«كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يَقرأ في الركعتين الأُوْلَيَيْن مِن صلاة الظُّهر بفاتحة الكتاب وسُورتين، يُطَوِّلُ في الأُولى، ويَقْصِّر في الثانية، ويُسْمِعُ الآيةَ أحيانًا، وكان يَقرأ في العَصْر بفاتحة الكتاب وسُورتين، وكان يُطَوِّلُ في الأُولى، وكان يُطَوِّلُ في الرَّكْعة الأُولى من صلاة الصُّبح، ويُقَصِّرُ في الثانية».
رواه البخاري برقم: (759) واللفظ له، ومسلم برقم: (451)، من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-.
ولفظ مسلم: «كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي بنا فيَقرأ في الظُّهر والعَصْر في الركعتين الأُوْلَيَين بفاتحة الكتاب وسُورتين، ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا، وكان يُطَوِّل الرَّكْعة الأُولى مِن الظُّهر ويُقَصِّرُ الثانية، وكذلك في الصبح».
وفي لفظ للبخاري برقم: (776)، ومسلم برقم: (451): «ويقرأ في الركعتين الأُخريين بفاتحةِ الكتابِ».
مختصر شرح الحديث
حرصتِ الشريعةُ على تعليمِ المسلمين هديَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، حتى في مقدارِ القراءةِ في كلِّ صلاةٍ وركعةٍ؛ ليؤدِّيها المسلمُ على الوجهِ الأكمل. وفي هذا الحديث يبيِّن أبو قتادة -رضي الله عنه- هديَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في القراءةِ في صلاتَيِ الظهرِ والعصرِ وصلاةِ الفجر، فقال: «كان يقرأ في الركعتين الأُولَيَيْن من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسُورتين»؛ أي: كان يقرأ في كلِّ ركعةٍ من الأُولَيَيْن بفاتحةِ الكتاب وسورةٍ بعدها، «ويُطوِّل في الأولى»؛ أي: كان يُطيل القراءة في الركعة الأولى، حتى قال أبو سعيدٍ -رضي الله عنه- كما في رواية عند مسلم: «لقد كانت صلاةُ الظهر تُقام، فينطلقُ أحدُنا إلى البقيع، فيقضي حاجتَه، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في الركعة الأولى؛ ممَّا يُطوِّلها». «ويُقصِّر في الثانية»؛ أي: يُخفِّف قراءتَها بالنسبة إلى الأولى. «ويُسْمِعُ الآيةَ أحيانًا»، ولفظُ مسلم: «ويُسْمِعُنا الآيةَ أحيانًا»؛ أي: كان يرفع صوتَه بالآية في بعض الأحيان في الركعتين الأُوليين من صلاة الظهر قصدًا؛ ليُسمِع مَن خلفه، فيدلَّ على أنه يقرأ فيهما مع كونها صلاةً سِرِّيَّةً، وليبيِّن جوازَ الجهرِ اليسير في الصلاة السِّرِّيَّة، وربما فعل ذلك لتنبيه المصلِّين، أو لبيان السورة التي يقرأ بها.
ثم بيَّن هديَه -صلى الله عليه وسلم- في صلاة العصر، فقال: «وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين»؛ أي: كان يقرأ في الركعتين الأُوليين من صلاة العصر فاتحةَ الكتاب وسورةً بعدها، كما في رواية مسلم: «كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأُوليين بفاتحة الكتاب وسورتين»، إلا أنَّ قراءتَها كانت أخفَّ من قراءة الظهر، ومع ذلك «كان يُطوِّل في الأولى»؛ أي: يجعل قراءتَها أطولَ من الثانية.
وأما الركعتان الأُخريان من الظهر والعصر، فالغالبُ من هديِه -صلى الله عليه وسلم- الاقتصارُ فيهما على قراءة الفاتحة، كما في لفظ الصحيحين: «ويقرأ في الركعتين الأُخريَين بفاتحة الكتاب»، وقد ثبت في حديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه- ما يدل على أنه كان يقرأ فيهما أحيانًا.
ثم بيَّن هديَه -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الصبح، فقال: «وكان يُطوِّل الركعة الأُولى من صلاة الصبح، ويُقصِّر في الثانية»؛ أي: كان من هديِه -صلى الله عليه وسلم- إطالةُ القراءة في صلاة الفجر، ولا سيما في الركعة الأُولى، وقد تواترت الأحاديثُ بذلك، وكان يقرأ فيها بنحو ستين إلى مائة آية، وربما قرأ بسورة (ق)، أو (الروم)، أو بـ{الم* تَنزِيلُ} و{هَلْ أَتَى} يوم الجمعة. «ويُقصِّر في الثانية»؛ أي: يجعل قراءتَها أخفَّ من الأُولى.
ولعلَّ الحكمةَ من تطويل الركعة الأولى أن يُدرِك المتأخرون الركعةَ الأولى مع الإمام، كما ظنَّ الصحابةُ ذلك، وأنَّ النفوسَ تكون في أول الصلاة أنشطَ وأقبلَ على القراءة، فناسب تطويلُها، ثم تخفيفُ الثانية؛ دفعًا للملل.
وفي الحديث: استحبابُ تطويل الركعة الأولى على الثانية، ومشروعيةُ قراءةِ سورةٍ بعد الفاتحة في الركعتين الأُولَيَيْن، والغالبُ الاقتصارُ على الفاتحة في الركعتين الأُخريين من الظُّهر والعصر، وفيه: الإسرارُ بالقراءةِ في صلاتَيِ الظهرِ والعصر، مع استحبابِ إسماعِ المأمومين بعضَ الآيات أحيانًا، واتباعُ هديِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في مقدارِ القراءة في الصلوات، مع مراعاةِ أحوالِ المأمومين، وأنَّ قراءةَ الفاتحة مشروعةٌ في جميع الركعات، وجوازُ تسميةِ الصلاةِ بوقتِها. وفيه: تخفيف صلاة العصر عن صلاة الظهر.
