الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«أنَّ نبيَّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك دَعا بماء مِن عند امرأةٍ، قالت: ما عندي إلَّا في قِرْبة لِيْ مَيْتة، قال: أليس قد دَبَغْتِهَا؟ قالت: بلى، قال: فإنَّ دِباغَها ذَكاتُها».


رواه أحمد برقم: (20071)، وأبو داود برقم: (4125)، والنسائي برقم: (4243) واللفظ له، من حديث سلمة بن الْمُحَبِّق -رضي الله عنه-.
ولفظ أبي داود: «أتى على بيتٍ، فإذا قِرْبةٌ معلَّقةٌ، فسأل الماءَ..»، وهو عند أحمد برقم: (20061).
ولفظ أبي داود: «دِباغَها طُهُورُها».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (15909): «دِباغُهَا طُهُورُها أو ذكاتُها».
وفي رواية عند الدارقطني برقم: (124)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: (67)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «طُهُور كُلِّ أَدِيمٍ دِباغُه».
صحيح الجامع برقم: (3934)، صحيح سنن النسائي برقم: (3957) (3958)، وقال محققو مسند الإمام أحمد: صحيح لغيره.


مختصر شرح الحديث


جاءت الشريعةُ بالحثِّ على الطهارة، وبيَّنت ما تُطهَّر به الأشياءُ بحسب أحوالها، ومن ذلك تطهيرُ جلود الميتة بالدِّباغ. وفي هذا الحديث يروي الصحابيُّ الجليل سلمةُ بنُ المحبَّق -رضي الله عنه- «أنَّ نبيَّ الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك دعا بماءٍ من عند امرأة»، أي: طلب ماءً. وفي لفظٍ عند أحمد وأبي داود: «أتى على بيتٍ، فإذا قِرْبةٌ معلَّقةٌ، فسأل الماءَ».
وغزوةُ تبوك هي آخرُ غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكانت في السنة التاسعة من الهجرة، في وقت شدَّةٍ وعُسرةٍ وحرٍّ شديد، ولم يقع فيها قتال، وتبوكُ موضعٌ بين الشام ووادي القُرى. والقِرْبةُ: وعاءٌ من جلدٍ يُحفظ فيه الماء.
ثم بيَّنت المرأةُ سبب عدم إحضارها الماء، فقالت: «ما عندي إلا في قِربةٍ لي ميتةٍ»، أي: ليس عندها ماءٌ إلا في قِربة مصنوعةٍ من جلد حيوانٍ مات من غير تذكية شرعية. ولمَّا كان جلدُ الميتة نجسًا قبل الدباغ، سألها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن حاله، فقال: «أليس قد دبَغْتِها؟ قالت: بلى»، الدباغُ هو معالجة الجلد بما يُزِيل فَضَلاته وفساده، ويمنع تغيُّره، كالقَرَظ والشَّبِّ والعَفْص ونحو ذلك. فلمَّا أخبرته بدباغها، بيَّن لها حكمها، فقال: «فإنَّ دباغها ذكاتها»، وفي رواية: «دباغها طَهورها»، أي: أنَّ الدباغ للجلد بمنزلة الذكاة للحيوان؛ فكما أنَّ الحيوان المأكول تحلُّه الذكاة، فكذلك جلدُ الميتة يُطهِّره الدباغ، ويجعل الانتفاعَ به جائزًا. وإذا ثبتت طهارةُ الجلد بالدباغ، جاز الانتفاع به واستعماله في المائعات واليابسات.
وفي الحديث: مشروعيةُ دباغ جلود الميتة، وأنَّه سببٌ في تطهيرها وجواز استعماله، وفيه: الاستفصال عمَّا يترتب عليه الحُكم. وفيه: جوازُ سؤال الناس عند الحاجة.


غريب الحديث


«قِرْبة»:
‌القِرْبَة: ما يُستقى فيه الماء، والجمع في أدنى العَدد: قِرَبَات وقِرْبَات وقِرِباتٌ. الصحاح، للجوهري(1/ 199).

«دِباغها»:
الدِّباغ: ما يُدبغ به الأَدِيم، والدَّبغ المصدر، يقال: دَبَغَ الدَّبَّاغ الجِلْدَ يَدْبَغه دَبْغًا، والدِّباغة: حِرْفَة الدَّبَّاغِ. تهذيب اللغة، للأزهري (8/ 94).
وقال ابن المبرد -رحمه الله-:
والدِّباغُ: ما يُدْبَغ به، يقال: الجِلد في الدِّباغ، وكذلك: الدِّبْغُ والدِّبْغَةُ بكسرهما. الدر النقي (2/ 63).

