الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

«عن عَاصِمِ بنِ حُمَيدٍ، قال: سألتُ عائشةَ: بأيِّ شيءٍ كان يَفْتَتِحُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قيامَ الليلِ؟ فقالت: لقد سَأَلْتَنِي عن شيءٍ مَا سَأَلَنِي عنهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كان إذا قامَ: كبَّرَ عشْرًا، وحَمِدَ اللهَ عشْرًا، وسبَّحَ عشْرًا، وهَلَّلَ عشرًا، واستغْفَرَ عشْرًا، وقال: اللهمَّ اغْفِرْ لي، واهْدِنِي، وارْزُقْنِي، وعَافِنِي، ويَتَعَوَّذُ مِن ضِيقِ المقَامِ يومَ القيامةِ».


رواه أبو داود برقم: (‌766)، واللفظ له، والنسائي برقم: (1617)، وابن ماجه برقم: (‌1356)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (25102)، عن رَبِيعَةَ الجُرَشِيِّ، قال: سألتُ عائشةَ...، وآخره: «ويقول: اللهم اغفر لي، واهدني وارزقني، عَشْرًا، ويقول: اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الضِّيقِ يومَ الحسابِ، عشرًا».
صحيحُ سنن أبي داود برقم: (742)، صحيح سنن النسائي برقم: (1525)، صفة الصلاة (ص: 76 )، وقال محققو مسند الإمام أحمد: حديث حسن.


مختصر شرح الحديث


كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كثيرَ القيام لربه في الليل، وقد حرص الصحابةُ والتابعون على معرفة هديه في صلاته وأذكاره وأدعيته؛ اقتداءً به واتباعًا لسُنَّته. وفي هذا الحديث سأل عاصمُ بنُ حُميدٍ عائشةَ -رضي الله عنها-: «بأيِّ شيءٍ كان يفتتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيام الليل؟»؛ أي: ما الأذكار والدعوات التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفتتح بها صلاة الليل؟ «فقالت: لقد سَأَلْتَنِي عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك» أي: استحسنت عائشة -رضي الله عنها- سؤاله؛ لِمَا فيه من الحرص على معرفة هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في قيام الليل، وتنشيطًا له على السؤال عما ينفعه في دِينه، ثم قالت: «كان إذا قام: كبَّر عشرًا»؛ أي: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام لصلاة الليل كبَّر، معظِّمًا الله تعالى وواصفًا له بالكبرياء والعظمة، عشر مرات، ويحتمل أن تكون تكبيرة الإحرام داخلةً في العَشر، ويحتمل أن تكون العشر تكبيراتٍ زائدةً عليها. ثم قالت: «وحَمِدَ الله عشرًا، وسبَّح عشرًا، وهلَّل عشرًا، واستغفر عشرًا»؛ أي: قال: "الحمد لله" عشر مرات، والحمد: الثناء على الله تعالى بصفات كماله على نعمه وإحسانه، وقال: "سبحان الله" عشر مرات، والتسبيح: تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب، وقال: "لا إله إلا الله" عشر مرات، والتهليل: إفراد الله تعالى بالعبادة ونفيها عما سواه، وقال: "أستغفر الله" عشر مرات، والاستغفار: سؤال الله تعالى مغفرة الذنوب وسترها والتجاوز عنها؛ فجمع بين الثناء على الله وتنزيهه وتوحيده، ثم ختم ذكره بسؤال المغفرة التي لا غنى للعبد عنها، ثم قال: «اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني»؛ أي: دعا الله تعالى أن يغفر له ذنوبه، ويهديه إلى صراطه المستقيم، ويرزقه رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا، ويعافيه من البلاء الحسي والمعنوي في الدنيا والآخرة. وفي لفظ عند أحمد: «ويقول: اللهم اغفر لي، واهدني وارزقني عشرًا»؛ فبيَّنت هذه الرواية عدد مرات هذا الدعاء، وأنه يكرره عشر مرات.
ثم قالت: «ويتعوَّذ من ضِيقِ المقام يوم القيامة»؛ أي: يلتَجِئُ إلى الله تعالى ويستعيذ به من ضيق الموقف يوم القيامة، وما يكون فيه من الزحام وشدائد الأهوال والكروب. وفي لفظ عند أحمد: «ويقول: اللهم إني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب، عشرًا»؛ فبيَّنت هذه الرواية لفظ الاستعاذة، وأنه كان يكررها عشر مرات.
وفي الحديث: مشروعيةُ الاستفتاح في صلاة الليل، وتنوُّعُ أدعية الاستفتاح الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنَّ للمصلِّي أن يستفتح بما ثبت منها. وفيه: كمالُ عبودية النبي -صلى الله عليه وسلم- وافتقاره إلى ربِّه، واستعاذتُه به من شدائد يوم القيامة وأهواله. وفيه: فضيلةُ عائشة -رضي الله عنها-، وعلمُها بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في قيام الليل. وفيه: حرصُ السلف على تتبُّع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ودقائق سُنَّته.