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَقرأ في الركعتين الأُوْلَيَيْن مِن صلاة الظُّهر بفاتحة الكتاب وسُورتين...، وكان يَقرأ في العَصْر بفاتحة الكتاب وسُورتين»، ولفظ مسلم: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي بنا فيَقرأ في الظُّهر والعَصْر في الركعتين الأُوْلَيَين بفاتحة الكتاب وسُورتين»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» دائمًا «يصلي بنا» الصلوات الخمس «فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأُوْلَيَين» منهما «بفاتحة الكتاب وسورتين» في كل ركعة سُورة سورة. الكوكب الوهاج (7/287).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الأُوْليان: تثنية الأُولى، وكذلك "الأُخْريان"، وأمَّا ما يُسمع على الألسنة مِن "الأوَّلة" وتثنيتها بالأوَّلَتَيْنِ فمرجوح في اللغة. إحكام الأحكام (1/ 265).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «صلاة الظهر» فيه: جواز تسمية الصلاة بوقتها. فتح الباري (2/ 244).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
والسورة في معناها أقوال:
أحدها: لانفصالها عن أختها.
ثانيها: لشَرَفِهَا وارتفاعها، كما يقال لِمَا ارْتَفَعَ مِن الأرض: سُورة.
ثالثها: لأنها قطعة من القرآن، فعلى هذا يكون أصلها الهمز، ثم خُفِّفت وأُبْدِلت واوًا؛ لضم ما قبلها.
رابعها: لتمامها وكمالها، من قولهم للناقة التامة: سُورة، وجمع سورة: سُوَر -بفتح الواو-، ويجوز أن تُجمع على سُوْرَاتٍ وسُوَرَاتٍ. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/ 193).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وليس في حديث أبي قتادة تعيين السورتين المقروء بهما في الظهر والعصر، وقد وَرَد تعيين السور، وتقدير قراءته في أحاديث أُخر، فخرَّج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قالَ: «كنا نَحْزِرُ قيام رسول الله، في الظُّهر والعصر، فَحَزَرنا قيامه في الركعتين الأُوْلَيَيْنِ من الظهر قدر قراءة {الم * تَنْزِيلُ} السجدة:1-2، وحَزَرْنَا قيامه في الأُخْرَيَيْنِ قدر النصف من ذلك، وحَزَرْنَا قيامه في الركعتين الأُوْلَيَينِ من العصر قدر قيامه من الأُخْرَيَينِ في الظهر، وفي الأُخْرَيَينِ من العصر على النصف من ذلك»، وفي رواية لهُ أيضًا: «كانَ يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأُوْلَيَينِ في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأُخْرَيَينِ قدر خمس عشرة آية -أو قال: نصف ذلك-، وفي العصر في الركعتين الأُوْلَيَينِ في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة، وفي الأُخْرَيَينِ قدر نصف ذلك»...، وخرَّج مسلم -أيضًا- من حديث جابر بن سَمُرَة، قالَ: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الظهر بـ"الليل إذا يغشى"، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك»، وفي رواية: «كانَ يقرأ في الظهر {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}» (وسرد أحاديث في ذلك، إلى أن قال:) وذكر الترمذي -تعليقًا- أن عمر كتب إلى أبي موسى، يأمره أن يقرأ بأوساط الْمُفصَّل، وهو قول طائفة من أصحابنا (الحنابلة).
وقال إسحاق: الظُّهر تعدل في القراءة بالعشاء، لكنه يقول: إنَّ الظُّهر يقرأ فيها بنحو الثلاثين آية.
وحديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم كما تقدم: يدل على أن قراءة الظهر أقصر من قراءة الصبح.
وقال طائفة: يقرأ في الظهر بطوال المفصل كالصبح، وهو قول الثوري والشافعي وطائفة من أصحابنا، كالقاضي أبي يعلي في جامعه الكبير، لكنه خصَّه بالركعة الأولى من الظهر.
وروى وكيع بإسناده، عن عمر، أنه قرأ في الظهر بـ{ق} {والذاريات}، وعن عبد الله بن عمرو، أنه قرأ في الظهر بـ{كهيعص} .
وروى حرب بإسناده، عن ابن عمر، أنه كانَ يقرأ في الظهر بـ{ق}
{والذاريات}.
وخرجه ابن جرير، وعنده: بـ{ق} {والنازعات}، قالَ: وكان عمر يقرأ بـ{ق}.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كانَ يقرأ في الظهر بـ{الَّذِينَ كَفَرُوا} محمد:1، و{إِنَّا فَتَحْنَا لَك} الفتح:1، ومِمَّن رأى استحباب القراءة في الظهر بقدر ثلاثين آية: إبراهيم النخعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق.
وقال الثوري وإسحاق: كانوا يستحبون أن يقرؤوا في الظهر قدر ثلاثين في الركعة الأولى، وفي الثانية بنصفها، زاد إسحاق: أو أكثر.
وظاهر كلام أحمد وفِعله يدل على أن المستحب أن يقرأ في الصبح والظهر في الركعة الأولى من طوال المفصل، وفي الثانية مِن وَسَطِه، وروي عن خباب بن الأرت، أنه قرأ في الظهر بـ{إِذَا زُلْزِلَتِ} الزلزلة:1.
قالَ أبو بكر الأثرم: الوجه في اختلاف الأحاديث في القراءة في الظهر: أنه كله جائز، وأحسنه: استعمال طول القراءة في الصيف، وطول الأيام، واستعمال التقصير في القراءة في الشتاء وقِصَرِ الأيام، وفي الأسفار، وذلك كله معمول به. انتهى. فتح الباري (7/9- 13).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنما ساق البخاري هذه الآثار (يقصد: هذا الحديث وغيره مما يُثبت القراءة في الظهر والعصر)؛ لأنه قد رُوي عن ابن عباس ما يعارضها، وذلك... أنه سأله رجلٌ: أَفِي الظُّهر والعصر قراءة؟ فقال: لا.
