الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصحابَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِعَيْنَيْهِ قال: فَوَالله، ما تَنَخَّم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- نُخَامَةُ إلَّا وَقَعَت في كَفِّ رَجُل منهم، فَدَلَكَ بها وجهه وجِلْدَه، وإذا أَمَرَهم ابْتَدَرُوا أمره، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلون على وَضوئه».


رواه البخاري برقم: (2731) مطوَّلًا، من حديث المِسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (18910) «لا يتوضأ وُضُوءًا إلَّا ابْتَدَرُوه، ولا يَبْسُقُ بُساقًا إلَّا ابْتَدَرُوه، ولا يَسْقُطُ مِن شَعرِه شيء إلَّا أخذوه».
قال محققو مسند الإمام أحمد: إسناده حسن. 


مختصر شرح الحديث


تتجلّى في السِّيرة النبوية صورٌ عظيمة من توقير الصحابة لرسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وتعظيمهم له؛ فلم تكنْ مَحبتهم له مجرد عاطفة في القلب، بل ظهرت آثارها في سرعة امتثالهم لأمره، وشدة تعظيمهم له، وحرصهم على والتبرك بكل ما انفصل من جسده الشريف. وفي هذا الحديث، الذي يروي جانبًا من أحداث صلح الحديبية، ينقلُ عروة بن مسعود الثقفي إلى قريش ما شاهدهُ من تعظيم الصحابة لنبيهم -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فيقول: «فَوَاللهِ»: أقسم عُروة -رضي الله عنه- تأكيدًا لما يخبر به، وإظهارًا لعِظَم ما شاهده من شدة تعظيم الصحابة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أنه كان يومئذٍ على غير الإسلام، «ما تَنَخَّمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نُخَامةً»، النُّخَامة: ما يَخرج من الحَلْقِ أو الصدر من البَلْغَمِ، وقيل: مَخْرَجُها من الخيشوم، وقيل: ما يخرج من الرأس، «إلا وقعت في كَفِّ رجل منهم، فدَلَكَ بها وجْهَهُ وجِلْدَهُ»: أي: ما تنخّم -صلى الله عليه وسلم- إلا تسارع القوم إلى تلقّي نخامتِه بأكفهم، فمسح بها أَحدُهم وجهه وجلده؛ تعظيمًا له -صلى الله عليه وسلم- وطلبًا لبركته. ثم ذَكر عروة خصلة ثانية من تعظيم الصحابة لنبيهم -صلى الله عليه وسلم- فقال: «وإذا أَمَرَهُم ابتدروا أمره»: أي: إذا أمرهم بشيء أسرعوا إلى امتثال أمره، وبادَرُوا إلى ما يأمرهم به من غير تردُّدٍ، ثم ذِكر خِصلةً ثالثة، فقال: «وإذا تَوضَّأ كادوا يَقْتَتِلُون على وَضُوئِه» أي: كانوا يتسابقون ويتزاحمون إلى أخذ ما يتساقط من وَضُوئِه -صلى الله عليه وسلم-؛ تبركًا به، وعبَّر بإرادة الاقتتال على سبيل المبالغة في شدّة الازدحام والتدافع عليه، لا وقوع القتال الفعليّ.
وفي رواية لأحمد: «لا يتوضأ وُضُوءًا إلا ابْتَدَرُوهُ، ولا يَبْصُقُ بُصَاقًا إلا ابْتَدَرُوهُ، ولا يسقط من شَعْرِهِ شيء إلا أخذوه»؛ أي: كانوا يبادرون إلى ما ينفصل منه -صلى الله عليه وسلم- من الماء البُزاقِ والشَّعر؛ لشدة تعظيمهم للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
ويؤيدهُ ما جاء عن أنس -رضي الله عنه- في صحيح مسلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على أم سُليم فنَام فعَرِق، فجَعَلَتْ تَسْلُتُ عَرقه في قارورة، وقالت: «هذا عَرقُك نجعله في طِيْبِنَا».
فدلَّ الحديثُ على مشروعية التَّبرك بآثاره -صلى الله عليه وسلم- في حياته، وأما التبرُّك بذاته وآثاره بعد موته فلا يجوز، كما لا يجوز التَّبرك بآثار غيرهِ من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم؛ لأن ذلك من الخصائص التي ثبتت للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ولم يثبت عن الصحابة أنهم تبركوا بآثارِ أبي بكر أو عمر أو غيرهما -رضي الله عنهم-.
وفيه: بيانٌ شدَّة تعظيم الصحابة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وحرصهم على التبرك بآثاره، ومبادرتهم إلى امتثالِ أمرهِ، وفيه طهارة النُّخامة، وفيه حلف الكافر بالله تعالى؛ لاعتقادهم بوجود الخالق، وفيه تأكيد الخَبر بالقَسم عند الحاجة إليه.


