الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«كانت بِي بَوَاسِيرُ، فَسَألتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الصَّلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تَسْتَطِع فقاعدًا، فإن لم تَسْتَطِع فَعَلَى جَنْبٍ».


رواه البخاري برقم: (1117)، من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند البيهقي في السنن الكبرى برقم: (3669)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: «أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عاد مريضًا فرآه يُصلِّي على وِسَادَةٍ فأَخَذَهَا فَرَمَى بها، فأَخَذَ عُوْدًا لِيُصلِّي عليه، فَأَخَذَه فَرَمَى به، وقال: صلِّ على الأرضِ إن اسْتَطَعْتَ، وإلَّا فأَوْمِئْ إِيْمَاءً، واجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِن رُكُوعِكَ».
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (323)، قال ابن حجر في بلوغ المرام برقم: (329): رواه البيهقي بسندٍ قويٍّ، ولكن صحَّحَ أبو حاتمٍ وقْفَهُ. 


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


«بَوَاسِيرُ»:
‌البَاسُورُ: واحد البَوَاسِير، وهي عِلَّة تَحْدُث في الْمَقْعَدة، وفي داخل الأنف أيضًا. الصحاح، للجوهري (2/ 589).
وقال أحمد مختار -رحمه الله-:
بَاسُورٌ: الجمع: ‌بَواسِيرُ: (طب) الْتِهَابٌ يُصِيبُ الشَّرَجَ، يَنْتُجُ عنه ورَمٍ وتمدُّدٍ وَرِيْدِيٍّ تحت الغِشَاءِ الْمُخَاطيّ، ويَحْدُثُ فيه نَزْفُ دمٍ. معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 154).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «كانت بِي بَواسِيرُ، فَسَألتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الصَّلاة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان بي بَوَاسِيرُ» أقول: بالباء الموحدة: عُرُوق تَنْبت بِلَحْمٍ زائدٍ على أدوارِ فَمِ الْمَقعدة، لها حَكِيكٌ كَلَهِيبِ النار، تَدُبُّ في الجسد برطوبة سُمِّيَّة، يكون منها ضَعْف نفس، وسُقوط قوة وهمة، وانكسار، وفي لفظ له في "الجامع": «كان بي النَّاصُورُ» قال الأطباء: هي عُرُوقٌ تَنْبُتُ مَوضع البَواسِير بلحمٍ زائدِ كالثَّآلِيلِ الطّوَال، وهي نوعٌ مِن البَوَاسِير إلا أنها أطولُ وأَدَقُّ بين الرِّقَّة والغلاظَة، بسببها يزول شيء مِن الغذاء مع الفضلة السوداوية. التحبير (5/ 243).
قال العزيزي -رحمه الله-:
«عن الصلاة» أي: صلاة المريض. السراج المنير (3/ 259).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الخطابي: لعلَّ هذا الكلام كان ‌جواب ‌فُتْيَا اسْتَفْتَاهَا عِمْرانُ، وإلَّا فَليست عِلَّة البواسير بمانعةٍ من القيام في الصلاة على ما فيها من الأذى اهـ.
ولا مانع مِن أن يَسأل عن حُكْمِ ما لم يَعْلَمْهُ؛ لاحتمال أن يحتاج إليه فيما بعد. فتح الباري (2/ 588).

قوله: «فقال: صَلِّ قائمًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«صَلِّ» أي: الفَرْض «قائمًا». مرقاة المفاتيح (3/ 936).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: "«صَلِّ ‌قائمًا...» المراد بذلك: صلاة الفرض؛ لأن صلاة النفل يجوز أن يصلي فيها قاعدًا وإن كان قادرًا على القيام، لكنه يكون أَجْرُهُ على النصف مِن أجرِ صلاةِ القائمِ، كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. فتح ذي الجلال والإكرام (2/192، 193).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفَرْض القيام في الصلاة المكتوبة ثابت من وجهين:
أحدهما: إجماع الأُمَّة كافة عن كافة، في المصلِّي فريضة وحده أو كان إمامًا، أنه لا تُجزئه صلاتُه إذا قَدَر على القيام فيها وصلى قاعدًا، وفي إجماعهم على ذلك دليل واضح على أن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المذكور في هذا الباب (أي حديث: «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ») معناه النافلة على ما وصَفْنَا.
