الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عُوْفٍ: «سَأَلْتُ عائشةَ أمَّ المؤمِنِينَ: بأيِّ شيءٍ كانَ نَبِيُّ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَفْتَتِحُ صَلاتَه إذا قَامَ مِن الليل؟ قالت: كانَ إذَا قَامَ مِن اللَّيلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللهم ربَّ جِبْرَائِيلَ، ومِيْكَائِيلَ، وإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّماوات والأرضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، أنتَ تحكُم بين عِبَادِكَ فيما كانوا فيه يختلفون، اهْدِنِي لِمَا اختُلِفَ فيه مِن الحقِّ بإِذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صراطٍ مُسْتَقيمٍ».


رواه مسلم برقم: (770)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.


مختصر شرح الحديث


اشتملتِ السُّنَّةُ النبويَّةُ على أدعيةٍ جامعةٍ تجمعُ بين كمالِ الثناءِ على الله تعالى، وحُسنِ التذلُّلِ له، وسؤالِ أجلِّ المطالب، ومن أعظمِها: هذا الدعاءُ الذي كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يستفتحُ به صلاةَ الليل. فقد سأل أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ عائشةَ أمَّ المؤمنين -رضي الله عنها-: «بأيِّ شيءٍ كان نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم- يفتتحُ صلاتَه إذا قام من الليل؟»؛ أي: بأيِّ دعاءٍ كان يستفتحُ صلاةَ الليل بعد تكبيرةِ الإحرام؟ فقالت: «كان إذا قام من الليل افتتح صلاتَه»؛ أي: استفتحها بهذا الدعاءِ العظيم: «اللهم ربَّ جبرائيل، وميكائيلَ، وإسرافيلَ»؛ أي: أدعوك يا ربَّ هؤلاءِ الملائكةِ الكرامِ المقرَّبين، متوسلًا إليك بربوبيتك لهم. وإنما خُصُّوا بالذِّكر لشرفِ منزلتِهم؛ ولأنَّ الله تعالى جعل على أيديهم مصالحَ عظيمةً للخَلق؛ فجبريلُ موكَّلٌ بالوحي، وميكائيلُ بالقَطْرِ والنباتِ والأرزاق، وإسرافيلُ بالنفخِ في الصُّور. وقُدِّم جبريلُ لشرفِ مهمته المتعلقة بالوحي، ووُسِّط ميكائيلُ لتعلُّق مهمته بأرزاقِ العباد، وأُخِّر إسرافيلُ لتعلُّق مهمته بالنفخِ في الصُّور.
ثم أثنى على الله تعالى بصفاتِ كمالِه، فقال: «فاطِرَ السماواتِ والأرضِ»؛ أي: خالقَهما ومبدعَهما على غيرِ مثالٍ سابقٍ، وأصلُ الفَطْرِ: الشقُّ، ثم استُعمل في الابتداءِ والإنشاء. «عالِمَ الغيبِ والشهادةِ»؛ أي: العالِمَ بكلِّ ما غاب عن الخَلقِ وما شاهدوه وظهر لهم، لا يَخْفى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ. «أنتَ تَحْكُمُ بين عبادِكَ فيما كانوا فيه يختلفون»؛ أي: أنت وحدَك المرجعُ في الحُكمِ بين عبادك، فتَفْصِلُ بينهم بالحق، وتُبيِّنُ الْمُحِقَّ مِن الْمُبْطِلِ، وتقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من الاعتقادِ والأحكامِ الشرعية، في الدُّنيا بالوحيِ والشرع، ويومَ القيامةِ بالعدلِ والثوابِ والعقاب، كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} الشورى: 10.
ثم بعد أن أثنى على الله تعالى بما هو أهلُه، ناسب أن يسألَه الهداية، فقال: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فيه مِن الحقِّ»؛ أي: وفِّقني وثبِّتني على الحقِّ الذي اختلف الناسُ فيه، وأرشدني إلى صوابِه، وزِدْني هدىً وعلمًا. «بإذنك»؛ أي: بتوفيقك وإرادتك وفضلِك؛ فلا هدايةَ إلى الحقِّ إلا بإذنِ الله تعالى وتيسيرِه. ثم أكَّد أنَّ الهدايةَ لا تكونُ إلا من الله تعالى، فقال: «إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشَاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ»؛ أي: إنك وحدَك تُوفِّق من تشاء إلى طريقِ الحقِّ، وهو دينُ الإسلام؛ إذ الهدايةُ بيدِ الله تعالى وحده، لا يملكها إلا هو. وسُمِّي صراطًا؛ لأنَّه مُوصِلٌ إلى المقصود، كما يُوصِلُ الطريقُ الحِسِّيُّ إلى غايتِه، وهو طريقٌ لا اعوجاجَ فيه.
وهذا الدعاءُ فيه كمال التذلُّلِ والافتقارِ إلى الله تعالى، ولذلك كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يستفتحُ به صلاةَ الليل أحيانًا.
وفي الحديث: مشروعيةُ استفتاحِ صلاةِ الليل بهذا الدعاءِ، وتقديمِ الثناءِ على الله تعالى بين يدي الدعاءِ، والتوسلُ إلى الله تعالى بصفاتِه، ومن ذلك ربوبيتُه، وفضلُ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، وبيانُ وظائفِهم العظيمة، وإثباتُ صفةِ الخلقِ لله تعالى، وإثباتُ إحاطةِ علمِه بالغيبِ والشهادة، وأنَّ المرجعَ في الفصلِ بين العبادِ فيما اختلفوا فيه إلى الله تعالى، والحثُّ على سؤالِ اللهِ الهدايةَ والثباتَ على الحقِّ، وأنَّ الهدايةَ بيدِ الله تعالى وحده، وأنَّ الصراطَ المستقيمَ هو دينُ الإسلام، وأنَّ من كمالِ الدعاءِ إظهارَ الافتقارِ والتذلُّلِ لله سبحانه وتعالى.


