الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«أَهْلَلْنا أصحابَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بالحجِّ خالصًا وَحْدَهُ»، قال عطاء: قال جابر: «فَقدِمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- صُبْحَ رابعةٍ مَضَتْ من ذِي الحِجَّة، فأَمَرَنا أنْ نَحِلَّ»، قال عطاءٌ: قال: حِلُّوا وأَصِيبُوا النِّساء، قال عطاء: ولم يَعْزِمْ عليهم، ولكن أَحَلَّهُنَّ لَهُم، فقلنا -لَمَّا لم يكُنْ بيننا وبين عَرَفَةَ إلَّا خَمْسٌ-: أَمَرَنَا أن نُفْضِي إلى نسائنا فَنَأتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُر مَذاكيرُنا الْمَنِيَّ؟! قال: يقول جابرٌ بيدِه، كأنِّي أَنْظُرُ إلى قوله بيده يُحَرِّكها، قال: فقام النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فينا فقال: «قد عَلِمْتُم أنِّي أتقاكم لله، وأصْدَقُكُم وأَبَرُّكُم، ولولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كما تَحِلُّون، ولو اسْتَقْبَلْتُ مِن أمري ما اسْتَدْبَرْتُ لم أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا فَحَلَلْنَا وسَمِعْنا وأَطَعْنَا»، قال عطاء: قال جابر: «فقَدِم عليٌّ مِن سِعَايَتِهِ فقال: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قال: بما أَهَلَّ به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: فَأَهْدِ وامْكُث حَرامًا، قال: وأَهْدَى له عليٌّ هَدْيًا، فقال سُرَاقَةُ بنُ مالكِ بن جُعْشُم: يا رسول الله، أَلِعَامِنا هذا أم لِأَبَدٍ؟ فقال: لِأَبَدٍ».


رواه البخاري برقم: (7367)، ومسلم برقم: (1216)، واللفظ له، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم برقم: (1905)، فقال: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ وجعَلتُها عُمْرة».
وفي لفظ للبخاري برقم: (1785): «أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أهَلَّ وأصحابَه بالحجِّ، وليس مع أحد منهم هَدْيٌ غير النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلحة، وكان عليٌّ ‌قَدِم ‌مِن ‌اليَمَنِ ومعه الهَدْيُ، فقال: أهْلَلْتُ بما أَهَلَّ به رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم-...».
وفي لفظ للبخاري برقم: (1568): «أَحِلُّوا مِن إِحْرَامِكم، بطوافِ البيتِ وبيْن الصَّفا والمروة، وقَصِّروا، ثم أَقِيمُوا حَلَالًا، حتى إذا كان يومُ ‌التَرْوِيَة ‌فَأَهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قَدِمْتم بها مُتْعَةً، فقالوا: كيف نَجْعَلُها مُتْعة وقد سَمَّيْنا الحج؟ فقال: افعلوا ما أَمَرْتُكُم؛ فلولا أنِّي سُقْتُ الهدي لَفَعَلتُ مثل الذي أمَرْتُكُم، ولكن لا يَحِلُّ مِنِّي حرامٌ حتى يَبْلُغَ الهَدْي مَحِلَّه، فَفَعَلُوا».  


غريب الحديث


«أَهْلَلْنا»:
قال الليث: الْمُحْرِم يُهِلُّ بالإحرام: إذا أَوْجَبَ الحُرُم على نفسه، تقول: أَهَلَّ فلان بعُمْرة أو بحجَّة؛ أي: أَحْرم بها، وإنَّما قيل للإحرام: إهلال؛ لأنَّ إحرامهم كان عند إهلالِ الهِلَالِ، قلت: هذا غلط؛ إنما قيل للإحرام: إهلال لرفع الْمُحِرم صوتَه بالتَّلبِيَة، قال أبو عبيد: قال الأصمعي وغيره: الإهلال: التَّلْبِيَة، وأصل الإهلال: رفع الصوت، وكلُّ شيء رافعٌ صوتَه فهو مُهِلٌّ. تهذيب اللغة، للأزهري (5/239، 240).

«نَحِلَّ»:
رجلٌ حَلَّ من الإحرام، أي: حَلالٌ. الصحاح، للجوهري(4/ 1673).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
يقال: حلَّ المحْرِمُ يَحِلُّ حَلَالًا وحِلًّا، وأَحَلَّ يُحِلُّ إِحْلَالًا: إذَا حَلَّ لَهُ مَا يَحْرم عليه من محظورات الحج، ورجُل حِلٌّ مِنَ الإحْرام: أي: حلال، والحلال: ضِدّ الحرام، ورجُلٌ حَلَال: أَي: غير مُحْرِمٍ ولا مُتَلبِّس بأسباب الحج. النهاية (1/ 428).

«سِعَايَتِهِ»:
‌السِّعَايَةُ: أخذُ الصَّدَقاتِ، وأَسْعَى على صَدَقَاتِهِم: اسْتَعْمَلَ عليهم ساعيًا، وما يُسْتَسْعى فيه العبدُ مِن ثمنِ رَقَبَتِهِ إذا أُعْتِقَ بعضُه يقال له: ‌السِّعَايَةُ أيضًا. المحيط في اللغة، للصاحب بن عباد (2/ 115).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أَهْلَلْنا أصحابَ محمدٍ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالحجِّ خالصًا وَحْدَه»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
عن جابر: «أنه أَهَلَّ بالحج مُفْرِدًا»، وفي أخرى: «بالحجِّ خالصًا»، وفي أخرى: «نحن نقول: لبيك بالحجِّ»، وفي أخرى: «أَقْبَلْنَا مُهِلِّين بالحج مُفْرَدًا»، وفي أخرى: «بالحجِّ خالصًا وحده»، وفي أخرى: «لا يُخَالِطُه شيءٌ». الشافي (3/ 430).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أَهْلَلْنَا أصحابَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-» (أصحاب) منصوب على الاختصاص، أو بتقدير "يعني"، أو "أَعْنِي"، أي: أَحْرمنا «‌بالحجِّ ‌خالصًا وَحْدَهُ» أي: على زَعْم جابرٍ؛ لِمَا تقدَّم أن بعضهم أَهَلّوا بالعُمرة وَحْدها، أو أراد بالأصحاب: أكْثَرَهُم، أو بعضهم، أو مَن لم يَسُقِ الهَدْي، وهو الأظهر، وهو ساكتٌ عن حَجِّهِ -صلى الله عليه وسلم- فيُحْمَلُ على أنه كان قارنًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «بالحجِّ خالصًا» حكاية عن حال غَالِبِ مَن كان معه -صلى الله عليه وسلم- في حِجَّة الوداع، وإلَّا فقد جاء فيهم من كان قارنًا ومعتمرًا. الحاشية على سنن ابن ماجه (2/ 230).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
«أَهلَلنَا ‌بِالحَجِّ ‌خَالِصًا» أي: أَفْردنا ذِكْر الحجِّ في التلبية من العمرة. التحرير (ص222).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
و«خالصًا» حالٌ مِن الحج، و«وَحْدَه» صفة مؤكِّدة له، فـ«خالصًا» حال مُوَطِّئَةٌ، كقوله تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} يوسف:2. الكاشف (6/ 1974).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أَهْلَلْنا معَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ‌بالحجِّ ‌خالصًا، لا يُخَالِطُهُ شيءٌ» (كما في لفظ) مِن العُمْرة ولا القِران ولا غيرهما. شرح سنن أبي داود (8/ 336).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «خالصًا ليس معه عمرة» (كما في لفظ) هو محمول على ما كانوا ابتدأوا به، ثم يقع الإذن بإدخال العمرة في الحج، وبِفَسْخِ الحجِّ إلى العمرة، فصاروا على ثلاثةِ أَنْحَاء مثل ما قالت عائشة: «مِنَّا مَن أَهَلَّ بالحج، ومِنَّا مَن أَهَلَّ بِعُمرة، ومِنَّا مَن جَمَعَ». عمدة القاري (25/ 78).
وقال العراقي -رحمه الله-:
إفراد الحج: هو أن يُحْرِمَ بالحجِّ في أَشْهُرِهِ ويَفْرَغ منه ثم يعتمر مِن عَامِهِ.
والتَّمَتُّع: أنْ يُحْرِمَ بالعمرةِ في أَشْهُرِ الحجِّ ويَفرغَ منها ثم يحجُّ مِن عَامِهِ.
والقِرَانُ: أن يجمعَ بينَهُمَا فيُحْرِمُ بهما دفعةً واحدةً، وكذا لو أَحْرَمَ بالعمرةِ ثم أحرمَ بالحج قبل الطواف يَصِحُّ ويصيرُ قارنًا، فلو أَحْرَمَ بالحجِّ ثم أَدْخَلَ عليه العمرةَ ففيه قولان للشافعي، أصحهما: لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني: يصحُّ ويصيرُ قارنًا بشرط أن يكون قبل الشروعِ في أسبابِ التَّحَلُّلِ مِن الحجِّ. طرح التثريب في شرح التقريب (5/ 17).

