الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«ماتَتْ لنا شاة، فَدَبَغْنا مَسْكَها، ثُمَّ ما زِلْنا نَنْبُذُ فيهِ حتى صار شَنًّا».


رواه البخاري برقم: (6686)، من حديث سَودة بنت زمعة -رضي الله عنها-.


غريب الحديث


«فَدَبَغْنا».
‌الدِّباغة: هي إزالة النَّتَن والرُّطوبات النَّجِسة من الجلد. التعريفات، للجرجاني (ص103).
وقال الأحمد نكري -رحمه الله-:
في جامع الرموز: ‌الدباغة: إِمَّا حقيقيَّة بإزالة النَّتَن والرُّطوبة بالأدوية، أو حُكمِيَّة بالتتريب والتَّشميس والإلقاء في الرِّيح. جامع العلوم في اصطلاحات الفنون (2/ 70).

«مَسْكَها»:
«‌مَسْكَها» هو: الإهاب. غريب الحديث، للحربي (2/ 568).
وقال ثعلب -رحمه الله-:
الْمَسْكُ: الجِلد. الفصيح (ص296).

«نَنْبُذُ»:
«ننبُذ فيه» أي: نشرب منه الماء...، وكانوا ينبذون نحو التَّمر في الماء لِيَحْلُو. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 582).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
النَّبيذ: معروف، وإنَّما سُمِّي نبيذًا لأن الَّذي يَتَّخذه يأخذ تمرًا أو زبيبًا فيَنبذه، أَي: يُلْقيه في وِعاء أو سِقاءٍ، ويَصُبُّ عليه الماء، ويتركه حتَّى يفورَ ويَهْدِر؛ فيصير مُسْكِرًا، والنَّبْذُ: الطَّرحُ، وما لم يَصِرْ مُسْكرًا حَلَال، فإذا أسكر فهو حرام. تهذيب اللغة (14/ 318).

«شَنًّا»:
«شنًّا» أي: خَلِقًا. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 582).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
والشَّنُّ: القِربة الخَلِق، وهي الشَّنَّةُ أيضًا، وكأنها صغيرة، والجمع الشِّنانُ. الصحاح (5/ 2146).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «ماتَتْ لنا شاة»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «‌ماتت ‌لنا ‌شاة» الظاهر بحسب المعنى: أنَّ «لنا» حال من «شاة» قُدِّم عليه؛ لكونه نَكِرة، ويجوز أن يتعلق بـ«ماتت»، والإتيان باللام؛ لانتفاعهم بموته بِدَبْغ مَسْكها والانتباذ فيه، فافهم. لمعات التنقيح (2/ 232).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ماتت لنا شاة» هي: الواحدة مِن الغنم، يطلق على الذَّكر والأنثى. التحبير (7/ 95).

