«لا يحلُّ لامرأةٍ أنْ تصوم وزوجُها شاهدٌ إلَّا بإذنهِ، ولا تأذن في بيتِهِ إلَّا بإذنهِ، وما أنْفَقَتْ من نفقةٍ مِن غيرِ أَمْرِهِ، فإنَّه يُؤدَّى إليه شَطْرُهُ».
رواه البخاري برقم: (5195) واللفظ له، ومسلم برقم: (1026)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وعند أبي داود برقم: (2458): «غير رمضان».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شَاهِدٌ»:
أي: حاضر. فتح الباري، لابن حجر (9/ 295).
«شَطْرُهُ»:
أي: نصفه، والمراد: نصف الأجر. فتح الباري، لابن حجر (9/ 296).
شرح الحديث
قوله: «لا يَحلُّ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لا يحل» نفي الحِلِّ إثباتٌ للتحريم، هذا هو الظاهر، وإن كان نفي الحلِّ لا يمنع الكراهة، بمعنى: أن يُقال: إن المكروه أيضًا غير حلال، ولكن الغالب أنَّه في الحِلِّ أو الجواز، فالمراد: التحريم؛ لأن التحريم هو المقابل للجواز، كما قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} النحل: 116، فجعل الله تعالى الحلال قسيمًا للحرام، ومقابلًا له، فإذا قلنا: لا يحل، فالمعنى: يحرم...، الأصل أنَّ نفي الحِلِّ للتحريم؛ لأنَّه -أي: التحريم- هو المقابل للحِلِّ والقسيم له...، فإن قال قائل: ما دُمتَ تقول: إن نفي الحلِّ يحتمل الكراهة، ويحتمل التحريم، فلماذا لا تحمله على الكراهة؟ لأن الكراهة لا يحصل فيها إثم المرأة، فيُحْمَل الحديث على أدنى الاحتمالين حتى تسلم المرأة من الإثم؛ لماذا؟ لأن التأثيم إشغال لذمتها، وإلزام لها بأكثر مما يحتمله اللفظ؟
فالجواب: أنَّ العادة المضطردة: أن نفي الحلِّ، يعني: التحريم، وحينئذٍ يكون هذا الظاهر مقدمًا على الأصل الذي هو عدم التأثيم. إِذَنْ يحرم على المرأة أن تصوم وزوجها شاهد. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام(3/ 270/271).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال النووي: ويؤكد التحريم ثبوت الخبر بلفظ النهي، ووروده بلفظ الخبر لا يمنع ذلك، بل هو أبلغ؛ لأنه يدل على تَأكد الأَمر فيه فيكون تأكدهُ بحمله على التحريم. وقال: وسبب هذا التحريم أنّ للزوج حقّ الاستمتاع بها في كُل وقتٍ وحقه واجبٌ على الفور، فلا يفوته بالتطوع، ولا واجب على التراخي. فتح الباري (9/ 296).
وقال النووي -رحمه الله-:
فإن قيل: ينبغي أن يجوِّز لها الصوم بغير إذنه، فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك، ويُفْسِدُ صومها، فالجواب: أنَّ صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة؛ لأنَّه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد. شرح النووي على مسلم (7/ 115).
قال ابن حجر -رحمه الله- مُعلقًا:
ولا شك أنَّ الأولى له خلاف ذلك إن لم يثبت دليل كراهته...، وفي الحديث: أنَّ حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير؛ لأنَّ حقه واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع. فتح الباري (9/ 296).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقال جماعة من أصحابنا: يكره، والصحيح: الأول، فلو صامت بغير إذن زوجها صح باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرامًا؛ لأن تحريمه لمعنى آخر، لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، فهو كالصلاة في دار مغصوبة، فإذا صامت بلا إذن، قال صاحب البيان (العمراني): الثواب إلى الله تعالى، هذا لفظه، ومقتضى المذهب في نظائرها: الجزم بعدم الثواب، كما سبق في الصلاة في دار مغصوبة. المجموع شرح المهذب (6/ 392).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
دلَّت رواية الباب على تحريم الصوم المذكور عليها، وهو قول الجمهور. فتح الباري (9/ 296).
وقال العراقي -رحمه الله-:
والحديث صريح في تحريم ذلك، وبه صرَّح الشافعية، وحكاه النووي في الروضة وشرح مسلم عن أصحابنا، وحكاه في شرح المهذب عن جمهور أصحابنا، ثم قال: وقال بعض أصحابنا: يكره، والصحيح: الأول...
ومن قال بالكراهة احتاج إلى تأويل قوله: «لا يحلُّ» على أنَّ معناه: ليس حلالًا مستوي الطرفين، بل هو راجح الترك مكروه، وهو تأويل بعيد مستنكر، ولو لم يرد هذا اللفظ فلفظ النهي الذي في صحيح مسلم («لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه»): ظاهر في التحريم، وكذا لفظ المصنف؛ ولأنَّ استعمال لفظ الخبر يدل على تأكيد النهي، وتَأَكُّدُهُ يكون بحمله على التحريم -والله أعلم-. طرح التثريب في شرح التقريب (4/ 140/141).
قوله: «لامرأة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«لامرأة» أي: المزوجة، بدليل قوله: «أنْ تصوم وزوجها شاهد». سبل السلام (1/ 585).
قوله: «أَنْ تَصُومَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أَنْ تَصُومَ» أي: نفلًا؛ لئلا يفوت على الزوج الاستمتاع بها. مرقاة المفاتيح (4/ 1407).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«أَنْ تَصُومَ» أي: نفلًا، أو واجبًا على التراخي. إرشاد الساري (8/ 96).
وقال النووي -رحمه الله-:
«أَنْ تَصُومَ» هذا محمول على صوم التطوع والمندوب الذي ليس له زمن معين. شرح صحيح مسلم (7/ 115).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أَنْ تَصُومَ» يشمل ابتداءَ الصيام، والإفطار بعده، وحينئذٍ تقضيه كما هو مذهب أبي حنيفة، ومن وافقه في قضاء صوم النفل بعد نقضه. لمعات التنقيح (4/ 464).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أَنْ تَصُومَ» ولو فرضًا موسعًا؛ لأن حق الزوج ناجز، ووقت الفرض مُتَّسِعٌ، ومن ثم لو ضاق بأن نذرت صوم وقت معين قبل التزوج به أو بعده بإذن، أو ضاق الوقت بأن لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليها من قضاء رمضان حلَّ لها الصوم بغير إذنه. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (3/ 111).