قوله: «قال عطاءٌ: قال جابر: فَقدِمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- صُبْحُ رَابِعَةٍ مَضَتْ من ذي الحِجَّة»، وفي الرواية الأخرى: «أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أَهَلَّ وأصحابَه بالحجِّ، وليس مع أحدٌ مِنهم هَدْيٌ غير النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلحة»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «صَبِيْحَةَ رَابِعَةٍ» (كما في لفظ) أي: ليلةَ رابِعَةٍ من ذي الحجة. نخب الأفكار (9/ 427).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«صُبْحُ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِن ذِي الحِجَّة» بكسر الحاء لا غير. مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «صُبْح رَابِعَةٍ» هو بضم الصاد وكسرها. شرح صحيح مسلم (8/ 163).
وقال النووي -رحمه الله-:
يقال: "هَدْيٌ" بإسكان الدال وتخفيف الياء، و"هَدِيٌّ" بكسر الدال وتشديد الياء، لغتان مشهورتان، الأُولى أَفْصَحُ وأَشْهَرُ، وهو: اسم لما يُهدى إلى الْحَرَم من الأنعام، وَسَوْقُ الهَدْيِ سُنَّة لِمَن أراد أن يُحرم بحج أو عمرة. شرح صحيح مسلم (8/ 138).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أَهَلَّ هو وأصحابه بالحج مُفْردًا، وليس مع أحدٍ منهم يومئذٍ هَدْيٌ إلا النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وطلحة» هكذا رواية البخاري، لكن ورد أنَّ أبا بكر وعمر كان معهما أيضًا هَدْي. شرح سنن أبي داود (8/340، 341).