غريب الحديث


«جِبْرَائِيل»:
جاء في التَّفْسير أنّ كلّ اسم في آخره: "إيل" نحو جبرائيلِ، فهو معبّد للَّه، كما تقول: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه. وإيل: اسم مِن أسماء اللَّه -عزّ وجل- بالعبرانيّة. العين للفراهيدي (8/ 357).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
وقيل في جبرائيل وميكائيل: إنّ إيل اسم الله تعالى، وهذا لا يصح بحسب كلام العرب؛ لأنه كان يقتضي أن يضاف إليه فيُجرَّ "إيل"، فيقال: جبرإيل. المفردات في غريب القرآن (ص: 99).

«مِيْكَائِيل»:
من العرب من يقول: ... مِيكَائِيل، فيَهْمِزُون ولا يَهْمِزون، ويقولون: مِيْكَالَ كما قالوا: جبريل. معانى القرآن للأخفش (1/ 145).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
اسمُ ملَكٍ من الملائكةِ معروفٌ، مُوَكَّلٌ بالأرزاقِ تاج العروس (30/ 418).

«إِسْرَافِيل»:
قال ابن عطية -رحمه الله-:
وفي الأحاديث المتداوَلة أنَّ إسرافيل -عليه السلام- هو صاحب الصُّوْرِ، وأنه قد جَثَا على رُكْبَتِه الواحدةَ وأقام الأخرى، وأَمَالَ خَدَّهُ والْتَقَمَ القَرْنَ ينْتَظِرُ متى يُؤْذَنُ له في النفخ. المحرر الوجيز (4/ 272).

«فَاطِرَ السَّموات والأرضِ»:
فَطَرَ اللهُ الخَلْقَ فَطْرًا من باب قَتَلَ: خَلَقَهُم، والاسم: الفِطْرَةُ بالكسر. المصباح المنير، للفيومي (2/ 476).
قال الهروي -رحمه الله-:
أي: مُبْتَدِئ خَلْقِهِمَا، قال ابن عباس: ما كنت أدري مَا فَاطِرُ حتى احْتَكَمَ إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فَطَرْتُها، أي: ابْتَدَأْتُها. الغريبين في القرآن والحديث (5/ 1459).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «سألتُ عائشةَ أمَّ المؤمنينَ: بأيِّ شيءٍ كانَ نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْتَتِحُ صَلاتَهُ إذا قَامَ مِن الليل؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«بأيِّ شيءٍ كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفتتح صلاته؟» أي: صلاة الليل. ذخيرة العقبى (17/ 339).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«إذا قام من الليل» أي: في الليل، أو بعض الليل، فـ«من» بمعنى في، أو للتبعيض. البحر المحيط الثجاج (16/ 83).