وقال الشيخ محمد الأمين الهَرَري -رحمه الله-:
أي: «لا تصوم» يومًا ولا أكثر. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (10/ 326).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
عدم حِلِّ الصوم ظاهر في حرمته، وهو يشمل ابتداء الصوم، وقضاءه، فلا يجوز لها صوم النفل، ولا قضاء الواجب إذا كان الوقت متسعًا إلا بإذن زوجها، وفي الحديث إنَّ حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير؛ لأنَّ حقه واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع. مرعاة المفاتيح (7/ 24).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
وفيه: أنَّه يحرم على المرأة أن تصوم غير رمضان بغير إذن زوجها وهو حاضر؛ لأنَّ حقه فرض فلا يجوز تركه بنفل فلو صامت بغير إذنه صح، وإن كان صومها حرامًا كالصلاة في دار مغصوبة، أمَّا صوم رمضان فليس له منعها منه، ومثله قضاء الصوم المضيق والنذر قبل النكاح، وكذا بعده بإذنه وكذا راتبه كصوم يوم عرفة وعاشوراء بخلاف صوم الاثنين والخميس فإنه كالنفل المطلق. فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام (ص: 361).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دلالة على أنَّه يحرم على المرأة أن تصوم تطوعًا بغير إذن زوجها، وذلك؛ لأنَّ للزوج حق الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور، فلا يفوت بالتطوع كما أنَّه لا يفوت بالواجب على التراخي كقضاء رمضان والكفارات والنذر المطلق، وإلى هذا ذهب الجمهور. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (10/ 223).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ليس لها (المرأة) أَنْ تَصُومَ التطوع بغير إذن زوجها، وأمَّا بالنسبة للفرض والشيء الواجب فإن عليها أن تخبره، وأن تستأذنه، وإذا طلب منها أن تؤخِّرْ فلها أن تؤخر...، والترجمة معقودة في صيام المرأة بغير إذن زوجها، وأَنَّه ليس لها ذلك، وهذا باتفاق العلماء، فليس لها أن تتطوع إلا بإذن زوجها، وأمَّا إذا كان فرضًا فلها أن تؤخِّر، ولكن القضاء متحتم عليها، ولازم لها. شرح سنن أبي داود (287/ 33).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث كما تدل عليه رواية أبي داود يُراد به غير رمضان؛ أي: يُراد به النفل، بل الظاهر: النفل والواجب بالنذر؛ لأنَّه لم يستثْنِ إلا رمضان. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 269).
قوله: «وزوجها شَاهِدٌ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وزوجها» يلتحق به السيد بالنسبة لأمته التي يَحِلُّ له وطؤها، ووقع في رواية همام: «وبعلها»، وهي أَفْيَدُ؛ لأن ابن حزم نقل عن أهل اللغة: أن البعل اسم للزوج والسيد، فإن ثبت، وإلا أُلِحقَ السيدُ بالزوج للاشتراك في المعنى. فتح الباري (9/ 295).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وزوجها شاهد» أي: حاضر، ومفعوله محذوف أي: شاهد صومها. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 63).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وزوجها شاهد» أي: حاضر، وظاهر عمومه أنَّه لا فرق في ذلك بين حرِّيتِهِمَا ورقِّهِمَا وتخالفهما في ذلك. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (3/ 111).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وزوجها شاهِدٌ» أي: مقيم في البلد، أمَّا إذا كان مسافرًا فلها الصوم؛ لأنَّه لا يتأتى منه الاستمتاع إذا لم تكن معه. شرح النووي على مسلم (7/ 115).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
أمَّا صومها في غيبة زوجها عن بلدها فجائز بلا خلاف؛ لمفهوم الخبر. فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام (ص: 361).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
نعم لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد: يقتضي جواز التطوع لها إذا كان زوجها مسافرًا؛ فلو صامت وقَدِمَ في أثناء الصيام فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الغيبة: أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع.
وحمل المهلب النهي المذكور على التنزيه فقال: هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إذنه ما لا يضره ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يبطل شيئًا من طاعة الله إذا دخلت فيه بغير إذنه. انتهى، وهو خلاف الظاهر. فتح الباري (9/ 296).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وظاهر التقييد بالشاهد: أنَّه يجوز لها التطوع إذا كان الزوج غائبًا. نيل الأوطار (6/ 252).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فأمَّا قوله: «شاهد» ففيه: احتراز عن زمان غيبته، والذي أراه أن الصوم في حال غيبته أولى؛ لأنَّه يعينها على الصبر عنه، فأمَّا في حضوره، فإنّها إذا أخبرته أنَّها صائمة عند إيثاره غشيانها، وقَّفته بين أمرين: إما أن يفسد صيامها فيفوتها الأجر، أو يؤخر غشيانها فيُكدَّر عيشه. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 213).
قوله: «إلا بإذنه»، وفي رواية: «غَيْرَ رَمَضَانَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إلا بإذنه» تصريحًا أو تلويحًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (10/ 326).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«إلا بإذنه» أي: لا يجوز لها أَنْ تَصُومَ تطوعًا وزوجها حاضر إلا أن يأذن لها، فيجوز حينئذٍ. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (10/ 223).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلا بإذنه» يعني: في غير صيام أيام رمضان، وكذا في غير رمضان من الواجب إذا تضيق الوقت، وقد خصه المصنف (البخاري) في الترجمة الماضية قبل باب بالتطوع، وكأنَّه تلقَّاه من رواية الحسن بن علي عن عبد الرزاق؛ فإن فيها: «لا تصوم المرأة غير رمضان»، وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا في أثناء حديث: «ومن حق الزوج على زوجته ألا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن فعلتْ لم يُقْبَل منها». فتح الباري (9/ 295).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا بإذنه» لأنَّه قد يكون له إليها حاجة، فيمنعه عن ذلك الصوم، فإن قيل: يجوز له أن يفطرها والحالة هذه، فلا يكون صومها مانعًا له، أجيب بأنَّه قد يهاب ذلك، فأدى إلى تَرْكِهِ لِحَقِّهِ فحَرُمَ إلا بإذنه. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (3/ 111).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلَّا بإذنه» تصريحًا أو تلويحًا، وظاهر الحديث: إطلاق منع صوم النفل فهو حجة على الشافعية في استثناء نحو عرفة وعاشوراء، وإنما لم يلحق بالصوم في ذلك صلاة التطوع لقصر زمنها، وفي معنى الصوم الاعتكاف، لا سيما على القول بأنَّ الاعتكاف لا يصح بدون الصوم.
وأما قول أصحاب الشافعي: يجوز رجوعه عن الإذن لها في الاعتكاف المندوب؛ لأنَّه لا يجب بالشروع فيه، وكذا الصوم- فهو في غاية من البُعْد؛ إذ لا يتَّجِهُ حينئذٍ للإذن، ولمخالفة ظاهر قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد: 33، ولا يبعد أن يحمل قوله: «لا يحل» على معنى لا ينبغي أَنْ تَصُومَ قضاء رمضان أو قضاء صوم النفل إذا كان الوقت متسعًا؛ ليكون مناسبًا لعنوان الباب. مرقاة المفاتيح (4/ 1407).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«إلَّا بإذنِهِ» لأنَّ حقه في الاستمتاع بها في كل وقت، فلو كان مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع، أو مسافرًا جاز لها. إرشاد الساري (8/ 96/97).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «إلَّا بإذنِهِ» إنما هو التطوع دون صيام الفرض في شهر الصوم، فإن كان ذلك قضاء للفائت من فرض الشهر، فإنَّها تستأذنه أيضًا في ذلك ما بين شوال إلى شعبان، فإنَّها إذ ذاك تقضي الفرضَ من غير استئذان، وهو الواجب الذي لا يسعها غير ذلك، وقد رُوي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «كان يكون عليَّ الصوم فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان»، وهذا يدل على أن حق الزوج محصور الوقت، فإذا اجتمع مع سائر الحقوق التي تدخلها المهلة كالحجّ ونحوه قُدِّم عليها. أعلام الحديث (3/ 2001).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وفي عِلَّةِ النهي قيل: لأنَّ من حقه الاستمتاع بها في كل وقت، وعليه فلو منع من الاستمتاع بها مانع آخر كأنْ كان مريضًا بحيث لا يستطيع التمتع أو كان محرمًا أو صائمًا صومًا مفروضًا أو مسافرًا- جاز لها التطوع، فلو قدم من سفره وهي صائمة فله إفساد صومها من غير كراهة، وقال المالكية: ليس له ذلك.