قوله: «فأَمَرَنا أَنْ نَحِلَّ، قال عطاء: قال: حِلُّوا وأصيبوا النِّساء، قال عطاء: ولم يَعْزِمْ عليهم، ولكن أَحَلَّهُنَّ لهم»، وفي الرواية الأخرى: «أَحِلُّوا مِن إِحْرَامِكُمْ، بطوافِ البيتِ وبَيْن الصفا والمروة، وقَصِّرُوا، ثم أَقِيْمُوا حَلالًا، حتى إذا كان يوم ‌التَرْويَة ‌فَأَهِلُّوا بالحج، واجْعَلُوا التي قدِمْتم بها مُتْعة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فَأَمَرَنا أَنْ نَحِلَّ» أي: نَفْسَخَ الحج إلى العمرة، «قال عطاء» أي: راويًا عن جابر: «قال» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-: «حِلُّوا» بكسر الحاء، وتشديد اللام «وأصيبوا النساء» تخصيص بعد تعميم؛ للاهتمام، وتنصيصٌ لدفع الإيهام من الإبهام، «قال عطاء: ولم يَعزِم» أي: يُوجِب النبي -صلى الله عليه وسلم- «عليهم، ولكن أَحَلَّهُنَّ لهم» يعني: لم يجعل الجماع عزيمةً عليهم، بل جَعَلَه رخصةً لهم، بخلاف الفَسْخِ، فإنه كان عزيمةً، فَأَمْرُ «حِلُّوا» للوجوب، «وأصيبوا» للإباحة، أو للاستحباب. مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «قال عطاء: قال: حِلُّوا» الظاهر من السياق أن يكون فاعلُ «قالَ» جابرًا، أي: قال جابرٌ في تفسير قوله: «أَمَرَنا أنْ نَحِلَّ» حاكيًا عن قول رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: «حِلُّوا» بكسر الحاء بلفظ الأمر، ويجوز أن يكون فاعلُ «قالَ» رسولَ اللَّه -صلى الله عليه وسلم-، أي: قال عطاء: قال جابر في تفسيره: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-، فافهم.
ثم فسَّر عطاء تفسير جابر بقوله: «ولم يَعْزِم» أي: لم يوجب عليهم وَطْأَهُنَّ، «ولكن أَحَلَّهُنَّ» أي: أباح وَطْأهُنّ. لمعات التنقيح (5/ 331).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فَأَمَرَنَا أنْ نَحِلَّ» أراد به فَسْخَ الحج في العمرة، قوله: «الحِلَّ كلَّه» بالنصب، أي: حِلُّوا الحِلَّ كلَّه...، قوله: «أنْ نَحِلَّ» بفتح «أنْ» أي: بأن نَحِلَّ، أي: أمَرَنا بالإِحلال بعد أن طُفْنا بالبيت وبالصفا والمروة. نخب الأفكار (9/427- 429)
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قول عطاء في أمره -عليه السلام- لهم أن يحلوا أو يصيبوا النساء، قال: «ولم يَعْزِم عليهم ولكن أَحَلَّهُنَّ لهم» يعني: لم يعزم في وَطْءِ النساءِ، وأما في الإحلال فكانت عزيمة. إكمال المعلم (4/ 258).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- أيضًا:
قوله لمن أَمَرَه بالحِلِّ: «طوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا» بيَّن بهذه الزيادة ما لم يذكره في الأحاديث الأُخَر، هذا لا خلاف فيه أنَّ التَّحلُّل من العُمْرة بعد تمامها بالخلاف (لعلها: بلا خلاف)، وقوله: «حتى إذا كان يوم التروية فَأَهِلُّوا بالحجِّ، واجعلوا ما قَدِمْتُم به مُتعةً، قالوا: كيف نجعلها مُتعةً وقد سَمَّينا الحج؟»: دليل على أنَّ إحرامهم كان بالحج، وأن معنى رواية مَن روى: "أنهم تَمَتَّعوا"، إنما أخبر عن ثاني حالٍ، وهو فَسْخُهم الحجَّ في العُمْرة، ثمَّ الحجَّ بعدها.
وفيه: حجة على أنَّ الإهلال للمَكِّيِّين ومَن بها يومُ التروية. إكمال المعلم (4/261، 262).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي حديث جابر: «فَأَمَرَنا أن نَحِلَّ» يعني: بعُمْرة، وقال في آخره: «قال: فَحِلُّوا، قال: فَحَلَلْنا وسَمِعْنا وأَطَعْنَا»، وفي الرواية الأخرى: «أَحِلُّوا مِن إحرامكم، فطُوفُوا بالبيت وبيْن الصَّفا والمروة، وقَصِّروا وأَقِيمُوا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فَأَهِلُّوا بالحج، واجعلوا الذي قَدِمْتُم بها مُتعةً، قالوا: كيف نجعلها مُتعة وقد سَمَّينا الحج؟! قال: افعلوا ما آمركم به» هذه الروايات صحيحة في أنه -صلى الله عليه وسلم- أمَرَهم بفسخ الحج إلى العمرة أمْر عزيمةٍ وتَحَتُّم، بخلاف الرواية الأولى وهي قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن لم يكن معه هدي فَأَحَبَّ أن يجعلها عمرةً فليفعل»، قال العلماء: خيَّرهم أولًا بيْن الفَسْخِ وعَدَمِه؛ مُلاطَفَةً لهم، وإيناسًا بالعمرة في أشهر الحج؛ لأنهم كانوا يرونها مِن أفْجر الفجور، ثم حَتَّم عليهم بعد ذلك الفَسْخ، وأمَرَهم به أمر عزيمة، وألزمهم إياه، وكَرِه تَردُّدَهم في قبول ذلك، ثمَّ قَبِلوه وفَعَلُوه إلا من كان معه هَدْي، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 150).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
«حِلُّوا وأَصِيبُوا النساءَ، قال عطاء: ولم يَعزم عليهم، ولكن أحَلَّهُنَّ لهم» معناه: لم يعزم عليهم في وطء النساء، بل أباحه ولم يوجبه، وأما الإحلال فَعَزَم فيه على من لم يكن معه هَدْي. شرح صحيح مسلم (8/ 163).
وقال النووي -رحمه الله-أيضًا:
قوله: «حتى إذا كان يومُ الترويةِ وجَعَلْنَا مكَّةَ بِظَهْرٍ أهْلَلْنا بالحجِّ» (كما في رواية لمسلم) فيه دليل للشافعي ومُوَافِقِيه أنَّ الْمُتَمَتِّع وكلَّ مَن كان بمكة وأراد الإحرام بالحج فالسُّنَّة له أن يُحْرِم يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحِجة، وقوله: «جَعَلْنَا مكة بِظَهْرٍ» معناه: أهللنا عند إرادتنا الذهاب إلى مِنَى.
قوله: «حدَّثَني جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنه- أنه حَجَّ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عامَ سَاقَ الهَدْيَ معه، وقد أهَلُّوا بالحج مُفرَدًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أحِلُّوا مِن إِحْرَامِكُمْ فطُوفُوا بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ وقَصِّروا وأَقِيمُوا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأَهِلُّوا بالحج، واجعلوا الذي قدِمْتم بها مُتْعَةً» اعلم أن هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: وقد أهلُّوا بالحج مُفرَدًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اجعلوا إحرامكم عمرةً، وتحلَّلوا بعمل العمرة، وهو معنى فَسْخ الحج إلى العمرة. شرح صحيح مسلم (8/166، 167).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فقال لهم: أَحِلُّوا مِن إِحْرَامِكُم...» إلخ، أي: اجعلوا حَجَّكم عُمرة، وتحلَّلوا منها بالطواف والسعي، قوله: «وقصِّروا» إنما أمرهم بذلك؛ لأنهم يُهِلُّون بعد قليلٍ بالحج، فأَخَّر الحَلْق؛ لأنَّ بين دخولهم وبين يوم التروية أربعة أيام فقط.
قوله: «واجعلوا التي قَدِمْتم بها مُتعة» أي: اجعلوا الحَجَّةَ الْمُفردة التي أَهْلَلْتم بها عُمرةً تتحللوا منها فتصيروا مُتَمَتِّعين، فأَطْلَقَ على العمرة مُتعةً مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرة، ووقع في رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء عند مسلم: «فلمَّا قدِمْنَا مكَّة أمَرَنا أن نَحِلَّ ونجعلها عُمرة». فتح الباري (3/ 431).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة» ثم فَسَّر العُمرة بأن «يطوفوا» بالبيت «ثم يُقصِّروا» بضم الياء وتشديد الصاد، يعني: مِن الشَّعر، يقال: قصَّر من شَعره إذا جَزَّ مِن طُولِهِ، وهو دليل على جواز التقصير، وإن كان الحلق أفضل، «ويَحِلُّوا» بفتح الياء؛ لأنه يقال في ماضيه: حَلَّ وأَحَلَّ، يعني: مِن إحرامهم، وقد يؤخذ منه أنَّ التقصير نُسُك، وهو الصحيح. شرح سنن أبي داود (8/341، 342).

قوله: «فقلنا -لمَّا لم يكُنْ بيننا وبين عَرَفَةَ إلَّا خَمْسٌ-: أَمَرَنا أن نُفْضِي إلى نِسَائِنَا فنأتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُر مَذَاكِيرُنا المَنِيَّ؟!»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «المَذِيّ» بفتح الميم وكسر الذال المعجمة، وفي رواية المستملي: «الْمَنِيّ»، وكذا عند الإسماعيلي. عمدة القاري (25/ 78).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
وقوله: «أمَرَنا أن نُفْضِيَ إلى نسائنا» أي: أنْ نُصِيبَ مِن نِسَائِنا، وقوله: «فقلنا: حِلُّ مَاذَا؟» أي: نَحِلُّ مِن ماذا؟ «قال: الحِلُّ كُلُّهُ» أي: تَحِلُّونَ مِن كلِّ شيء حُرَّم عليكم (بسبب الإحرام). التحرير (222، 223).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقلنا -لَمَّا لم يكن» أي: حين لم يَبْقَ «بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ-» أي: من الليالي بحسابِ ليلةِ عَرَفَةَ، أو من الأيام بحسابِ يومِ الأحدِ الذي لا كلام فيه، «أَمَرَنا» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي نسخة بصيغة المجهول، «أنَّ نُفْضِي» من الإفضاء أي: نَصِل «إلى نسائنا» وهو كناية عن الجماع، كقوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} النساء:21، «فَنَأتي» بالرفع أي: فنحن حينئذ نأتي «عرفة تَقْطر مَذاكيرنا الْمَنِيَّ» الجملة حالية، وهو: كناية عن قُرْب الجِماع، وكان هذا عيبًا في الجاهلية، حيث يعدُّونَه نَقصًا في الحج. مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إلا خمسٌ» أي: خمس ليالٍ، قوله: «فنأتي عرفةَ» ليس مِن تمامِ أَمْرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل هو عطف على مُقدَّر، أي: فَتَنَزَّهْنا مِن ذلك، وقلنا: نأتي عرفة تَقْطر مذاكيرنا المنيَّ، ومِن ثَمَّة أشاروا بمذاكيرهم؛ استهجانًا لذلك
الفعل، ولذلك واجَهَهُم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «قد عَلِمْتُمْ إني أَتْقَاكُم لله» وكذا قوله: «سمعنا وأطعنا» بعد التحليل. الكاشف (6/1974، 1975).
وقال البرهان الحلبي -رحمه الله-:
قوله: «ومذاكيرنا» هو جمع ذَكَر، على غير قياس. الحواشي على سنن ابن ماجه (3/ 527).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقالوا: أَنَنْطَلِقُ إلى مِنًى وذكورنا تَقْطر؟»...، فيه: جواز استعمال الكلام في المبالغة. شرح سنن أبي داود (8/ 342).

