سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا دُبِغَ الإهَاب فقد طَهُر».
رواه مسلم برقم: (366)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (1895)، والترمذي برقم: (1728) والنسائي في الكبرى برقم: (4553) وابن ماجه برقم: (3609): «أيُّما إهاب دُبِغ فقد طَهُر».
صحيح الجامع برقم: (2711). وقال محققو مسند الإمام أحمد: إسناده صحيح.
مختصر شرح الحديث
حثَّت الشريعةُ على الانتفاع بما أباحه الله، وعدم إضاعة المال، ومن ذلك: الانتفاع بجلود الميتة بعد تطهيرها بالدِّباغ. وفي هذا الحديث يقول النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا دُبغ الإهاب فقد طَهُر»، وفي لفظ: «أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر»، والإهاب: الجِلد قبل أنْ يُدبغ، والدِّباغ: معالجة الجلد بالقَرَظ والملح والعَفْص والشَّب ونحوها؛ بما يُزيل ما فيه من الرطوبات والفضلات، ويمنع فسادهِ ونتنهِ.
وأمَّا ما ورد من النهي عن الانتفاع بجلد الميتة، فيُحمل على ما قبل الدباغ، ثم بيَّن النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أثرَ الدباغ، فقال: «فقد طَهُر»، أي: أنَّ جلد الميتة يَطهُر بالدباغ، فيجوز استعماله والانتفاع به في اليابسات والمائعات.
ودلَّ قوله: «أيُّما إهابٍ» على عموم الحُكم في جلود الحيوانات، سواءٌ كانت من مأكول اللحم أم من غيره، إلا الخنزيرَ؛ لنجاسته العينيَّة، والكلبَ قياسًا عليه.
وفي الحديث: نجاسةُ جلد الميتة، وطهارتُه بالدباغ، وفيه: بيانُ تيسير الشريعة، وعنايتُها بحفظ الأموال وعدم إهدار منافعها.
غريب الحديث
«دُبِغَ»:
الدِّباغَةُ: حِرفةُ الدَّبّاغِ، والدّبْغ: اسم ما يُدْبَغُ به، مثل العَفصِ والقَرَظِ ونحوه، ويقال: الدِّباغُ والدَّبْغ واحِدٌ. العين، للخليل بن أحمد (4/ 395).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
والدِّباغُ -أيضًا- والدِّبْغُ والدِّبْغَةُ، مَكْسُوراتٍ: اسمُ ما يُدبغ به، أي: يُصْلح ويُليَّن به مِن قَرَظٍ ونحوه، يُقال: الجِلد في الدِّباغ، والدِّباغة ككِتَابَةٍ: حِرْفة الدَّبّاغ. تاج العروس (22/ 463).
«الإهَاب»:
الإهاب: وهو كلُّ جِلد، وقال قوم: هو الجِلد قبل أن يُدبَغ. مجمل اللغة، لابن فارس (ص105).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قال النَّضر بن شُمَيْل: لا يُقال للجلد: إهَاب بعد دَبْغه، إنَّما يُقال قبل الدبغ، وإنَّما يُقال: إهَاب الْجلد ما يُؤْكَل لحمه. غريب الحديث (1/ 48).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إذا دُبِغَ الإهَاب»، وفي لفظ أحمد: «أيُّما إهاب دُبِغ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إذا دُبغ الإهاب» بِزِنَة كِتاب، هو الجلد...، أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وعند الأربعة، وهم أهل السُّنن: «أيُّما إهاب دُبغ» تمامه: «فقد طَهُر» والحديث أخرجه الخمسة وإنما اختلف لفظه، والحديث قد رُوي بألفاظ، وذُكِر له سبب؛ وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بشاةٍ ميتة لميمونة فقال: «أَلَا استمتعتم بإهابها؛ فإن دباغ الأديم طَهُور» وروى البخاري من حديث سودة قالت: «ماتت لنا شاة فَدَبَغْنا مَسْكها (جلدها)، ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شَنًّا». سبل السلام (1/138، 139).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والدِّباغة: معاناة الجلد بما يُصلحه، من نحو الشَّبِّ، والقَرَظِ والعَفْصِ، والملح، بما ينشف رطوبته ويذهب فضلاته ويليِّنه.