«ذَكاتُها»:
«الذَّكاة»: الذَّبْح. غريب الحديث، للخطابي (3/ 631).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الذَّكَاة: الاسم مِن ذَكَّى إذا ذَبَحَ. شمس العلوم (4/ 2279).

«أديم»:
الْأَدِيم والأَدَم: وهو الْجلد بكسر الدَّال، وَجمعه أَدَم بفتحها. مشارق الأنوار للقاضي عياض (1/ 24).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ نبيَّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك دعا بماء مِن عند امرأة»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
غزوة ‌تبوك: سمَّاها الرب تعالى بالعُسْرة. التوضيح (26/ 542).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
غزوة ‌تبوك: وهي آخر الغزوات النبوية. فتح الباري (7/ 518).
وقال العيني -رحمه الله-:
وغزوة ‌تبوك: تُسمَّى العُسرة والفاضحة، وكانت في رجب يوم الخميس سنة تسع، وقال ابن التين: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول يوم من رجب إليها، ورجع في سَلْخِ شوال، وقيل: في شهر رمضان...، وكانت في شدة الحَرِّ وإقبال الثمار، ولم يكن فيها قتال، ولم تكن غزوة إلَّا وَرَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها إلا غزوة تبوك. عمدة القاري (9/ 65).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«تبوك»: موضع بين الشام ووادي القُرى، والمشهور فيه عدم الصرف؛ للعَلَمِية والتأنيث باعتبار البقعة، ومَن صَرَفَها أراد الموضع. مرعاة المفاتيح (2/ 207).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«دعا بماء» أي: طلبه. ذخيرة العقبى (33/ 30).

قوله: «قالت: ما عندي إلَّا في قِرْبة لِيْ مَيْتة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالت» تلك المرأة التي طلب منها الماء، ولفظ "الكبرى": «فقالت» «ما عندي إلَّا في قِرْبة لِي، ميتة» صفة لـ«قِربة» على حذف مضاف: أي: جلد ميتة، والمعنى: أن تلك القِرْبة من جلد شاة ميتة. ذخيرة العقبى (33/ 30).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«ميتة» أي: جلد ميتة دُبِغ. مرعاة المفاتيح (2/ 207).

قوله: «قال: أليس قد دَبَغْتِهَا؟ قالت: بلى»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أليس قد دَبَغتِها؟ قالت» المرأة: «بلى» قد دَبَغتُها. ذخيرة العقبى (33/ 30).
وقال العيني -رحمه الله-:
يقال: دَبغَ إهابه يَدْبُغُه ويَدْبَغه -بضم عين الفعل وفتحها- دَبْغًا ودِباغةً ودِباغًا، إذا أزال فساده بشيء كالقَرْظ والشَّبِّ والعَفْصِ، ونحو ذلك، أو بإلقائه في الشمس، أو تعليقه في الهواء، أو بتتريبه ونحو ذلك، فالأول: دباغ حقيقي، والثاني: حُكمي، فكلاهما يجوز عند أصحابنا (الحنفية) على ما بُيِّن في الفروع. نخب الأفكار (7/ 169).
وقال النووي -رحمه الله-:
يجوز الدِّباغ بكل شيء ينشِّف فضلات الجِلد ويطيِّبُه، ويمنع مِن ورود الفساد عليه، وذلك كالشَّت والشَّب والقَرْظ وقُشور الرُّمَّان، وما أشبه ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالتَّشميس عندنا (الشافعية)، وقال أصحاب أبي حنيفة: يحصل.
ولا يحصل عندنا بالتراب والرَّماد والملح على الأصح في الجميع.
وهل يحصل بالأدوية النَّجسة، كذَرْقِ الحَمَام، والشَّب المتنجِّس؟
فيه وجهان: أصحهما عند الأصحاب: حصوله، ويجب غَسله بعد الفراغ من الدِّباغ بلا خلاف.
ولو كان دَبَغَه بطاهر، فهل يحتاج إلى غَسله بعد الفراغ؟ فيه وجهان.
وهل يُحتاج إلى استعمال الماء في أول الدِّباغ؟ فيه وجهان. شرح صحيح مسلم (4/ 55).