وروى عنه عكرمة قال: «قَرَأَ رسولُ الله في صلوات وسَكَت، فنقرأ فيما قرأ ونَسْكت فيما سَكَت، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فغضب، وقال: تَتَّهِم رسول الله؟!!».
قال الطحاوي: فذهب قوم إلى ما رُوي عن ابن عباس، فقالوا: لا نرى لأحد أن يقرأ في الظهر والعصر البتَّة، وهو قول سويد بن غفلة.
وقال الطبري، قال الآخرون: في كل صلاة قراءة، غير أنه يُجزئ فيما أُمِر المصلِّي أن يُخَافِتَ فيه بالقراءة قراءته في ركعتين منها، وله أن يُسبِّح في باقيها، ورُوي ذلك عن ابن مسعود، والنخعي، فجعل أهلُ هذه المقالة سكوتَ رسول الله على الخصوص، وقالوا: إنما سكت عن القراءة في الأُخْرَيَين، وأما الأُوْلَيَين فإنه كان يقرأ فيهما؛ لأنه لا خلاف بين الجميع أنه كان يقرأ فيما يجهر فيه من الصلوات في الأُوْلَيَين، قالوا: فحُكم ما خَافَتَ فيه الإمامُ بالقراءة حُكْم ما جَهَر فيه، في أنَّ في الأُوْلَيَين قراءة، وتَرْكُ القراءة في الأُخْرَيَين، هذا قول الكوفيين.
وقال آخرون: لم يكن النبي -عليه السلام- تَرَكَ القراءة في شيء من صلاته، ولكنه كان يجهر في بعضٍ ويُخَافِتُ في بعض، هذا قول أهل الحجاز، وأحمد، وإسحاق، وأنكروا قول ابن عباس، وقالوا: قد رُوي عنه خلاف ذلك بإسناد أصح من إسناد الخبر عنه بإنكار القراءة في الظهر والعصر، وقال الطبري: وذلك ما حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "قد عَلِمْتُ السُّنَّة كلَّها غير أني لا أدري أكان رسول الله يقرأ في الظهر والعصر أم لا"، ولا يندفع العلم اليقين بغير علمٍ، قال الطحاوي: وقد رُوي عن ابن عباس من رأيه خلاف ما تقدَّم عنه، روى إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس قال: "اقْرَأْ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر"، فهذا ابن عباس قد قال من رأيه: إنّ المأموم يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر، وقد رأينا الإمام يَحْمِلُ عن المأموم، ولم نر المأموم يحمل عن الإمام شيئًا، فإذا كان المأموم يقرأ فالإمام أحرى بذلك؛ وإذ قد صح عنه أنه قال: "لا أدري أقرأ رسول الله أم لا؟" فقد انتفى ما قال من ذلك؛ لأن غيره قد حقَّقَ قراءة رسول الله فيهما، وهو نص حديث أبي قتادة، ودليل حديث خباب وسعد، وقد رُوي عن يحيى في حديث أبي قتادة: «أن النبي كان يقرأ في الظهر في الأُوْلَيَين بأمِّ القرآن وسُورتين، وفي الأُخْرَيَين بأم الكتاب» وهو قاطع للخلاف، ذكره البخاري في باب: يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب بعد هذا، وروى سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: «في كل الصلاة قراءة، فما أسْمَعَنا رسول الله أَسْمَعْناكم، وما أَخْفَاه عنَّا أخفيناه عنكم»، وروى شعبة عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: «كان رسول الله يقرأ في الظهر بـسبح اسم ربك الأعلى» وحماد بن سلمة، عن سماك، عن جابر بن سمرة: «أن نبي الله كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج».
وقال الطبري: وليس في خبر ابن عباس إنكاره القراءة في الظهر والعصر خلافٌ فيما ثبت عن النبي -عليه السلام- أنه قرأ فيها؛ لأن ابن عباس لم يَذكر أن النبي -عليه السلام- قال له: لا قراءة في الظهر والعصر، وإنما أخبر أنه سَكَتَ فيهما، وغير نكير أن يقول إذا لم يسمعه يقرأ: إنه سكت، فيُخبر بما كان من حاله عنده، والذي أخبر ابن عباس أن النبي لم يقرأ كان الحق عنده، والذي أخبر أنه قرأ فإنه سمع قراءته، فمِن سامعٍ منه الآية، ومِن سامعٍ منه سورة، ومِن سامعٍ منه أَمْرَهُ بالقراءة في الصلاة، فوجَّه ذلك إلى أنه أَمَرَ بالقراءة في جميع الصلاة، ووجَّهه غيره إلى أنه أمر بذلك في بعض الصلاة، ومَن رآه يحرك شفتيه في الظهر والعصر فوجَّهه إلى أنه لم يحركهما إلَّا بقراءة القرآن، فكلٌّ أخبر بما عنده، وكلٌّ كان صادقًا عند نفسه. والمصيب عَينَ الحقِّ أخبر أنه كان يقرأ في الظهر والعصر، وذلك أن في خبر أبي قتادة أنه كان يُسمِعُهم الآية أحيانًا، فالشاهد إنما يستحق أن يُسمَّى شاهدًا فيما أخبر عن سماع أو رؤية، فأمَّا مَن أخبر أنه لم يسمع ولم يرَ فغير جائز أن يُجعل خبره خلافًا لخبر من قال: رأيت أو سمعت؛ لأن من قال: رأيت أو سمعت فهو الشاهد، ومن قال: لم أسمع، فقد أخبر عن نفسه أنه لا شهادة عنده في ذلك، والنفي لا يكون شهادةً في قول أحد من أهل العلم. شرح صحيح البخاري (2/373- 376).
وقال محمد بن الحسن الشيباني الحنفي -رحمه الله-:
قال أبو حنيفة: ينبغي للإمام والذي يصلي وحده أن يقرأ في الركعتين الأُوليين من كل صلاة بأم القرآن وسورة معها، وأما في الركعتين الأُخريين من العشاء والظهر والعصر، والركعة الثالثة من المغرب فإنه يقول: إن شاء قرأ في ذلك بفاتحة الكتاب، وإن شاء سَكَتَ ولم يَقرأ شيئًا وإن شاء سَبَّح، وأن يقرأ بفاتحة الكتاب أحبُّ إلينا. الحجة على أهل المدينة (1/ 106).
