الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

سأل سَلَمة بن يزيد الجُعْفِي رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا نبيَّ الله، أرأيتَ إنْ قَامَتْ علينا أُمَراءُ يَسْألونا حَقَّهم، ويمْنَعُونا حَقَّنا، فما تأمرنا؟ فأَعْرَضَ عنه، ثم سأله، فأَعْرَضَ عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجَذَبَهُ الأشعث بن قيس، وقال: «اسْمَعُوا وأَطِيعُوا؛ فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم».


رواه مسلم برقم: (1846)، من حديث وائل بن حُجْرٍ -رضي الله عنه-.  


غريب الحديث


«فجَذَبَهُ»:
جَذَبَهُ: أي: الشيء يَجْذِبُه، بالكسر، جَذْبًا، وجَبَذَهُ، على القلب لغة تميم: مَدَّهُ، كاجْتَذَبَهُ، وقد يكون ذلك في العرض، وروي عن سيبويه: ‌جَذَبَ الشيءَ: حوَّله عن موضعه، واجْتَذَبَه: اسْتَلَبَه. تاج العروس، للزبيدي (2/ 141).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «سأل سلمةُ بن يزيد الجُعْفِيُّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا نبيَّ الله، أرأيتَ إنْ قامَتْ علينا أُمَرَاءُ يسألونا حقَّهم، ويمنَعُونا حقَّنَا، فما تَأْمُرنا؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
...سلمة بن يزيد بن مشجعة ابن كعب الجُعْفيّ... نزل الكوفة، وكان وَفَدَ على النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وحدّث عنه، وروى عنه: علقمة بن قيس، وعلقمة بن وائل بن حُجْر، ويزيد بن مُرّة الجهنيّ، له ذكر في "صحيح مسلم" في هذا الحديث فقط... وقال المرزبانيّ: وَفَدَ هو وأخوه لأمِّه قيس بن سلمة بن شَراحيل، فأسلما، واستَعْمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قيسًا على بني مروان، وكتب له كتابًا. البحر المحيط الثجاج (32/ 152).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أرأيتَ» أي: أخْبِرْنِي. شرح المصابيح (4/ 249).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أرأيتَ» أي: أَخْبِرني ماذا نفعل إذا تولى علينا ولاةٌ صِفَتُهم كَيْتَ وكَيْتَ؟ «يسألونا حقَّهم، ويمنَعُونا حقَّنا» كان حقُّه أن يقول: "يسألوننا"، و"يمنعوننا"، لكنَّه حَذَفَ نون الأفعال الخمسة؛ تخفيفًا على لغة. فتح المنعم (7/ 472).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يسألونا» صفة «أمراء»، وجزاء الشرط قوله: «فما تأمرنا؟» على تأويل الإعلام. الكاشف (8/ 2564).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«يسألونا»... طَالِبُونَ «حقهم» أي: من السمع والطاعة، «ويمنعونا حقَّنا» من العطاء والاهتمام بمصالحنا، والنصيحة في أمرنا، «فما تأمرنا؟» أي: فأيّ شيء تأمرنا؟ دليل الفالحين (5/ 134).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -حمه الله-:
هكذا في أكثر النُّسخ: «يسألونا»، «ويمنعونا» بنون واحدة، على حذف نون الوقاية، وهو جائز في مثل هذا الفعل... ووقع في بعض النُّسخ بنونين، وهو ظاهر، ومعنى: «يسألونا حقّهم»؛ أي: يطلبون منا أن نوفّيهم الحقّ الذي وجب لهم، من السمع والطاعة، ونحو ذلك، و«يمنعونا حقّنا»؛ أي: من العدل، وإعطاء الغنيمة، ونحو ذلك، «فَمَا تَأْمُرُنَا؟» أي: أيّ شيء تأمرنا به أن نفعله تجاههم؟ البحر المحيط الثجاج (32/ 152).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فما تأمرنا؟» أي: فهل ننازعهم ونخلعهم، أم لا؟. الكوكب الوهاج (20/ 84).

