الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

«خرجْتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعضِ أسْفَاره، وأنا جاريةٌ لم أحْمِل اللحم، ولم أبْدُنْ، فقال للناس: تقدَّموا، فتقدَّموا، ثم قال لي: تَعَالَيْ حتى أُسابِقَك، فَسَابَقْتُه فَسَبَقْتُه، فسكتَ عنَّي، حتى إذا حملْتُ اللحم وبَدُنْتُ، ونَسِيتُ، خرجتُ معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدَّموا، فتقدَّموا، ثم قال: تَعَالَيْ حتى أُسَابِقَكِ، فسَابَقْتُه، فسَبِقَنِي، فجَعَل يضحكُ، وهو يقول: هذه بِتِلْكَ».


رواه أحمد برقم: (26277)، واللفظ له، وأبو داود برقم: (2578)، والنسائي في السنن الكبرى برقم: (8896)، وابن ماجه برقم: (1979)، مختصرًا، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (7007)، وصححه في مشكاة المصابيح برقم: (3251)، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان برقم: (4672).


مختصر شرح الحديث


حثَّتِ الشريعةُ على حُسنِ العِشرةِ بين الزوجين، وجَعَلتْ من ذلك التلطُّفَ وإدخالَ السرورِ على الأهل؛ لِمَا في ذلك من دوامِ الأُلفةِ والمودَّة. وفي هذا الحديث تقول عائشةُ -رضي الله عنها-: «خَرَجتُ مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في بعضِ أسفارِه، وأنا جاريةٌ لم أحملِ اللحمَ، ولم أبدُنْ»؛ أي: كنتُ صغيرةَ السِّنِّ، خفيفةَ الجسمِ، لم يكثرْ لحمُها، ولم تَسْمنْ. «فقال للناس: تقدَّموا، فتقدَّموا، ثم قال لي: تَعَالَي حتى أُسابقَكِ»؛ أي: نجري على الأقدام؛ لنعلمَ أيُّنا أسرعُ، «فسَابَقْتُهُ فسَبقْتُهُ، فسكت عنِّي»؛ أي: لم يذكر ذلك في حِينه، «حتى إذا حَمَلْتُ اللحمَ وبَدُنْتُ، ونَسِيتُ، خَرَجتُ معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدَّموا، فتقدَّموا، ثم قال: تَعَالَي حتى أُسابقَكِ، فسَابَقْتُه فَسَبقَنِي، فجعل يضحك، وهو يقول: هذه بتلك»؛ أي: هذه السَّبقةُ في مقابلِ سَبْقتِكِ الأُولى، قال ذلك على سبيلِ المُداعبةِ والمؤانسةِ، وإدخالِ السرورِ على أهله.
وفي الحديث: حُسنُ خُلُقِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وكمالُ تواضعِه، وحُسنُ عِشرته مع أهلهِ، والتلطُّفُ بالزوجةِ بما يزيدُ الألفةَ والمودَّةَ، وجوازُ المسابقةِ على الأقدامِ بغيرِ عِوَضٍ، وجوازُ خروجِ المرأةِ مع زوجِها في السفر، وفضلُ عائشةَ -رضي الله عنها-، وأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُسوةٌ في كريمِ الأخلاقِ وحُسنِ العِشرة، وجوازُ الضحكِ إذا وُجِد سببُه.


غريب الحديث


«جَارِيَة»:
الجارية: فَتِيَّةُ النِّساء، والجَمعُ: جَوَارٍ. تاج العروس، للزبيدي (37/ 345).
قال المطرزي -رحمه الله-:
الجارية: أنثى الغلام؛ لِخِفِّها وجَريانها. المغرب (1/ 141).

«أَبْدُنْ»:
رجلٌ بَادِنٌ وبَدِينٌ، أَيْ: عظيم الشَّخص والجسم، يقال منه: ‌بَدُنَ. معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (1/ 211).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
بَدُنْتُ، بالتخفيف...: مِن البَدَانة، وهي: كثرة اللحم. النهاية (1/ 107).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قولها: «خرجْتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«في سفر» (كما في لفظ) لم أقف على تعيينه. بذل المجهود (9/ 157).

قولها: «وأنا جارية لم أحْمِل اللحم، ولم أبْدُنْ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وأنا ‌جارية» أي: صغيرة السن دون البلوغ. فتح المنعم (4/ 125).