وقال النووي -رحمه الله-:
لم يوجب أبو حنيفة -رضي الله عنه- في الأُخْرَيين القراءة، بل خَيَّره بين القراءة والتسبيح والسكوت، والجمهور على وجوب القراءة، وهو الصواب الموافق للسُّنن الصحيحة. شرح صحيح مسلم (4/ 175).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة، في الصحيح من المذهب، وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي.
وعن أحمد: أنها لا تجب إلا في ركعتين من الصلاة، ونحوه عن النخعي، والثوري، وأبي حنيفة؛ لما رُوي عن علي -رضى الله عنه- أنه قال: "اقرأ في الأُوْلَيَين، وسَبِّح في الأُخريين"، ولأن القراءة لو وَجَبَتْ في بقية الركعات لَسُنَّ الجهر بها في بعض الصلوات كالأُوْلَيَين، وعن الحسن: أنه إن قرأ في ركعة واحدة أجزأه؛ لقول الله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} المزمل20، وعن مالك: إن قرأ في ثلاث أجزأه؛ لأنها في معظم الصلاة.
ولنا: ما روى أبو قتادة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الظهر في الأُوليين بأم الكتاب وسورتين، وُيطوِّل الأُولى، ويُقَصِّرُ في الثانية، ويُسمع الآية أحيانًا، وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب». متفق عليه، وقال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي» متفق عليه، وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب» وعنه وعن عبادة، قالا: «أمَرَنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة»، رواهما إسماعيل بن سعيد الشالنجي؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علَّم المسيء في صلاته كيف يصلي الركعة الأولى، ثم قال: «وافعل ذلك في صلاتك كلها»، فيتناول الأمر بالقراءة، وعن جابر، قال: «من صلى ركعة، فلم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصلِّ، إلا خلف الإمام» رواه مالك، في الموطأ، وحديث علي يرويه الحارث الأعور، قال الشعبي: كان كذابًا. المغني (2/156- 158).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيها (أي أقوال العلماء) حجة على قراءة أم القرآن في كل ركعة. إكمال المعلم (2/ 367).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذه الأحاديث كلها دليل على أنه لا بد من قراءة الفاتحة في جميع الركعات. شرح صحيح مسلم (4/ 175).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، وركن من أركانها، لا تصح إلا بها في المشهور عن أحمد، نقله عنه الجماعة، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، ورُوي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وخوَّات بن جبير -رضى الله عنهم- أنهم قالوا: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب.
ورُوي عن أحمد روايةٌ أخرى، أنها لا تتعيَّن، وتجزئ قراءة آية من القرآن، من أي موضع كان، وهذا قول أبي حنيفة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسيء في صلاته: «ثم اقْرَأْ ما تيسر معك من القرآن» وقول الله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} المزمل:20، وقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} المزمل:20؛ ولأن الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذا في الصلاة.
ولنا: ما روى عبادة بن الصامت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه؛ ولأن القراءة ركن في الصلاة، فكانت مُعيَّنة كالركوع والسجود.
وأما خَبَرُهم فقد روى الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابي: «ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ»، ثم نحْمِله على الفاتحة، وما تيسر معها مما زاد عليها، ويُحتمل أنه لم يكن يُحْسِنُ الفاتحة، وأما الآية فتُحتمل أنه أراد الفاتحة وما تيسر معها، ويحتمل أنها نزلت قبل نزول الفاتحة؛ لأنها نزلت بمكة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- مأمور بقيام الليل، فنَسَخَه الله تعالى عنه بها، والمعنى الذي ذكروه أجْمَعْنا على خلافه، فإنَّ مَن ترك الفاتحة كان مسيئًا، بخلاف بقية السور. المغني (2/146، 147).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
(الحديث) يدل على قراءة السورة في الجملة مع الفاتحة، وهو متفق عليه، والعمل متصل به من الأمَّة، وإنما اختلفوا في وجوب ذلك، أو عدم وجوبه، وليس في مجرد الفعل. إحكام الأحكام (1/ 265).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
الحديث يدل على قراءة سورة مع الفاتحة، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في وجوبها وعدمه، وللعلماء في زيادة قرآن مع الفاتحة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الوجوب، يُحكى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وغيرهما، وحَدَّه عمر وعثمان -رضي الله عنهما- بثلاث آيات، وقال غيرهما: ما تيسر، ووجهه: التَّمسُّك بفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وما رواه أبو هريرة، قال: «أَمَرَني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك»، ويعارضه قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب»، وما رواه محمول على الندب.
والقول الثاني: أن ذلك سنة، قال في المدوَّنة: إنْ تَرَك ذلك سهوًا، سَجَد قبل السلام.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن نسي السجود حتى طال، فلا شيء عليه، ودليلنا... قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، فلم يزد عليها، والاستدلال بالحديث الأول أصرح من هذا الثاني.
والقول الثالث -عندنا المالكية-: أن ذلك فضيلة، قال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": ليس على ناسيها إعادة ولا سجود، وقاله أشهب.
قال اللخمي: واختُلِف في تاركها عمدًا، أو جهلًا، فقال ابن القاسم: يستغفر الله، ولا شيء عليه.
وقال عيسى: إن تركها عمدًا، أو جهلًا، أعاد أبدًا، قال اللخمي: فجعلها واجبة...
قال صاحب البيان والتقريب: ومنشأ الخلاف في أنها سُنة أو فضيلة: النظر في تأكد الأمر وعدم تأكده، انتهى...، أما السنن والتطوعات فزيادة قرآن على الفاتحة فيها سُنة، ما عدا ركعتي الفجر؛ فإن المشهور عندنا فيها الاقتصار على الفاتحة، وفي مختصر ابن شعبان: يقرأ فيهما بأم القرآن، وسورة مِن قِصَار المفَصَّل.