قوله: «قال: يقول جابرٌ بيده، كأنِّي أَنْظُرُ إلى قوله بيده يُحَرِّكها»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ويقول جابر بيده هكذا، وحَرَّكَها» أي: أَمَالها، وهكذا إشارة إلى التَّقَطّر وكيفيته، ووقع في رواية الإسماعيلي: «قال: يقول جابرٌ كأني أَنْظُرُ إلى يده يحركها». عمدة القاري (25/ 78).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال» أي: عطاء -رضي الله عنه-: «يقول» أي: يشير «جابرٌ بيده، كأني أنظر إلى قوله» أي: إشارته «بيده يحرِّكها» أي: يده، ولعلَّه أراد تشبيه تحريك المذاكير بتشبيه اليد، أو إشارة إلى تقليل المدَّة بينهم وبين عرفة، أو إيماء إلى وجه الإنكار عليهم، والتأسف لديهم. مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» عطاء: «يقول جابر» أي: يشير «بيده» إلى صفة تَقَاطُر المذاكير الْمَنِيّ حالة كونه يحرِّكها، ففيه إطلاق القول على الفعل، ومثله قوله: «كأني أَنْظُرُ» الآن «إلى قوله» أي: إلى قول جابر وإشارته «بيده» حالة كونه «يحركها» أي يحرك يده ويميلها. الكوكب الوهاج (14/ 9).

قوله: «قال: فقام النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فينا فقال: «قد عَلِمْتُم أنِّي أتقاكم لله وأصْدَقُكُم وأَبَرُّكُم، ولولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كما تَحِلُّونٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال» أي: جابر -رضي الله عنه-: «فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فينا» أي: خطيبًا «فقال: قد عَلِمْتُمْ» أي: اعْتَقَدْتُم «أنِّي أَتْقَاكُم لله» أي: أَدْيَنُكم، أو أخشاكم «وأَصْدَقُكم» أي: قولًا «وأَبَرُّكم» أي: عملًا «ولولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كما تَحِلُّون». مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وَأَبْرُّكم» أي: أكثركم خيرًا وبِرًّا. نخب الأفكار (9/ 429).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «ولولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كما تَحِلُّون» وفي رواية الإسماعيلي: «لَأَحْلَلْت» حَلَّ وأَحَلَّ: لغتان، والمعنى: لولا أن معي الهدي لتمتًّعتُ؛ لأنَّ صاحب الهدي لا يجوز له التَّحلُّل حتى يبلغَ الهدي مَحِلَّه، وذلك في يوم العيد. عمدة القاري (25/ 78).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفي رواية: «فَبَلَغَ ذلك النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فما ندري أَشَيْءٌ بَلَغَهُ من السماء أم شَيْءٌ بَلَغَهُ مِن قِبَلِ الناس، فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، فقال» زاد في رواية: «بَلَغَنِي أنَّ أقوامًا يقولون كذا وكذا»...، وفي رواية: «لولا أني سُقْتُ الهدي لفعلتُ مثلَ الذي أمرتُكم، ولكن لا يَحلُّ مِنِّي حرامٌ حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه». مرعاة المفاتيح (9/ 79).