قوله: «فَدَبَغْنا مَسْكَها»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
الدّبغ والدِّباغ: إصلاح الجِلْد بما يَمنعُ النَّتَن والفساد، كالقَرَظِ والعَفْصِ والتَّشْميس والإبقاء في الحَرِّ، لا بمجرد التجفيف. لمعات التنقيح (2/ 230).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
والدِّباغ: إنما يُعمل في الجِلد خاصة على الاختلاف. المسالك (5/ 310).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويكون الدِّباغ بالأشياء الْحَرِّيفَةِ، كالشَّبِّ، والْقَرَظِ، وقشور الرُّمَّان، والعَفْصِ.
وفي وجهٍ: لا يحصل إلَّا بِشَبٍّ أو قَرَظٍ، وهو غلط، ويحصل بِمُتَنَجِّس، وبِنَجِسِ العين، كذَرْقِ حمامٍ على الأصح فيهما، ولا يكفي التَّجميد بالتراب، أو الشمس على الصحيح.
ولا يجب استعمال الماء في أثناء الدِّباغ على الأصح، ويجب الغسل بعده إن دُبِغ بنجس قطعًا، وكذا إن دُبِغ بطاهر على الأصح. روضة الطالبين (1/41، 42).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الْمَسْك» بفتح الميم: الجِلْد. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 439).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فَدَبَغْنا مَسْكها» الْمَسْك، بالفتح: الجِلد أو خاص بالسَّخْلة. لمعات التنقيح (2/ 232).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فدبغنا مَسْكها» بفتح الميم، أي: جِلدها، وسُمِّي به لأنه يمسك ما فيه من الماء، وغيره. مرعاة المفاتيح (2/ 199).
وقال المظهري -رحمه الله-:
إذا دبغ جلد الميتة طَهُر، إلَّا جلد الكلب والخنزير، وعند أبي حنيفة: يطْهُر جلد الكلب أيضًا. المفاتيح (1/ 438).
وقال الجعبري -رحمه الله-:
فدلَّت هذه (الأحاديث) على طهارة الجلد النَّجس بالموت بالدّبغ، فمذهب ابن مسعود -رضي الله عنه-، وابن المسيب وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأكثر العلماء -رحمهم الله- على أن أحاديث طهارتها بالدَّبغ مُحْكمة؛ لقصور حديث تحريمه -وإن تأخر- باضطرابه، فرواه مرة عن نفسه، ومرة عن أشياخه، قبل موته بشهر وبشهرين...، ويمكن الجمع بينهما -خصوصًا عند من يَخُصّ الإِهاب، ويعتبر المدبوغ- فيُحمل النَّهي على ما قبل الدبغ، والإباحة على ما بعده، وبقي العصب على أصل التحريم. رسوخ الأحبار (188، 189).
وقال العيني -رحمه الله-:
قد جات أحاديث كثيرة عن رسول الله -عليه السلام- صحيحة الأسانيد ظاهرة المعاني تُخبر أن جلد الميتة يَطْهُر بالدِّباغ، فمِن الذي رُوي في ذلك: حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- («أيّما إهاب دُبغ فقد طَهُر»). نخب الأفكار (7/ 178).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في دباغ جلود الميتة وطهارتها بالدباغ على سبعة مذاهب:
أحدها: مذهب الشافعي، أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة، إلَّا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره.
ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما-.
والمذهب الثاني: لا يطهر شيء من الجلود بالدِّباغ، وروي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة -رضي الله عنهم-، وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك.
والمذهب الثالث: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه.
والمذهب الرابع: يطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة.
والمذهب الخامس: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، ويُستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلَّى عليه لا فيه، وهذا مذهب مالك، المشهور في حكاية أصحابه عنه.
والمذهب السادس: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر، وحُكي عن أبي يوسف.