والوجه الثاني: قوله -عز وجل-: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة:238، أي: قائمين، ففي هذه الآية فرض القيام -أيضًا- عند أهل العلم؛ لقوله -عز وجل-: {وَقُومُوا}، ولقوله: {قَانِتِينَ}، يريد: قوموا قائمين لله -يعني في الصلاة-، فخرج على غير لفظه؛ لأنه أعمُّ في الفائدة؛ لاحتمالِ القُنُوتِ وجوهًا كلها تجب في الصلاة.
والدليل على أنَّ القيام يُسمَّى قُنُوتًا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ سئل: أيُّ الصلاة أفضل؟ قال: «طُولُ القُنُوتِ» يعني: طول القيام.
وزعم أبو عبيد أن القنوت في الوِتْرِ -وهو عندنا في صلاة الصبح- إنَّما سُمِّي قنوتًا؛ لأن الإنسان فيه قائمٌ للدعاء من غير أن يَقرأ القرآن، فكأنه سُكُوت وقيام؛ إذ لا يقرأ فيه.
وقد يكون القُنوت: السكوت، روي عن زيد بن أرقم أنه قال: «كنَّا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة:238، فَأُمِرْنا بالسكوت».
وليس في هذا الحديث ردٌّ لِمَا ذكرنا؛ لأن الآية يقومُ مِنها هذان المعنيان وغيرهما؛ لاحتمالهما في اللغة لذلك؛ لأن القنوت في اللغة له وجوه: منها: أن القنوت الطاعة؛ دليل ذلك: قول الله -عز وجل-: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} البقرة:116، أي: مُطِيعُون، وقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل:120، أي: مطيعًا لله، وهذا كثير مشهور.
ومنها: أن القنوتَ: الصلاةُ، فيما زعم ابن الأنباري، واحتجَّ بقول الله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} آل عمران:43، ثم بقول الشاعر:
قَانِتًا للهِ يَتْلُو كُتْبَهُ ** وعلى عَمْدٍ مِن النَّاس اعْتَزَلْ
وقال: تَحتمل هذه الآية وهذا البيت جميعًا عندي معنى الطاعة أيضًا، والله أعلم.
ومنها: أن القنوت: الدعاء، دليل ذلك: القنوت في الصلاة، وقولهم: «قَنَتَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهرًا يدعو ...» ومثل هذا كثير، وبالله التوفيق. التمهيد (1/314- 316).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «‌صَلِّ ‌قائمًا» صريح في وجوب القيام في الفرض في حق المستطيع؛ إذ السؤال كان فيه دون النوافل. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 369).
وقال الباجي -رحمه الله-:
ومَن صَلَّى جالسًا مع القدرة على القيام أعاد أبدًا، ومَن صلَّى جالسًا مع العجز عن القيام ثم قَدَرَ على القيام في الوقت، لم يُعِد، رواه موسى عن ابن القاسم في الْعُتْبِيَّة...، ومن لم يَقْدِرْ على القيام إلَّا مُستنِدًا أو مُتَّكِئًا فإنَّ ذلك أَولى مِن صلاته جالسًا، قاله في المختصر، وَوَجْه ذلك: أنَّ هذا الحال أقرب إلى فَرْضِه، فلا يجوز له الانتقال عنها مع القدرة عليها. المنتقى شرح الموطأ (1/ 242).