وأكثر ما يدور في ألسنة الفقهاء وغيرهم، الشَّث -بثاء مثلثة- وكذا ذكره الجوهري في الصحاح، فإنه قال -في فصل الشين من باب الثاء-: و"الشَّث": نبتٌ طَيِّبُ الريح، مُر الطعم، يُدبغ به...، وقال في كتاب "لغة الفقه" -في باب ما يفسد الماء-: عند دخول القَرَظ والشَّب: فأما القَرَظ: فهو ورق السّلم، نَبْتٌ بنواحي تهامة، يُدبغ به الجلود، يقال: أديم مقروظ، والذي يَجني القَرَظ يسمى قارظًا، والذي يبيعه يسمى قرَّاظًا.
وأما الشَّب: فهو من الجواهر التي أنبتها اللَّه -عز وجل- في الأرض، يُدبغ به، شِبه الزَّاج، والسماع: الشب -بالباء- قال: وقد صحَّفه بعضهم فقال: الشَّب، والشّث: شجر مر الطعم، ولا أدري أيُدبغ به أم لا. الشافي (1/122، 123).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«الإهاب»: الجلد، ويُجمع على الأُهُب، وزَعَم قوم أن جِلد ما لا يؤكل لا يسمى إهابًا. معالم السنن (4/ 200).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«إذا دُبغ الإهاب» هو ما لم يكن طاهرًا من الأُهُب كجلود الميتات، وما لم تعمل فيه الذكاة من الدواب والسباع؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ للتطهير. شرح صحيح البخاري (5/441، 442).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ومعلوم أن المقصود بهذا الحديث ما لم يكن طاهرًا من الأُهُب؛ كجلود الميتات، وما لا تعمل فيه الذكاة من السباع عند مَن حرمها؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ للتطهير، ومستحيل أن يقال في الجلد الطاهر: إنه إذا دُبغ فقد طَهُر، وهذا يكاد عِلْمه يكون ضرورة. التمهيد (3/ 253).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف أهل اللغة في الإهاب: فقيل: هو الجلد مطلقًا، وقيل: هو الجلد قبل الدباغ، فأما بعده فلا يُسمَّى إهابًا، وجمعه أُهُب، بفتح الهمزة والهاء، وبضمهما لغتان. شرح صحيح مسلم (4/ 54).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
سُمِّي إهابًا؛ لأنها أُهْبة للحيِّ وبناء للحماية على جسده، كما قيل له: "مَسْك"؛ لإمساكه ما وراءه، وهذا كلام قد سلك فيه مسلك التمثيل. الكاشف (3/837، 838).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا دُبغ الإهاب» بالماء والقَرَظ...، وقد يُؤخذ منه أنه لا يفتقر في الدباغ فعل فاعل، فلو أطارت الريح جلد ميتة فوقع في مدبغة طَهُرَ. شرح سنن أبي داود (16/ 406).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
قال أبو الحسن النضر بن شميل...: إنما يُسمى الجلد إهابًا ما لم يُدبغ، فإذا دُبِغ سُمي شَنًّا وقِربة، وقال بعضهم: هو الجلد مطلقًا، وهذا الإطلاق هو الذي يدل عليه قول أكثر الفقهاء في حديث: «إذا دُبغ الإهاب فقد طهر» وما في معناه. شرح سنن أبي داود (16/ 415).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قال الشمني: الإهاب: الجلد قبل الدباغ، وأما بعده فيُسمَّى أديمًا، واشتقاقه من الأُهبة بالضم بمعنى: العُدة، والدّبغ والدِّباغ: إصلاح الجلد بما يمنع النَّتن والفساد، كالقَرَظ والعفص والتشميس والإبقاء في الحر، لا بمجرد التجفيف. لمعات التنقيح (2/ 230).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«أيّما إهاب دُبِغ فقد طَهُر» وفيه دليل على أن الدِّباغ يُطهِّر جلد ميتة كل حيوان من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره؛ لعموم كلمة: «أيّما»؛ ولأن لفظ الإهاب بعمومه يشمل جلد مأكول اللحم وغيره، واستُثْني منه الخنزير؛ لنجاسة عينة؛ لقوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} الأنعام:145، والضمير للخنزير فقط، حُكِم بِرجسيَّتة كله، والكلب مَقِيس عليه بجامع النجاسة. مرعاة المفاتيح (2/ 198).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
و«الإهاب»: هنا اسم جنس محلَّى بـ"أل" فيكون للعموم، ويؤيد العموم اللفظ الذي ذكره عند الأربعة: «أيما إهاب دُبغ فقد طَهُرَ» ووجه ذلك -أنه يؤيد العموم-: أن «أيما إهاب» أداة شرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، إذن: أيُّ إهاب دُبغ فإنه يطهر، وكذلك -أيضًا- «دباغ جلود الميتة طهورها» يدل على أن الميتة إذا أُخِذت جلودها ودُبِغت فإنها تطهر.