قوله: «قال: فإنَّ دِباغَها ذَكاتُها» وفي لفظ: «دِباغَها طُهُورُها»، وفي لفظ: «دِباغُها طهُورُها أو ذَكاتُها»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «دباغَها ذَكاتها» استَدَل بهذا مَن قال: إنه يطهُر بالدَّبغ جلد ميتة المأكول فقط. وقد تقدم الجواب عليه (وذلك بقوله: وهذا إن سَلِم لا ينفي ما استُفيد من الأحاديث العامة للمأكول وغيره، وقد تقرَّر في الأصول أن العام لا يُقْصَر على سببه، فلا يصح تمسكهم بكون السبب شاة ميمونة. نيل الأوطار (1/ 287)
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«دباغ جلود الميتة طهورها» صححه ابن حبان، أي: أخرجه وصححه، وقد أخرجه غيره بألفاظ...: «دباغ الأديم ذكاته»، وفي لفظ: «دباغها ذكاتها»، وفي أخرى: «دباغها طهورها»، وفي لفظ: «ذكاتها دباغها» وفي لفظ: «ذكاة الأديم دباغه»، وفي الباب أحاديث بمعناه، وهو يدل على ما دل عليه حديث ابن عباس، وفي تشبيهه الدباغ بالذكاة إعلام بأن الدباغ في التطهير بمنزلة تذكية الشاة في الإحلال؛ لأن الذَّبح يُطهِّرها، ويُحِل أكلها. سبل السلام (1/144، 145).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«دباغها ذَكاتها» بفتح الذال المعجمة، وهي: الذَّبح، والمراد هنا: التطهير؛ لأن الذَّبح يُطهِّر المذبوح ويُحِلُّ أكْلُه. مرعاة المفاتيح (2/ 208).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- أيضًا:
«دِبَاغها» بكسر الدال «طهُورها» بفتح الطَّاء وتُضَم، أي: مُطهِّرها أو طَهارتُها. مرعاة المفاتيح (2/ 208).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«دباغها طهورها» وهذا يدل على بطلان قول من زعم أن إهاب الميتة إذا مسَّه الماء بعد الدِّباغ نَجُس، وتُبيِّنُ له أنه طاهر، ‌كطهارة المُذكَّى، وأنه إذا بُسِط فَصُلِّيَ عليه أو خُرِز منه خُفٌّ فَصُلِّي فيه جاز. معالم السنن (4/ 201)
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«دباغها طَهورها» بفتح الطاء، فيه دليل على أن الدِّباغ يؤثِّر في طَهارة الجِلد؛ لوضع الماء فيه، وقد اتفق كلُّ من رأى أن الدِّباغ مؤثِّر أنه يؤثِّر في إثبات الطهارة الكاملة، سوى مالك في إحدى الروايتين عنه، فإنه مَنَعَ أن تُؤثِّر الطهارة الكاملة، وإنَّما تُؤثِّر في اليابسات، وفي الماء وحده من بين سائر المائعات، وإبقاء الماء في خاصة نفسه على الطهارة. شرح سنن أبي داود (16/ 408).