قوله: «ولو اسْتَقْبَلْتُ مِن أمري ما اسْتَدْبَرْتُ لم أَسُقِ الهديَ»، وفي الرواية الأخرى: «فَقَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ وجعَلتُها عُمْرة»، وفي رواية: «فقالوا: كيف نجعلها مُتْعةً، وقد سَمَّيْنا الحج؟ فقال: افعلوا ما أَمَرْتُكم؛ فلولا أني سُقْتُ الهَدْيَ لفَعَلْتُ مِثْلَ الذي أمَرْتُكم، ولكن لا يَحِلُّ مِنِّي حرامٌ حتى يَبْلُغَ الهديُ مَحِلَّه، ففعلوا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولو استقبلْتُ مِنْ أَمْري ما استدبَرْتُ» «ما» موصولة محلُّها النَّصْبُ على المفعولية، «لم أَسُقِ الهَدْيَ» وكنتُ حَلَلْتُ معكم، أراد به -صلى الله عليه وسلم- تَطْيِيبَ قُلوبِهِم، وتسكين نفوسهم في صورة المخَالَفَةِ بفِعْلِه، وهم يحبون متابعته، وكمال موافقَتِه؛ ولِمَا في نفوسهم مِن الكراهيَّة الطبيعية في الاعتمار في أشهر الحج، ومقاربة النساء قُرْبَ عَرَفَة، «فَحِلُّوا» بكسر الحاء، أَمْرٌ للتأكيد. مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولو أني استقبلت مِن أَمْرِي ما استَدْبَرْت ما سُقْتُ الهدي» هذا دليل على جواز قول: "لو" في التأسف على فواتِ أُمُورِ الدِّين ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح: في أنَّ "لو" تَفْتَحُ عملَ الشيطان، فمحمول على التَّأسُّف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كَثُرَت الأحاديث الصحيحة في استعمال "لو" في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فَيُجْمع بين الأحاديث بما ذكرناه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 156).
وقال النووي -رحمه الله-أيضًا:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «حتى إذا كان يوم التروية فَأَهِلُّوا بالحج، واجعلوا الذي قدمتم بها مُتعة، قالوا: كيف نجعلها مُتعة وقد سمَّيْنا الحج؟! فقال: افعلوا ما آمركم به؛ فلولا أني سُقْتُ الهديَ لَفَعَلْتُ مِثلَ الذي أَمَرْتُكم به» هذا دليلٌ ظاهرٌ لمذهب الشافعي ومالك ومُوَافِقِيهما في ترجيح الإفراد، وأنَّ غالبهم كانوا مُحْرِمِين بالحجِّ، ويُتأول رواية مَن روى: «مُتَمَتِّعين» أنه أراد في آخر الأمر صاروا مُتَمَتِّعين، وفيه: دليلٌ للشافعي ومُوُافِقيه في أنَّ من كان بمكة وأراد الحج إنما يُحْرِمُ به مِن يوم التروية. شرح صحيح مسلم (8/167، 168).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لا يَحِلُّ مِنِّي حرامٌ» بكسر حاء «يَحِلّ» أي: شيء حرام، والمعنى: لا يَحِلُّ مِنِّي ما حُرِّمَ عليَّ، ووقع في رواية مسلم: «لا يُحِلُّ مِنِّي حرامًا» بالنصب على المفعولية، وعلى هذا فيُقرأ: «يُحِلُّ» بضم أوله، والفاعل محذوف تقديره: لا يُحِلُّ طولُ الْمُكْث -ونحو ذلك- مِنِّي شيئًا حرامًا حتى يَبْلُغَ الهديُ مَحِلَّه؛ أي: إذا نُحِرَ يوم مِنًى.
واستُدِل به على أنَّ مَن اعتمر فساق هديًا لا يتحلَّل مِن عُمْرته حتى يَنْحر هَدْيَهُ يوم النحر، وقد تَقَدَّم حديثُ حفصة نحوه، ويأتي حديث عائشة من طريق عقيل، عن الزهري، عن عروة عنها بلفظ: «مَن أحرم بعُمْرة فأَهْدَى فلا يَحِلّ حتى ينحر»، وتَأَوَّلَ ذلك المالكيةُ والشافعيةُ على أن معناه: ومَن أَحْرم بعُمرةٍ وأهدى فَلْيُهِلّ بالحج، ولا يَحِلّ حتى ينحر هديه، ولا يخفى ما فيه، قلت: فإنه خلاف ظاهر الأحاديث المذكورة، وبالله التوفيق.. فتح الباري (3/ 431).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فَبَلَغَ ذلك رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: لو أني استقبلتُ مِن أمري ما استدبرتُ ما أَهْدَيْت» أي: ما سُقْتُ الهدي معي، «ولولا أنَّ مَعي الهدي لَأَحْلَلْتُ» هذا يدل على أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن ما أحرم به مُتَحَتِّمًا مُتَعَيِّنًا عليه، وأنه كان مُخيَّرًا بين أنواع الإحرام، فَأَحْرَمَ بأحدها، ثم إنه لَمَّا قَلَّد الهدي لم يُمكنه أن يتَحلَّل حتى ينحر يوم النحر، فمعنى الكلام: لو ظَهَرَ قبل الإحرام ما ظَهَرَ لي عند دخول مكة من تَوَقُّفِ الناس عن التَّحلُّل بالعمرة لَأَحْرَمْت بعُمْرة، وَلَمَا سُقْت الهدي. شرح سنن أبي داود (8/ 342).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فلو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرتُ» أي: لو عَلِمْتُ في أول الأمر ما علمتُ آخرًا، وهو: جواز العمرة في أشهر الحج ما سُقْت الهدي. عمدة القاري (25/ 78).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سُقْت الهدي» هذا القول منه -عليه السلام- كان تطييبًا لأنفسهم؛ لِمَا رأى من تَوَقُّفهم عن الإِحلال؛ إذ لم يَحِلّ هو؛ لِمَا كانوا من التأسي به حتى لا يجدوا في أنفسهم أنه يأمرهم بخلافِ ما يفعله في نفسه، وفيه دليل على جواز الأمرين، وأنه لولا ما سَبَق مِن سَوْقِهِ -عليه السلام- الهدي لَحَلَّ معهم، إلَّا أن السُّنَّة فيمَن ساق الهدي: لا يَحِلُّ إلَّا بعد بلوغ الهدي مَحِلَّه وهو مُحْرِم يوم النحر. نخب الأفكار (9/ 425).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال الأُبِّي: وإنما مَنَع الهديُ من التَّحلّل من العُمْرة؛ لأن التَّحلُّل منها هو بعد الفراغ منها، وآخر عَمَلِهَا: الْحَلْق، ولو حَلَقَ منها لَحَلَقَ قبل أن يبلغ الهدي مَحِلَّه، والله سبحانه شَرَطَ في الْحَلْقَ أن يكون بعد بلوغ الهدي مَحِلَّه؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} البقرة:196، لا يُقال: يُقَصِّر ويُؤخّر الحَلْق حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه؛ لأن الشَّارع جعل التقصير بمنزلة الحَلْق، فإذا امتنع الحَلْق امتنع التقصير، اهـ. الكوكب الوهاج (14/ 10).

قوله: «فحِلُّوا، فحلَلْنَا وسَمِعْنا وأَطَعْنَا»:
قال الأصبهاني -رحمه الله-:
والذين كانوا أَفْرَدوا الحجَّ فَفَسَخُوه بالعُمْرة قَضُوا العُمْرة، ثم ابتدؤوا الحجَّ مُحْرِمِين به يوم التروية. التحرير (ص222).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فَحَلَلْنا، وسِمِعْنا، وأَطَعْنا» أي: مُنْشرحين، مُنْبَسِطين؛ حيث ظَهَر لنا عُذْرَ المخالفة، وحِكْمة عدم الموافقة. مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فَحِلُّوا» بكسر الحاء، أَمْر من الثلاثي؛ أي: اخرُجوا من إحرامكم بالطواف والسعي والتقصير، قال جابر: «فحَلَلْنَا» مِن إحرامنا «و» قلنا له: «سَمِعْنا» ما قلتَ لنا «وَأَطَعْنا» ما أَمَرْتَنا به. الكوكب الوهاج (14/ 10).