قوله: «قالت: كانَ إذَا قَامَ مِنَ الليلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«قالت» عائشة: «كان» يعني: النبي -عليه الصلاة والسلام-، تفسير لضمير «كان». شرح المصابيح (2/ 157).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«يَفْتَتِحُ صلاتَه» أي: يقول في افتتاح الصلاة بعد تكبيرة الإحرام: «اللهم رب جبريل» إلخ. المنهل العذب المورود (5/ 177).

قوله: «اللهم رَبَّ جِبْرَائِيل، ومِيْكَائِيل، وإِسْرَافِيل»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل» الإضافة لتشريف هؤلاء. شرح المصابيح (2/ 157).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اللهم ربَّ جبريل» ابتدأ به؛ لأنه أفضلهم. شرح سنن أبي داود (4/ 411).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال ابن حجر: كأنه قدَّم جبريل؛ لأنه أمينُ الكُتُب السماوية، فسائر الأمور الدينية راجعة إليه، وأَخَّر إسرافيل؛ لأنه أمينُ اللَّوحِ المحفوظِ والصُّورِ، فإليه أمر المعاش والمعاد، ووسَّطَ ميكائيل؛ لأنه أَخَذَ بطرفٍ مِن كلٍّ منهما؛ لأنه أمينُ القَطْرِ والنَّبات ونحوهما مما يتعلق بالأرزاق المقَوِّمَة للدِّين والدنيا والآخرة، وهما أَفْضَلُ مِن ميكائيل، وفي الأفضل منهما خلاف. مرقاة المفاتيح (3/ 916).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
لم يتَعَرَّضْ أحدٌ مِن الشُّراح فيما نرى لعَدَمِ التَّعَرُّض بذِكْرِ عِزْرَائِيل -عليه السلام- مع كونه أحد هؤلاء الأربعة الملائكة العِظام، ولعل وجهه: أن المقام مقام القيام الذي في حُكم الحياة، فوضَعَه تعالى بالْمُلْكِ والبقاء والإبقاء والقيومية والإيجاد، وهذه الصفات متعلقة بهؤلاء الثلاثة، والله أعلم. لمعات التنقيح (3/ 326).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: لم يصرَّح باسم مَلَكِ الموتِ في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح انتهى. وقال السيوطيّ -رحمه الله تعالى-: لم يرد تسميتُهُ في حديث مرفوع، وورد عن وهب (بن) منبّه أن اسمه عزرائيل. رواه أبو الشيخ في "العظمة" انتهى. ذخيرة العقبى(1/٢٠١).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
تسميته (عزرائيل) لم تثبت عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، إنما هي من أخبار بني إسرائيل... وهذا من الأمور الغيبية التي يتوقف إثباتها ونفيها على ما ورد به الشرع. الشرح الممتع (5/ 244).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
وهذا توسل إلى الله -عزَّ وجلَّ- بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل، وهم من أشراف الملائكة. شرح سنن أبي داود (101/ 5).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وتخصيصهم بربوبيته وهو رَبُّ كل شيء، وجاء مثل هذا كثير؛ من إضافة كلِّ عظيمِ الشأنِ له دون ما يُسْتَحضر عند الثناء والدعاء؛ مبالغة في التعظيم، ودليلًا على القُدْرَةِ والْمُلكِ، فيقال: رب السموات والأرض، ورب النبيين والمرسلين، ورب المشرق والمغرب، ورب العالمين، ورب الجبال والرياح، ورب البحار، ورب الناس، ومثله مما جاء في القرآن وفي الحديث خصوصًا، ولم يأتِ ذلك خصوصًا فيما يُسْتَحْقَرُ ويُسْتَصْغَرُ ويُسْتَقْذَرُ كالحشرات، والكلاب، والقِرَدة إلا بسبيل العموم. إكمال المعلم (3/ 134).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
خَصَّ هؤلاء الملائكة بالذكر تشريفًا لهم؛ إذ بهم ينتظم هذا الوجود؛ إذ قد أقامهم الله تعالى في ذلك. المفهم (2/ 400).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ووجه تخصيص هؤلاء الملائكة بالذكر دون غيرهم من الملائكة: لكونهم السَّفَرَة بين الله تعالى وبين الخلائق؛ حيث إن المقادير الإلهية بين الخلائق تجري على أيديهم، فجبريل له السفارة في الوحي؛ فإنه ينزل إلى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بالهدى لتَبْلِيغِ الأمم، وإسرافيل مُوَكَّلٌ بالنفخ في الصُّورِ للقيام من القبور، والحضور ليوم النشور؛ ليَفُوزَ الشَّكُورُ، ويجازى الكَفُورُ، وميكائيل مُوَكَّلٌ بالقَطْرِ والنبات اللَّذَين يخلق منهما الأرزاق لجميع الحيوانات، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (15/ 371).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولأنَّ هؤلاءِ الثلاثةَ مُوكَّلونَ بما فيه الحياةُ؛ والبعثُ من النومِ حياةٌ؛ ولهذا ناسَبَ أن يكونَ هذا الاستفتاحُ في أوَّلِ عملٍ يعمله الإنسانُ بعد أن توفَّاه اللهُ عزَّ وجلَّ بالنومِ؛ وهؤلاءِ الثلاثةُ أحدُهم مُكلَّفٌ بما فيه حياةُ القلوبِ - وهو جبريلُ - والثاني بما فيه حياةُ الأبدانِ - وهو إسرافيلُ - والثالثُ بما فيه حياةُ النباتِ - وهو ميكائيلُ - وأفضلُهم جبريلُ. تفسير ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة: (2/ 203).