ولا يبْعُد أن يكون النهي لما للزوج من حقوق غير التمتع؛ كالمحافظة على صحتها وَنَضَارَتِهَا، أو على قدرتها على أداء أعمالها في منزلها، ورعايتها لأولادها، أو على وفرة لبنها إذا كانت مرضعة أو نحو ذلك، وعليه فليس لها مهما كان مريضًا أو محرمًا أو صائمًا أو مسافرًا أَنْ تَصُومَ نفلًا إلا بإذنه، ويكون قيد «وزوجها شاهد» لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} آل عمران: 130، ولا مانع أن تكون الحكمة مجموع الأمرين معًا. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 64).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولا أعلم خلافًا في التنفُّل: أنَّ مِن حقّ الزوج منعها منه؛ لحديث أبى هريرة -رضي الله عنه-: «لا يَحِلُّ لامرأة أَنْ تصُومَ وزوجُهَا شاهِدٌ إلَّا بإذنِهِ»، قال بعض شيوخنا: وأمَّا في قضاء رمضان فليس له منعها إلا باختيارها؛ إذ لها حق في إبراء ذمتها. إكمال المعلم (4/ 102/103).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «إلا بإذنه» يعني: في غير صيام أيام رمضان، وكذا سائر الصيامات الواجبة، ويدل على اختصاص ذلك بصوم التطوع قوله: «من غير رمضان»، وما أخرجه عبد الرزاق من طريق الحسن بن علي -رضي الله عنهما- بلفظ: «لا تصوم المرأة غير رمضان»، وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا في أثناء حديث: «ومن حق الزوج على زوجته أَلَّا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن فعلت لم يقبل منها»، والحديث يدل على تحريم صوم التطوع على المرأة بدون إذن زوجها الحاضر، وهو قول الجمهور، وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره، قال النووي: والصحيح الأول، قال: فلو صامت بغير إذنه صح وَأَثِمَتْ؛ لاختلاف الجهة، وأمر القبول إلى الله. نيل الأوطار (6/ 252).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال الجمهور: لا تصوم التطوع إلا بإذنه، وقال جماعة من أصحابنا (أي: الشافعية): يكره، وأمَّا صومها التطوع في غيبة الزوج عن البلد فجائز بلا خلاف؛ لمفهوم الحديث. شرح سنن أبي داود (10/ 601).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إلا بإذنه» متفق عليه، واللفظ للبخاري، زاد أبو داود: «غير رمضان» فيه: دليل على أن الوفاء بحق الزوج من التطوع بالصوم، وأمَّا رمضان فإنَّه يجب عليه، وإن كَرِه الزوج، ويقاس عليه القضاء؛ فلو صامت النفل بغير إذنه كانت فاعلة لمحرم. سبل السلام (1/ 585).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
الواجب على المرأة مراعاة حال الزوج، وهذا في صوم التطوع، وأمَّا الواجب فلا، بل تصوم كالكفارات والنذر؛ إذ هي واجبة على الفور، وهكذا النذر إذا كان مُعَلَّقًا؛ أمَّا إذا كان مطلقًا فمحل نظر، فالأقرب: أنَّه يُقَدَّم حق الزوج. الحلل الإبريزية (4/ 68).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
ولا تصوم المرأة نفلًا وزوجها شاهد إلا بإذنه، وهذا إذا كان يتعارض مع حقوقه، لكن إذا كان لا يحتاجها، امرأة كبيرة في السِّن لا يحتاجها زوجها، وزوجها حاضر، وهي تعرف أنه لا يحتاجها، ولا يتأثر بذلك- هذا في حكم الإذن...،أمَّا إذا كان بحاجتها لا يستطيع الصبر عنها، وليس عنده ما يغنيه عنها، فإنَّه لا يجوز لها، ولا يَحِلُّ لها أَنْ تَصُومَ صوم نَفْلٍ إلا بإذنه، متفق عليه، والَّلفظ للبخاري، ولأبي داود: «غير رمضان» أمَّا رمضان ما فيه إذن لأحد، هذا واجب والفطر فيه معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وما أوجبه الله -جَلَّ وعلا- مقدَّم على كل واجب يوجبه غيره -والله أعلم-. شرح المحرر في الحديث (59/ 33).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
لكن إن كان حاضرًا وقد هجرها ولا يستمتع بها، كما يقع من بعض الأزواج، أو عنده زوجة أخرى استغنى بها ولا يقيم لهذه وزنًا ولا يلتفت إليها، فالأظهر: أنَّها لا تستأذنه؛ نظرًا إلى المعنى؛ فإنَّ العِلَّة التي مِن أجلها مُنِعَتْ من صوم التطوع هي مراعاة حقوقه، ومنها حق الاستمتاع، مفقودة هنا، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- والله تعالى أعلم. منحة العلام شرح بلوغ المرام (ص: 74).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
ويستفاد من هذا: أنَّ المرأة لا تصوم القضاء وزوجها شاهدٌ إلَّا بإذنِهِ، إلا أن تخاف الفوات، فيتعين، وترتفع التوسعة، وقد قال بعض شيوخنا: لها أَنْ تَصُومَ القضاء بغير إذنه؛ لأنَّه واجب؛ وإنما محمل الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم إلا بإذنه- على التطوع، فأمَّا الواجبات فلا يحتاج فيها إلى إذن واحد. المفهم(3/ 208).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
وفي الحديث: أنَّ حقّ الزوج من العشرة والخدمة يقدم على سائر الحقوق، ما لم يكن فرضًا محصورًا في الوقت. مرعاة المفاتيح (7/ 23).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لا يجوز «للمرأة أَنْ تصُومَ وزوجها شَاهِدٌ إلَّا بإذنِهِ»، والصيام نوعان:
نوع واجب فلها أَنْ تَصُومَ بغير إذن زوجها.
ونوع تطوع فلا تصوم إذا كان شاهدًا إلا بإذنه.
أمَّا إذا كان غائبًا فهي حَرَّةٌ؛ لكن إذا كان شاهدًا فلا تَصُمْ؛ لأنَّه ربما يدعوها إلى حاجته وهي صائمة، فيقع في حرج، وتقع هي كذلك في حرج.
أمَّا إذا كان في صوم الواجب؛ كما لو كان عليها أيام من رمضان، ولم يبقَ على رمضان الثاني إلا بمقدار ما عليها، فهنا يجب عليها أَنْ تَصُومَ سواء أذن أم لم يأذن.
فمثلًا: إذا كانت المرأة عليها من رمضان عشرة أيام، ولم يبقَ على رمضان الثاني إلا عشرة أيام، فهنا تصوم، سواء أَذِنَ أم لم يأذن، بل لو منعها من الصوم فلها أَنْ تَصُومَ؛ لأنَّ هذا واجب، أما إذا كان عليها عشرة أيام من رمضان، وقد بقي على رمضان الثاني شهر، أو شهران، أو أكثر، فله أن يمنعها من الصوم، ولا يَحِلُّ لها أَنْ تَصُومَ إلا بإذنه؛ وذلك أن الوقت واسع، وإذا كان واسعًا فلا ينبغي لها أن تُضَيِّقَ على زوجها.
وإذا أَذِنَ لها وسامحها ووافق، فإن كان الصوم واجبًا حرم عليه أن يفسده بالجماع؛ لأنَّه أَذِنَ فيه، وقد شرعت في صوم الواجب، فيلزمها إتمامه.
وإن كان تطوعًا فله أن يجامعها فيه، ولو فسد الصوم؛ لأنَّ التطوع لا يلزم إتمامه، لكن لو قالت: أنت أَذِنْتَ لي، وهذا وعْدٌ منك بأنك لا تفسد صومي وجب عليه الوفاء، وحرم عليه أن يفسد صومها؛ لقول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} الإسراء: 34. شرح رياض الصالحين (6/ 500 ـ 501).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
هذا من حقوق الزوج على زوجته: أنَّه لا يَحِلُّ لها أَنْ تَصُومَ إلا بإذنه ما دام حاضرًا في البلد، أمَّا إذا كان غائبًا؛ فلها أَنْ تَصُومَ ما شاءت، لكن إذا كان في البلد فلا تصوم.