‌وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«صلِّ ‌قائمًا» والظاهر أنه سأل -صلى الله عليه وسلم- عن صلاةِ الفَرْضِ في حالة المرضِ والعُذْر، فأجابه -صلى الله عليه وسلم- بأنَّ المصلِّي إذا أطاق القيام صلَّى قائمًا، لأن القيام فرضٌ فيه، لا تجوز الصلاة بتركه إلَّا من عذر. بذل المجهود (4/ 482).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وإن قَدَر على القيام؛ بأن يتَّكِئ على عصا، أو يَسْتَند إلى حائط، أو يَعْتَمد على أحد جانبيه لَزِمَهُ؛ لأنه قادر على القيام من غير ضرر فلزمه كما لو قدر بغير هذه الأشياء.
وإن قَدَر على القيام إلا أنه يكون على هيئة الراكع كالأَحْدَبِ، أو مَن هو في بيتٍ قصيرِ السَّقْفِ، لا يمكنه الخروج منه، أو في سفينة، أو خائف لا يأمن أن يُعلَم به إذا رَفَعَ رأْسَه، فإنه إنْ كانَ ذَلك لِحَدَبٍ أو كِبَرٍ لزمه قيام مثله، وإن كان لغير ذلك احتُمِل أن يلزمه القيام؛ قياسًا على الأحدب، واحتُمل أن لا يلزمه؛ فإن أحمد -رحمه الله- قال في الذي في السفينة لا يقدر على أن يَسْتَتِمَّ قائمًا؛ لِقِصَر سماء السفينة: يصلي قاعدًا، إلا أن يكون شيئًا يسيرًا، فيُقاس عليه سائر ما في معناه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا» وهذا لم يستطع القيام.
ومَن قَدَرَ على القيام، وعجز عن الركوع أو السجود، لم يسقط عنه القيام، ويصلى قائمًا، فيُومِئُ بالركوع، ثم يَجلس فيُومِئُ بالسجود، وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يسقط القيام؛ ولأنها صلاة لا ركوع فيها ولا سجود، فسَقَطَ فيها القيام كصلاة النافلة على الراحلة، ولنا قول الله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة:238، وقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: «صَلِّ قائمًا»؛ ولأن القيام ركن قُدِر عليه، فلَزِمَهُ الإتيان به، كالقراءة، والعَجْزُ عن غيره لا يقتضي سقوطه، كما لو عَجَزَ عن القراءة، وقياسهم فاسد لوجوه:
أحدها: أن الصلاة على الراحلة لا يسقط فيها الركوع.
والثاني: أن النافلة لا يجب فيها القيام، فما (كما) سقط على الراحلة لسقوط الركوع والسجود.
والثالث: أنه منقوض بصلاة الجنازة.
وإن قدر المريض على الصلاة وحده قائمًا، ولا يقدر على ذلك مع الإمام؛ لتطويله، احتُمل أن يلزمه القيام ويصلي وحده؛ لأن القيام آكد؛ لكونه ركنًا في الصلاة لا تتم إلا به، والجماعة تصح الصلاة بدونها، واحتمل أنه مخيَّر بين الأمرين؛ لأننا أَبَحْنَا له ترك القيام المقدور عليه، مع إمام الحي العاجز عن القيام؛ مراعاة للجماعة، فهاهنا أَولى؛ ولأنَّ الأَجْرَ يتضاعف بالجماعة أكثر مِن تَضَاعُفِه بالقيام، بدليل: «أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم»، و«صلاة الجماعة تفضُل على صلاة الرَّجُل وحْدَه سبعًا وعشرين درجة» وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي. المغني (2/571- 573).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
‌
وأما ‌صلاة ‌الفرض ‌قاعدًا مع القُدْرَة على القيام فلا تصحُّ لا مِن رَجُلٍ ولا امرأةٍ، بل قد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «صَلَّ قائمًا...» الحديث، ولكن يجوز التطوع جالسًا، ويجوز التطوع على الراحلة في السفر قِبَل أيّ جهة توجَّهَتْ بصاحبها؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كان يُصَلِّي على دابَّتِه قِبَل أيّ جِهة توجَّهَت به، ويُوتِر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة». مجموع الفتاوى (24/6، 7).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
(مح هذا الرمز يستعمله الطيبي كثيرًا ولعله يشير إلى نسخة من النسخ التي اعتمد عليها بل يقصد به: محيي السنة البغوي؛ لأنه يشرح مشكاة المصابيح للتبريزي، وهو في الأصل تهذيب كتاب "مصابيح السنة" للبغوي): وصلاة الفرض قاعدًا مع قدرته على القيام لم يَصِحْ، بل يأثم فيه، قال: وإنْ اسْتَحَلِّ كَفَر، وجَرَت عليه أحكام المرتدِّين. الكاشف (4/ 1215).