غريب الحديث


«تَنَخَّم...نُخَامَةُ»:
‌النُّخامة: ما يخرج من الخيشوم عند التَّنَخُّع: نَخَمَ يَنْخَمُ نَخْمًا، وهو نَخِمٌ. العين، للخليل بن أحمد (4/ 281).

«يَبْسُقُ بُساقًا».
‌البُساقُ: البُصاق، وقد بَسَقَ بَسْقًا. الصحاح، للجوهري (4/ 1450).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
‌‌‌
البُساق: البُزاق. شمس العلوم (1/ 523).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «فوالله، ما تَنَخَّمَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- نُخَامَةُ إلَّا وَقَعَت في كَفِّ رجل منهم، فَدَلَكَ بها وجهه وجِلْدَه»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
«نُخامة» -بضم النون-: هي ما يصعد إلى الفم مِن الصدر ومِن الرأس، وهو البُصاق الغليظ. مصابيح الجامع (6/ 167).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفي قوله: «ما يتنخم نخامة إلَّا وقعت في يد رَجُل» دليل على طهارة النخامة والبُزاق. معالم السنن (2/ 330)

قوله: «وإذا أَمَرَهم ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ابتدروا أمره» مِن الابتدار في الأمر، وهو الإسراع فيه. عمدة القاري (14/ 11).
قوله: «وإذا تَوضَّأ كادوا يَقْتَتِلون على وَضوئِه»، وفي لفظ لأحمد: «لا يتوضأ وُضُوءًا إلَّا ابتدروه، ولا يَبْسُقُ بُساقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط مِن شَعرِه شيء إلَّا أخذوه»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وإذا توضَّأ» الضمير فيه يرجع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، والحاكي هو عروة بن مسعود؛ لأنه هو الذي شاهد من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ما كانوا يفعلون بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو -أيضًا- أخبر بذلك لأهل مكة، كما ستقف على الحديث بطوله. قوله: «كانوا يقتتلون» كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية الباقين: «كادوا يقتتلون» قال بعضهم: هو الصواب؛ لأنه لم يقع بينهم قتال.
قلت: كلاهما سواء، والمراد به المبالغة في ازدحامهم على نُخامة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى وَضُوئه. عمدة القاري (3/ 76).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«يقتتلون» أي: يختصمون. اللامع الصبيح (8/ 309).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«على وَضوئِهِ» أي: على فَضْلة الماء الذي توضأ به، أو على ما يَجتمع مِن القَطَرات، وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء. مصابيح الجامع (6/ 167).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
(في قوله: «لا يتوضأ وُضُوءًا إلَّا ابتدروه») أي تسابقوا إليه؛ للتمسح به، ولم يُنْكر عليهم ذلك، «وقوله: ولا يَبْسُقُ بُسَاقًا» بالسين المهملة لغة في بَزَقَ وبَصَقَ. الفتح الرباني (1/ 209).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عُرْوة وبالغوا في ذلك؛ إشارة منهم إلى الرَّد على ما خشيه من فِرارهم، وكأنَّهم قالوا بلسان الحال: مَن يُحب إِمَامَهُ هذه المحبة ويعظِّمه هذا التعظيم كيف يُظنُّ به أنه يَفِرُّ عنه ويُسْلِمُه لعدوه؟! بل هم أشد اغتباطًا به وبدِينه وبنصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضًا بمجرد الرَّحِم.
فيُستفاد منه: جواز التوصل إلى المقصود بكل طريق سائغ. فتح الباري (5/ 341).
وقال مبارك الميلي -رحمه الله-:
التبرك مشروع، ولكنه مُقيَّد بقيود:
(منها): أن يكون التبرك بفعل طاعة مشروعة؛ كصلاة، ودعاء، ورجاء القبول، وزيادة الأجر، لا بِحَمْلِ تراب أو بخور وغيرهما من أجزاء المكان المتبرَّك به، أو الأشياء الموضوعة فيه.
نعم، ثبت عن الصحابة أنهم تبرَّكوا بالتمسح بفضل وَضُوئه -صلى الله عليه وسلم- والتَّدلُّك بنخامته، بل إنَّ منهم مَن شَرِب دم حجامته -صلى الله عليه وسلم-، ولكن لم يرد أنهم فعلوا نحو ذلك مع غيره شيئًا من خلفائه الراشدين وأهل بيته الطاهرين، فيكون هذا الضرب من التبرك مقصورًا على ذاته الشريفة، منقطعًا بموته، وقد بسط الحديث في ذلك صاحب الاعتصام (الشاطبي).
ولِقِلَّة اطلاعي؛ لم أر مَن أَفْصَح عن هذه الشروط، ولكنها مقتضى العلم ووحي النصيحة، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم- يحتاطون على الاعتقاد أيَّ احتياط، حتى لا يُزَلّ أو يُكدَّر بالاختلاط. رسالة الشرك ومظاهره (154-157).
وفي جامع تراث الشيخ الألباني -رحمه الله-:
سؤال: هل كان المسلمون يتبرَّكون بالتُّفال ومخلفات الوضوء؟ وهل كان النبي يرضى بذلك؟
الشيخ: هذا سؤال هام، الواقع أن ذلك وَقَعَ، وَوَقَعَ على عِلم من الرسول -عليه السلام- وسكوتٍ منه، ولكنَّ هذا السكوت كان بُرْهةً من الزَّمن، ولم يستمر منه -صلى الله عليه وآله وسلم-، ولقد ظَهَرَ حِكمة ذلك السكوتُ المؤقتُ واضحًا بيِّنًا جليًّا في صلح الحديبية، حيث أخذ المشركون يُرسلون سفيرًا منهم...، فكلَّما أرسلوا سفيرًا منهم؛ ليحادث الرسول -عليه السلام- ويفهموا ما يريد، كان يرى هذا السفير تلك المبالغة العجيبة التي لا يعرفونها في ملوك كسرى وقيصر، مِن تَهَافُتِ الصحابة على وَضُوء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ الماء الذي كان يتوضأ به، وتبركهم به، فكان من آثار ما شاهدوا أو شهدوا: أنهم عادوا إلى رؤوس قريش وقالوا لهم: صالِحوا محمدًا؛ فوالله لقد رأينا كسرى وقيصر فما رأينا أحدًا يُعظِّمهم كما أرينا أصحابَ محمدٍ يُعظِّمون محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم-، وعلى هذا جرى الصلح المعروف في صلح الحديبية.
فكان سكوت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على مثل تلك المبالغة في التبرك به -عليه السلام- من السياسية الشرعية الحكيمة، ولكنه لأنَّه طُبِع على ما وُصِف بحقٍّ في قوله تبارك وتعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم:4، وكما قال: «لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه»، وكما قال في حديث آخر: «لا تُنزِلوني فوق منزلتي التي أَنْزَلَنِي الله فيها»، فهو تجاوب في النهاية مع هذا المبدأ الأساسي الذي كان يحياه الرسول -عليه السلام-، وذلك حينما شاهدهم مرة يتَهَافَتُون -أيضًا- على التَّبرُّك بوَضُوئه فقال لهم: «ما يحملكم على هذا؟ قالوا: حبُّ الله ورسوله، قال -هنا الشاهد-: إن كُنتم تحبون الله ورسوله فاصْدُقوا في الحديث، وأدُّوا الأمانة» انظر هذا اللطف في النقد من الأمر المفضول إلى الحكم الفاضل، لم يَصُدَّهم الرسول -عليه السلام- صدًّا، وإنما مَهَّد لهم تمهيدًا بأسلوب عظيم جدًا: «ما الذي يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله» وهم صادقون في ذلك، فقال لهم: هذا لا يدل على حُبكم لله والرسول، الذي يدلكم على ذلك هو أن تعملوا بما جاء به الرسول عن ربه -تبارك وتعالى-.