وحديث ميمونة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بشاة يجرونها فقال: «لو أخذتم إهابها» فقالوا: إنها ميتة، فقال: «يطهِّرها الماء والقَرَظ»، القَرَظ: حَبٌّ ينبت في الأثل ونحوه يُدبغ به، فقال: «يطهرها الماء والقَرَظ»، وهذه يعرفها الدَّبَّاغُون. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 124).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واختلف الفقهاء في الدِّباغ الذي يطهَّر به جلود الميتة، ما هو؟
فقال أصحاب مالك، وهو المشهور من مذهبه: كل شيء دُبغ به الجلد من ملح، أو قَرَظ، أو شَبٍّ، أو غير ذلك، فقد جاز الانتفاع به، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه: إن كل شيء دُبغ به جلد الميتة، فأزال شَعره ورائحته، وذهب بدَسَمِه ونشَّفه، فقد طَهَّرَهُ، وهو بذلك الدِّباغ طاهر، وهو قول داود.
وذكر ابن وهب، قال: قال يحيى بن سعيد: ما دُبغت به الجلود من دقيق، أو قَرَظ، أو ملح، فهو لها طهور.
وللشافعي في هذه المسألة قولان: أحدهما هذا، والآخر أنه لا يُطهِّره إلَّا الشَّب، أو القَرَظ؛ لأنه الدِّباغ المعهود على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي خرج عليه الخطاب، والله الموفق. التمهيد (3/ 281).
قوله: «فقد طَهُر»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
معنى طهارته بالدِّباغ: أن إزالة الأوساخ بدبغه مجزئ عن غسله بالماء. الإفصاح (3/ 252).
وقال النووي -رحمه الله-:
يقال: طَهُر الشيء وطَهَر بفتح الهاء وضمها لغتان، والفتح أفصح، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (4/ 54).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقد طهر»...، فيه حجة لمذهب الجمهور أن جلد الميتة يطهر بالدباغ ظاهره وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة. شرح سنن أبي داود (16/ 406).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وفي قوله -صلى الله عليه وسلم«: «إذا دُبغ الإهاب فقد طهر» نَصٌّ ودليل، فالنص منه: طهارة الإهاب بالدباغ، والدليل منه أن كلَّ إهاب لم يُدبغ فليس بطاهر، وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس، والنَّجِس مُحرَّم، وإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديث («هلَّا استمتعتم بإهابها؟») مبيِّنًا لحديث ابن عباس، وبَطَل بنصه قول من قال: إن جلد الميتة لا يُنتفع به بعد الدباغ، وهو قول أحمد وما ضَارَعَه، وبطل بالدليل منه قول من قال: إن جلد الميتة إن لم يُدبغ ينتفع به، وهو قول الزهري، قال أبو عبد الله المروزي: وما علمتُ أحدًا قال هذا القول بعد الزهري...، قال ابن القَصَّار: وإنما اعتمد الزهري في ذلك على روايته في حديث ابن عباس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما على أهلها لو أخذوا إهابها فانتفعوا به» ولم يذكر «فدبغوه» قال: فدل أنه يجوز الانتفاع به قبل الدباغ، فيقال: قد روى عنه ابن عيينة والأوزاعي وغيرهم الحديث، وقالوا فيه: «فدبغوه وانتفعوا به»، فإذا كان الزهري الراوي للحديثين أخذنا بالزائد منهما، ومن أثبتَ شيئًا حُجَّة على مَن قصر عنه ولم يحفظه.
وأيضًا فإن الدِّباغ قد جاء من طرق متواترة عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. شرح صحيح البخاري (5/ 442).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«فقد طَهر» تصريح بطهارته بعد الدباغ، والطهارة على ضربين:
طهارة ترفع النجاسة جملة، وتُعيد العين طاهرة، كتخلُّل الخمر.