قوله: «فإن لم تَسْتَطِع فقاعدًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن لم تستطع» أي: القيام «فقاعدًا» أي: فَصَلِّ قاعدًا. مرقاة المفاتيح (3/ 936).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«فإن لم تستطع» القيام؛ بأنْ لَحِقَكَ به مشقةٌ شديدةٌ، أو خوفُ زيادة مرض، أو غَرَق «فقاعدًا». السراج المنير (3/ 259).
وقال المظهري -رحمه الله-:
كلمة «إنْ» للشَّرط، يعني: تَرْك القيامِ يَجُوزُ بشرطِ العَجْز عن القيامِ، وكذلك ترك القعود والانتقال منه إلى الاضطجاع، وهذا في صلاة الفريضة، وأمَّا في النافلة فتجوز عن القعود مع القدرة على القيام، ولكنَّ ثوابَ القاعدِ نصفُ ثواب القائم. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 281).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإن لم تستطع فقاعدًا» كيف شاء ولا ينقص ثوابه؛ لأنه معذور. شرح سنن أبي داود (5/ 187).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
لم يَذكر فيه: «فله نصف أجر القائم» (كما ذَكر في حديث آخر) يدل أنه في صلاة الفرض، ويدل أن القيام لا يَسْقُطُ فرضُه إلا بعدم الاستطاعة، ثم كذلك القعود. شرح صحيح البخاري (3/ 104).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا (الحديث) يبيِّن لك أن القيام لا يَسْقُطُ فرضُه إلا بعدم الاستطاعة، ثم كذلك القعود إذا لم يستطع، ثم كذلك شيء شيء يَسْقُطُ عند عدمِ القُدرة عليه، حتى يصير إلى الإغماء، فيسقط جميع ذلك، وهذا كله في الفرض لا في النافلة.
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في هذا الباب (الْمُبَيِّن أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم) فإنما هو في النافلة، والدليل على ذلك: أن في نَقْل ابن شهاب له، أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يُصَلُّونَ في سُبْحتهم قعودًا، فخرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال ذلك القول، والسُّبحة عند أهل العلم: النافلة، ودليل ذلك أيضًا: قوله -صلى الله عليه وسلم- في الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة عن ميقاتها: «صَلُّوا الصلاةَ لِوَقْتِهَا، واجعلوا صَلاتَكُم معهم سُبْحة» يعني: نافلة. التمهيد (1/ 314).
وقال النووي -رحمه الله-:
اجْمَعَت الأُمَّة ‌على ‌أنَّ ‌مَن ‌عَجَزَ عن القيامِ في الفريضةِ صلَّاها قاعدًا، ولا إعادة عليه، قال أصحابنا: ولا يَنْقُصُ ثوابُه عن ثوابه في حال القيام؛ لأنه معذور، وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «إذا مَرِض العبدُ أو سافر كُتِب له ما كان يعمل صحيحًا مُقِيمًا». المجموع (4/ 310).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
أجمع أهل العلم على أنَّ مَن لا يطيق القيام له أن يصلي جالسًا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمران بن حصين: «صَلِّ قائمًا...» الحديث، رواه البخاري وأبو داود، والنسائي وزاد: «فإن لم تَسْتَطِعْ فمُسْتَلْقِيًا لا يكلِّف الله نفسًا إلا وُسْعَهَا» وروى أنس قال: «سَقَط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن فرسٍ فخُدِش أو جُحِشَ شِقُّهُ الأيمن، فدَخَلْنَا عليه نَعُودُه، فَحَضَرَتِ الصلاة فصلَّى قاعدًا، وصَلَّيْنَا خَلْفَهُ قعودًا» متفق عليه. المغني (2/ 570).