ولهذا فنحن نرى أن ما ثبت من التبرك هو ثابت، وفي صحيح البخاري قصة الحديبية، لا مجال لإنكارها من حيث الرواية أبدًا، لكن بعض الناس يأخذون الأمور بالعَجَلة ولا يأخذونها بالرَّويِّة، فلو أنهم نظروا أولًا إلى الحكمة من ذاك السكوت، ثم اطَّلعوا على الحديث الأخير لزال الإشكال، ولَعَرَفُوا عظمة الرسول -عليه السلام- في ذاك وفي هذا الحديث. جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة (3/901، 902).
وقال عبد الرحمن آل الشيخ -رحمه الله-:
وأمَّا ما ادَّعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز ‌التبرك ‌بآثار الصالحين فممنوع من وجوه:
منها: أن السابقين الأولين من الصحابة ومن بعدهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وأفضل الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وقد شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمن شهد له بالجنة، وما فَعَلَهُ أحد من الصحابة والتابعين مع أحد من هؤلاء السادة. فتح المجيد (ص142).
وقال عبد الرحمن المعلمي -رحمه الله-:
وهل للمسلمين أن يتبركوا بصُلَحَائهم كما يتبرّك الصحابة -رضي الله عنهم- برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مُسْتَنِدِين إلى تلك الأحاديث ونحوها، أو لا؟
يقول المجيزون: نعم؛ لأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- بُعِث مشرِّعًا، والأصل في فِعْله التشريع، أي: أن حكم غيره من الأمَّة مثل حكمه، والخصوصية خلاف الأصل، فلا يُصار إليها إلا بدليل.
قالوا: ويُقاس على التبرّك بآثار النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: التبرُّك بذريته؛ من حيثُ كونُهم ذريةً له، وقد فَهِمَ الصحابة -رضي الله عنهم- هذا حيث استسقوا بالعبَّاس -رضي الله عنه-؛ لفضله ولقرابته من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وقال عمر -رضي الله عنه-: "وإنَّا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيّك"، واستسقوا زمان معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي؛ لفضله، وقال معاوية: "اللهم إنَّا نستشفع إليك بخيارنا".
ويقول المانعون: أما ما لم يرد فيه دليل صحيح فالأمر فيه واضح، وأما ما ورد فيه دليل صحيح أن النبي -صلى الله عليه وآله- وسلم فَعَلَه أو أقرَّ عليه في باب التبرّك به، فهو خاصّ به، وليس هذا من باب التشريع؛ لأن التشريع إنما هو في الأحكام التي المدار فيها التكليف؛ لأنه لما كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مكلَّفًا مثلنا كان كل فعلٍ يفعله شريعةً لنا إلا أن يدلّ دليلٌ على الخصوصية.
وأما التبرُّك فإن المدار فيه على الفضل والبركة، وهو -صلى الله عليه وآله وسلم- أعظم الناس بركةً، وليس أحدٌ من أمَّته مثله في ذلك، فكيف يقال: إن التبرك به يدل على التبرُّك بغيره؟! هذا واضح البطلان، إلا أن يدّعي المجيزون أنَّ أحدًا من أُمته أولى منه -صلى الله عليه وآله وسلم- أو مساوٍ له، فليفعلوا ما شاءوا، ولن يلتزموا ذلك حتى يخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم!
ومما يؤيد ذلك: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مقطوع بكونه حبيب الله وخليله في الدنيا والآخرة، قد غَفَرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وأما غيره من هذه الأمَّة فإنما يمكن القطع في حق الصحابة المبشَّرين بالجنة، ومع ذلك فلم يكن يُتبرَّك بهم -رضي الله عنهم-، ولا يثبت في التبرُّك بهم أثرٌ صحيح، لا بمَن كان منهم من القرابة ولا غيرهم، فدلَّ ذلك على أنَّ التبرُّك كان خصوصية له -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يَشْركه فيها غيره حتى مَن عُلِمَت نجاتُه.
