«أَكَلْنا مع رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- شِواءً في المسجد، فَأُقِيمتِ الصلاة، فأَدْخلْنا أيديَنَا في الحَصى، ثم قُمْنا نُصلِّي، ولم نتوضأ».
رواه أحمد برقم: (17702) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (3311) بلفظ: «لحمًا قد شُوِيَ، فمَسَحْنَا أيْدِيَنا بالحَصْبَاءِ»، من حديث عبد الله بن الحارث -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند ابن ماجه برقم: (3300): «كُنَّا نأكل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد الخبز والَّلحم».
صحيح سنن أبي داود تحت حديث رقم: (188)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2116)، وصححه محققو مسند الإمام أحمد.
غريب الحديث
«شواءً»:
يقال: شَوَيْتُ اللحمَ شَيًّا: أَنْضَجْتُه بمباشرَةِ النار. كتاب الأفعال لابن القوطية (ص: 82).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أَكَلْنا مع رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- شِواءً في المسجد»، وفي لفظ ابن ماجه: «كُنَّا نأكل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد الخبز والَّلحم»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«شِواءً» بكسرِ أو ضمِّ أوَّله المعجم، وبالمد، ويقال فيه: شَوَى كَفَتى، قيل: المراد لحمًا ذا شوى، انتهى، وليس في محله؛ لأن الشِّواء ليس مصدرًا، بل اسم اللحم المشوي في النار.
«في المسجد» فيه: دليل لجواز أكل الطعام في المسجد جماعة وفرادى، ومحلُّه: إن لم يحصل منه ما يقذر المسجد وإلا حَرُمَ. أشرف الوسائل (225،226).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخبز ولحم وهو في المسجد فأكل وأكلنا معه» (كما في رواية) ولعلَّه كان معتكفًا أو عنده أضياف أو فَعَلَه لبيان الجواز، فإنه مباح ما لم يتلوَّث المسجد. مرقاة المفاتيح (7/ 2716).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وأما الأكل في المسجد ففي المبسوط كان مالك يَكْرَهُ أَكْلَ الأطعمةِ اللحم ونحوه في المسجد، زاد ابن القاسم في العُتْبِيَّة: أو رِحَابَه، وأما الصائم يأتيه من داره السَّوِيقُ (من مدقوق الحنطة والشعير)، وما أشبه ذلك قال ابن القاسم: أو الطعام الخفيف فلا بأس به...، ويراعى مع ذلك عينُ الطعامِ فيُكرَه إحضار الكثير منه في المسجد، وخُفِّفَ في إحضار يسيره، وروى ابن نافع عن مالك في المجموعة في القوم يُفْطِرون فيه على كعكٍ وتمرٍ مَنْزُوعِ النَّوى ثم يخرجون فيتمضمضون: أرجو أن يكون خفيفًا.
وقال ابن القاسم في العتبية: وأرخص لبعيد الدار أن يأتيه فيه طعامه، قال علي بن زياد عن مالك: والمعتكف والمضطر، والمجتاز، قال ابن القاسم: وكذلك المساجد تُتَّخذ في القِرى للأضياف فيَبِيتُون ويأكلون خُفِّف فيها.
فاتفقت أقوالهم على المنع على وجهين: الإكثار، وإحضار كثير الطعام، والغنى عن ذلك وتجويزه في الشيء اليسير، كشُرب الماء والسويق لغير عذر، وتجويزه في المتوسط مع الحاجة إلى ذلك، وكرهه مع عدم الحاجة. المنتقى (1/ 312).
وقال الأبهري المالكي -رحمه الله-:
قال ابن وهب: سُئل مالك عن الأكل في المسجد، فقال: أما الشيء الخفيف مثل: السَّوِيق (من مدقوق الحنطة والشعير) ، والطعام اليسير فأرجو أن يكون خفيفًا، وأما الطعام الكثير مثل: ألوان اللحم وغير ذلك، فلا يعجبني، والخفيف أيسر. شرح المختصر الكبير (4/ 611).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد اختُلف في جواز الأكل في المسجد وكراهته، فأجازه طائفة من أصحابنا (الحنابلة) وغيرهم؛ لهذا الحديث: («كنا نأكل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد الخبز واللحم»)؛ ولأن الظاهر من حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في اعتكافه أنه كان يفطر في المسجد، فإن عائشة قالت: «كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان»، إلا أن يقال: أن ذلك داخل في حاجة الإنسان.
والظاهر من أهل الصُّفَّةِ: أنهم كانوا يأكلون في المسجد، وقد سبق حديث البراء بن عازب: «أنهم كانوا إذا جاعوا ضربوا القنو المعلق في المسجد للصدقة فأكلوا منه».