وطهارة تُبيح الانتفاع بالعين، وإن لم ترفع حكم النجاسة، كتطهير الدِّباغِ جلدَ الميتة على المشهور من مذهب مالك، ويجري ذلك مجرى الوضوء في رفع الحدث، والتيمم في استباحة الصلاة مع بقاء الحدث، فأما تطهير الدباغ جلد الميتة بمعنى الانتفاع به مع بقاء نجاسته فمما لا خلاف فيه نعلمه في المذهب (المالكي)، قال الشيخ أبو القاسم: جلد الميتة قبل الدباغ نجس، وبعده طاهر طهارة مخصوصة، يجوز بها استعماله في اليابسات وفي الماء وحده من المائعات.
وأما تطهيره إياه بمعنى رفع نجاسته جملة وإعادة طهارته، فقد اختلف العلماء فيه، فروي عن مالك أنه لا يطهر بالدباغ، ومعنى ذلك: الطهارة التي تدفع النجاسة.
وروى شيوخنا العراقيون عن مالك رواية أخرى: أنها تطهر بالدباغ إلا جلد الخنزير، وهو قول ابن وهب وابن حنبل وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واستدل أصحابنا في ذلك بما روي عن عبد الله بن عكيم أنه قال: «قرئ علينا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب» وهذا الحديث لا يصح احتجاجنا به؛ لأنَّا لا نمنع الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ، وهم لا يخالفونا في الذي لا يجوز الانتفاع به قبل الدباغ. المنتقى (3/ 134).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
واختلف الناس في جلد الميتة، فقال أحمد بن حنبل: لا ينتفع به، وأجاز ابن شهاب الانتفاع به.
والجمهور على منع الانتفاع به قبل الدباغ، ويختلفون في الجِلد الذي يؤثِّر فيه الدباغ: فعند أبي يوسف وداود: يؤثر في سائر الجلود حتى الخنزير.
ومذهبنا (المالكي) ومذهب أبي حنيفة والشافعي هكذا، إلا أننا وأبا حنيفة نستثني الخنزير، ويزيد الشافعي فيستثني الكلب، واستثنى الأوزاعي وأبو ثور جلد ما لا يؤكل لحمه.
واتفق كلُّ مَن رأى الدِّباغ مؤثِّرًا أنه يؤثر في إثبات الطهارة الكاملة سوى مالك، في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه مَنَع أن يؤثر الطهارة الكاملة، وإنما يؤثر في اليابسات، وفي الماء وحده من بين سائر المائعات، وأبقى الماء في نفسه خاصة، وسبب الخلاف في هذا الباب هل هو يخصص عموم القرآن بالسنة أم لا؟. المفهم (1/ 609).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
لا يختلف المذهب في نجاسة جلد الميتة قبل الدّبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه، وأمَّا بعد الدّبغ فالمشهور في المذهب أنه نجس -أيضًا-، وهو إحدى الروايتين عن مالك، ويُروى ذلك عن عمر وابنه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، وعمران بن حصين، وعائشة -رضي الله عنهم-.
وعن أحمد رواية أخرى: أنه يطهر منها جلد ما كان طاهرًا في حال الحياة، ورُوي نحو هذا عن عطاء، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة ويحيى الأنصاري، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، والليث، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة -رضي الله عنهم-، مع اختلافهم فيما هو طاهر في الحياة، وهو مذهب الشافعي، وهو يرى طهارة الحيوانات كلها، إلا الكلب والخنزير، فيطهر عنده كل جلد إلا جلدهما، وله في جلد الآدمي وجهان.
وقال أبو حنيفة: يطهر كل جلد بالدبغ، إلا جلد الخنزير.
وحُكي عن أبي يوسف: أنه يطهر كل جلد، وهو رواية عن مالك، ومذهب من حكم بطهارة الحيوانات كلها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دُبغ الإهاب فقد طهر» متفق عليه؛ ولأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجد شاة ميتة أُعطِيَتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هلا انتفعتم بجلدها؟» قالوا: إنها ميتة، قال: «إنما حرم أكلها» وفى لفظ: «أَلَا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» متفق عليه؛ ولأنه إنما نجس باتصال الدماء والرطوبات به بالموت، والدبغ يزيل ذلك، فيرتد الجلد إلى ما كان عليه في حال الحياة.