قوله في رواية الدارقطني، والبيهقي، من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «طهُور كُلِّ أديم دِباغُه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«‌طَهُور ‌كل ‌أديم» أي مُطَهِّر كلِّ جِلْد ميتة نجس بالموت «دباغه»، فيه ردٌّ على من قال لا يطهر جلد الميتة بالدباغ. التيسير (2/ 117).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «دباغ الأديم ذكاته» (كما في لفظ) ونحوه، يريد: أن الدِّباغ في التطهير بمنزلة تذكية الشاة في الإِحلال؛ لأنَّ الذَّبح يُطهِّرها ويُحِل أَكْلَها، فهو من باب التَّشبيه البليغ، أو الاستعارة. البدر التمام (1/ 143).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث دليل على أن الطَّهور: المطَهِّر. شرح مسند الشافعي (1/ 103).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«طَهُور ‌كل ‌أديم» بفتح الطاء لا غير؛ للإخبار عنه بقوله: «دباغه» فإنه ظاهر في إرادة المطهِّر لا الفعل، وهذا العموم قاض بعموم الحكم لجلود الميتة، وما لا يؤكل حتى الكلب والخنزير. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 143) .
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ذهب (قوم) إلى أن الدِّباغ لا يَعمل من الميتة إلَّا في الجنس المأكول اللحم، وهو قول الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأبي ثور.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي إلى أن جِلد الميتة مما يؤكل لحمه ومما لا يؤكل يطهر بالدِّباغ، إلَّا أن أبا حنيفة وأصحابه استثنوا منها جلد الخنزير، واستثنى الشافعي مع الخنزير جلد الكلب، وكان مالك يَكْرَهُ الصلاة في جلود السباع وإن دُبِغت، ويرى الانتفاع بها، ويمتنع من بيعها.
وعند الشافعي: بيعها والانتفاع بها على جميع الوجوه جائز؛ لأنها طاهرة. معالم السنن (4/200، 201).
وقال المازري -رحمه الله-:
وَرَدَ في جلد الميتة أحاديث مختلفة، واختلف الناس -أيضًا- في جلد الميتة:
فقال أحمد بن حنبل: ‌لا ‌يُنتفع ‌به.
وأجاز ابن شهاب الانتفاع به.
والجمهور على مَنْع الانتفاع به قبل الدباغ، ومختلفون في الجلد الذي يؤثر فيه الدباغ: فعند أبي يوسف وداود أنه يؤثر في سائر الجلود حتى الخنزير.
ومذهبنا (المالكي) ومذهب أبي حنيفة والشافعي هكذا، إلا أنَّنا وأبا حنيفة والشافعي نستثني الخنزير، ويزيد الشافعي في استثنائه الكلب، وألحق الأوزاعي وأبو ثور بهذا الذي استثناه جلد ما لا يؤكل لحمه.
واتفق كلُّ مَن رأى الدِّباغ مؤثِّرًا في جواز الانتفاع على أنه يؤثر في إثبات الطهارة الكاملة، سوى مالك في إحدى الروايتين عنه فإنه منع أن تؤثر الطهارة الكاملة، وهذا يجب أن يُعتبر فيه قوله سبحانه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} المائدة:3، فإن سُلِّم أن الجلد حيٌّ دخل في هذا الظاهر، وكان ما يورد من الأحاديث بتخصيصه تخصيصًا لعموم القرآن بأخبار الآحاد، وفي ذلك اختلاف بين أهل الأصول، والخلاف المتقدم كله يدور على خبرين متعارضين: ما الذي يُستعمل منهما؟ والمستعمَل منهما ما مقتضاه؟
فأخذ ابن حنبل بقوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصَب».
وأخذ الجمهور بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دُبغَ الإهاب فقد طَهُرَ» وهذا الحديث خاص، والعام يُردّ إلى الخاص، ويكون الخاص بيانًا له.
وقال بعض هؤلاء: الحديث خرج على سبب وهو شاة ميمونة -رضي الله عنها-، والعموم إذا خرج على سبب قُصِر عليه عند بعض أهل العلم، وأُلحِق بهذا السبب البقرة والبعير وشِبه ذلك؛ للاتفاق على أن حكم ذلك حكم الشاة.
وقال بعضهم: بل يتعدَّى ويَعُم بحكم مقتضى اللفظ، ويجب حمْله على العموم في كل شيء حتى الخنزير.
وقال بعضهم: فإن العموم يُخصُّ بالعادة، ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير حتى تموت فيدبغوا جلودها.
قال بعضهم: ولا الكلب -أيضًا-، لم يكن من عادتهم استعمال جلده.
وقال بعضهم: بل يُحْصَر هذا العموم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «دباغ الأديم ذكاته» فأحلَّ الذكاة محل الدباغ، فوجب ألا يؤثر الدباغ إلا فيما تُؤثِّر فيه الذَّكاة، والذكاة إنما تؤثر عند هؤلاء فيما يُستباح لحمه؛ لأن قصد الشرع بها استباحة اللحم، فإذا لم يستبح اللحم لم تصح الذكاة، وإذا لم تصح الذكاة لم يصح الدباغ المشبه به.
وقد أشار بعض من انتصر لمالك إلى سلوك هذه الطريقة فرأى أن التحريم تأكَّد في الخنزير، واختُصَّ بنص القرآن عليه، فلهذا لم تعمل الذكاة فيه، فلمَّا تَقَاصر عنه في التحريم ما سواه لم يلحق به في تأثير الدِّباغ.
وقد سلك هذه الطريقة أيضًا أصحاب الشافعي ورأوا أن الكلب خُصَّ في الشرع بتغليظ لم يَرِد فيما سواه من الحيوان فأُلحِق بالخنزير.
