الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

«أنه كان في الرِّبَاطِ، ففَزِعُوا إلى الساحل، ثم قيل: لا بأس، فانصرف الناسُ وبقيَ أبو هريرة واقفًا، فمرَّ به إنسانٌ، فقال: ما يُوقِفُكَ يا أبا هريرة؟ فقال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ‌مَوْقِفُ ‌ساعةٍ ‌في ‌سبيل ‌الله خيرٌ مِن قيامِ ليلةِ القَدْرِ عند الحَجَرِ الأسودِ».


رواه ابن حبان برقم: (4603)، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (4286) عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند ابن عساكر في تاريخ دمشق برقم: (2723)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «قيامُ ساعةٍ في الصفِّ للقتال في سبيل الله خيرٌ مِن قيامِ سِتِّين سَنةً».
صحيح الجامع برقم: (4429) و (6636)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1223).


مختصر شرح الحديث


جعَلَ اللهُ تعالى حمايةَ ثغورِ المسلمين والدفاعَ عنهم من أجلِّ القُرُبات، ورتَّب على ذلك من عظيمِ الأجور ما يُرغِّب في المرابطةِ والجهادِ في سبيله. وفي هذا الحديث يروي أبو هريرة -رضي الله عنه- أنه كان في الرِّباط؛ أي: ملازمًا أحدَ ثغورِ المسلمين حارسًا لها، «ففزعوا إلى الساحل»؛ أي: هبُّوا مسرعين إليه؛ لِما ظنُّوه من قدومِ عدوٍّ أو حدوثِ أمرٍ يحتاج إلى الاستعداد، «ثم قيل: لا بأس»؛ أي: زال سببُ الفزع، ولا خطرَ يُخشَى، «فانصرف الناسُ وبقي أبو هريرة واقفًا»؛ أي: بقي في موضعِه مرابطًا؛ اغتنامًا لفضلِ الرباط، «فمرَّ به إنسانٌ، فقال: ما يوقفُكَ يا أبا هريرة؟» أي: ما الذي أبقاكَ في مكانك؟ «فقال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: موقفُ ساعةٍ في سبيلِ الله خيرٌ من قيامِ ليلةِ القدرِ عند الحجرِ الأسود»؛ أي: أنَّ الوقوفَ مدةً يسيرةً مرابطًا في سبيلِ الله، أو قائمًا في صفِّ القتال؛ ابتغاءَ إعلاءِ كلمةِ الله وحمايةِ المسلمين، خيرٌ من قيامِ ليلةِ القدرِ عند الكعبة؛ لعِظَمِ نفعِه وتعلُّقِه بحفظِ الدِّينِ وأهله، وليس المقصودُ التقليلَ من شأنِ قيامِ ليلةِ القدر، وإنما بيانُ عِظَمِ أجرِ المرابطةِ في سبيلِ الله. وفي رواية: «قيامُ ساعةٍ في الصفِّ للقتالِ في سبيلِ الله خيرٌ من قيامِ ستين سَنة».
وفي الحديث: فضلُ الرِّباطِ في سبيلِ الله، وعِظَمُ أجرِ حراسةِ ثغورِ المسلمين والدفاعِ عنهم، وفضلُ الجهادِ والقيامِ في صفِّ القتالِ في سبيلِ الله، وأنَّ الأعمالَ تتفاضلُ بحسبِ ما يترتبُ عليها من المصالحِ العامة، وأنَّ العملَ اليسيرَ قد يَعظُمُ أجرُه بإخلاصِ النيةِ وشرفِ المَقصد، وحرصُ الصحابةِ -رضي الله عنهم- على اغتنامِ مواطنِ الفضل، واستحضارُهم نصوصَ الوحيِ والعملُ بها، واغتنامُ أوقاتِ الطاعاتِ، وعدمُ الانصرافِ عنها ما دام سببُها قائمًا.


غريب الحديث


«الرِّبَاط»:
الرِّبَاطُ في الأصل: الإقامة على جهاد العدُوِّ بالحرب، وارْتِبَاطُ الخَيلِ وإعدادها، فشُبِّه به ما ذُكِر من الأفعال الصالحةِ والعبادة. النهاية، لابن الأثير (2/ 185).
قال الفيروز أبادي -رحمه الله-:
الْمُرَابَطَة: أن يَرْبِطَ كلٌّ مِن الفريقين خيولهم في ثَغْرِهِ، وكلٌّ مُعِد لصاحبه، فسُمِّي المقام في الثَّغْرِ رِبَاطًا. القاموس المحيط (ص: 667).

«فَفَزِعُوا»:
فَزِعَ فَزَعًا، أي: فَرِقَ. العين، للخليل (1/ 360).
وقال الفتني -رحمه الله-:
الفَزَعُ: يكون بمعنى: الرَّوْعُ، وبمعنى: الهُبُوبِ للشيءِ والاهتمامِ به، وبمعنى: الاعتناء. مجمع بحار الأنوار (4/ 136).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنه كان في الرِّبَاطِ»:
قال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
الرِّبَاطُ: وهو ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار؛ لحراسة المسلمين. تطريز رياض الصالحين (ص: 716).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الرِّبَاطُ: مصدر رَابَطَ، وهو لُزُومُ الثَّغْرِ بين المسلمين والكفار، والثَّغْرُ هو المكان الذي يُخْشَى دخول العدو منه إلى أرض المسلمين. الشرح الممتع على زاد المستقنع (8/ 11).