وذهب طائفة إلى كراهته؛ لأنه دناءة، وحُكي عن الشافعي، وهو وجه لأصحابنا.
ومن قال بهذا أجاز للمعتكف أن يَدخل بيتَه للأكل، كما يدخل لقضاء حاجته، ويعضد هذا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في المساجد: «إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» خرجه مسلم. فتح الباري (3/ 163)
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
«كنا نأكل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد الخبز واللحم»...، والحديث يدل على المطلوب منه وهو جواز الأكل في المسجد، وفيه أحاديث كثيرة:
منها: سكون أهل الصُّفَّة في المسجد، الثابت في البخاري وغيره، فإنَّ كون لا مَسْكَن لهم سواه يَسْتلزم أكلهم للطعام فيه.
ومنها: حديث ربط الرجل الأسير بسارية من سواري المسجد، المتفق عليه، وفي بعض طرقه أنه استمر مربوطًا ثلاثة أيام.
ومنها: ضرب الخيام في المسجد لسعد بن معاذ، وللسَّوْدَاء التي كانت تَقُمُّ المسجد كما في الصحيحين.
ومنها: إنزال وفد ثقيف المسجد وغيرهم. نيل الأوطار (3/ 595).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«كنا نأكل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد» محمول على الضرورة بقلة المكان، وإلا فقد ورد: «لا تتخذه مَبِيتًا ومَقِيلًا». شرح سنن ابن ماجه (ص237).
وقال الشيخ اللحجي -رحمه الله-:
وفيه: دليل لجواز أكل الطّعام في المسجد؛ جماعة وفرادى، ومحلّه إن لم يحصل ما يقذِّر المسجد، وإلَّا فيُكره أو يحرم، ويمكن حمل أكلهم على زمن الاعتكاف، فلا يرد أنّ الأكل في المسجد خلاف الأولى عند أمن التّقذير، على أنّه يمكن أن يكون لبيان الجواز. والله أعلم. منتهى السؤل (2/ 126).
وقال الزيلعي الحنفي -رحمه الله-:
الأكل في المسجد مباح، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يأكل في المسجد بلا ضرورة إليه. تبيين الحقائق (1/ 351).
وقال الشيرازي الشافعي -رحمه الله-:
الأكل في المسجد يُنقص من المروءة. المهذب (1/ 353).
وسئل النووي -رحمه الله-:
أَكْلُ الخبز والبطيخِ والفاكهة وغير ذلك في المسجد هل هو جائز؟ وهل يُمنع منه؟
الجواب: هو جائز، ولا يُمنع منه، لكن ينبغي له أن يبسط شيئًا، ويَصُون المسجد، ويحترز من سقوط الفُتات والفاكهة وغيرها في المسجد، وهذا الذي ذكرناه فيما ليس له رائحة كريهة: كالثوم، والبصل، والكراث، والطبيخ الذي ليس فيه شيء من رائحة ذلك، ونحوه، فإن كان فيه شيء من ذلك فيُكْرَهُ أكلُه في المسجد، ويمنع آكلهُ من المسجد حتى يذهب ريحُه؛ فإِن دخل المسجد أُخرج منه؛ للحديث الصحيح المشهور في ذلك، هذا كله مع وجود الرائحة: فإن ماتت رائحته بالطبخ لم يُمنع آكله من المسجد، ويجوز أكله في المسجد، والله أعلم. فتاوى النووي (64، 65).
قوله: «فَأُقِيمتِ الصلاة، فَأَدْخلْنا أيديَنَا في الحصى» وفي لفظ: «فمسحْنا أيدينا بالحَصْبَاءِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم قام فصلَّى وصلينا معه ولم نزد على أن مَسَحْنَا أيدينا بالحصباء» -كما في رواية- ممدودًا، أي: بالحجارات الصغار؛ استعجالًا للصلاة، أو بيانًا للجواز، وإشعارًا بعدم التكلف والمبالغة في التنظيف. مرقاة المفاتيح (7/ 2716).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فمَسَحْنَا أيدينا بالحصى» دليل على أنه يجوز مَسْحُ اليدِ مِن أثرِ الطعام بحصى المسجد. الحاشية على سنن ابن ماجه (2/ 312).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«فأَدْخَلْنا أيدينا في الحصى» أي: مَسَحْنَاهَا ولم نَغْسِلها بالماء. الفتح الرباني (2/ 105).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فمسحْنا أيدينا» مِن أثر الطعام «بالحصباء» أي: بحصباء المسجد ورماله. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 318).