وأما غيرهم فلا سبيل إلى القطع بكمال إيمان أحد ولا وفاته عليه ولا نجاته يوم القيامة...، والمراد هنا: كراهية القطع بالإيمان والنجاة، فأما الثناء على شخص بأنه كان مواظبًا على عمل الخير، مُجانبًا أعمال الشرّ فحَسَنٌ، وهو المراد في حديث الصحيحين عن أنس قال: مرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «وجَبَت»، ثم مرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجَبَت». فقال عمر: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض». تحقيق الكلام في المسائل الثلاث (4/239- 242).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وكان الصحابة يتبركون بشَعر النبي -صلى الله عليه وسلم- وبثيابه وبِعَرَقِه، لكن غيره لا يُتبرَّك بشَعره ولا بثيابه ولا بِعَرَقِهِ، وكان عند أم سلمة -رضي الله عنها- إحدى زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم- شَعَرات من شَعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وضَعَتها في جُلْجُلٍ -يعني: طابوق من الفضة-، وجعَلَته من الفضة؛ تكريمًا لشَعر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فكان الناس إذا مَرِضَ عندهم مريض جاءوا إليها فَصَبَّت على الشَّعر ماءً وحركته به ثم أعطته المريض فيشفى -بإذن الله-؛ ببركة شَعر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن هذا ليس لغير النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن الصحابة لم يتبركوا بشعر أبي بكر وهو أفضل الأمة بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا بشعر عمر، ولا غيره من الصحابة، وكذلك مَن دونهم لا يُتَبرك بشعره ولا بِعَرَقِه ولا بثيابه، إنما ذلك خاص برسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرح رياض الصالحين (4/185، 186).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
إنَّ بعض الناس اتخذوا من العبادات نوعًا من التبرك فقط، مثل ما يُشاهد مَن أنَّ بعض الناس يمسح الركن اليماني، ويمسح به وجه الطفل وصدره، وهذا معناه أنهم جعلوا مسح الركن اليماني من باب التبرك لا التعبد، وهذا جهل، وقد قال عمر في الحجر: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلك ما قبَّلتك". القول المفيد (1/ 181).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
(في الحديث) بركة النَّبي -صلى الله عليه وسلم-. شرح صحيح البخاري (8/ 127).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: دليل على طهارة الماء الذي يُتطهَّر به، وهو الماء المستعمل. معالم السنن (2/ 330).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: شدة تعظيم أصحابه -صلى الله عليه وسلم- له، وإجلالهم لمكانه، وعظيم حقه، وعِظَم الحِرص على نيل بركته، وكانوا عنده كأنما على رءوسهم الطير إذا تكلم أنصتوا، وإذا تَنَخَّم أو توضَّأ بادروا، وذلك بعض ما يجب من إعظامه وإجلاله، وكيف لا وقد أنقذهم من النار، وأبعدهم عن دار البوار؟! الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 435).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ومنها (أي: من فوائد الحديث): طهارة النُّخامة، سواء كانت مِن رأس أو صَدر. البحر المحيط الثجاج (31/ 250).

وينظر حديث: «توضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به»


إبلاغ عن خطأ