وقال الحسين بن محمد المغربي -رحمه الله-:
الحديث يدل على أنه لا يصلي قاعدًا إلَّا لعذر، وهو عدم الاستطاعة، ويلحق به ما إذا خشي ضررًا. البدر التمام (3/ 180).
وقال الباجي -رحمه الله-:
ويصلي المريض جالسًا مستندًا أحبُّ إليَّ مِن أنْ يُصلّي مضطجعًا، قاله ابن القاسم في المدونة، وَوَجْه ذلك: أن الجلوس هيئةٌ من هيئات الصلاة فلم يجز له تركُها مع القدرة عليها كالقيام. المنتقى شرح الموطأ (1/ 242).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
اختلف الفقهاء في كيفية صلاة القاعد في النافلة وصلاة المريض؛ فذكر ابن عبد الحكم، عن مالك في المريض: أنه يَتَرَبَّع في قيامه وركوعه، فإذا أراد السجود تَهَيَّأَ للسجود فسجد على قدر ما يطيق، وكذلك الْمُتنفل قاعدًا.
وقال الثوري: يَتَرَبَّع في حال القراءة والركوع، ويُثْنِي رِجْلَيه في حال السجود فيسجد، وهذا نحو مذهب مالك، وكذلك قال الليث، وأحمد، وإسحاق.
وقال الشافعي: يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد، في رواية المزني، وقال البويطي عنه: يُصلي متربعًا في موضع القيام.
وقال أبو حنيفة وزُفَرُ: يجلس كجلوس الصلاة في التشهد، وكذلك يركع ويسجد.
وقال أبو يوسف ومحمد: يكون متربِّعًا في حال القيام وحال الركوع، وقد رُوي عن أبي يوسف: أنه يَتَربَّع في حال القيام، ويكون في حال ركوعه وسجوده كجلوس التشهد.
قال أبو عمر: رُوي عن ابن مسعود أنه كَرِهَ أن يتربَّع أحد في الصلاة، قال عبد الرزاق: يقول: إذا صلى قائمًا فلا يجلس للتشهد متربِّعًا، فأمَّا إذا صلَّى قاعدًا فلْيتربَّع.
وروي عن ابن عباس: أنه كان يَكْرَهُ التَّربّع في الصلاة التطوع، قال شعبة: فسألت عنه حمادًا، فقال: لا بأس به في التطوع.
وروي عن إبراهيم، ومجاهد، ومحمد بن سيرين، وأنس بن مالك، أنهم كانوا يُصلُّون في النافلة جلوسًا مُتربِّعين.
ومالك أنه بَلَغَه عن عروة وسعيد بن المسيب أنهما كانا يُصلِّيان النافلة وهما مُحْتَبِيان.
ومعمر عن أيوب: أن ابن سيرين كان يصلي في التطوع مُحْتبِيًا.
قال معمر: ورأيت عطاء الخراساني يَحْتبي في الصلاة التطوع، وقال: ما أُرَانِي أَخَذْتُه إلا من ابن المسيب.
ومعمر، عن الزهري، عن ابن المسيب: أنه كان يَحْتبي في آخر صلاته في التطوع.
وذكر الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن ابن المسيب مثله، قال: فإذا أراد أن يسجد ثَنَى رِجْلَيه وسجد.
وكان عمر بن عبد العزيز يُصَلِّي جالسًا مُحتبيًا، فقيل له في ذلك، فقال: "بَلَغَنِي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يَمُت حتى كان أكثر صلاته وهو جالس". التمهيد (1/316- 319).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لم يُبيِّن كيفية القعود، فيؤخذ من إطلاقه: جوازه على أيِّ صفة شاء المصلي، وهو قضية كلام الشافعي في البويطي.