وأما الأوَّلون الذين ذكرنا مخالفتهم لهؤلاء في الأخذ بالظاهر فإنهم أيضًا يخالفونهم في المعنى، ويَرَون أن الدباغ أُنزِل في الشَّرع منزلة الحياة لَمَّا كان يحفظ الجلد من التغيير والاستحالة كما تحفظه الحياة.
وأما ابن شهاب فتعلَّق بحديث لم يشترط فيه الدباغ، وقد رواه مقيَّدًا، ولعلَّه نسي ما رواه. المعلم بفوائد مسلم (1/381- 383).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في دباغ جلود الميتة وطهارتها بالدباغ على سبعة مذاهب:
أحدها: مذهب الشافعي، أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة، إلَّا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره.
ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما-.
والمذهب الثاني: لا يطهر شيء من الجلود بالدِّباغ، وروي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة -رضي الله عنهم-، وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك.
والمذهب الثالث: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه.
والمذهب الرابع: يطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة.
والمذهب الخامس: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، ويُستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلَّى عليه لا فيه، وهذا مذهب مالك، المشهور في حكاية أصحابه عنه.
والمذهب السادس: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر، وحُكي عن أبي يوسف.
والمذهب السابع: أنه يُنتفَع بجلود الميتة وإن لم تُدبَغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو مذهب الزهري، وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا لا تفريع عليه ولا التفات إليه. شرح صحيح مسلم (4/ 54).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- بعد أن نَقَل أقوال العلماء:
ومأخَذ التَّردُّد: أن الدِّباغ هل هو كالحياة؛ فيُطهِّر ما كان طاهرًا في الحياة، أو هو كالذَّكاة فيطهِّر ما طَهُر بالذَّكاة؟
والثاني: أرجح، ودليل ذلك: نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن جلود السباع، كما رُوي عن أسامة بن عمير الذهلي: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن جلود السباع» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، زاد الترمذي: «أن تُفْرَش»، وعن خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معدي كرب على معاوية فقال: «أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم» رواه أبو داود والنسائي، وهذا لفظه، وعن أبي ريحانة: «نَهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ركوب النمور» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وروى أبو داود والنسائي عن معاوية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تصحب الملائكة رُفقة فيها جلد نمر» رواه أبو داود، وفي هذا القول جمع بين الأحاديث كلها، والله أعلم. مجموع الفتاوى (21/95، 96).
وقال الشرنبلالي -رحمه الله-:
يَطْهُرُ ‌جلد ‌الميتة بالدباغة الحقيقية كالقَرْظ، وبالحُكميَّة كالتتريب والتَّشميس، إلا جلد الخنزير والآدمي. نور الإيضاح (ص42).
وقال بهاء الدين المقدسي -رحمه الله-:
ولا يَطهُر جلد الميتة بالدِّباغ؛ لما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن عبد الله بن عكيم: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى جُهَيْنَة: إني كنت رخَّصت لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ» قال أحمد: إسناده جيد، يرويه يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى؛ ولأنه جزء من الميتة فلم يَطهُر بالدباغ كاللحم. شرح المقنع (1/154- 156).
وقال ابن الجلاب -رحمه الله-:
يجوز معها استعمالها (أي: جلود الميتة بعد الدباغ) في ‌اليابسات، وفي الماء وحده من دون المائعات، وقد كره مالك -يرحمه الله- استعمالها في الماء في خاصة نفسه، ولم يضيفه على غيره، ولا يجوز بيعها، ولا الصلاة عليها، وجلود الميتة مما أُكِل لحمه أو لم يؤكل لحمه سواء بمنزلة واحدة. التفريع (1/ 321).
وقال بهاء الدين المقدسي -رحمه الله-:
وهل يجوز استعماله (أي: جلد الميتة المدبوغ) في اليابسات؟ على روايتين:
إحداهما: لا يجوز؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب».
والثانية: يجوز الانتفاع بجلد ما كان طاهرًا في حال الحياة إذا دُبِغ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَلَا أَخَذُوا إهابَ هذه فدَبَغُوه وانتفعوا به»؛ ولأن الصحابة -رضي الله عنهم- لما فتحوا فارس استعملوا سروجَهم وأسلحتَهم، وذَبائِحُهُم ميتةٌ؛ ولأنه انتفاع من غير ضررٍ، أشبه الاصطياد بالكلب، والانتفاع بالبغل والحمار.
وقال أبو الحسن الآمدي: إنما الروايتان في المدبوغ، فأما قبل الدباغ فلا خلاف أنه لا يجوز الانتفاع به. شرح المقنع (1/157، 158).


إبلاغ عن خطأ