وظاهر الحديث: أنَّها لا تصوم فرضًا ولا نفلًا إلا بإذنه، أما النفل فواضح أنها لا تصوم إلا بإذنه؛ لأنَّ حق الزوج عليها واجب والنفل تطوع لا تأثم بتركه، وحق الزوج تأثم بتركه؛ وذلك أن الزوج ربما يحتاج إلى أن يستمتع بها، فإذا كانت صائمة وأراد الاستمتاع بها صار في نفسه حرج، وإلا فله أن يستمتع بها، ويجامعها، وهي صائمة صوم تطوع إذا لم يأذن فيه من قبل ولو أفسد صومها، ولا إثم عليه.
لكن من المعلوم أنه سيكون في نفسه حرج؛ لهذا قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: «لا يَحِلُّ لامرأة أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بإذنِهِ».
أمَّا صيام الفرض فإن كان قد بقي من السنة مدة أكثر مما يجب عليها، فلا يَحِلُّ لها أَنْ تَصُومَ إلا بإذن زوجها (فإن بقيت مدة الواجب فقط) فلها أَنْ تَصُومَ وإن لم يأذن؛ لأنه لا يَحِلُّ للإنسان الذي عليه قضاء من رمضان أن يؤخر إلى رمضان الثاني، وحينئذٍ تكون فاعلة لشيءٍ واجبٍ فرضٍ في الدين، وهذا لا يشترط فيه إذن الزوج ولا غيره. شرح رياض الصالحين (3/ 145/146).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على أنَّه لا يَحِلُّ للمرأة أَنْ تَصُومَ تطوعًا وزوجها حاضرٌ إلا بإذنه وموافقته؛ لأنَّ حق الزوج واجبٌ على زوجته، ومن حقوقه الاستمتاع بها، والصوم قد يمنعه من ذلك، وصيام غير الفرض مستحب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالمستحب.
ويدخل في ذلك: صيام الاثنين والخميس، والست من شوال، وغير ذلك مما يستحب صيامه، على ما قيل في أحاديثها.
والإذن من الزوج لا يشترط فيه التصريح؛ بل إذا علمت من قرائن الحال ما يدل على الرِّضا بذلك كفى؛ لأنَّ الإذن العرفي كالإذن اللفظي.
فإذا صامت بلا إذنه صح صيامها وأَثِمَتْ؛ لاختلاف الجهة؛ فإن طلب منها أن تفطر وجب عليها ذلك، فإن أبت فهي عاصية.
فإن كان غائبًا جاز لها أَنْ تَصُومَ، ولا تحتاج إلى إذنه؛ لمفهوم قوله: «وزوجها شاهد»، ولأنَّ صيامها في حال غيبته لا يُضيِّع عليه حقًّا من حقوقه.
أمَّا الصوم الواجب كرمضان أداءً أو قضاءً، فلا يحتاج إلى إذن الزوج، فتصومه ولو كَرِهَ ذلك؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. منحة العلام شرح بلوغ المرام (ص: 74).
قوله: «غَيْرَ رَمَضَانَ»:
قال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه: دلالة على أن حق الزوج مقدم على صَوْم التطوع، كما في زيادة أبي داود: «غير رمضان» يعني: وأمَّا رمضان فإنَّه يجب عليها الصوم وإن كَرِهَ الزوج، ويقاس عليه قضاء الصيام، ولا يتعين عليها تأخيره إلى شعبان؛ لأنَّ ذلك واجب مطلق، وحق الزوج وإن كان واجبًا في جميع الأوقات، ولكنه يخصص بغير تضايق أوقات العبادات؛ لعموم التكليف للمرأة والرجل، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قالوا: ولا يمنع الزوجة والعبد من واجب، وإن رخص فيه كالصوم في السفر، والصلاة أول الوقت، فيخص النهي الوارد بصوم التطوع، فإن للزوج المنع، وظاهر الحديث: أنها لا يجوز لها الصوم إلا بإذنه.
فإذا صامت من غير إذن وإن لم ينهها حرم عليها، وله المنع بعد الإذن؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَذِنَ لعائشة وحفصة -رضي الله عنهنَّ- في الاعتكاف، ثم منعهن، وقد ذهب إلى هذا الشافعي والإمام يحيى.
ولا يُقَال: هو إسقاط حق لا يصح الرجوع فيه؛ لأنَّ الحق متجدد هنا؛ وذاك فيما لم يتجدد.
وذهبت الهادوية وأبو حنيفة ومالك إلى أنه ليس له الرجوع؛ لأنَّه قد أسقط حقَّه، فإن أوجبت المرأة على نفسها صومًا بإذن الزوج، فكذا فيه الخلاف. البدر التمام (5/ 111/112).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وزيادة أبي داود: «غير رمضان» هل يمكن أن يقول قائل: المراد: غير رمضان أداءً لا قضاء؟ ممكن، مثل أن يكون مسافرًا أو قادمًا من سفر، أو يكون مريضًا أو مضطرًا لإنقاذ غريق من غرق، وفيه أيضًا: لو صامت عن نَذر هل يَحِلُّ لها أَنْ تَصُومَ وزوجها شاهد؟ نقول: إذا كان قد أَذِنَ لها في النذر وصامت فلا بأس، يعني مثلًا: قالت: عليَّ ثلاثة أيام صوم نذر، قال: موافق؛ فصامت من الغد من غير أن تقول: إني سأصوم غدًا، هل يصح؟ يصح؛ لأنه أَذِنَ لها فيه.
في الكفارة، هل لها أَنْ تَصُومَ وزوجها شاهد بدون إذنه؟ إذا كان هو السبب فلا بأس، وإن كان ليس السبب كما لو كان كفارة يمين -وهي على الفور- فالظاهر: أنَّه في هذه الحالة لها أن تفعل؛ لأن هذا الحق واجب لله فلها أن تفعل. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/274).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
(فوائد الحديث):
1. أنَّ الوفاء بحق الزوج أولى من التطوع بالصوم.
2. أنَّه لا يجوز للمرأة أَنْ تَصُومَ تطوعًا بغير إذن زوجها.
3. يجوز للمرأة أَنْ تَصُومَ فرضها دون إذن الزوج.
4. ينبغي للمرأة أن تستأذن زوجها في قضاء صومها إذا لم يضق الوقت.
5. إذا ضاق وقت المرأة في صيام قضاء عليها لا تحتاج إلى استئذان زوجها. شرح بلوغ المرام (3/ 240).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث عدة فوائد:
الأولى: أنَّ حق الزوج على الزوجة أعظم من حقها عليه، وجهه: أنها مُنعت من الصوم إلا بإذنه، وأما الزوج فله أن يصوم بدون إذنها، ويدل لهذه الفائدة قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} البقرة: 228، ولو تساوى الرجل والمرأة في هذا لم يكن له عليها درجة.
(ومنها): وجوب مُراعاة الزوجة لحقوق الزوج؛ لقوله: «إلا بإذنه».