قوله: «فاطِرَ السماواتِ والأرضِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فَاطِرَ السموات والأرض» أي: خالِقَهُما. شرح المصابيح (2/ 157).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«فاطِرَ السماوات والأرض» أي: مُبْدِعَهُمَا ومُخْتَرِعَهُمَا. الكاشف عن حقائق السنن(4/ 1197).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
والفَطْرُ في الأصل بمعنى الشَّقِّ. لمعات التنقيح (3/ 326).

قوله: «عالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«عالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ» الغَيبُ ضدُّ الشاهدِ، وهو الحاضر. شرح المصابيح (2/ 157).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«الغيب» ما غاب عنك. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1197).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«عالم الغيب والشهادة» أي: بما غاب وظهر عند غيره. عون المعبود (2/ 334).

قوله: «أنتَ تَحْكُمُ بين عِبَادِكَ فيما كانوا فيه يَخْتَلِفُونَ»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«أنت تحكم بين عبادك» يوم القيامة بالتمييز بين المُحِقِّ والمُبْطِلِ بالثواب والعقاب. عون المعبود (2/ 334).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
و«تحكم بين عبادك» تقضي وتُبَيِّنُ الحق. المفهم (2/ 400).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
قوله: «أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون» يعني: أنت الْمَرْجِعُ في الحُكْمِ، لا حُكْمَ إلا حُكْمُكَ، والله -عزَّ وجلَّ- يقول: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} الشورى:10، ويقول -عزَّ وجلَّ-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء:59. شرح سنن أبي داود (101/ 5).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «فيما كانوا فيه يختلفون» في الدُّنيا مِن أمرِ دِينهم، فتُعَذِّب العاصي إن شئتَ، وتُثِيب الطائعينَ. المنهل العذب المورود (5/ 178).