ودليلنا في استحبابها في سائر التطوعات: استمرار العمل على ذلك. رياض الأفهام (2/294- 297).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «وكان يقرأ بفاتحة الكتاب وسورتين» فيه دليل لما قاله أصحابنا (الشافعية) وغيرهم: إنَّ قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدْرها من طويلة؛ لأنَّ المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس أو كثير؛ فنُدِب منهم إلى إكمال السورة؛ ليحترز عن الوقوف دون الارتباط. شرح صحيح مسلم (4/ 174).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وفيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت القراءة بسورة تامة، وهذا هو الأفضل بالاتفاق؛ فإنْ قرأ السورة في ركعتين لم يُكره -أيضًا-، وقد فعله أبو بكر الصديق، قالَ: الزهري: أخبرني أنس، أنَّ أبا بكر صلَّى بهم صلاة الفجر، فافتتح بهم سورة البقرة، فقرأها في ركعتين، فلمَّا سلَّم قام إليه عمر، فقالَ: ما كنتَ تفرغ حتَّى تطلع الشمس. قالَ: لو طَلَعَت لَأَلْفَتْنَا غيرَ غافلين.
ورخص فيه سعيد بن جبير وقتادة وأحمد، ولا نعلم فيه خلافًا إلَّا رواية عن مالك، وسيأتي حديث قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأعراف في ركعتين من المغرب. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن السائب، «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بهم صلاة الفجر فافتتح بسورة المؤمنين، حتى أتى عليهِ ذكر موسى وهارون فأخذته سُعْلة فركع».
وكذلك لو قرأ في ركعة بسورة وفي أخرى ببعض سورة، وقد روي عن عمر وابن مسعود.
وإن قرأ في الركعتين ببعض سورة: إما في أوائلها، أو أواسطها، أو أواخرها ففي كراهته خلاف عن أحمد. فتح الباري (7/7- 9).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الحكمة في قراءة السورة في الأُوْلَيَين مِن الظُّهر والعصر وفي الصبح: أن الظهر في وقت قائلة، والعصر في وقت شغل الناس بالبيع والشراء وتعب الأعمال، والصبح في وقت غفلة بالنوم آخر الليل، فَطوِّلَتا بالقراءة؛ ليدركهما المتأخِّر لاشتغاله بما ذَكَرْنا من القائلة والتعب والنوم، وإن كانت قراءتهما في العصر أقصر من الصبح والظهر...، والحكمة في تطويل الأُولى عن الثانية قصدًا: لِيُدْرِكَ المأمومُ فضيلةَ أوَّل الصلاة جماعة. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/193، 194).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يُطوِّل في الأولى ويُقَصِّر في الثانية» قال الشيخ تقي الدين: كان السبب في ذلك: أن النشاط في الأولى يكون أكثر؛ فناسب التخفيف في الثانية؛ حذرًا مِن الملل. انتهى.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى في آخر هذا الحديث: «فظنَنَّا أنه يريد بذلك أنْ يُدْرِكَ الناسُ الركعة»، ولأبي داود، وابن خزيمة نحوه من رواية أبي خالد، عن سفيان، عن معمر، وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج عن عطاء قال: "إني لأُحِبّ أن يُطوِّل الإمام الركعة الأولى من كل صلاة؛ حتى يكثر الناس". فتح الباري (2/ 244).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وهذا (الحديث) يُبيِّن أنه لم يقرأ في الركعتين الأُخْرَيَين السورتين، ونحوه قول سعد: "وأَحْذِفُ في الأُخريين"، ويُبيِّنه: «قراءته في صلاة العصر بقدر خمس عشرة آية في الركعتين الأُوْلَيَين، وفي الأُخريين قدر النصف» وهذا قدْر أم القرآن في حدِّها، وكل هذا حُجَّة لاختيار مالك -رحمه الله-. إكمال المعلم (2/ 367).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
حديث أبي قتادة حُجَّة لمالك على صحة مذهبه في اشتراط قراءة الفاتحة في كل ركعة، وعلى قراءة سورتين مع الفاتحة في الركعتين الأوليين، وأنَّ ما بقي من الصلاة لا يقرأ فيه إلا بالفاتحة خاصة.
وقد تمسك الشافعي في أنه يقرأ فيما بقي بسورة مع الفاتحة بحديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ووجْه تمسكه قوله: «إنه قرأ في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك»، والفاتحة إنما هي سبع آيات لا خمس عشرة، فكان يزيد سورة، وهذا لا حجة فيه؛ فإنه تقديرٌ وتَخْمِينٌ من أبي سعيد، ولعله -صلى الله عليه وسلم- كان يمدّ في قراءة الفاتحة حتى يُقَدَّر بذلك، وهذا الاحتمال غير مدفوع، وقد جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول مِن أطوَل منها، وهذا يشهد بصحة هذا التأويل، وحديث أبي قتادة نصّ، فهو أولى. المفهم (2/71، 72).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في استحباب قراءة السورة في الأُخْرَيَين من الرباعية والثالثة من المغرب: فقيل بالاستحباب وبعدمه، وهما قولان للشافعي -رحمه الله تعالى-، قال الشافعي: ولو أدرك المسبوقُ الأُخريين أتى بالسورة في الباقيتين عليه؛ لئلا تخلو صلاته من سورة. شرح صحيح مسلم (4/ 174).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: أن السورة لا تُشرع في الأخريين من الظهر والعصر وكذا العشاء وثالثة المغرب، وهو أشهر قولي الشافعي، إلا أن يكون المصلِّي مسبوقًا، كما نَصَّ عليه؛ لئلا تخلو صلاته من سورة. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/ 195).