(ومنها): أنَّه لو كان الزوج غير عاقل فلها أَنْ تَصُومَ ولو كان شاهدًا، من أين يؤخذ؟ ألا نقول: إنه إذا كان مجنونًا فلا تصوم مطلقًا؛ لأننا لا نعلم أنه أذن أم لم يأذن، وهو ممن لا إذن له، وعلى هذا فنقول: صوم التطوع لامرأة المجنون لا يمكن من رمضان إلى رمضان، يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إلا بإذنه»؛ فإذا كان هذا مجنونًا ليس له إذن لأن إذنه متعذر، وإذا تعذَّر الإذن الذي وقف الصيام عليه يتعذَّر الصوم؛ لأنَّ تعذُّر الشرط يستلزم تعذُّر المشروط، هذا هو ظاهر الأمر، ولكن قد يقول قائل: إن في هذا إضرارًا عليها، وقول الرسول: «إلا بإذنه» يدل على أنَّ المراد بذلك: الزوج العاقل الذي له إرادة وتصرف، أمَّا المجنون فلا يدخل في هذا، ولكن المجنون لو أرادها وهي صائمة وجب عليها التمكين من نفسها، وإلا فلها أَنْ تَصُومَ؛ لأنَّه لا يشعر أنها صائمة أو غير صائمة، كأن قائلًا يقول: لِمَ تبقَ تحت المجنون؟ نقول: إذا أرادت أن تبقى قد يكون المجنون مجنونًا بدون حاجة، وقد يكون مهذريًا، يكون كبير السن، وقد يعتريه حادث يُخِلُّ بفكره، المهم: أنَّه ليس له إذن، وقد يزوج وهو صغير، على كل حال: الذي يظهر لي: أنَّ غير العاقل -الذي ليس له إذن معتبر- تصوم المرأة، فإن دعاها لحاجته المفسدة للصوم وجب عليها أن تمكنه؛ لأنَّه زوج.
(ومنها): مُراعاة الشارع البُعد عن الإحراج، وأنَّه لا ينبغي أن نفعل ما فيه إحراج على الغير؛ لأنَّه منع من صومها إلا بإذنه...، فالمهم: أن الحديث يشير إلى أنه ينبغي أن يتجنب الإنسان إحراج غيره، وهذا صحيح؛ لأني أرى أنَّ الإحراج من الأذية يتأذى الْمُحرج، كما قال الله -عز وجل-: {خُذِ الْعَفْوَ} الأعراف: 199، ما عفي من أخلاق الناس وأقوالهم وأفعالهم فخذ، وما لا يأتي إلا بمشقة اتركه.
(ومنها): أنَّ المرأة لو صامت وزوجها شاهد بدون إذنه فصومها فاسد؛ لماذا؟ لأنَّه منهي عنه لذاته، فكما أن الإنسان لو صام يوم العيد فصومه غير صحيح، كذلك هذه المرأة، ولكن ننظر في الموضوع إذا قيل: إن التحريم هنا لحق الزوج، وهو كذلك؛ بدليل أنه رُتب على إذنه؛ فهل نجزم بأن الصوم حرام، أو نقول: هو موقوف على إجازته؛ إن أجازه صح، وإن لم يُجِزْه فليس بصحيح؟ ربما نقول هذا ما دمنا نعرف أنَّ العلة حق الزوج، والزوج أسقط حقه، فإنه يكون صحيحًا، لكنه يُشكل على هذا: أن العبادات ليس فيها تصرف فضولي عند أكثر العلماء... الحاصل: أنَّ الذي يظهر لي في هذا الحديث: أن المرأة لو صامت بدون إذن الزوج، ثم رضي بذلك فالصوم صحيح. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 271/272/273).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: ما يدل على أنَّ المتطوع لا يفطر ولا يفطره غيره؛ لأنَّه لو كان للرجل أن يفسد عليها صومها ما احتاجت إلى إذنه، ولو كان مباحًا لكان إذنه لا معنى له. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (13/ 438).
وقال العراقي -رحمه الله-:
(فيه فوائد):
...
الثالثة: قيد النهي عن الصوم بأن يكون بعلها، أي: زوجها، شاهدًا، أي: حاضرًا مقيمًا في البلد، ومفهومه: أن لها صوم التطوع في غيبته، وهو كذلك بلا خلاف، كما ذكره النووي في شرح المهذب، وهو واضح؛ لزوال معنى النهي.
وما المراد بغيبته هنا؟ هل المراد: الغيبة المعتبرة في أكثر المسائل الشرعية، وهي أن يكون على مسافة القصر، أو المراد: أن يكون فوق مسافة العدوى، أو المراد: مطلق الغيبة عن البلد ولو قلَّتِ المسافة وقصرت مدتها؟
مقتضى إطلاق الحديث ترجيح هذا الاحتمال الثالث، لكن لو ظنت قدومه في بقية اليوم بسبب من الأسباب، فينبغي تحريم صوم ذلك اليوم، وهذا لا يختص بهذا الاحتمال، بل يجري على الاحتمالات كلها، فمتى ظنت قدومه في يوم حرم عليها صومه، ولو بَعُدَتْ بلد الغيبة، وطالت مدتها، ويحتمل ألا يَحْرُم استصحابًا للغيبة، والأصل استمرارها.
الرابعة: وفي معنى غيبته: أن يكون مريضًا لا يمكنه الاستمتاع بزوجته، فلها حينئذٍ الصوم من غير إذنه فيما يظهر.
الخامسة: هل المراد: إذنه صريحًا أو يكفي ما يقوم مقامه من احتفاف قرائن تدل على رضاه بذلك؟ الظاهر: أن احتفاف القرائن واطِّراد العادة يقوم مقام الإذن الصريح.
السادسة: تقدم أن في رواية أبي داود: «غير رمضان»، وهذا لا بد من استثنائه، فلا يحتاج في صوم رمضان إلى إذنه، ولا يمتنع بمنعه، وفي معنى صوم رمضان كل صوم واجب مُضَيَّق، كقضاء رمضان إذا تعدَّت بالإفطار، أو كان الفطر بعذر، ولكن ضاق وقت القضاء بأن لم يبقَ من شعبان إلا قدر القضاء، أو نذرت قبل النكاح أو بعده بإذنه صيام أيام بعينها، والموسَّع كقضاء رمضان إذا كان الفطر بعذر ولم يَضِقِ الوقت والكفارة والنذر الذي ليس له وقت معين- فهو كالتطوع في أن له منعها منه، وقد صرح بذلك كله أصحابنا، وقال النووي في شرح مسلم: هذا محمول على صوم التطوع والمنذور الذي ليس له زمن معين.
قلتُ: وكذا صوم الكفارة وقضاء رمضان إذا فات بعذر ولم يضِقْ الوقت كما تقدم، وقال ابن حزم: تصوم الفروض كلها أحب أم كَرِهَ، قال: وصيام قضاء رمضان والكفارات وكل نذر تقدم لها قبل نكاحها إياه مضموم إلى رمضان؛ لأن الله تعالى افترض كل ذلك، كما افترض رمضان، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الأحزاب: 36، فأسقط الله -عز وجل- الاختيار فيما قضى به، وإنما جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الاستئذان فيما فيه الخيار -والله أعلم-.
السابعة: هذا الحديث ورد في ابتداء الصوم، أمَّا دوامه كما لو نكحها وهي صائمة، فهل له حق في تفطيرها؟ هذه مسألة قل من تعرَّض لها، وقد ذكرها إبراهيم المروزي من أصحابنا، وقال: إنه ليس له إجبارها. طرح التثريب (4/ 141/142).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وليس على المرأة بعد حقِّ الله ورسوله أوجب من حق الزوج، حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لو كنتُ آمرًا لأحد أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها». الفتاوى الكبرى (3/ 145).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
مسألة: في رجل له زوجة تصوم النهار، وتقوم الليل، وكلما دعاها الرجل إلى فراشه تأبى عليه، وتقدم صلاة الليل، وصيام النهار على طاعة الزوج، فهل يجوز ذلك أم لا؟
الجواب: لا يَحِلُّ لها ذلك باتفاق المسلمين، بل يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها إلى الفراش؛ وذلك فرض واجب عليها، وأمَّا قيام الليل، وصيام النهار فتطوع، فكيف تقدم مؤمنة النافلة على الفريضة؟...