قوله: «قال عطاء: قال جابر: فقَدِم عليٌّ مِن سِعَايَتِهِ»، وفي الرواية الأخرى: «وكان عليٌّ ‌قَدِمَ ‌من ‌اليمن، ومعه الهدي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فَقَدِمَ عليٌّ مِن سِعايَتِهِ» بكسر السين أي: مِن عَمَلِهِ مِن القضاء وغيره في اليمن. مرقاة المفاتيح (5/ 1781).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فَقَدِم عليٌّ مِن سِعايته» أي: مِن عَمَلِه، قيل: في السعي في الصدقات، قال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث: إنما بُعِثَ علىٌّ أميرًا لا عاملًا على الصدقة؛ إذ لا يجوز لبني هاشم استعمالهم عليها؛ إذ لا تجوز لهم، وقد قال النبي -عليه السلام- للفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: «إنَّ الصَّدَقة لا تَحِلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمد»، قيل: يحتمل أنَّ عليًا ولِيَ الصدقات وغيرها احتسابًا، أو أُعْطِيَ عمالتَه عليها من غير الصَّدَقَة، وهذا أشبه؛ لقوله: «مِن سِعايته»، والسِّعَايَةُ إنما تختص بالصدقة، وقد تكون على ما قاله مَن ذَكَرْنا مِن إمارته، قال أبو عبيد: كلُّ مَن وَلِيَ شيئًا على قومٍ فهو ساعٍ عليهم. إكمال المعلم (4/258، 259).
وقال النووي -رحمه الله- معقِّبًا:
وهذا الذي قاله حَسَن، إلا قوله: "إن السعاية تختص بالعمل على الصدقة"، فليس كذلك؛ لأنها تُستعمل في مطلق الولاية، وإن كان أكثرُ استعمالها في الولاية على الصدقة، ومما يدل لِمَا ذكرتُه: حديث حذيفة... في حديث رَفْعِ الأمانة: «ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أبالي أيُّكم بَايَعْتُ، لَئِن كان مسلمًا لَيَرُدَّنَّه عليَّ دِينه، ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا لَيَرُدنَّه عليَّ ساعِيه»، يعني: الوالي عليه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 164).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وكان عليٌّ -رضي الله عنه- قَدِمَ مِن اليمن ومعه الهدي» ... مِن البُدْنِ وهي سبع وثلاثون بَدَنَة. شرح سنن أبي داود (8/ 341).
قوله: «فقال: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قال: بما أَهَلَّ به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فَأَهْدِ وامْكُث حَرَامُا، قال: وأَهْدَى له عليٌّ هَدْيًا».
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بم أَهْلَلْتَ؟ قال» أي عليٌّ -رضي الله عنه-: «بما أَهَلَّ به النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فَأَهْد» -أي: في وقت الهَدْي- دمَ القِران، «وامكث» أي: الآن «حرامًا» أي: مُحْرِمًا، «قال» أي: جابر: «وَأَهْدَى» أي: أتى بالهدي «له عليٌّ هَدْيًا» أي: مِن اليمن كما سبق، أو ذبح لنفسه هديًا في نُسُكِهِ. مرقاة المفاتيح (5/ 1782).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بِمَ أهْلَلْتَ؟» أي: بأيِّ نُسُكٍ مِن النُّسُكين أَحْرَمت يا علي؟ «قال» عليٌّ: أهْلَلْت «بما أَهَلَّ به النبي -صلى الله عليه وسلم-» مِن القِران أو الإفراد أو التَّمتُّع، وهذا يُسمَّى عند الفقهاء إحرامًا تشبيهيًا، «فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فَأَهْد» بقطع الهمزة، أي: فاذبح دم القِران وقتَ دخول ذَبْحِهِ، وهو يوم النحر، «وامْكُث» بِوَصْلِهَا «حرامًا» أي: واجلس الآن مُحْرِمًا حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه، وفي حديث ابن عمر قال: «فَأَمْسِك فإنَّ معنا هديًا». الكوكب الوهاج (14/ 11).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فَأَهْدِ» بقطع الهمزة من الإهداء، وقوله: «وَأَهْدَى له» أي: لنفسه. لمعات التنقيح (5/ 333).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
«أَهْلَلتُ بما أَهَلَّ به رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» فيه دليل أن الحج والعمرة مخصوصان بِعِلَلِهما؛ إذ سائر الفرائض لا يجوز أداؤها إلَّا إذا نُوِيَت بأعيانها، وجاز تعليق الإحرام بما لم يَدْرِ كيفيَّتُه، ولم يكن واقعًا على صورته، ثم تَمَّ على إحرامه مؤدِّيًا لتوابعه على بيان النبي -صلى الله عليه وسلم-. التحرير (ص222).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «فقال له النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: أَهْدِ وامكثْ حَرامًا»، ومثله في حديث أبي موسى في الحديث الذي بعده -وكان -أيضًا- قَدِم مِن اليمن، وأَهَلَّ بما أَهَلَّ به النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «هل سُقْتَ مِن هَدْي؟ قال: لا، فقال: طُفْ بالبيت وبالصفا والمروة ثم حِلّ»، اتفق أوَّلُ الحديثين في تعليق النِّيَّة، واختلف آخرُهما في التَّحلُّل لأبي موسى، والْمُكْث لعليٍّ حرامًا...، وأَمْرُه لأبي موسى بالإحلال على معنى ما أَمَرَ به غيره مِن الفسخ بالعمرة لمن ليس معه هَدي، وأَمْره لعليٍّ أن يُهْدِي ويَمْكُثَ حرامًا؛ إما لأنه -والله أعلم- كان معه هَدي، وفي الحديث: «أهد وامكث حرامًا»، أو يكون قد اعتقد النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنه يَهدي عنه، أو يكون قد خَصَّه بذلك، أو لَمَّا كان النبي -عليه السلام- أَمَرَهُ بِسَوق هذه البُدُن من اليمن، فكان كمَنْ معه هَدْيٌ -ولا يُظنُّ أن هذه البُدُن مِن السِّعاية والصدقة بوجهٍ؛ إذ لا يحل للنبي -صلى الله عليه وسلم- الصدقة ولا يهدي منها-، والأشبه أنّ عليًّا اشتراها باليمن كما اشترى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقيَّتها وجاء بها من المدينة على ما جاء في حديث جابر بعد هذا وغيره، وفي الحديث غير الأم: «أنه اشترى -عليه السلام- هَدْيَهُ بِقُدَيْد»، وفي الأُمِّ بَعْد هذا في حديث ابن عمر: «فساق الهدي معه من ذي الحليفة»، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أَعْلَمَهُ أنه سيعطيه هدايا منها، ففي حديث جابر: «أنه قدِم ببُدنِ النبي -صلى الله عليه وسلم-»، وقد يُحتمل أنه كان له فيها هدي لم يحتج إلى ذكره في الحديث، فلم يمكنه أن يَحِلَّ، ويدل على هذا سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى: «هل سَاقَ معه هديًا؟»، ولم يسأل عليًّا، فدلَّ على عِلمه بأنه كان ممن أهدى، أو ممَّن حُكْمه حُكم مَن أهدى. إكمال المعلم (4/259، 260).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فقال: بِمَ أَهْلَلْت؟ قال: بما أَهَلَّ به النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: فَأَهْد وامكث حرامًا، قال: وأهدى له عليٌّ هدْيًا» ثم ذَكَرَ مسلم بعد هذا بقليل حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: «قال: قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مُنِيخٌ بالبطحاء...» الحديث، هذان الحديثان مُتَّفِقان على صحة الإحرام معلَّقًا، وهو: أن يُحرم إحرامًا كإحرام فلان، فينعقد إحرامه ويصير مُحْرِمًا بما أحرم به فلان، واختَلَفَ آخر الحديثين في التَّحلُّل، فأمر عليًا بالبقاء على إحرامه، وأمر أبا موسى بالتَّحلل، وإنما اختلف آخرهما؛ لأنَّهما أَحْرَمَا كإحرام النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وكان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الهدي، فَشَارَكَهُ عليٌّ في أنَّ معه الهدي؛ فلهذا أمره بالبقاء على إحرامه، كما بقيَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على إحرامه بسبب الهدي، وكان قارنًا، وصار عليٌّ -رضي الله عنه- قارنًا، وأما أبو موسى فلم يكن معه هَدْيٌ؛ فصار له حُكْمُ النبي -صلى الله عليه وسلم- لو لم يكن معه هدي، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنه لولا الهدي لجعلها عمرة، وتحلَّل، فأَمَر أبا موسى بذلك؛ فلذلك اختلف في أمره -صلى الله عليه وسلم- لهما، فاعْتَمِدْ ما ذكرتُه فهو الصواب، وقد تأَوَّلهما الخطابي والقاضي عياض تأْوِيْلَينِ غير مَرْضِيَّيْنِ، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/164، 165).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أخذ بظاهر هذين الحديثين الشافعيُّ، وجوَّز الإهلال بالنية الْمُبْهَمَةِ، قال: ثم له بَعْد أن ينقلها لِمَا شاء من حجٍّ أو عمرةٍ، وله عنده أن ينتقل من نُسُكٍ إلى غيره.
وخالفه سائر العلماء والأئمة؛ لقوله -عليه السلام-: «إنما الأعمال بالنِّيات»؛ ولقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة:196؛ ولقوله: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد:33؛ ولأنَّ هذا كان لهؤلاء خصوصًا؛ إذ كان شُرِعَ الحج بَعْدُ، وما يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك لم يستقر، ولم يُكمل بَعْد، فلم يمكنهم الإقدام على أمرٍ بغير تحقيق. إكمال المعلم (4/ 259).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذين الحديثين (يقصد: أمْر النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلي بالبقاء مُحْرمًا، وأمْره لأبي موسى بالإحلال) دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يصح الإحرام مُعلَّقًا؛ بأن ينوي إحرامًا كإحرام زيدٍ، فيصير هذا المعلِّق كزيد، فإن كان زيد مُحْرِمًا بحجٍّ كان هذا بالحج أيضًا، وإن كان بعُمرة فبعُمرة، وإن كان بهما فَبِهِما، وإن كان زيدٌ أحرم مطلقًا صار هذا مُحْرمًا إحرامًا مُطْلقًا فيصرفه إلى ما شاء مِن حجٍّ أو عمرةٍ، ولا يلزمه موافقة زيد في الصَّرْفِ، ولهذه المسألة فروع كثيرة مشهورة في كتب الفقه، وقد استقصيتُها في شرح المهذب، ولله الحمد. شرح صحيح مسلم (8/ 165).