قوله: «فأَعْرَضَ عنه، ثم سأله، فأَعْرَضَ عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
سكوت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن السائل حتى كرر السؤال ثلاثًا؛ يحتمل أن يكون لأنه كان ينتظر الوحي؛ أو لأنه كان يستخرج من السائل حِرْصَه على مسألته واحتياجَه إليها؛ أو لأنه كَرِهَ تلك المسألة؛ لأنها لا تَصْدُر في الغالب إلا مِن قلبٍ فيه تَشَوُّف لِمُخالفة الأمراء والخروج عليهم. المفهم (4/ 54).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فأَعْرَضَ عنه»؛ لِمَا رأى من المصلحة في ذلك؛ أو لينتظر الوحي به. دليل الفالحين (5/134، 135).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فأَعْرَضَ عنه» أي: عن جوابه؛ إما لأن الأمر لا يَعْنِيه؛ لأنه لن يُدركه، والسؤال عما لا يعني من الحكمة الإعراضُ عنه؛ وإما لأن الظروف غير مناسبة لمثل هذا السؤال. فتح المنعم (7/ 472).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
«ثم سأله» تكراره السؤال مع الإعراض عن الجواب؛ لعدم إدراكه للإعراض؛ ظنًّا منه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يسمع، «ثم سأله في الثانية أو في الثالثة» أي: ثم سأله السؤالَ نفْسَه في المرة الثانية أو في الثالثة، شكٌّ من الراوي في جَذْبِ الأشعث، وهل كان بعد مرتين من السؤال؟ أو ثلاثًا؟. فتح المنعم (7/ 473).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأَعْرَضَ عنه» رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أي: لم يجب له سؤاله، يحتمل أن يكون هذا الإعراض انتظارًا، ويحتمل أن يكون -صلى الله عليه وسلم- شَعَرَ من لهجة السائل وكيفية سؤاله أنه يريد الاستئذان في الخروج على مثل هؤلاء الأئمة، فكان الإعراض إنكارًا عليه، وبكونه -صلى الله عليه وسلم- بيَّن الأمر في نفس المجلس لا يَرِد عليه التأخير في الجواب عن مسألة من المسائل الشرعية. الكوكب الوهاج (20/ 85).