غريب الحديث


«المقَامَ»:
المقَامُ والمقَامَةُ: الموضع الذي تُقِيمُ فيه. لسان العرب، لابن منظور (12/ 498).
قال الفيروز أبادي -رحمه الله-:
المقَامُ: مَوضِعُ القَدَمَين. القاموس المحيط (ص: 1152).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «قال: سألتُ عائشةَ: بِأَيِّ شيءٍ كانَ يَفْتَتِحُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قِيامَ اللَّيلِ؟»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«سألتُ عائشةَ: بأَيِّ شَيءٍ» أي: مِن الدعوات والأذكار. بذل المجهود (4/ 132).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«يَفْتَتِحُ» أي: يَبْتَدِئُ. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 269).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«كان يَفْتَتِحُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قيامَ الليلِ؟» أي: يَقْرَؤُهَا في قيامه من الليل. بذل المجهود (4/ 132).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«قيامَ الليلِ» أي: صلاةَ الليلِ كما في الرواية بعد، ففيه: إطلاقُ العامِّ، وهو قيام الليل، وإرادة الخاص الذي هو الصلاة. المنهل العذب المورود (5/ 176).
وقال العيني -رحمه الله-:
أَطْلَقَ القيامَ عليها مِن باب إطلاقِ الجُزء على الكلِّ. شرح أبي داود (3/ 373).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
المراد: بأيِّ شيءٍ كان يَفْتَتِحُ قيامَ الليلِ في التهجُّدِ؟ وأراد: القيامَ إلى الصلاةِ. شرح سنن أبي داود (19/ 330).

قوله: «فقالت: لقد سَأَلْتَنِي عن شيءٍ مَا سَأَلَنِي عنه أَحَدٌ قَبْلَكَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالت» لي عائشة: والله «لقد سَأَلْتَنِي عن شيءٍ ما سَأَلَنِي عنه أحدٌ قبلك». مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 266).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«لقد سَأَلْتَنِي عن شيءٍ ما سَأَلَنِي عنه أحدٌ قبلك» كأنها -رضي الله عنها - حَمِدَتِ السَّائلَ على سُؤَالِهِ. بذل المجهود (4/ 132).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: ترغيبُ السائلِ في احْتِرَاصِهِ على السؤالِ عما ينتفع به من أمور الدِّين. شرح سنن أبي داود (19/ 330).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفي هذا: تحسينٌ لسُؤالِهِ، وتَزْيِينٌ لِمَقَالِهِ، وتَأَسُّفٌ على غَفْلَةِ الناسِ عن حالٍ. مرقاة المفاتيح (3/ 919).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الغرض منه: تحسينُ السؤالِ، وتَنْشِيطُ السائل، والثناءُ عليه. المنهل العذب المورود (5/ 176).

قولها: «كان إذا قامَ: كبَّرَ عشْرًا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«كان» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إذا قام» في الليل «كَبَّرَ عشرًا» أي: يقول: الله أكبر، عشر مرات. بذل المجهود (4/ 133).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قولها: «إذا قام كَبَّرَ عشرًا» أي: إذا قام إلى الصلاة وكَبَّرَ تكبيرةَ الإحرام، قال: الله أكبر، عشرًا. المنهل العذب المورود (5/ 176).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كَبَّرَ عشرًا» بدأ في هذا الحديث بوصف الكبرياء والعظمة، المتضَمِّنِ لسائر النُّعُوتِ الْمُكَرَّمَةِ. مرقاة المفاتيح (3/ 919).
وقال السندي -رحمه الله-:
«كان يُكَبِّرُ عشرًا» مع تكبيرة التحريم أو بعده، وأمَّا أنَّه كان يقولُ قبلَ الشروعِ في الصلاة فبَعِيدٌ. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 409).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال النووي: يُسْتَحَبُّ لمن أراد القيامَ إلى الصلاةِ في الليلِ ما جاء في حديث عاصم بن حميد. شرح سنن أبي داود (4/ 410).

