|
- حديث: «اتقوا دعواتِ المظلومِ، فإنَّها تصعدُ إلى السماءِ كأنَّها شَرَارٌ».


إبلاغ عن خطأ