قوله: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فيه مِن الحقِّ بإذْنِكَ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «اهدني» أي ثَبِّتْنِي، مثل قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة: 6. إكمال المعلم (3/ 134).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«اهدني» أي: أَرْشِدْنِي ودُلَّنِي على صوابِ ما اخْتُلِفَ فيه. المفهم (2/ 400).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«اهدني» أي: زدني هدى، أو ثبتني، فليس المطلوب تحصيل الحاصل. مرعاة المفاتيح (4/ 203).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «اهدني لما اختلف فيه من الحق» أي: دُلَّني على الحق الذي اختلفوا فيه ولم يقبلوه. المنهل العذب المورود (5/ 178).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «اهدني لِمَا اخْتُلِفَ» الهداية يتعدى بنفسه وباللام وبإلى، يقال: هداهُ الله الطريق وله وإليه، فلا حاجة إلى أن يُقال: اللام بمعنى إلى، والمراد: طلب الثبات على ما اهْتَدَى، أو زيادَة المقامات والأنوار التي لا حدَّ ولا نهايةَ لها، فإن مقامات القُرْبِ غير متناهية، ولذا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} طه: 114. لمعات التنقيح (3/ 326).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ما» موصولة، والذي اخْتُلِفَ فيه عند مجيءِ الأنبياء، وهو الطريق المستقيم الذي دَعَوْا إليه، فاختلفوا فيه، قال الله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} البقرة: 213 الآية، كأنه قيل: اهدني إلى الصراط المستقيم، وطلب الهداية، وهو فيها طلب للثبات عليها، أو الزيادة. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1197).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«بإذنك» أي: بتمكينك، وتسخيرك. المفهم (2/ 400).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«بإذنك» أي: بفضلك، وقدرتك. شرح المصابيح (2/ 157).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «بإذنك» أي: بإرادتك وتوفيقك. المنهل العذب المورود (5/ 178).

قوله: «إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشَاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«إنك أنتَ تهدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ» جملة مستأنفة متَضَمِّنَةٌ للتعليل. عون المعبود (2/ 334).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«صراط مستقيم» أي: على طريق الحق والعدل. تحفة الأحوذي (9/ 263).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «إلى صراطٍ مستقيمٍ» أي: طريقِ الحقِّ، وهو الدِّين الإسلامي، وسُمِّي صراطًا؛ لأنه مُوصِلٌ للمقصود كما أن الطريق الحسي كذلك. المنهل العذب المورود (5/ 178).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
والصراط: الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. المفهم (2/ 400).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وأشار به إلى أن الهداية والإضلال ليسا مِن فِعْلِ الإنسانِ، بل بِخَلْقِ اللهِ تعالى. المنهل العذب المورود (5/ 178).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والجملة تعليل لطلب الهداية منه -سبحانه وتعالى-؛ أي: لأنك تهدي من تشاء. البحر المحيط الثجاج (16/ 85).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
ثم بعد ذلك وَصَلَ إلى الغايةِ وهي السؤالُ؛ لأن هذا كله تمهيد وكله تَوْطِئَة، وكله تقديم بين يدي السؤال، وهو قوله: «اهدني لِمَا اخْتُلِفَ فيه مِن الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، فما قَبْلَ هذا الدعاء وهذا الطلب من الله -عزَّ وجلَّ- كله تمهيد وثناء على الله -عزَّ وجلَّ-، وذلك بين يدي هذا الدعاء الذي هو الهداية لِمَا اخْتُلِفَ فيه من الحق؛ بأن يوفق للصواب، ويوفق للحق في الذي اخْتُلِفَ فيه. شرح سنن أبي داود (101/ 5).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وفيه: دلالة على مشروعية افتتاح صلاة الليل بهذه الكلمات، ودعاؤه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- بهذا ونحوه تواضعًا وإشفاقًا، وليُقْتَدَى به في أصل الدعاء والخضوع وحُسن التضرع، ولا منافاة بين هذه الرواية والتي قبلها (يشير إلى حديث عائشة أنه «كان إذا قام لصلاة الليل كَبَّرَ عشرًا، وحَمِدَ الله عشرًا، وسَبَّحَ عشرًا، وهَلَّلَ عشرًا، واسْتَغْفَرَ عشرًا...»)؛ لأنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان يقول ما في هذه الرواية تارة، وما في الروايات المتقدمة تارة أخرى. المنهل العذب المورود (5/ 178).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- في فوائده:
منها: بيان ما تُفتتح به صلاة الليل من الأذكار.
ومنها: بيان أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو بهذا الدعاء، ونحوه في صلاة الليل ...
ومنها: بيان شَرف هؤلاء الملائكة عليه السلام، وأنَّهم أفضل من سائر الملائكة.
منها: بيان أنه ينبغي للعبد أن يَطلب مِن الله تعالى الهداية إلى طريق الحق؛ لأنه تعالى هو الهادي إلى ذلك.
ومنها: بيان أن الهداية بيد الله تعالى لا أحدَ يَقْدِرُ عليها غيره -سبحانه وتعالى-، قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} الآية القصص: 56، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (16/ 86-87).


إبلاغ عن خطأ