والمذهب السابع: أنه يُنتفَع بجلود الميتة وإن لم تُدبَغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو مذهب الزهري، وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا لا تفريع عليه ولا التفات إليه. شرح صحيح مسلم (4/ 54).
‌‌وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أقوال العلماء في تطهير جلد ميتة كلِّ حيوان بالدباغ: وفي المسألة سبعة أقوال:
الأول: يَطهُر جلد الميتة باطنه وظاهره، ولا يُخصُّ منه شيءٌ؛ عملًا بظاهر حديث ابن عباس («إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، ‌فَقَدْ ‌طَهُرَ»)، وما في معناه، وهذا مروي عن علي -عليه السلام- وابن مسعود.
الثاني -وهو أظهر الأقوال دليلًا-: لا يُطَهِّر الدّباغُ شيئًا، وهو مذهب جماهير الهادوية، ويُروى عن جماعة من الصحابة، مستدلين بحديث أخرجه الشافعي، وأخرجه أحمد، والبخاري في تاريخه، والأربعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل موته: «أن لا تَنْتَفِعوا مِن الميتة بإهاب ولا عَصَب»، وفي رواية الشافعي، وأحمد، وأبي داود: «قبل موته بشهر»، وفي رواية: «بشهر أو شهرين» قال الترمذي: حسن، وكان أحمد يذهب إليه، ويقول: هذا آخر الأمرين، ثم تركه.
قالوا: فهذا ناسخ لحديث ابن عباس؛ لدلالته على تحريم الانتفاع من الميتة بإهابها وعصبها، وأجيب عنه بأجوبة:
الأول: أنه حديث مضطرب في سنده؛ فإنه رُوي تارة عن كتاب
النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتارة عن مشايخ من جهينة، وتارة عمن قرأ كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومضطرب أيضًا في متنه، فروي من غير تقييد في رواية الأكثر، وروي بالتقييد بشهر أو شهرين، أو أربعين يومًا أو ثلاثة أيام، ثم إنه مُعلٌّ أيضًا بالإرسال؛ فإنه لم يسمعه عبد الله بن عكيم منه -صلى الله عليه وسلم-، وبالانقطاع؛ فإنه لم يسمعه عبد الرحمن بن أبي ليلى من ابن عكيم، ولذلك ترك أحمد بن حنبل القول به آخرًا، وكان يذهب إليه أولًا كما قال عنه الترمذي.
وثانيًا: بأنه لا يقوى على النسخ؛ لأن حديث الدباغ أصح؛ فإنه أخرجه مسلم، ورُوي من طرق متعددة في معناه عدة أحاديث...؛ ولأن الناسخ لا بد من تحقيق تأخُّره، ولا دليل على تأخر حديث ابن عكيم، ورواية التاريخ فيه بشهر أو شهرين مُعلَّة؛ فلا تقوم بها حُجة على النسخ، على أنها لو كانت رواية التاريخ صحيحة ما دلت على أنه آخر الأمرين جزمًا...
وثالثًا: بأن الإهاب كما عرفت من "القاموس" و"النهاية": اسم لما لم يُدبغ في أحد القولين...، فلما احتمل الأمرين، وورد الحديثان في صورة المتعارضين، جمعنا بينهما بأنه: نُهي عن الانتفاع بالإهاب ما لم يُدبغ، فإذا دُبغ لم يُسمَّ إهابًا؛ فلا يدخل تحت النَّهي، وهو حسن.
الثالث: يطهر جلد ميتة المأكول لا غيره، ويَردُّه عموم «أيّما إهاب» الحديث.
الرابع: يطهر الجميع إلَّا الخنزير؛ فإنه لا جِلد له، وهو مذهب أبي حنيفة.
الخامس: يطهر إلا الخنزير...، والكلب مَقيس عليه؛ بجامع النجاسة، وهو قول الشافعي.
السادس: يطهر الجميع، لكن ظاهره دون باطنه، فيستعمل في اليابسات دون المائعات، ويُصلَّى عليه، ولا يُصلَّى فيه؛ وهو مروي عن مالك؛ جمعًا منه بين الأحاديث لَمَّا تعارضت.
السابع: يُنتفع بجلود الميتة وإن لم تُدبَغ، ظاهرًا وباطنًا؛ لِمَا أخرجه البخاري من رواية ابن عباس: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بشاة ميتة فقال: «هلَّا انتفعتم بإهابها»، قالوا: إنها ميتة، قال: «إنما حرم أكْلُها»، وهو رأي الزهري، وقد أجيب عنه بأنه مُطلق قيَّدته أحاديث الدِّباغ التي سلفت. سبل السلام (1/139- 144).
وقال القدوري الحنفي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: يطهر جلد الكلب بالدباغ، خلافًا للشافعي، لنا: قوله -عليه السلام-: «أيّما إهاب دُبِغ فقد طَهُر»؛ ولأنه بهيمة يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فجاز أن يَطْهُر جلدها بالدِّباغ، كالشاة. التجريد (1/ 78).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله-:
فالدِّباغ تطهير للجلودِ كلِّها إلا جلد الإنسان والخنزير، كذا ذكر الكرخي. بدائع الصنائع (1/ 85).
وقال القيرواني المالكي -رحمه الله-:
وإذا دُبِغ ‌جلد ‌الميتة طَهُر للانتفاع به، لا للبيع، قال ابن حبيب: ولا للباس. النوادر والزيادات (4/ 375).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
في جلود الميتة إذا دُبِغَت روايتان:
إحداهما: أنها باقية على النجاسة لا تطهر بالدباغ، وهو قول أحمد بن حنبل.
والأخرى: أنها تطهر، وهو قول ابن وهب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وهذه الرواية تخرَّج.
فوجه الأُولى -وهو عدم الطهارة-: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} المائدة:3، وقوله -عليه السلام-: «لا تنتفعوا مِن الميتة بشيء» وفي حديث ابن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إني كنت رخَّصت لكم في جلود الميتة فإذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب»؛ ولأنه جزء من الميتة نجس بالموت، فوجب أن تتأبد نجاسته كاللحم؛ ولأنه لو قُطع حال حياتها كان نجسًا فوجب ألَّا يطهر بعد الموت بحال كالعَظْم؛ ولأنه حيوان فارَقَته الروح فكان حُكم جِلْده كحُكْم لَحْمِه، كالْمُذكَّى والخنزير؛ ولأنه نجس بالموت وجَبَ بقاء الحُكم لبقاء وصفه بالعلة الموجبة له، كما أن الخَمرة لما نجست للشِّدَّة استحال تحليلها مع بقاء الشدة.
ووجه الثانية: قوله -عليه السلام-: «أيما إهاب دُبغ فقد طهُر» وقوله: «دباغها طهورها»، وقوله: «ذكاة الأديم دباغه» وقوله: «يُحِلُّ الدباغ الجِلد كما يُحِلُّ الخل الخمر»؛ ولأنه جلد بهيمة يجوز الانتفاع به حال الحياة، فجاز أن ترتفع النجاسة عنه، أصله: المذكَّى إذا تلوث بالدم...، والدباغ يؤثر في جلد الكلب على سبيل ما يؤثر في غيره، خلافًا للشافعي؛ للظَّواهر الواردة بإباحة الانتفاع بجلود الميتة إذا دُبِغت، وهي عامة غير خاصة؛ ولأن الذكاة تعمل فيه على وجه، فجاز أن يطهر جلده بالدباغ كالسباع؛ ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة كالفهد.
فصل: لا يؤثِّر الدباغ في جلد الخنزير بحال، خلافًا لأبي يوسف وداود؛ للظواهر الواردة بالمنع؛ ولأنه جزء مِن الخنزير كانت فيه حياة فأشبه اللحم؛ ولأن الدباغ يخالف الذكاة وينوب عنها، فلم يجز أن يكون أقوى منها، فلما كانت الذكاة لا تعمل في الخنزير كان الدباغ أَولى. الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/110- 112).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُدبَغ جلد الميتة، فيطهر بالدِّباغ مِن مأكول اللحم وغيره، إلَّا جلد كلب، أو خنزير، وفرعهما، فإنه لا يطهر قطعًا...، ثم قال الأصحاب: يُعتبر في الدباغ ثلاثة أشياء: نزع الفضول، وتطييب الجلد، وصيرورته بحيث لو وقع في الماء، لم يَعُد الفساد والنَّتَن، ومِن الأصحاب مَن يقتصر على نَزْع الفضول، لاستلزامه الطِّيب والصيرورة. روضة الطالبين (1/ 41).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وكلُّ جلدِ ميتةٍ دُبِغ أو لم يُدبغ فهو نجس، لا يختلف المذهب في نجاسة ‌جلد ‌الميتة قبل الدَّبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه، وأما بعد الدَّبغ فالمشهور في المذهب أنه نجس أيضًا، وهو إحدى الروايتين عن مالك، ويروى ذلك عن عمر وابنه عبد الله بن عمر -رضى الله عنهما-، وعمران بن حصين، وعائشة -رضى الله عنهم-.
وعن أحمد رواية أخرى: أنه يطهر منها جلد ما كان طاهرًا في حال الحياة، ورُوي نحو هذا عن عطاء، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة ويحيى الأنصاري، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، والليث، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، ورُوي ذلك عن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة -رضى الله عنهم-، مع اختلافهم فيما هو طاهر في الحياة. المغني (1/ 89).