قوله: «ثم قُمْنا نُصلِّي، ولم نتوضأ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم قمنا» إلى الصلاة حالة كوننا «نصلي» أي: نريد الصلاة «ولم نتوضأ» الوضوء الشرعي للصلاة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 318).
وقال محمد بن الحسن الحنفي -رحمه الله-:
قلتُ: أرأيتَ الطعام هل ينقض شيء منه الوضوء مثل لحوم الإبل أو البقر أو الغنم أو اللبن أو غير ذلك مما مسته النار؟
قال: ليس شيء من الطعام ينقض الوضوء، إنما الوضوء ينتقض مما يخرج وليس مما يدخل، ولم تزده النار إلا طِيبًا، ولو كان هذا ينقض الوضوء لكان مَن توضَّأ بماء ساخنٍ نَقَض وُضُوءَه، ولكان مَن ادَّهن بدهن قد مَسَّته النار أعاد الوضوء، فليس شيء من هذا ينقض وضوءه. الأصل (1/ 59).
وقال السرخسي -رحمه الله-:
ولا وضوء في شيء من الأطعمة، ما مسَّته النار، وما لم تمسه فيه سواء، وأصحاب الظواهر يوجبون الوضوء ممَّا مسته النار، ومنهم من أوجب مِن لحم الإبل خاصة؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَوَضَّؤُوا مما مَسَّته النار»، وفي حديث آخر: «توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم».
ولنا: حديث أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكل من كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ»، وقال جابر: «توضأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلمَّا فرغ قام ليخرج فرأى عَرقًا -أي: عظمًا- في يد بعض صبيانه فأكل منه، ثم صلى، ولم يتوضأ»، وحديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- ضعيف قد ردَّه ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- فقال: "ألسنا نتوضأ بالحميم؟"، ولو ثبت فالمراد منه غسل اليد؛ بدليل حديث عكراش بن ذؤيب قال: «أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيدي فأَدْخَلَني بيت أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- فأتينا بقصعةٍ كثيرةِ الثَّرِيدِ والوَدَكِ (أي دسم اللحم والشحم) فجعلتُ آكل من كل جانب، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «كُلْ مما يليك؛ فإن الطعام واحد، ثم أتينا بطبقٍ مِن رُطَبٍ فجعلتُ آكل مما يَلِينِي، فقال: أَجِلْ يَدَك؛ فإنَّ الرطب ألوان، ثم أُتي بماء فغسل يديه، وقال: هذا هو الوضوء مما مَسَّته النار» (لم أجده في كتب الحديث)، ولهذا فصل في روايته بين لحم الإبل، وغيره؛ لأن لِلَحم الإبل من اللُّزُوجَة ما ليس لغيره، والمعنى: أنه لو أكل الطعام نيئًا لم يلزمه الوضوء، فالنار لا تزيده إلا نظافة. المبسوط (1/79، 80).
وقال المازري المالكي -رحمه الله-:
قال القاضي أبو محمد -رحمه الله-: ولا وُضُوءَ مِن... أَكْلِ شيءٍ أو شُربه، كان مما مسَّته النار أو مما لم تمسه، ولا مِن قَهْقَهَةٍ في صلاة أو غيرها. ولا من ذبح بهيمة أو غيرها. شرح التلقين (1/ 197).
وقال النووي -رحمه الله-:
مذهبنا (الشافعية) أنه لا ينتقض الوضوء بشيء من المأكولات سواء ما مسَّته النار وغيره، غير لحم الجَزُورِ، وفي لحم الجَزُورِ -بفتح الجيم، وهو لحم الإبل- قولان:
الجديد المشهور: لا ينتقض، وهو الصحيح عند الأصحاب.
والقديم: أنه ينتقض، وهو ضعيف عند الأصحاب، ولكنه هو القوي أو الصحيح من حيث الدليل، وهو الذي أَعْتقِد رجحانه، وقد أشار البيهقي إلى ترجيحه واختياره والذَّبِّ عنه، وسترى دليله -إن شاء الله تعالى-.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:
أحدها: لا يجب الوضوء بأكل شيء، سواء ما مسته النار ولحم الإبل وغير ذلك، وبه قال جمهور العلماء، وهو محكي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وأُبَي بن كعب وأبي طلحة وأبي الدرداء وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي أمامة -رضي الله عنهم-، وبه قال جمهور التابعين ومالك وأبو حنيفة.
وقالت طائفة: يجب مما مسته النار، وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وأبي قلابة وأبي مجلز، وحكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة: ابن عمر وأبي طلحة وأبي موسى وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة -رضي الله عنهم-.