فالمرأة الصالحة هي: التي تكون قانتة، أي: مداومة على طاعة زوجها، فمتى امتنعت عن إجابته إلى الفراش كانت عاصية ناشزة. الفتاوى الكبرى (3/ 144).
قوله: «ولا تأذن في بيتِهِ إلَّا بإذنِهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا تَأذَنَ» بالنصب في النُّسخ المصححة؛ عطفًا على «تَصُومَ» أي: ولا يَحِلُّ لها أن تأذن أحدًا من الأجانب، أو الأقارب حتى النساء، و(لا): مزيدة للتأكيد، وقال ابن حجر: يصح رفعه خبرًا يُرَادُ به النهي، وجزمه على النهي. مرقاة المفاتيح (4/ 1407).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ولا تأذن في بيته» معطوف على «تصومَ» داخل في حيِّزِ نفي الحلِّ (لا يَحِلُّ لامرأةٍ) أي: ولا يَحِلُّ لها أن تأذن، والمأذون به محذوف، والتقدير: أن تأذن بدخول أحد في بيته. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 63).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله (البخاري): باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه، المراد ببيت زوجها: سكنه، سواء كان مِلكه أو لا. فتح الباري(9/ 295).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ولا تأذن في بيتِهِ إلَّا بإذنِهِ» يعني: لا تأذن المرأة لأجنبي في دخول البيت. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 35).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» يعني: لا تُدْخِل أحدًا إلى البيت إلا بإذنِه، فإنْ مَنَعَهَا أن تُدْخِلَ أحدًا مُعَيَّنًا قال: فلان لا يدخل عليَّ، حرم عليها أن تدخله بيته؛ لأنَّ البيت له، وأمَّا إذا كان رجلًا واسع الصدر لا يهمه أن يدخل إلى أهله أحد، فلا يلزمها أنْ تستأذنه لكل واحد -والله الموفق-. شرح رياض الصالحين (6/ 500/501).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلا بإذنه» أي: الصريح، وهل يقوم ما يقترن به علامة رضاهُ مقام التصريح بالرضا؟ فيه نظر. فتح الباري (9/ 296).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا بإذنه» صريحًا، أو ما في معناه. دليل الفالحين (3/ 111).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا بإذنه» وفي معناه العلم. مرقاة المفاتيح (4/ 1407).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
الإذن في هذه الأمور مرادٌ به الرضا، ولا يشترط فيه القول، والعُرف في اعتباره هو الحَكَمُ. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 65).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: قوله: «إلَّا بإذنِهِ» يعني: لا لرجل ولا لامرأة يكرهها زوجها، فإن ذلك يوجب سُوء الظّن، ويبعث الغيرة التي هي سبب القطيعة، ويشهد لهذا قوله -عليه السلام-: «انظرن ما أخواتكن» وإن كان الإذن للنساء أخفّ من الإذن للرجال. شرح صحيح البخاري (7/ 317).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى أنَّه لا يفتات (أي: لا يعمل شيء دون أمره) على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم إلا بإذنهم، وهذا محمول على ما لا يعلم رضا الزوج، ونحوه به، فإن عَلمت المرأة ونحوها رضاه به جاز، كما في النفقة. شرح صحيح مسلم (7/ 115).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا تأذن في بيته -وهو شاهد- إلا بإذنه» أي: لا تأذن لأحد في دخول بيته، والجلوس في منزله، سواءً أكان رجلًا أو امرأةً، أو أحد محارم الزوجة إلا إذا أَذِنَ أو علمت أو ظنت أنَّه لا يَكره ذلك، فإن شكَّت في الرّضا ولا قرينة فلا تأذن. شرح سنن أبي داود (10/ 601).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ولا تأذن في بيته» لرجلٍ محرمٍ أو غيره، ولا لامرأة كذلك. دليل الفالحين (3/ 111).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ولا تأذن لأحدٍ، وهو شاهدٌ إلا بإذنه؛ وهذا لأنها إذا أذنت في غيبته، كان ذلك كالخيانة؛ لأنَّهُ رضي بها نائبة عنه في بيته، فأمَّا إذا كان شاهدًا، فإن الأمر يعود إلى الأصل الذي هو الزوج، فإذا أذنت وهو حاضر كان ذلك افتِئاتًا عليه. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 213).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا تأذن في بيته» زاد مسلم من طريق همام عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «وهو شاهد إلا بإذنه»، وهذا القيد لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب، وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته، بل يتأكد حينئذٍ عليها المنع؛ لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على المغَيِّبَات، أي: من غاب عنها زوجها، ويحتمل: أن يكون له مفهوم؛ وذلك أنه إذا حضر تيسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه لتعذره، ثم هذا كُله فيما يتعلق بالدخول عليها، أمَّا مطلق دخول البيت بأن تأذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن سكنها، فالذي يظهر: أنَّه ملتحق بالأول، وقال النووي: في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج بالإذن في بيته إلا بإذنه، وهو محمول على ما لا نعلم رضا الزوج به، أما لو علمت رضا الزوج بذلك فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعًا معدًّا لهم؛ سواء كان حاضرًا أم غائبًا، فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاص لذلك، وحاصله: أنَّه لا بد من اعتبار إذنه تفصيلًا أو إجمالًا. فتح الباري (9/ 296).
وقال العيني -رحمه الله-:
«ولا تأذن في بيته -وهو شاهد- إلا بإذنه» وهو شاهد إلا بإذنه، وهذا القيد لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب...، وأما عند الداعي للدخول عليها للضرورة كالإذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن مسكنها، أو الإذن لدخول موضع مُعَدٍّ للضِّيفَان، فلا حرج عليها في الإذن بذلك؛ لأنَّ الضرورات مستثناة في الشرع. عمدة القاري (20/ 185).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
لا تأذن بالدخول في بيت زوجها إلا بإذنه، فتستأذنه في دخول من يدخل عليها، وإذا كان هناك إذن عام ومتواطأ ومتفق عليه فلها أن تنفِّذ ذلك، بحيث لا يلزم أنها تستأذن في كل شيء، وفي كل حالة، وفي كل مرَّة، وإنما يكفي أن يكون هناك اتفاق بينها وبينه على الإذن، وتعيين من يؤذن له. شرح سنن أبي داود (287/ 33).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
ولا يَحِلُّ لها أن تأذن لأحد بدخول بيته كائنًا من كان إلا بإذنه، ولو كانت امرأة فالفساد بدخول النساء أكثر منه بدخول الرجال، ولو كان أبًا أو جدًا؛ بهذا قال الجمهور، وقال المالكية: بجواز دخول الأب بغير إذن الزوج. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 65).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: حجة على المالكية في تجويز دخول الأب ونحوه بيت المرأة بغير إذن زوجها، وأجابوا عن الحديث بأنه معارض بصلة الرّحم، وإن بين الحديثين عمومًا وخصوصًا وجْهِيًّا، فيحتاج إلى مُرجِّح، ويمكن أن يقال: صِلة الرّحم إنما تندب بما يملكه الواصل، والتصرف في بيت الزوج لا تملكه المرأة إلا بإذن الزوج، فكما لأهلها ألا تصلهم بماله إلا بإذنه، فإذنها لهم في دخول البيت كذلك. فتح الباري (9/ 297).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
ليس لها أن تأذن لوالديها إلا بإذنه. الحلل الإبريزية(4/ 68).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما إدخال أحد بيته بغير إذنه فظاهر، فلا يجوز أن تدخل أحدًا بيته إلا بإذنه، لكن الإذن في إدخال البيت نوعان:
الإذن الأول: إذن العرف، يعني: جرى به العرف مثل دخول امرأة الجيران والقريبات والصاحبات والزميلات، وما أشبه ذلك، هذا جرى العرف به، وأن الزوج يأذن به، فلها أن تدخل هؤلاء إلا إذا منع، وقال: لا تدخل عليك فلانة، فهنا يجب المنع، ويجب ألا تدخل.