قوله: «يُطَوِّلُ في الأُولى، ويُقَصِّر في الثانية»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وكان» -صلى الله عليه وسلم- دائمًا «يطول الركعة الأولى» أي: قراءتها «من الظهر ويُقَصِّر الثانية» منها، من التقصير وهو ضد التطويل، وفي بعض النسخ: «ويَقْصُر» على وزن يَقْتلُ، وكلاهما صحيح، أي: يخفف قراءتها بالنسبة إلى الأولى. الكوكب الوهاج (7/288).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«يُطَوّل» من التطويل «في الأولى» أي: في الركعة الأولى «ويَقْصُر في الثانية» أي: لئلَّا يحصلَ بتطويلها مع تطويل الأولى مَلَلُ. منحة الباري (2/468، 469).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقوله: «وكان يُطوِّل الركعة الأُولى ويُقَصِّر الثانية» هذا مما اختلف العلماء في العمل بظاهره، وهما وجهان لأصحابنا (الشافعية)، أشهرهما عندهم: لا يُطوّل، والحديث مُتأوَّل على أنه طوَّل بدعاء الافتتاح والتعوذ، أو لسماع دخول داخل في الصلاة ونحوه، لا في القراءة.
والثاني: أنه يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدًا، وهذا هو الصحيح المختار الموافق لظاهر السُّنة، ومن قال بقراءة السورة في الأخريين اتفقوا على أنها أخف منها في الأوليين. شرح صحيح مسلم (4/ 175).
وقال العيني -رحمه الله-:
في قوله: «وكان يُطوِّل الركعة الأولى من الظهر ويُقَصِّر في الثانية» ما يستدل به محمد (بن الحسن الشيباني) على تطويل الأولى على الثانية في جميع الصلوات، وبه قال بعض الشافعية.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: يسوي بين الركعتين إلا في الفجر، فإنه يُطوِّل الأولى على الثانية، وبه قال بعض الشافعية، وجوابهما عن الحديث: أن تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتعوذ لا في القراءة، ويُطوِّل الأُولى في صلاة الصبح بلا خلاف؛ لأنه وقت نوم وغفلة. عمدة القاري (6/ 21).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
في حديث أبي قتادة: «يطول الركعة الأولى على الثانية»، وقد ذهب إلى القول بظاهره في استحباب تطويل الركعة الأولى على ما بعدها من جميع الصلوات طائفة من العلماء، منهم: الثوري وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وطائفة من أصحاب الشافعي، ورُوي عن عمر -رضي الله عنه-...، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يطيل سوى الركعة (الأولى) من الفجر؛ لأنه وقت غفلة ونوم، ويسوِّي بين الركعات في سائر الصلوات.
وقال مالك والشافعي: يُسوِّي بين الركعتين الأوّلتين في جميع الصلوات، واستدل لذلك بقول سعد: «أرَكُد في الأُوْليين»، وليس بصريح ولا ظاهرٍ في التسوية بينهما، واستدل -أيضًا- بحديث أبي سعيد، «أنهم حَزَرُوا قيام النبي -صلى الله عليه وسلم- في الظهر في الركعتين الأُوْلَيَين قدر قراءة ثلاثين آية»، ولكن في رواية أحمد وابن ماجه: «أنَّ قيامه في الثانية كان على النصف من ذلك»، وهذه الرواية توافق أكثر الأحاديث الصحيحة، فهي أولى، واستُدِل لهم بقراءة النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَبِّح" و"الغاشية" و"الجمعة"، و"المنافقين"، و"تَنزِيُلُ" السجدة، و"هل أَتَى" و"ق" و"اقترَبَتْ"، هي سور متقاربة. فتح الباري (7/12- 15).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
وأما تطويل الركعة الثالثة على الرابعة فالأكثرون على أنه لا يستحب، ومن الشافعية مَن نقل الاتفاق عليهِ، ومنهم من حكى لأصحابهم فيهِ وجهين، وهذا إنما يتفرع على أحد قولي الشافعي باستحباب القراءة في الأُخْريين بسور مع الفاتحة.
وقد خرج البزَّار والبيهقي من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قالَ: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُطيل الركعة الأولى من الظهر، فلا يزال يقرأ قائمًا ما دام يسمع خَفْقَ نِعالِ القَوم، ويجعل الركعة الثانية أقصر من الأولى، والثالثة أقصر من الثانية، والرابعة أقصر من الثالثة، وذكر مثل ذلك في صلاة العصر والمغرب» وفي إسناده: أبو إسحاق الحميسي، ضعفوه، وقد خرَّجه بقي بن مخلد في مسنده بإسناد أجود من هذا، لكن ذكر أبو حاتم الرازي أن فيهِ انقطاعًا، ولفظه في الظهر: «ويجعل الثانية أقصر من الأولى، والثالثة أقصر من الثانية، والرابعة كذلك»، وقال في العصر: «يُطِيلُ في الأولى، ويقصر الثانية والثالثة والرابعة كذلك»، وقال في المغرب: «يُطِيل في الأولى، ويقصر في الثانية والثالثة»، وهذا اللفظ لا يدل على تقصير الرابعة عن الثالثة. فتح الباري (7/15، 16).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
واختلاف فِعله -عليه السلام- والروايات عنه في قراءته في الصلوات من الرواية في تطويله أحيانًا القراءة في المغرب، وتخفيفها أحيانًا في العشاء والظهر، واختلافها في الصلوات، دليل على سعة الأمر، وأنه لا حَدَّ في قراءةٍ لصلاةٍ من الصلوات لا يُتَعدَّى، وأنه كان -عليه السلام- يَفعل في كل ذلك بحسب حال مَن وَرَاءَه من القوة والضعف، وبحسب وقته من ابتداء الصلاة أول الوقت، أو تمكُّنه، أو الأعذار الحادثة فيه، فما رُوي من قراءته في العِشاء بالتين والزيتون أنه كان في السَّفر وهو موضع التخفيف؛ لمشقة السَّفر، ونظر المسافر حينئذ لما يحتاج إليه...، لكنَّ أكثر الروايات متفقة على التطويل في الصبح، وذلك بحسب تغليسه -عليه السلام- بها وامتداد وقتها؛ ولِيُدْرِكَ الصلاةَ معه من فاته التغليس بها من ذوي الأعذار. إكمال المعلم (2/369، 370).