قوله: «ففَزِعُوا إلى الساحل، ثم قيل: لا بأس، فانصرف الناسُ وبقيَ أبو هريرة واقفًا، فمرَّ به إنسانٌ، فقال: ما يُوقِفُكَ يا أبا هريرة؟ فقال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «‌مَوْقِفُ ‌ساعةٍ ‌في ‌سبيل ‌الله خيرٌ مِن قيامِ لَيْلَةِ القَدْرِ عند الحَجَرِ الأسودِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
وإن كانت ساعةً من نهار فإنَّ أجرها ذلك الأجر الكبير؛ لأن الحاصل من قليلها وكثيرها واحد وهو بذل النفس. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 329).
وقال النووي -رحمه الله-:
قيام ليلة القَدْرِ لِمَن وافقها وعَرَفَها سببٌ للغُفران. شرح النووي على مسلم (6/ 41).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وهذا مِن سَعَةِ فَضْل الله على هذه الأمَّة؛ يضاعِف لها مِن العملِ اليَسِيرِ مَا لم تُدْركْه الأممُ السَّالفة في العُمر الطويل والعمل الكثير، فإذا كانت ليلة القَدْرِ لهذه الأمَّة خيرًا من ألف شهر من شهور ذلك الْمَلِك (يريد بذلك رواية كعب الأحبار في رجل من بني إسرائيل...) فكيف بما هو أفضل من ليلة القَدْرِ عند الحَجَر الأسود؛ وهو ‌موقف ‌ساعة ‌في ‌سبيل ‌الله تعالى كما صح ذلك من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -؟! والله أعلم. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (6/ 494)
وقال الفيومي -رحمه الله- أيضًا:
قال ابن النحاس: قد صح أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة كما رواه أصحاب السنن، وقد صح مع هذا أن إقامة يومٍ بأرضِ الرِّباطِ أفضلُ من ألف يوم فيما سواه، وتقدَّم أنه يعمُّ مكة وغيرها، فمِنَ المحْتَمَل أن يقال: إنَّ كل عبادة تَصْدُرُ مِن الْمُرَابِط في ذلك اليوم حُكمها حكم اليوم في التضعيف؛ لأن كل يوم من أجزاء يوم الرباط أفضل مِن مِثْلِه من اليوم ليس فيه رباط، فذلك الجزاء الذي أُدِّيَت فيه الصلاة وما استعمل عليه من الطاعة أفضل من ألف جزء مثله بغيرها، وإن اشتمل على مثل ما اشتمل عليه، فالتضعيف لازم لذلك، فيكون صلاة المرابط على هذا بمائة ألف ألف صلاة، وإذا كان فَضْلُ الله وكَرَمُه اقتضى أن المرابِطَ إذا مات يَجْرِي عليه أجرُ عمله الصالح إلى يوم القيامة ويُؤَمَّن مِن فتنة القبر، ويَجْرِي عليه رزقُه كما في الأحاديث الصحيحة، ولم يرد ذلك فيمن مات بمكة أو المدينة، فلا يَبْعُد أن يَخصَّ اللهُ المرابطَ بزيادةِ تضعيف الصلاةِ أيضًا على الصلاة بالمساجد الثلاثة، والله يؤتي فَضْلَه من يشاء والله واسع عليم. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (6/ 305).

قوله في رواية: «قيامُ ساعةٍ في الصَّفِّ للقتالِ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مِن قيامِ سِتِّينَ سَنَةً»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«قيام ساعةٍ...» بقصد إعلاء كلمة الله «خيرٌ ‌من ‌قيام ‌سِتِّين ‌سَنة» أي: مِن التهجُّد بالليلِ مدَّة سِتِّين سَنة، وهذا فيما إذا تعيَّن القتال. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 200).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«قيام ساعة في الصف» صَفُّ الحرب. «للقتال في سبيل الله خيرٌ مِن قيام» الليل عبادةً الله «سِتِّين سَنةً»؛ فإن شأن الجهاد عظيم لا يُقْدَرُ قَدْرُه. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 97).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال البيهقي: القصد به: تضعيفُ أَجْرِ الغَزْوِ على غيره، وذلك يختلف باختلاف الناس في نِيَّاتِهم وإخلاصهم، ويختلف باختلاف الأوقات.
ويحتمل: أن يعبَّر عن التضعيف والتكثير مرة بأربعين، ومرة بسِتِّين وأخرى بما دونها، وأخرى بما فوقها. اهـ.
وقال بعضهم: فمن وَجَبَ عليه الغزو وكان التَّخَلِّي للعبادةِ المندوبة يَفُوتُه فالتَّخَلِّي لها معصية، بل هي حينئذ معصية؛ لاستلزامها ترك الفرض، وأما التعليل بأن الاشتغال بالعبادة لا يُوجِب الغفرانَ ودخولَ الجِنان فغير صوابٍ. فيض القدير (5/ 528).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: تفضيل مواقف الجهاد على جميع الأعمال. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 562).


إبلاغ عن خطأ