والإذن الثاني: إذن لفظي، بأن يقول لها: أدخلي من شئت، ولا حرج عليك إلا من رأيتي منه مَضرة، فلا تدخليه، فيتقيد الأمر بإذنه.
وفي هذا دليل على أنَّ الزوج يتحكم في بيته أن يمنع حتى أُمّ الزوجة إذا شاء أن يمنعها، وحتى أختها وخالتها وعمتها، لكنه لا يمنعها من هؤلاء إلا إذا كان هناك ضرر عليه وعلى بيته؛ لأن بعض النساء -والعياذ بالله- لا يكون فيها خير، تكون ضررًا على ابنتها وزوجها، تأتي إلى ابنتها وتحقنها من العداوة والبغضاء بينها وبين الزوج، حتى تكره زوجها، ومثل هذه الأم لا ينبغي أن تتصل بابنتها؛ لأنها تفسدها على زوجها، فهي كالسحرة الذين يتعلمون ما يفرقون به بين المرء وزوجه. شرح رياض الصالحين (3/ 147/ 148).
قوله: «وما أنفقتْ من نفقةٍ مِن غيرِ أَمْرِهِ، فإنَّه يُؤدَّى إليه شَطْرُهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «وما أنفقت» أي: المرأة. عمدة القاري (20/ 186).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وما أنففت من نفقة» من ماله قدرًا يُعْلَم رضاه به، من غير أن تتجاوز العادة. إرشاد الساري (8/ 97).
وقال النووي -رحمه الله-:
يجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها للسائل وغيره بما أذن فيه صريحًا، وبما لم يأذن فيه، ولم ينه عنه إذا علمت رضاه به، وإن لم تعلم رضاه به فهو حرام، هكذا ذكر المسألة السرخسي وغيره من أصحابنا وغيرهم من العلماء، وهذا الحكم متعين، وعليه تُحْمَل الأحاديث الواردة في ذلك. المجموع شرح المهذب (6/ 244).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«عن غير إِمْرَةٍ» بكسر الهمزة، وفتح الراء، بعدها تاء تأنيث في (الفرع) وفي غيره، وهو الذي في (اليونينية) بفتح ثم كسر فهاء: «أَمْرِه» أي: عن غير إذنه الصريح في ذلك القدر المعين، بل عن إذن عامٍّ سابق يتناول هذا القدر وغيره، إمَّا صريحًا أو جاريًا على المعروف من إطلاق رب البيت لزوجته إطعام الضيف، والتصدق على السائل. إرشاد الساري (8/ 97).
وقال النووي -رحمه الله-:
والإذن ضربان:
أحدهما: الإذن الصريح في النفقة والصدقة.
والثاني: الإذن المفهوم من اطِّراد العُرف والعادة؛ كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به، واطَّرد العُرف فيه، وعُلِمَ بالعُرف رضاء الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه لاطِّرَادِ العُرف، وعُلِمَ أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك، والرضا به، فإن اضطرب العُرف وشك في رضاه، أو كان شخصًا يَشِحُّ بذلك، وعلم من حاله ذلك، أو شك فيه لم يَجُزْ للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له» فمعناه: من غير أمره الصريح في ذلك القَدْرِ المعيَّنِ، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره؛ وذلك الإذن الذي قد بيَّنَّاه سابقًا إمَّا بالصريح وإمَّا بالعُرف، ولا بد من هذا التأويل، الأجر مناصفة، وفي رواية أبي داود: «فلها نصف أجره»، ومعلوم أنَّها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العُرف فلا أجر لها، بل عليها وزر، فتعين تأويله، واعلم أنَّ هذا كله مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة، فإن زاد على المتعارف لم يَجُزْ، وهذا معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة» فأشار -صلى الله عليه وسلم- إلى أنَّه قَدْرٌ يُعْلَمُ رضا الزوج به في العادة، ونبَّه بالطعام أيضًا على ذلك؛ لأنَّه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس، وفي كثير من الأحوال، واعلم أنَّ المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن: النفقةَ على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه وقاصديه من ضيف وابن سبيل ونحوهما، وكذلك صدقتهم المأذون فيها بالصريح أو العُرف -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (7/ 112- 113).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فإنه يُؤَدَّى» بفتح الدّال المُشددة «إليه» من أجر ذلك القَدر المنْفَقِ. إرشاد الساري (8/ 97).
وقال الخطابي -رحمه الله-: وما أنفقت من نفقة عن غير أمره فإنه يؤدى إليه شطره
قوله: «وَمَا أنفقت منْ نفقة عن غَيْرِ أَمرهِ فإنه يُؤَدَّى إليه شَطْرُهُ» فظاهر معناه: أنها إذا أنفقت على نفسها من ماله بغير إذنه فوق ما يجب لها من القُوت بالمعروف، وهو ما يكفيها من الطعام والكِسوة التي تجب لمن هي في مثل حالها غَرمت شَطره، يعني: قدر الزيادة على الواجب لها؛ وذلك أنَّ نفقة المرأة نفقة معاوضة، فهي تتقدر بما يوازيها من العوض، فإن جاوزت ذلك ردَّتِ الفَضْلَ عن مقدار الواجب لها. أعلام الحديث (3/ 2002).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«..فإنه يؤدى إليه شطرهُ» والشطر النصف؛ وذلك في طعام البيت الذي للنفقة، فإن النصف غالبًا يأكله الزوج، والنصف (الآخر) الزوجة، فإذا أنفقت الكل، فتغرم النصف للزوج. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (19/ 146).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي رواية: «...وما أنفقت من كَسبه مِن غيرِ أَمرهِ فإنّ نِصْفَ أَجْرِهِ له» معنى هذه الأحاديث: أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة: أنَّ له أجرًا كما لصاحبه أجر، وليس معناه: أن يزاحمه في أجره، والمراد: المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أَعطى المالك لخازنه أو امرأته أو غيرهما مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره، أو نحوه، فأجر المالك أكثر وإن أعطاه رُمَّانة أو رغيفًا ونحوهما مما ليس له كثير قيمة؛ ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرُّمانة والرغيف- فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عَمله قَدر الرغيف مثلًا، فيكون مِقدار الأجر سواء، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الأجر بينكما نصفان» فمعناه: قسمان وإن كان أحدهما أكثر كما، قال الشاعر:
إذا مت ُّكان الناس ** نصفان بيننا
وأشار القاضي (عياض) إلى أنَّه يحتمل أيضًا أن يكون سواء؛ لأن الأجر فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء، ولا يدرك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والمختار الأول. شرح صحيح مسلم(7/ 111).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وهذا إنما يُتَأَوَّلُ على أن تكون المرأة قد خلطت الصدقة من ماله بالنفقة المستحقة لها حتى كانت شطرين، فرغب الزوج في الإفراج عن حصة الصدقة، وأن يطيب نفسًا عنها؛ لينقلب أجرها له، وهذا لا يدفع أن تكون غرامة زيادة ما أنفقت لازمة لها إن لم يَطِبْ الزوج نفسًا عنها. أعلام الحديث (3/ 2003).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
قوله: «...فإنه يؤدى إليه شطرهُ» ليس المراد: تنقيص أجر الرجل، بل أجره حين تتصدق عنه امرأته كأجرهِ حيث يتصدق هو بنفسه، لكن ينضاف إلى أجره هنا: أجر المرأة، فيكون له هاهنا شطر المجموع.