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله في حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الركعتين الأُوْلَيَين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأُخْرَيَين بفاتحة الكتاب»، وفي رواية أبي سعيد -رضي الله عنه-: «كان يقرأ في كل ركعة من الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة، وفي الأخريين قدر نصف ذلك»، وفي حديث سعد: «أَرْكُد في الأوليين وأَحْذِف في الأخريين» وفي حديث أبي سعيد الآخر قال: «لقد كانت صلاة الظهر تُقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الركعة الأولى؛ ممَّا يُطوِّلها»، وفي أحاديث أُخَر في غير الباب، وهي في الصحيحين: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أخفَّ الناس صلاة في تمام»، وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إني لَأَدْخُلُ في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي؛ مخافة أن تَفْتَتِنَ أُمُّه» قال العلماء: كانت صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤْثِرون التطويل ولا شُغل هناك له ولا لهم طوَّل، وإذا لم يكن كذلك خفَّف، وقد يريد الإطالة ثم يَعْرِضُ ما يقتضي التخفيف كبكاء الصبي ونحوه، وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف، وقيل: إنما طوَّل في بعض الأوقات، وهو الأقل، وخفَّف في مُعظمها، فالإطالة لبيان جوازها، والتَّخفيف لأنه الأفضل، وقد أمر -صلى الله عليه وسلم بالتَّخفيف، وقال: «إنَّ منكم منفِّرين فأيُّكم صلَّى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة» وقيل: طوَّل في وقتٍ وخفَّف في وقتٍ؛ ليبين أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط، بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنما المشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها، واختُلف فيما زاد، وعلى الجملة: السُّنَّة: التخفيف كما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- للعلة التي بيَّنها، وإنما طوَّل في بعض الأوقات؛ لتحققه انتفاء العلة، فإنْ تحقَّق أحدٌ انتفاء العلة طوَّل. شرح صحيح مسلم (4/171- 174).
قوله: «ويُسْمِعُ الآيةَ أحيانًا»، ولفظ مسلم: «ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ويُسْمِعُنا الآية» من الفاتحة أو السورة أو آيتين مثلًا «أحيانًا» أي: في بعض الأحيان والأوقات. الكوكب الوهاج (7/ 288).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«يُسمع الآية» في نسخة: «يُسمعنا الآية أحيانًا» يدل على تكرر ذلك منه. منحة الباري (2/ 469).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «يُسْمعنا الآية أحيانًا» دليل على أن قراءة السِّر ليس من شرطها ألَّا يُستمع منها شيء، بل كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- دون جهر، وأنَّ الجهرَ الخفيف في بعض السورة فيما يسرّ فيه لا شيء فيه. إكمال المعلم (2/ 367).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقوله: «وكان يُسمعنا الآية أحيانًا» هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سُنة.
ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بِسبْق اللسان؛ للاستغراق في التدبر، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (4/ 175).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «ويسمعنا الآية أحيانًا» مما يحقِّق أنه -صلى الله عليه وسلم- كانَ يقرأ في الظهر والعصر. فتح الباري (7/ 16).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «يُسْمِعنا الآية أحيانًا» يعني: أنه -عليه الصلاة والسلام- يتقصد أن يرفع صوته؛ ليُسْمِع مَن وَرَاءَه؛ لقوله: «يُسمعنا»، وهذا يدل على الإرادة، لم يقل: ونَسْمَع منه الآية، ولو قال: نسمع منه الآية لكان ربما يكون جهره بها تلقائيًا، لكن قوله: «يسمعنا» يدل على أنه يريد هذا، والحكمة من ذلك: إما لينتبه المصلون، وإما ليعلموا أنه يقرأ سورة، وإما لأن الآية التي جهر بها تحمل معنى خاصًا ينبغي التنبه له، المهم أنه يُسْمعهم الآية، وقوله: «أحيانًا» أي: وأحيانًا لا يُسْمعنا، ولكن حَذَفَ الطرف الثاني للعلم به مِن قوله: «يُسْمعنا الآية أحيانًا». فتح ذي الجلال والإكرام (2/84، 85).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
يدل على أن الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية جائز مُغتفر، لا يُوجِب سهوًا يقتضي السجود. إحكام الأحكام (1/ 266).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اختلف العلماء فيمن أَسَرَّ فيما يُجهر فيه عامدًا على سبعة أقوال:
الأوّل: روى أشهب عن مالكٍ أنّ صلاته تامَّة.
القول الثّاني: قال أَصْبَغُ: مَنْ أَسرَّ فيما يجهر فيه، أو جَهَرَ في الإسرار عامدًا، فليستغفر الله ولا إعادَةَ عليه.
القول الثّالث: هو قولُ ابن القاسم: يُعِيدُ؛ لأنَّهُ عابثٌ.
القول الرّابع: قال اللّيث: إذا أسرّ فيما يجهر فيه، فعليه سجود السَّهْوِ.
القول الخامس: قال الكوفيون: إذا أسرّ في موضع الجَهْر، أو جَهَر في موضع السِّرِّ ساهيًا وكان إمامًا سجد لسَهْوِهِ، وإن كان وَحْدَهُ فلا شيءَ عليه، وإن كان عامدًا فقد أساء وصلاته تامّة.
القول السّادس: قال ابنُ أبي لَيلَى: يُعِيدُ بهم الصّلاة إنْ كان إمامًا.
القول السّابع: قال الشّافعيّ: ليس في ترك الجَهْر والإخفاء سُجُودٌ.