قولها: «فقال للناس: تقدَّموا، فتقدَّموا، ثم قال لي: تَعَالَيْ حتى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُه فَسَبَقْتُه، فسكتَ عنَّي »:
قال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «فسابقتُه» أي: عَدَوْتُ وركضتُ، وماشيتُ معه؛ لنَنظرَ أيُّنا أسرعُ عَدْوًا، «فسبقتُه» أي: فغلبتُ عليه في العَدْو، وتقدَّمتُ عليه. المفاتيح (4/ 87).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فسابقْتُه» بإسكان القاف وضم التاء، نسبة الفعل إلى عائشة؛ لكونه من اللهو المباح. شرح سنن أبي داود (11/ 272).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌فسَبَقْتُه على رِجلي» (كما في لفظ) أي: لا على دابة...، وفائدته: زيادة بيان المداعبة، كما يقال: أخذتُ بيدي، ومشيتُ برِجْلي، ونظرتُ بعَيْنِي. مرقاة المفاتيح (5/ 2124).

قولها: «حتى إذا حملْتُ اللحم وبَدُنْتُ، ونَسِيْتُ، خَرَجتُ معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدَّموا، فتقدَّموا، ثم قال: تَعَالَي حتى أُسَابِقَكِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«فلما حَمَلْتُ اللحم» أي: فلما سَمِنْتُ. المفاتيح (4/ 87).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلما حَمَلْتُ اللَّحْمَ» كثر لحمي، وشحمي، وثقلْتُ عن الحركة والنشاط. شرح سنن أبي داود (11/ 272).