قوله: «فجَذَبَهُ الأشْعَثُ بن قَيس، وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -حمه الله-:
الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسِ بن معدي كرب الْكِنديّ، أبو محمد الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات سنة (40 أو 41 أو 46)، والمعنى: أنه لَمّا رأى الأشعث -رضي الله عنه- إعراضَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عن الجواب عن سؤاله جَذَبَهُ إلى نفسه؛ ليَمْنَعه عن الاستمرار على السؤال؛ مخافة أن يُسْخِطَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - أجاب عن سؤاله «وَقَالَ: اسْمَعُوا» قولهم، «وَأَطِيعُوا» أمْرهم، أو اسمعوا ظاهرًا، وأطيعوا باطنًا). البحر المحيط الثجاج(32/ 153).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: اسمعوا» أي: ظاهرًا «وأطيعوا» باطنًا، أو اسمعوا قولًا، وأطيعوا فعلًا. مرقاة المفاتيح (6/ 2398).
وقال الشيخ حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
«اسمعوا وأطيعوا» أي: قال النبي -عليه الصلاة والسلام-، وربما يكون قال الأشعث؛ لأن الأشعثَ سمع هذا الكلام منه -عليه الصلاة والسلام- في موطن آخر غير هذا الموطن، فيصحُّ أن يكون هذا الكلام موقوفًا ومرفوعًا، فإذا قلنا: مرفوعًا يكون التقدير: قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «اسمعوا وأطيعوا...». شرح صحيح مسلم (21/ 14).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فجَذَبَهُ الأشعثُ بن قيس، وقال: اسمعوا وأطيعوا» الأشعث كان من ملوك كِنْدَة، وجَذَبَهُ ليَمْنَعَه من تكرار السؤال مع الإعراض، والقائل: «اسمعوا وأطيعوا» رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وقد دَفَعَ مُلْحق الرواية هذا الإيهام، ولفظه: «فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اسمعوا وأطيعوا». فتح المنعم (7/ 473).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«اسمعوا وأطيعوا» أي: أَعْطُوهم ما لهم وإن لم يعطوكم ما لكم؛ «فإنما عليهم ما حُمِّلوا» من المأثم، وإثمهم لا يمنع مِن أَدَائِكم معهم ما عليهم من الحق، «وعليكم ما حُمِّلْتم» أي: فلا يمنعكم من أداء ما عليكم تَفْريطُهُم بعدم أداء ما لَكُم. دليل الفالحين (5/134، 135).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم» يعني: أن الله تعالى كلَّفَ الولاةَ العدل، وحُسن الرعاية، وكلَّف الْمُوَلَّى عليهم الطاعةَ، وحُسْنَ النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراءُ اللهَ فيكم، ولم يقوموا بحقوقكم، فلا تَعْصُوا اللهَ أنتم فيهم، وقُومُوا بِحُقُوقِهم، فإنَّ اللهُ مُجَازٍ كل واحدٍ مِن الفريقين بما عَمِل. المفهم (4/ 55).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«حُمِّلوا» بتشديد الميم، و"حَمَلُوا" بتخفيفها: إذا وُضعَ شيءٌ على أحد؛ يعني: إنما يسألهم الله عما أمرهم به، ويسألكم عما أمركم به، هذا مثل قوله: «لهم ما كسبوا ولكم ما كسبتم». المفاتيح (4/ 293).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«فإنما عليهم ما حُمِّلُوا وعليكم ما حُمِّلْتم» قدّم الجار والمجرور على عامله للاختصاص، أي: ليس على الأمراء إلا ما حمَّله الله عليهم من العدل والتسوية، فإذا لم يقيموا بذلك فعليهم الوزر والوبال، وأما أنتم فعليكم ما كُلِّفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق، فإذا قُمْتم بما عليكم فالله تعالى يتفضل عليكم ويُثِيبُكم به. الكاشف (8/ 2564).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنما عليهم ما حمِّلوا» بتشديد الميم، أي: ما كُلِّفُوا من العدل وإعطاء حقِّ الرعية، «وعليكم ما حُمِّلتم» أي: من الطاعة والصبر على البَلِيَّة، وكأنَّ الحديث مقْتَبَس من قوله تعالى: {قُلْ أَطِيْعُوْا اللهَ وَأَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَاْ حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَاْ حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيْعُوْهُ تَهْتَدُوْا وَمَاْ عَلَىْ الرَّسُوْلِ إلَّا البَلَاغُ الْمُبِيْنِ} النور: 54، وحاصِلُه: أنه يجب على كل أحدٍ ما كُلِّفَ به ولم يتَعَدَّ حَدَّه. مرقاة المفاتيح (6/ 2398).
وقال الشيخ الأصبهاني -رحمه الله-:
من جملة عقائد أهل السنة والجماعة: وجوب السَّمع والطاعة لولاة الأمور، وتحريمُ شَقِّ يد الطاعة، وتحريم الخروج على أئمة الجَوْرِ، وما يلزم ذلك من الدعاء للسلطان بالصلاح كما دلت عليه الأدلة الكثيرة من القرآن الكريم، وتَوَاتَرَتْ به السُّنة الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعدَّه الأئمة أصلًا من أصول السُّنة، وقد حكى الإجماعَ عليه الإمام أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- في كتابه: رسالة إلى أهل الثغر، يقول -رحمه الله-: "وأجْمَعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كلَّ مَن وَلِيَ شيئًا من أمورهم عن رضًا أو غَلَبَةٍ، وامتدت طاعتُه مِن بَرِّ وفاجرٍ لا يلزم الخروج عليهم بالسيف، جارَ أو عَدَلَ، وعلى أن ويغزو معهم العدو، ويَحِجَّ معهم البيت، ويدفعَ إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصَلِّيَ خلفهم الجُمَع والأعياد". شرح صحيح البخاري (1/ 207).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: وجوب السمع والطاعة للأمراء وإن لم يقوموا بحق الرعية. تطريز رياض الصالحين (ص432).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
هذا الحديث فيه: أن الأمير إذا منع أحدًا حقَّه فإنَّ له أن يُسمَع ويُطَاع في المعروف، ويؤدي الناسُ الحقَّ الذي عليهم، ويسألون اللهَ الحقَّ الذي لهم. توفيق الرب المنعم (5/ 315).

متى لا تجب طاعة ولي الأمر ؟


إبلاغ عن خطأ