قولها: «وحَمِدَ اللهَ عَشْرًا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وحَمِدَ اللهَ» أي: قال: الحمد لله، «عشرًا» أي: عشر مرات. بذل المجهود (4/ 133).

قولها: «وسَبَّحَ عَشْرًا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وسَبَّحَ» أي: قال: سبحان الله، «عشرًا». بذل المجهود (4/ 133).

قولها: «وَهَلَّلَ عَشْرًا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وهَلَّلَ» أي: قال: لا إله إلا الله، «عشرًا». بذل المجهود (4/ 133).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«عَشْرًا» أي: عشر مرات. شرح سنن أبي داود (4/ 410).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وهَلَّلَ اللهَ عشرًا» وفي خَتْمِ الأذكار بالتوحيد إشارة لطيفة لأهل التَّجْرِيدِ والتَّفْرِيدِ، وقول ابن حجر -أي: رَفْعُ صَوتِه بتَوحِيدِهِ-، لا دلالةَ للحديثِ عليه. مرقاة المفاتيح (3/ 919).

قولها: «واسْتَغْفَرَ عَشْرًا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«واسْتَغْفَرَ» أي: قال: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، «عشرًا». بذل المجهود (4/ 133).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واسْتَغْفَرَ اللهَ عشرًا»؛ اعترافًا بالتقصير. مرقاة المفاتيح (3/ 919).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «عشرًا» أي: عشر مرات سَأَلَ فيه الغُفْرَانَ لذُنُوبِهِ، والهدايةَ في طَرِيقِهِ، والرزقَ في مَعَاشِهِ، والعافيةَ في بَدَنِه، ثم تَعوَّذَ مِن ضيق المقام يوم القيامة، وهذا كله تعليم وإرشاد للأُمَّةِ. شرح أبي داود (3/ 374).

قولها: «وقال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وقال» أي: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اغفر لي». بذل المجهود (4/ 133).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اللهم اغفر لي» ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 266).

قوله: «واهْدِنِي وارْزُقْنِي وعَافِنِي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«واهْدِنِي» إلى صِرَاطِكَ المستقيم، «وارْزُقْنِي» رزقًا حلالًا طَيِّبًا مباركًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 266).
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«عافِنِي» مِن البلاءِ في الدَّارَينِ، أو مِن الأمراضِ الظَّاهِرَةِ والباطِنَةِ. عون المعبود (2/ 333).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «وعَافِنِي» أي: مِن البلاء الحِسِّيِّ والمعْنَويِّ في الدنيا والآخرة. المنهل العذب المورود (5/ 176).

قولها: «ويَتَعَوَّذُ مِن ضِيقِ المقَامِ يومَ القِيامَةِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ويَتعَوَّذُ» باللهِ «مِن ضِيقِ الْمَقامِ» بفتح الميم «يومَ القيامةِ» أي: مِن ضِيقِ القيامِ في عَرَصَاتِ يومِ القيامة إذا ازْدَحَمَ أهلُ السموات السبع والأراضين السبع مِن مَلَكٍ وجِنٍّ وإنسٍ وشيطانٍ، ووحش وطائر، ويُدَافِعُ بعضَهم من بعضٍ؛ من شدة الزحام واختلاف الأقدام. شرح سنن أبي داود (4/ 410-411).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة» أي: شدائدِ أحوالِها وسَكَراتِ أهْوَالِها. عون المعبود (2/ 333).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
ولا ضيقَ أَشَقُّ ولا أصعبُ مِن ضِيقِ يومِ القيامةِ عند مُشَاهدَةِ أهْوَالِها العِظام، نسأل الله أن يُسَهِّلَهَا علينا، وعلى أهالينا وإخواننا. شرح سنن أبي داود (19/ 331).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قولها: «ويتعوذ من ضيق المقام» أي: يتَحَصَّن بالله تعالى مِن ضيق المقام يوم القيامة. المنهل العذب المورود (5/ 177).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
ويقال لهذا الدعاء: المُعَشَّراتُ السَّبْعُ. لمعات التنقيح (3/ 328).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
دلَّ الحديثُ على أنه يُستَحَبُّ افتتاحُ صلاةِ الليل بهذه الأذكار، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (17/ 317).


إبلاغ عن خطأ