وقوله: «من غير أَمرِه» تنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنه إذا أُثيب وإن لم يأمر، فلأن يثاب إذا أمر بطريق الأولى، هكذا قال ابن المنير.
وحمله الخطابي على أنها إذا أنفقت على نفسها من ماله بغير إذنه فوق ما يجب لها من القوت غرمت له شطره؛ أي: الزائد على ما يجب لها، وفيه بُعْدٌ، والظاهر: ما قاله ابن المنير.
لكن قوله: «فيكون له هنا شطر المجموع» فيه نظر؛ إذ مقتضاه مشاركة المرأة له في الثواب المقابل لماله، وهو محل نظر، فينبغي أن يكون الثواب المقابل لفوات ماله عليه مختصًّا به، والأجر المترتب على تفويته بالصدقة مقسومًا بينه وبين المرأة من حيث تعلق فعلها بالمال الذي يملكه، فله في فعلها مدخل، فتكون المشاركة بهذا الاعتبار، فتأمل ذلك، وحرره، فإني لم أقف فيه إلى الآن على ما يشفي الصدور -والله أعلم بالصواب-. مصابيح الجامع (9/ 63).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فإن قيل: قد جاء لفظ حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مختلفًا؛ وذلك أنّه ذكر في كتاب الطلاق أنَّه قال: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره، فلها نصف أجره»؛ فهل يعارض قوله -عليه السلام-: «فإنه يؤدى إليه شَطْرُهُ» أم لا؟ قيل: لا تعارض بينهما، بل أحد اللفظين مفسِّرٌ للآخر؛ وذلك أن هذا الحديث إنما ورد في المرأة إذا تصدَّقت من مال زوجها بغير إذنه بالمعروف مما تعلم أنه يسمح به، ولا يتَشَاح به، وقوله: «فلها نصف أجره» يُفَسِّرُ قوله: «يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ» يعني: يَتَأدَّى إليه من أجر الصدقة مثل ما يَتَأدَّى إلى المتصدق من الأجر، ويصيران في الأجر نصفين، ويشهد لهذا قوله -عليه السَّلام-: «الدال على الخير كفاعله»، وهذا يقتضي المساواة. شرح صحيح البخاري (7/ 317).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «...فإنه يؤدى إليه شَطْرُهُ» أي: نصفه، والمراد: نصف الأجر كما جاء واضحًا في رواية همام عن أبي هريرة -رضي الله عنه-... بلفظ: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فله نصف أجره»، وفي رواية أبي داود: «فلها نصف أجره»، وأغرب الخطابي فحمل قوله: «يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ» على المال المنفق، وأنَّه يلزم المرأة إذا أنفقت بغير أمر زوجها زيادة على الواجب لها: أن تغرم القدر الزائد، وأنَّ هذا هو المراد بـالشطر في الخبر؛ لأنَّ الشطر يطلق على النصف وعلى الجزء، قال: ونفقتها معاوضة فتقدر بما يوازيها من الفرض، وترد الفضل عن مقدار الواجب، وإنما جاز لها في قدر الواجب لقصَّة هند -رضي الله عنها-: «خذي من ماله بالمعروف» ا.ه، وما ذكرناه من الرواية الأخرى يردُّ عليه، وقد استشعر الإيراد فحمل الحديث الآخر على معنى آخر، وجعلهما حديثين مختلفي الدلالة، والحق أنهما حديث واحد، رُوِيَا بألفاظ مختلفة. فتح الباري (9/ 296/297).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فإنه يؤدى إليه شَطْرُهُ» أي: نصفه، والمراد به: نصف الأجر، وقد جاء واضحًا في رواية همام عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره؛ فله نصف أجره»... ، وفي رواية أبي داود: «فلها نصف أجره».
وقال الخطابي: قوله: «فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ» محمول على المال الْمُنْفَق، وإنه يلزم المرأة إذا أنفقت بغير أمر زوجها زيادة على الواجب لها أن تغرم القدر الزائد، وأن هذا هو المراد بالشطر في الخبر؛ لأن الشطر يطلق على النصف وعلى الجزء.
وقال الكرماني: فكل ما أنفقت على نفسها من ماله وبغير إذنه فوق ما يجب لها من القوت بالمعروف غرمت شطره، يعني: قدر الزيادة على الواجب لها.
وقال صاحب التلويح (مغلطاي): معنى «فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ» يَتَأدَّى إليه من أجر الصدقة مثل ما يَتَأدَّى إلى المتصدقة من الأجر، ويصيران في الأجر نصفين سواء، ويشهد له قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الدال على الخير كفاعله»، وهذا يقتضي المساواة.
وقال ابن الرابط (لعل المراد: القاضي أبو عبد الله ابن الرابط من المالكية): وهذه النفقة هي الخارجة عن المعروف، الزائدة على العادة، بدليل قصة هند: «بالمعروف»، وحديث: «أنَّ للخازن فيما أنفق أجرًا، وللزوجة أجرًا» يعني: بالمعروف، وهذا النصف يجوز أن يكون النصف الذي أبيح لها أن تتصدق به بالمعروف.
وقال الكرماني: وأما ما روى البخاري -أعني: حديثًا آخر-، فيخالف معناه، وهو أنه قال: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره»؛ فهو إنما يُتَأَوَّلُ على أن تكون المرأة قد خلطت الصدقة من ماله بالنفقة المستحقة لها حتى كانا شطرين.
قلتُ: هذا لا يدفع أن يكون غرامة زيادة ما أنفقت لازمة لها أن لم تَطِبْ نفس الزوج بها، وروى ابن الجوزي من حديث ليث عن عطاء عن ابن عمر وابن عباس -رضي الله تعالى عنهم-: «لا تتصدق المرأة من بيته بشيء إلا بإذنه، فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر، ولا تصوم يومًا إلا بإذنه، فإن فعلت أثمت ولم تؤجر»، وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنَّه سُئل: المرأة تتصدق من مال زوجها؟ قال: «لا، إلَّا من قوتها، والأجر بينهما، وأمَّا من ماله فلا». عمدة القاري 20/ 186).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويؤخذ من الحديث:
1. فضل الإنفاق.
2. إثابة الإنسان على الخير إذا كان سببًا فيه، ولو لم يعلم.
3. إعظام حق الزوج على المرأة. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 66).
وقال محمود خطاب السبكي-رحمه الله-:
دلَّ الحديث: على أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج عن طاعة زوجها حتى في أمور العبادة غير الفرض؛ لأنَّ حقه آكد عليها من التطوع، وعلى أنَّه لا يجوز لها أن تتصرف في شيء من ماله إلا بإذنه. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (10/ 224).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يبين لنا هذا الحديث: ما ينبغي أن تكون عليه معاشرة الزوجة لزوجها، فلا يَحِلُّ لها أَنْ تَصُومَ نفلًا وهو حاضر صيامها إلا بإذنه، فقد يتضرر بهذا الصوم، ويفوت عليه بعض مقاصده، ولمنزله حرمة لا تنتهك، فلا يجوز لها أن تدخل فيه أحدًا أيًّا كان وهو حاضر أو غائب إلا بإذنه، فقد يغار على زوجته من الأجنبي، وقد يكون في بيته من القصور والعيوب ما يحرص على إخفائه، ولا يجب أن يراه أقرب الأقربين، وهي راعية في ماله مسؤولة عنه أمام الله، فلا تنفق شيئًا منه إلا بإذنه، فإن أنفقت من غير إذنه الخاص بعد حصول إذنه العام، وهي تعلم رضاه فلها أجر بقصدها الخير، وفعلها له، ولزوجها أجر مثله باكتسابه هذا المال، لا ينقص أحدهم من أجر الآخر شيئًا. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 63).