وقالت طائفة: يجب مِن أَكْلِ لَحْمِ الجَزُور خاصة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وحكاه الماوردي عن جماعة من الصحابة: زيد بن ثابت وابن عمر وأبي موسى وأبي طلحة وأبي هريرة وعائشة، وحكاه ابن المنذر عن جابر بن سمرة الصحابي ومحمد بن إسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة، واختاره من أصحابنا: أبو بكر بن خزيمة وابن المنذر، وأشار إليه البيهقي كما سبق.
واحتج مَن أَوْجَبَه مما مسَّت النار بأحاديث صحيحة منها: حديث زيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «توضؤوا مما مست النار»...
واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة، منها: حديث ابن عباس: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَكَلَ كَتِفَ شاة ثم صلَّى ولم يتوضأ» رواه البخاري ومسلم...
واحتج الأصحاب -أيضًا- بحديث جابر المذكور في الكتاب (وهو: «كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما مست النار»)...
واحتج القائلون بوجوب الوضوء بأكل لحم الجزور: بحديث جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ»، قال أنتوضأ من لحوم الإبل؟ «قال: نعم، فتوضَّأْ من لحوم الإبل» رواه مسلم من طرق، وعن البراء: «سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوضوء من لحوم الإبل، فَأَمَر به»، قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا حديثان: حديث جابر والبراء (السابقان). المجموع (2/57- 59).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
أكْل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال، نيئًا ومطبوخًا، عالِمًا كان أو جاهلًا، وبهذا قال جابر بن سمرة، ومحمد بن إسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي، قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث.
وقال الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا ينقض الوضوء بحال؛ لأنه رُوي عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الوضوء مما يخرج لا مما يدخل»، ورُوي عن جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما مست النار» رواه أبو داود...
ولنا ما رَوى البراء بن عازب، قال: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن لحوم الإبل، فقال: «توضَّؤوا منها»، وسُئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا يُتوضَّأ منها» رواه أبو داود، وروى جابر بن سمرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثله، أخرجه مسلم، وروى الإمام أحمد بإسناده، عن أسيد بن حضير، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «توضَّؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم»، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك.
قال أحمد، وإسحاق بن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة، وحديثهم عن ابن عباس لا أصل له، وإنما هو من قول ابن عباس، موقوف عليه، ولو صح لوجب تقديم حديثنا عليه؛ لكونه أصح منه وأخَصّ، والخاص يُقدَّم على العام، وحديث جابر لا يعارِض حديثنا أيضًا؛ لصحته وخصوصه. المغني (1/250- 252).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وأَكْلُ لحوم الإبل نيئة ومطبوخة أو مشوية عمدًا وهو يدري أنه لحم جمل أو ناقة فإنه ينقض الوضوء، ولا ينقض الوضوء أكل شحومها محضة، ولا أكل شيء منها غير لحمها، فإن كان يقع على بطونها أو رؤوسها أو أرجلها اسم لحم عند العرب نقض أكلُها الوضوءَ، وإلَّا فلا، ولا ينقض الوضوءَ كلُّ شيء مسته النار غير ذلك. المحلى بالآثار (1/ 225).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا أكل الإنسان من لحم الجزور -الناقة أو الجمل- فإنه ينتقض وضوؤه، سواءً كان نيئًا أو مطبوخًا؛ لأنه ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث جابر بن سمرة: أنه سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَنَتَوضَّأُ من لحوم الغنم؟ قال: إنْ شئتَ، فقال: أَنَتَوضَّأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم»، فكونه -صلى الله عليه وسلم- يجعل الوضوء من لحم الغنم راجعًا إلى مشيئة الإنسان، وأنه (أي: الوضوء من لحم الجزور) لا بدَّ منه، وعلى هذا فيجب الوضوء من لحم الإبل إذا أكله الإنسان نيئًّا أو مطبوخًا.
ولا فرق بين اللحم الأحمر واللحم غير الأحمر، فينقض الوضوء أكلُ الكرش والأمعاء والكبد والقلب والشحم وغير ذلك، وجميع أجزاء البعير ناقضٌ للوضوء؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يُفصِّل، وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا ومن هذا، ولو كان الحكم يختلف لكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبيِّنه للناس حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ثم إننا لا نعلم في الشريعة الإسلامية حيوانًا يختلف حُكمه بالنسبة لأجزائه، فالحيوان إمّا حلال أو حرام، وإما موجب للوضوء أو غير موجب، وأما أن يكون بعضه له حكم، وبعضه له حكم، فهذا لا يُعرف في الشريعة الإسلامية. مجموع الفتاوى (11/ 196).