قولها: «فسَابَقْتُه، فسَبِقَنِي، فجَعَل يضحك، وهو يقول: هذه بِتِلْكَ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «هذه بتلك» يعني: تقدُّمي عليك في هذه النَّوبة، في مقابلة تقدُّمِكِ عليَّ في النَّوبة الأولى. المفاتيح (4/ 87).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال قاضي خان: يجوز السباق في أربعة أشياء: في الخُفِّ، يعني: البعير، وفي الحافر، يعني: الفرس، وفي النَّصْل من الرمي، والمشي بالأقدام، يعني به العَدْو، ويجوز إذا كان البدل من جانب واحد، بأنْ قال: إنْ سَبِقْتُك فَلِي كذا، وإنْ سَبِقْتَنِي فلا شيء لك، وإن شُرِط البدل من الجانبين فهو حرام؛ لأنه قِمار، إلا إذا أَدْخَلا مُحَلِّلًا بينهما، فقال كل واحد: إن سَبِقْتَني فلك كذا، وإن سبقتك فلي كذا، وإن سَبَقَ الثالثُ فلا شيء له، فهو جائز وحلال، والمراد من الجواز: الطِّيْبُ والحِل، دون الاستحقاق، فإنه لا يصير مستحقًا، وما يفعله الأمراء فهو جائز أيضًا، بأن يقول لاثنين: أيُّكُما سَبَق فله كذا، وإنما جُوِّز السبق في هذه الأشياء الأربعة؛ لوجود الآثار فيها، ولا أثر في غيرها. مرقاة المفاتيح (5/ 2124).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وقد استَدَلَّ بهذا الحديث مَن جوَّز المسابقة على الأقدام، وأجاب مَن مَنَعَ: بأن ذلك كان بغير عِوَضٍ، وأما مع العوض فلا، وهذا هو الصحيح عندنا (الشافعية). كشف المناهج والتناقيح(3/٧٧).
وقال القدوري -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الأحناف) -رحمهم الله-: تجوز المسابقة على الأقدام بِعِوضٍ وبغير عِوَضٍ، وقال الشافعي -رحمه الله-: لا تجوز بعوض، ومِن أصحابه من قال: فيها وجه آخر، وهو: أنه يجوز. التجريد (12/ 6388).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
المسابقة بِعِوضٍ لا تجوز إلا في هذه الثلاثة (النصل، والحافر، والخف)، وبهذا قال الزهري، ومالك.
وقال أهل العراق: يجوز ذلك في المسابقة على الأقدام، والمصارعة؛ لورود الأثر بهما، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- سابق عائشة، وصارع ركانة.
ولأصحاب الشافعي وجهان، كالمذهبين، ولهم في المسابقة في الطيور والسفن وجهان؛ بناء على الوجهين في المسابقة على الأقدام والمصارعة.
ولنا (الحنابلة): ما روى أبو هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا سَبْقَ إلا في نَصْلٍ، أو خُفٍّ، أو حَافِرٍ» رواه أبو داود، فنفى السَّبق في غير هذه الثلاثة، ويحتمل أن يراد به نفي الجُعْلِ، أي: لا يجوز الجُعْلُ إلا في هذه الثلاثة، ويحتمل أن يراد به نفي المسابقة بعوض، فإنه يتعين حمل الخبر على أحد الأمرين؛ للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في غير هذه الثلاثة.
وعلى كل تقدير فالحديث حجة لنا؛ ولأن غير هذه الثلاثة لا يُحتاج إليها في الجهاد، كالحاجة إليها، فلم تَجُز المسابقة عليها بعوض، كالرمي بالحجارة ورفعها...، وقال أصحاب الشافعي: تجوز المسابقة بكل ما له نَصْلٌ من المزاريق (الرماح الصغيرة)، وفي الرمح والسيف وجهان، وفي الفيل والبغال والحمير وجهان؛ لأن للمزاريق والرماح والسيوف نصلًا، وللفيلة خف، وللبغال والحمير حوافر، فتدخل في عموم الخبر.
ولنا: أن هذه الحيوانات المختلف فيها لا تصلح للكَرِّ والفَرِّ، ولا يُقَاتَل عليها، ولا يُسْهَم لها، والفيل لا يُقَاتِل عليه أهل الإسلام، والرماح والسيوف لا يُرمى بها، فلم تجز المسابقة عليها، كالبقر والتِّرَاسِ (جمع تُرْسٍ، وهو ما يُتخذ وقاية مِن طَعْنِ السيف)، والخبر ليس بعامٍّ فيما تجوز المسابقة به؛ لأنه نكرة في إثبات، وإنما هو عامٌّ في نفي ما لا تجوز المسابقة به؛ لكونه نكرةً في سياق النفي، ثم لو كان عامًّا لحُمل على ما عُهِدت المسابقة عليه، وورد الشَّرعُ بالحثِّ على تعلُّمه، وهو ما ذكرناه. المغني (13/406- 408).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قد استُدل بهذا الحديث على جواز المسابقة على الأقدام، ومَن مَنَعَ المسابقةَ على الأقدام استَدلَّ بمفهوم الحديث المتقدم: «لا سَبْقَ إلا في خُفٍّ أو حافرٍ أو نَصْلٍ»؛ فإن مفهوم الحصر عدم المسابقة في غير هذه الثلاثة المذكورة، والجمع بين الحديثين أَولى، وهو أن يُحمل الحديثُ المتقدم على أن المسابقة بعوض لا تجوز إلا في هذه الثلاثة، ويحمل هذا الحديث على جواز المسابقة بغير عوض، وفيه عمَلٌ بالحديثين، ويدل على ذلك: أن الإجماع على جواز المسابقة في غير هذه الثلاثة على غير عوض. شرح سنن أبي داود (11/ 273).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجُمْلة، والمسابقة على ضربين: مسابقة بغير عِوَضٍ، ومسابقة بعِوَضٍ.
فأما المسابقة بغير عوض: فتجوز مطلقًا من غير تقييد بشيءٍ مُعيّن، كالمسابقة على الأقدام، والسفن، والطيور، والبغال، والحُمُر، والفِيَلَة، والمزاريق (الرماح القصيرة)، والمصارعة، ورفع الحجر؛ ليُعرف الأشدّ، وغير هذا؛ لأن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كان في سفر مع عائشة -رضي اللَّه تعالى عنها-، فسَابَقَتْهُ على رِجلها، فسَبِقَتْه، قالت: «فلمَّا حَمَلْتُ اللحمَ، سَابَقْتُه، فسَبِقَنِي، فقال: هذه بتلك» رواه أبو داود بإسناد صحيح، وسَابَقَ سلمةُ بن الأكوع -رضي الله عنه- رجلًا من الأنصار بين يدي النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في يوم ذي قَرَد. أخرجه مسلم، وصارع النبيّ -صلى الله عليه وسلم- رُكانة، فصَرَعَه، رواه الترمذيّ، ومرّ بقوم يَرْبَعُون حجرًا -يعني يرفعونه؛ ليَعْرِفُوا الأشدّ منهم- فلم يُنكر عليهم، وسائر المسابقة يقاس على هذا.
وأما المسابقة بعوض: فلا تجوز إلا بين الخيل، والإبل، والرمي. ذخيرة العقبى (30/ 29).
وقال المظهري -رحمه الله-:
المرادُ بإيراد هذا الحديث: بيانُ حُسن أخلاقه -صلى الله عليه وسلم-، أو تلطُّفه بنسائه؛ لتقتديَ به أمَّتُه. المفاتيح (4/ 87).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
كان من أخلاقه -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنه جميل العِشْرة، دائم البِشْرِ، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويُوَسِّعُهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان ‌يسابق ‌عائشة أم المؤمنين؛ يتوَدَّدُ إليها بذلك. تفسير القرآن العظيم (2/ 242).
قال المنذري -رحمه الله-:
فيه (الحديث): ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- من كرم الأخلاق وحُسْن المعاشرة مع الأهل، وتَطْيِيبِ قُلُوبِهن. مختصر سنن أبي داود (2/ 168).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه (الحديث): دليل على جواز خروج النساء مع أزواجهن. شرح سنن أبي داود (11/ 272).


إبلاغ عن خطأ