ترجيح: قال الإمام: وقولُ من لم يُوجِب السُّجود في ذلك أَسَدُّ، بدليل هذا الحديث؛ لأنّه لما كان السِّرُّ والجَهرُ من سُنَنِ الصّلاة، وكان -عليه السلام- قد جَهَرَ في بعض صلاة السِّرّ ولم يسجد لذلك، كان كذلك حُكم الصّلاة إذا جَهَر فيها؛ لأنّه لو اختلف الحُكمُ في ذلك لبَيَّنَهُ -عليه السلام-، ووجب بالدّليل الصّحيح أن يكون إذا أَسَرَّ فيما يُجهر فيه أيضًا لا يلزمه سجود، والسرُّ والجَهْرُ في المعنى سواء، ولا وجه لتفريق الكوفيين بين حكم الإمام والْمُنْفَرِد في ذلك؛ إذ لا حجَّةَ لهم فيه من كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا نَظَرٍ. المسالك (2/354، 355).
قوله: «وكان يُطَوِّلُ في الرَّكْعة الأُولى من صلاة الصُّبح، ويُقَصِّرُ في الثانية»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«وكان» -صلى الله عليه وسلم- «يُطوِّل في» قراءة «الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في» قراءة الركعة «الثانية» دون الأولى. كشف اللثام (2/ 436).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
استقرَّ عملُ أهلِ المدينة على إطالة القراءة في الصبح قَدْرًا لا يضر مَن خَلْفه بقراءتها بطوال المفصَّل. المفهم (2/ 73).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
قال أبو الفتح: أما الروايات في إطالة الركعة الأولى من صلاة الصبح وغيرها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة بعده، أو مَن روى ذلك منهم فمعروفة مشهورة. النفح الشذي (4/ 615).
وقال الروياني -رحمه الله-:
قال بعض أصحابنا (الشافعية): يستحب تطويل القراءة في صلاة الصبح؛ لأن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قرأ في صلاة الصبح سورة البقرة في الركعتين، وعن عمر -رضي الله عنه- أنه قرأ سورة يوسف في ركعة، وسورة الحج في ركعةٍ، والمستحب ألا ينقص عن السُّور الطوال في سبع المفصَّل؛ لما رُوي أنه قرأ بسورة {ق} في صلاة الصبح، ورُوي أنه قرأ يوم الجمعة: {الم۞ تَنزِيلُ} السجدة 1. بحر المذهب (2/ 178).
قال القسطلان -رحمه الله-:
ومحلُّ سُنِّيَّةِ الطِّوالِ والأوساطِ إذا كان المصلِّي منفردًا، فإنْ كان إمامًا وكان المأمومون محصورين، وآثروا التطويلَ، استُحِبَّ، وإنْ لم يكونوا محصورين، أو كانوا ولكن لم يُؤْثِروا التطويلَ، فلا يُسَنُّ. هكذا جزم به النوويُّ في شرح المهذَّب، فقال: هذا الذي ذكرناه من استحبابِ طوالِ المفصَّل وأوساطِه هو فيما إذا آثر المأمومون المحصورون ذلك، وإلَّا خُفِّف. إرشاد الساري(2/٤٠٨).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة، وصلَّاها بسورة "ق"، وصلَّاها بـ"الروم"، وصلَّاها بـ"الشَّمْس كُوِّرَتْ"، وصلَّاها بـ"إذا زلزلت" في الركعتين كلتيهما، وصلَّاها بالمعوِّذتين وكان في السفر، وصلَّاها فاستفتح سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى، أخذته سُعلة فركع، وكان يصلِّيها يوم الجمعة بـ"الم تنزيل" السجدة، وسورة "هَلْ أَتَى" كاملتين، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه، أو قراءة السَّجدة وحدها في الركعتين، وهو خلاف السُّنة. زاد المعاد (1/232، 233).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فيه: دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف على اليقين؛ لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنَّما يفيد اليقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه أخذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها.
فإن قلتَ: قد يكون أخذ ذلك بإخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟
قلتُ: لفظة «كان» ظاهرة في الدوام والأكثرية، ومن ادَّعى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يخبرهم عقيب الصلاة دائمًا، أو أكثريًا بقراءة السورتين فقد أبعد جدًّا. إحكام الأحكام (1/ 266).
وقال العيني -رحمه الله-:
ذِكر ما يستفاد منه:
فيه: دليل على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الأُولَيَين من ذوات الأربع والثلاث، وكذلك ضم السورة إلى الفاتحة.
وفيه: استحباب قراءة سورة قصيرة بكمالها، وأنها أفضل من قراءة بقدْرها من الطويلة...
وفيه: أن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سُنة...
وفيه: ما استدل به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل. وقال القرطبي: ولا حُجة فيه؛ لأن الحكمة لا يُعَلَّل بها؛ لخفائها أو لعدم انضباطها؛ ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة، ثم يطيلها لأجل الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سُنَّتها مِن تطويل الأُولى، فافترق الأصل والفرع، فامتنع الإلحاق.
وفيه: ما استدل فيه أصحابنا الحنفية بإسقاط القراءة في الأُخْريين؛ لأن ذكر القراءة فيهما لم يقع، والله أعلم. عمدة القاري (6/21، 22).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة على نقل السُّنَّة بدون تغيير ولا زيادة ولا نقص؛ لأن أبا قتادة نقل السُّنة في قراءة الظهر والعصر في الركعتين الأُخْريين على وجه مُفصَّل، وهكذا يجب على من وَرِثَ الصحابة في نقل السنة ألا يزيد ولا ينقص ولا يُغيِّر.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يُسمع الآية أحيانًا في قراءة الظهر والعصر، دليله: فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-...
ومن فوائد حديث أبي قتادة: حِكمة الشريعة في أنه كلما كثر العمل ازداد تخفيفًا، ومن ذلك: ما حصل في صلاة الكسوف، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يطول في القراءة أول ما يقرأ على آخر القراءة، وهذه من السياسة الحكيمة؛ لأن النفوس مهما كانت في الحرص على الطاعة لا بد أن يلحقها كَسَلٌ أو مَلَلٌ، فَرُوعِيَ هذا وصارت العبادة تُخفَّف...
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا تُسَنُّ الزيادة على قراءة الفاتحة في الركعتين الأخريين في الظهر والعصر. فتح ذي الجلال والإكرام (2/85 ، 86).