قوله: «فقال سُرَاقَةُ بنُ مالكِ بن جُعْشُم: يا رسول الله، أَلِعَامِنا هذا أم لِأَبَدٍ؟ فقال: لِأَبَدٍ».
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله، أَلِعَامِنَا هذا» أي: جواز العُمْرة في أشهر الحج، أو جواز فسخ الحج إلى العُمرة مُختصّ بهذه السنة «أم لِأَبَد؟ قال: لِأَبَد»، والأوَّل قول الجمهور، والثاني قول أحمد. مرقاة المفاتيح (5/ 1782).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، أرأيتَ» (كما في لفظ) أي: أخبرني «مُتْعَتَنا هذه» أي: انتفاعُنا بالحِلَّ بعد الطوافِ والسعيِ للعمرة «ألِعَامِنَا هذا» أي: مختص بذلك العام «أم للأبد؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل هِي لِلأبد» أي: زال أمرُ الجاهلية، وهو أنهم كانوا يَرَوْنَ العمرةَ في أشهر الحجِّ مِن أَفْجَرِ الفُجور، ودخَلَت العُمْرة في الحجِّ، وأباحَ الله لهم ذلك، وأما فَسْخ الحج بالعمرة فهو مخصوص بهم في تلك السَّنَة. بذل المجهود (7/119، 120).
وقال المازري -رحمه الله-:
جمهور الفقهاء على أنَّ ‌فَسْخ ‌الحج في عُمرةٍ إنَّما كان خاصًا بالصحابة، وأنه -عليه السلام- إنما أمَرَهُمْ بذلك؛ ليخالفوا ما كانت الجاهلية عليه؛ مِن أنها لا تستبيح العُمْرة في أشهر الحج، وتقول: إذَا بَرَأَ الدَّبَر (الجرح الذي يكون في ظهر البعير)، وعَفَا الأَثَر، وانْسَلَخَ صَفَر، حَلَّت العُمْرة لمن اعْتَمَر.
قال بعض أصحاب الظاهر: بل ذلك (أي: فسخ الحج) جائز إلى الآن، واحتجوا بقوله -عليه السلام- لسراقة: «بَلْ للأبد».
ويحتمل عندنا أن يريد بقوله: «بل للأبد» الاعتمار في أشهر الحج، لا ‌فَسْخ ‌الحج في العمرة، واحتجُّوا أيضًا بما في بعض طرق الحديث لَمَّا قال سراقة: «ألِعامنا أم للأبد؟ فقال: دَخَلَتِ العُمْرة في الحج، لا بل لأَبَدِ أَبَدٍ».
ويحتمل عندنا أن يريد بقوله: «دَخَلَتِ العمرةُ في الحجِّ» أي: جازت العمرة في أشهر الحج؛ خلافًا لما كانت الجاهلية تعتقده، ويحتمل أن يكون دخولها في الحج في عَمَل القارن، وقد تأوَّله بعض مَن لم يرَ العمرة واجبة على أن الْمُرَاد به سُقُوط فرْضِ العمرة بالحَجّ، فمعنى دخول العمرة في الحج سقوط وجوبها به.
وقد ذكر النسائي في كتابه: «أنه سُئل فقيل له: ألِعَامنا أم للأبد؟ فقال: لكم خاصة» فهذا يؤكد ما قلناه، ويُحمل على هذا الفسخ، وهو الذي لَهُم خاصة، والأوَّل على إجازة العمرة في أشهر الحج هو الذي لهم وللناس بعدهم. المعلم (2/83، 84).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد ذكر مسلم بعد هذا في حديث أبي ذرٍ: «كانت لنا رخصةٌ» يعني: المتعة في الحج، وفي الحديث الآخر: «لأصحاب محمدٍ خاصةً»، وذكر النسائي حديث سراقة، وفيه: «تمتَّعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلنا: لنا خاصة أم للأبد؟ فقال: بل للأبد» وذكر حديث الحارث بن بلال عن أبيه، وفيه: «فقلت: يا رسول الله، فَسْخُ الحجِّ لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصةً» (ضعفه الألباني)، فقد تبيَّن بمجموع هذه الأحاديث وتفسيرُ ما فُسِّرَ منها في روايةٍ وبيانه لما أُجمِل في غيرها أن الخصوص لفسخ الحج في العمرة، وعموم الإباحة فِعْل العمرة في أشهر الحج. إكمال المعلم (4/ 261).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله، أَلِعَامنا هذا أم لأبد؟...» الحديث بِرِوَايَتَيْهِ اختلف العلماء في معناه على أقوال: أصحها وبه قال جمهورهم: معناه أن العمرة يجوز فِعْلُها في أَشْهُرِ الحجِّ إلى يوم القيامة، والمقصود به بيان إبطال ما كانت الجاهلية تَزْعُمُه من امتناع العمرة في أشهر الحج.
والثاني: معناه: جواز القِران، وتقدير الكلام: دخَلَت أفعال العمرة في أفعال الحج إلى يوم القيامة.
والثالث: تأويل بعض القائلين بأنَّ العمرة ليست واجبة، قالوا: معناه: سقوط العمرة، قالوا: ودخولها في الحج معناه: سقوط وجوبها، وهذا ضعيف أو باطل، وسياق الحديث يقتضي بطلانه.
والرابع: تأويل بعض أهل الظاهر أن معناه: جواز فسخ الحج إلى العمرة، وهذا أيضًا ضعيف. شرح صحيح مسلم (8/165، 166)
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«أَلَنا خاصةً أم للأبد؟ قال: بل للأبد» وهو صريح في أنّ العمرةَ التي فَسَخُوا حجَّهم إليها لم تكن مختصةً بهم، وأنها مشروعة للأمَّة إلى يوم القيامة.
وقول مَن قال: إن المراد به: السؤال عن الْمُتْعة في أشهر الحجّ، لا عن عُمرة الفسخ، باطل من وجوه:
أحدها: أنه لم يقع السؤال عن ذلك، ولا في اللفظ ما يدلُّ عليه، وإنما سأله عن تلك العمرة المعيَّنة، التي أُمِروا بالفسخ إليها، ولهذا أشار إليها بعينها، فقال: «مُتْعتنا هذه» ولم يقل: العمرة في أشهر الحج.
الثاني: أنه لو قُدِّر أن السائل أراد ذلك، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أطلقَ الجوابَ بأنَّ تلك العمرة مشروعةٌ إلى الأبد، ومعلومٌ أنها مشتملة على وصفين: كونها عُمرةٌ فُسِخَ الحجُّ إليها، وكونها في أشهر الحجّ، فلو كان المراد أحد الأمرين -وهو كونها في أشهر الحج- لبيَّنه للسائل، لا سيما إذا كان الفسخُ حرامًا باطلًا، فكيف يُطلِق الجوابَ عما يجوز ويُشرع وما لا يحلّ ولا يصح إطلاقًا واحدًا؟ هذا مما يُنَزَّه عنه آحادُ أُمَّته -صلى الله عليه وسلم- فضلًا عنه -صلى الله عليه وسلم-... (ثم أوصلها -رحمه الله- إلى عشرين وجهًا، فراجعه إن شئت). تهذيب سنن أبي داود (1/293- 303).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