ولنا: ما روى عبد الله بن عكيم، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى جهينة: «إني كنت رخَّصت لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب» رواه أبو داود في سننه، والإمام أحمد في مسنده...، وفي لفظ: «أتانا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته بشهر أو شهرين»، وهو ناسخ لما قبله؛ لأنه في آخر عمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولفظه دال على سبق الترخيص، وأنه متأخر عنه؛ لقوله: «كنت رخَّصت لكم» وإنما يؤخذ بالآخر...، فإن قيل: هذا مرسل؛ لأنه من كتاب لا يُعرف حامله، قلنا: كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلفظه، ولولا ذلك لم يكتب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أحد، وقد كتب إلى ملوك الأطراف، وإلى غيرهم فلزمتهم الحجة به، وحصل له البلاغ، ولو لم يكن حجة لم تلزمهم الإجابة، ولا حصل به بلاغ، ولكان لهم عذر في ترك الإجابة؛ لجهلهم بحامل الكتاب وعدالته...، ولأنه جزء مِن الميتة، فكان محرَّمًا؛ لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} المائدة:3، فلم يطهر بالدبغ كاللحم؛ ولأنه حرم بالموت، فكان نجسًا كما قبل الدبغ. المغني (1/89- 91).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في دباغ جلود الميتة وطهارتها بالدباغ على سبعة مذاهب:
أحدها: مذهب الشافعي، أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة، إلَّا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره.
ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما-.
والمذهب الثاني: لا يطهر شيء من الجلود بالدِّباغ، وروي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة -رضي الله عنهم-، وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك.
والمذهب الثالث: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه.
والمذهب الرابع: يطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة.
والمذهب الخامس: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، ويُستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلَّى عليه لا فيه، وهذا مذهب مالك، المشهور في حكاية أصحابه عنه.
والمذهب السادس: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر، وحُكي عن أبي يوسف.
والمذهب السابع: أنه يُنتفَع بجلود الميتة وإن لم تُدبَغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو مذهب الزهري، وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا لا تفريع عليه ولا التفات إليه. شرح صحيح مسلم (4/ 54)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث: أنَّ ظاهره أنَّ أيَّ إهاب دُبِغ فقد طهر حتى لو كان إهاب كلب، ولكن الراجح: أن هذا العموم يكون عمومًا معنويًّا على حَسَب الوصف الذي ورد عليه فلا يخص بذلك الجِلد، أي: جلد الشاة المعينة، فالعموم نوعان: عموم لكل جلد، وعموم في جلد مقيّد لصفة، فهنا «إذا دُبِغ الإهاب» ما دمنا عرفنا أن سبب ذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بشاة يجرُّونها، فمعلوم أن الشاة مما تحله الذكاة، فيكون المراد إذا دبغ الإهاب الذي من جنس الشاة فقد طهر.
فإذا قال قائل: كيف تُخَصِّصون الجلد أو النوع واللفظ عام؟
قلنا: نظيره أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا قد ظُلِّلَ عليه وزحامًا حوله، وكان في سفر فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، قال: «ليس من البر الصيام في السفر» أي: ليس من البر الصيام في السفر فيمن كان حاله كهذا الرجل...
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أن النجاسة يُراد إزالتها بأي مزيل، ولذلك لم يجعل النبي -عليه الصلاة والسلام- أداة للتطهير في الجلد - جلد الميتة- إلا الدباغ، فلو أنك غسلته بماء البحر لم يطهر حتى يدبغ؛ لماذا؟ لأن النجاسة لا تزول إلا بهذا، فعلم من ذلك: أن المقصود بالتطهير من النجاسات هو إزالتها بأي سبب، يتفرع على هذه الفائدة ما يوجد الآن من غسيل الثياب في الأبخرة كثياب الصوف، فإذا غسلتها بالبخار وزالت النجاسة تطهر، وهذا هو ما دلت عليه السنة، وهو أيضًا ما دل عليه النظر؛ حيث إن النجاسة عين خبيثة متى وُجدت فحكمها باق، ومتى زالت فحكمها زائل. فتح ذي الجلال والإكرام (1/127، 128).
وقال الشيخ البراك -حفظه الله-:
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
1 - نجاسة جلد الميتة؛ لقوله: «فَقَدْ طَهُرَ»، فهذا يدلُّ على أنَّه قبل الدَّبغ نجسٌ.
2 - نجاسة الميتة.
3 - أنَّ الأصل تحريم جميع أعضاء الميتة إلَّا ما خصَّه الدَّليل.
4 - طهارة جلد الميتة إذا دُبِغ. الجامع لفوائد بلوغ المرام (1/ 42).
وينظر حديث: «هلَّا أَخذْتُمْ إِهابها فدَبغْتُمُوهُ فانْتَفَعْتُمْ بهِ...»