قوله: «ثُمَّ ما زِلْنا نَنْبُذُ فيهِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«ما زلنا نَنْبُذ» أي: نشرب منه الماء، وإنما قالت: «نَنْبُذُ فيه»؛ لأنهم كانوا ينبذون في الماء التَّمر وغيره؛ ليحلو، وفي هذا بيان طهارة الجلد المدبوغ. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 439).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ثم ما زلنا ننبذ فيه» أي: نتَّخِذ فيه نقيعًا مِن تمر وغيره؛ ليحلو. شرح المصابيح (1/ 319).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم ما زلنا نَنْبذ فيه»...، قد تكرَّر ذِكر النبيذ، وهو ما يُعملُ من الأشربة، من التَّمر والزَّبيب، والعَسَل، والحِنطَة، والشَّعير، يقال: نبذت التَّمر والعِنَب، إذا تركتَ عليه الماء ليَصيرَ نبيذًا. التحبير (7/ 95).

قولها: «حتى صارت شَنًّا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«حتى صار شَنًّا» أي: حتى صار خَلَقًا، بحيث لا يمكن استعماله، من الخَلوقة. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 439).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الشِّنان: الأسقية الخَلِقَة، واحدها شَن، وشَنَّة، وهي أشد تبريدًا للماء من الجدد، والله أعلم. الكاشف (3/ 838).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«حتى صار شَنًّا» بفتح المعجمة وتشديد النون، أي: باليًا، والشَّنَّة: القِربة العتيقة. فتح الباري (11/ 570).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى صار شَنًّا»...، وهو مبني على أنه -صلى الله عليه وسلم- عَلِم ذلك، وكونه في بيته، ومِن أهله قرينة قوية على عِلْمه. التحبير (7/ 95).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
يطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم، وغيره، ورُوي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود.
وإذا طهر بالدباغ هل يجوز أكله؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: لا يجوز بحال، والثاني: يجوز، والثالث: يجوز أكل جلد مأكول اللحم، ولا يجوز غيره.
وإذا طهُر الجلد بالدباغ فهل يطهر الشَّعر الذي عليه تبعًا للجلد؟
إذا قلنا: بالمختار في مذهبنا أن شَعر الميتة نجس، فيه قولان للشافعي: أصحهما: لا يَطْهُر؛ لأن الدباغ لا يؤثر فيه بخلاف الجلد. الكاشف (3/ 838).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أيُّما إهاب دُبِغ فقد طَهُر» بعمومه حُجَّة على مالك في جلد الميتة؛ لأنه يقول: لا يطهر، لكنه يُنتفَع به في ‌الجامد من الأشياء دون المائع. البناية شرح الهداية (1/ 414).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
إذا ثَبَتَ أنَّ الدِّباغ لا يُزيل نجاسته، وأنَّه يؤثر فيه، فيجوز استعماله في اليابسات دون المائعات. الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 111).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وكان مالك يَكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ، على اختلاف من قوله، ومرَّة قال: إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه، ويكره الصلاة عليه وبيعه، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه، وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «أيُّما إهاب دُبِغ فقد طَهُر» وهو اختيار ابن وهب، وجلد الخنزير لا يطهُر بدباغ ولا غيره. الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 163).
وقال النووي -رحمه الله-:
يطهر بالدباغ ظاهر الجلد قطعًا، وباطنه على المشهور الجديد؛ فيجوز بيعه، ويُستعمل في المائعات، ويُصلَّى فيه.
ومنع القديم: طهارة الباطن، والصلاة، والبيع، واستعماله في المائع.
قلت: أنكر جماهير العراقيين، وكثيرون من الخراسانيين هذا القديم، وقطعوا بطهارة الباطن، وما يترتب عليه. وهذا هو الصواب. والله أعلم.
ويجوز أَكْل المدبوغ على الجديد، إن كان مأكول الَّلحم، وإلَّا فلا، على المذهب، قلت: الأظهر عند الأكثرين تحريم أكل جلد المأكول. روضة الطالبين (1/ 42).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
هل يجوز الانتفاع به في اليابسات؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يحوز؛ لقوله: «لا تنتفعوا مِن الميتة بشيء»، وقوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب».
والثانية: يجوز الانتفاع به؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَلَا أَخَذُوا إهابها فانْتَفَعُوا به»، وفي لفظ: «أَلَا أَخَذُوا إهابها فدَبَغُوه فانْتَفَعوا به»؛ ولأن الصحابة -رضى الله عنهم- لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم، وذبائِحُهُم ميتة؛ ولأنَّه انتفاع من غير ضرر، أشبه الاصطياد بالكلب، وركوب البغل والحمار.
فصل: فأما جلود السِّباع، فقال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الدَّبغ، ولا بعده، وبذلك قال الأوزاعي، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، ورُوي عن عمر وعلي -رضى الله عنهما- كراهية الصلاة في جلود الثعالب، وكرهه سعيد بن جبير، والحَكَم، ومكحول، وإسحاق. المغني (1/ 92).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن أبي جمرة: في حديث سودة: الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ الزُّهد لا يتم إلا بالخروج عن جميع ما يُتملَّك؛ لأن موت الشاة يتضمَّن سبق ملكها واقتنائها.
وفيه: جواز تنمية المال؛ لأنهم أخذوا جلد الميتة فدبغوه فانتفعوا به بعد أن كان مطروحًا.
وفيه: جواز تناول ما يهضم الطعامَ؛ لما دلَّ عليه الانتباذ.
وفيه: إضافة الفعل إلى المالك، وإن باشره غيره كالخادم، اهـ. ملخصًا. فتح الباري (11/ 570).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والحديث دليل على أنَّ الدِّباغ مُطهِّرٌ لجلد ميتة كلِّ حيوان، كما يفيده عموم كلمة: «أيّما» (في حديث: «أيما إهاب دُبغ فقد طَهُر»)، وأنه يطهر باطنه وظاهر. سبل السلام (1/ 139).


إبلاغ عن خطأ