ونحن نُشهد الله علينا أنَّا ‌لو ‌أَحْرَمْنَا بحجٍّ لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة؛ تفاديًا من غضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (يقصد: غضب رسول الله من تثاقل أصحابه في الإحلال، كما في حديث البراء) واتباعًا لأمره، فوالله ما نُسِخ هذا في حياته ولا بعده، ولا صحَّ حَرْفٌ واحدٌ يعارِضُه، ولا خَصَّ به أصحابَه دُونَ مَن بعدهم، بل أجرى الله سبحانه على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما نُقدِّم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكد الذي غَضِب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على من خالفه!
ولله در الإمام أحمد -رحمه الله- إذ يقول لسلمة بن شبيب، وقد قال له: يا أبا عبد الله، كلُّ أَمْرِكَ عندي حَسَنٌ إلا خَلَّةً واحدةً، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج إلى العمرة، فقال: يا سلمة، كنتُ أرى لك عقلًا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صحاحًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أَأَتْرُكُهَا لقولك؟!. زاد المعاد (2/ 170).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قد ثبت أن مذهب ابن عباس -رضي الله عنه-: أن مَن طاف بالبيت سواء كان حاجًّا أو معتمرًا فقد حَلَّ، أخرجه مسلم من حديث أبي حسان قال: قيل لابن عباس: إن هذا الأمر قد تَفَشَّغَ (أي: فشا وانتشر) بالناس، من طاف بالبيت فقد حَلَّ، وفي رواية: ما هذا الفتيا التي قد تَشَغَّفَتْ أو تشغَّبَتْ بالناس، الطواف عمرة؟! فقال: «سنَّة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- وإن رَغِمْتُم»، وأخرج أيضًا من حديث ابن جريج، أخبرني عطاء قال: كان ابن عباس يقول: "لا يطوف بالبيت حاجٌّ ولا غير حاجٍّ إلَّا حَلَّ"، قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج:33. بذل المجهود (7/ 129).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وقد اختُلف هل الفسخ على جهة الوجوب أو الجواز؟
فمال بعضهم إلى أنه واجب...، والظاهر أن الوجوب رأي ابن عباس؛ لقوله فيما تقدم: إن الطواف بالبيت يُصَيِّرُهُ إلى عمرة شاء أم أبى. نيل الأوطار (9/ 153).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
مسألة: قال: ومن كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أَحْبَبْنَا له أن يفسخ إذا طاف وسعى، ويجعلها عمرةً، إلا أن يكون معه هدي، فيكون على إحرامه. المغني (5/ 251).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد أكثر الناسُ الكلامَ على هذه الأحاديث مِن علمائنا وغيرهم، فمِن مُجِيزٍ مُنْصفٍ، ومِن مُقَصِّر مُتَكلِّف، ومِن مُطيِلٍ مُكثِرٍ، ومن مُقتصِدٍ مختصِر، وأوسعُهم نَفَسًا في ذلك أبو جعفر الطحاوي الحنفي المصري؛ فإنه تكلَّم في ذلك في نيفٍ على ألف ورقة، وتكلَّم في ذلك أيضًا معه أبو جعفر الطبري...، وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم، مما هو أَجْمَعُ للروايات وأشبَهُ بمساق الأحاديث: إنَّ النبي -عليه السلام- أباح للناس فِعْل هذه الثلاثة أشياء ليدل على جواز جميعها؛ إذ لو أَمَرَ بواحد لكان غيره لا يجزئ، وإذا كان -عليه السلام- لم يحج سوى هذه الحجة، فأضيف الكل إليه كما تقدم، وأخبر كل واحدٍ بما أمره به، وأباحه له، ونسبه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إما لأمره بذلك، أو لتأويله عليه، وأما في حقه -عليه السلام- فأخذ بالأفضل أنه إنما أهلَّ بالحج مفردًا، وبه تظاهرت الأخبار الصحيحة.
وأمَّا الروايات بأنه أَهَلَّ مُعتمرًا ضعيفةٌ إن لم تُصْرَفْ إلى أمره، وفِعل بعض الصحابة، وما جاء بأنه أهَلَّ بهما جميعًا، وأنه كان قارنًا فحالةٌ ثابتةٌ له، والله أعلم، وذلك حين أمر أصحابه بالتحلل بالعمرة مِن حَجِّهِم؛ لمخالفة الجاهلية، إلا مَن معه الهدي ممن لا يمكنه التَّحلل، فيكون -عليه السلام- حينئذ هو وغيره ممن ساقَ الهدي أردف العمرة؛ مواساةً لهم في فعلها في أشهر الحج، وتأنيسًا لما كانوا ينكرونه، ولم يمكنه التَّحلُّل لأجل الهدي، واعتذر لهم بذلك عن مساواتهم له في كل حال، فكان -عليه السلام- بفعله هذا قارنًا وإن كان حُكم القِران عن مالكٍ وكافة العلماء: إرداف الحج على العمرة ما لم يَطُفْ بالبيت، لم يختلفوا في جواز هذا وكونه قِرانًا، وشذَّ بعض الناس فقال: لا يدخل إحرامٌ على إحرامٍ، كما لا تدخل صلاة على صلاة. إكمال المعلم (4/232، 233).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: جواز العمرة في أشهر الحج، وهو مُجْمَعٌ عليه.
وفيه: حُجَّة للشافعي وموافقيه أن المستحب للمُتَمَتِّعِ أن يكون إحرامه بالحج يوم التروية، وهو: الثامن من ذي الحجة عند إرادته التَّوجّه إلى مِنَى. شرح صحيح مسلم (8/232، 233).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
- منها: بيان الوقت الذي دخل فيه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مكة، وهو صبح رابعةِ ذي الحجة، وذلك يوم الأحد...
- ومنها: جواز تعليق الإحرام بإحرام غيره، كأن يقول: أَهْلَلْتُ بما أهلَّ به فلان. البحر المحيط الثجاج (22/615، 616).

ولمزيد من الفائدة ينظر شرح حديث: «بما أهللت قلت أهللت كإهلال النبي قال هل معك من هدي قلت لا فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة».


إبلاغ عن خطأ