وقد اختُلف في الأفضل، فعن الأئمة الثلاثة يُصلِّي ‌مُتربعًا.
وقيل: يجلس مُفترشًا، وهو موافق لقول الشافعي في مختصر المزني، وصحَّحه الرافعي ومَن تبعه.
وقيل: مُتورِّكًا، وفي كلٍّ منها أحاديث. فتح الباري (2/ 586).
وقال العيني -رحمه الله-:
أما كيفية القعود فيما إذا صلى قاعدًا: فَبِحسب طاقته وتَمكُّنه. شرح سنن أبي داود (4/ 225).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فإن لم تستطع فقاعدًا» أي: فصلِّ قاعدًا، ولم يبين الرسول -عليه الصلاة والسلام- كيف يقعد، لكن في آخر حديثٍ في الباب حديث عائشة: «كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يُصلِّي مُتربّعًا»، فعلى هذا يكون هذا القعود متربعًا، ويكون متربعًا في حال القيام.
وفي حال الركوع، قيل: يفترش، وقيل: يتربَّع، يبقى على تَرَبّعه، وهذا القول الثاني هو الصحيح، أنه في حال الركوع يبقى متربعًا.
كيف يَرْكَعُ؟ يركع بالإيماء، فيومئ، أي: يَخْفِضُ ظَهْرَهُ، قال العلماء: حتى يُقَابِلَ ما وراء رُكْبَتَيهِ أدنى مقابلة، وتَتِمَّتُهَا الكمال بحيث يكون وجهه كله خارج حدود الركبتين.
في السجود ماذا يفعل؟ إن كان لا يستطيع يسجد، وفي الجلوس بين السجدتين يجلس كالعادة مفترشًا.
هذا معنى قوله: «صلِّ قاعدًا»، فإن لم يستطع السجود لأَثَرٍ في رأْسِه أو في عَينِه، أو ما أشبه ذلك، فماذا يفعل؟
يُومِئُ بالسجودِ أيضًا، ويَجْعَل السجود أَخْفَضَ مِن الركوع، ولكن هل يجب عليه أن يسجد على بقية الأعضاء إذا عَجَزَ بالجبهة؟
قال بعض العلماء: إذا عجز بالجبهة سَقَطَ ما سواها؛ لأنها هي الأصل، فعلى هذا ما يجب عليه (أن) يسجد لا على ركبتيه ولا على أطراف القدمين ولا على الكفين ما دام عجزت الجبهة، مثل: أن يكون في الجبهة جُرُوحٌ لا يستطيع أن يسجد عليها، نقول: يُومِئُ إيماءً، والصحيح: أن العجز بالجبهة لا يُسقط ما سواها. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 316).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فأما من تَجُوز له صلاة الفريضة قاعدًا فهو الْمُقْعَد الذي لا يقدر على القيام، أو المريض الذي لا يستطيع بحال.
وقال محمد بن مسلمة: من لا يقدر على القيام إلا بمشقة صلَّى جالسًا.
قال الإمام أبو الوليد: وعندي أن ذلك كالمريض والمسافر في السفينة، وَوَجْه ذلك: الحديث المتقدم: «‌صَلِّ ‌قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا».
فَرْع: وأما مَن أراد أن يَقْدَحَ عينيه، ويُصلِّي جالسًا أربعين يومًا، ففي "الواضحة" عن مالك: لا بأس بذلك، ووجه ذلك: أنَّه عُذْرٌ مانعٌ من القيام، يُجَوِّزُ له الصلاة جالسًا؛ فلا يمنع من الأفعال المؤدِّية إلى ذلك. المنتقى (1/ 241).
وقال العيني -رحمه الله-:
اختلف أصحابنا (الحنفية) في حدِّ المرض الذي يُبيح الصلاة قاعدًا، فقيل: أن يكون بحالٍ لو قامَ سقط مِن ضَعفٍ، أو دوران رأسٍ، أو غير ذلك.
وقيل: أن يصير صاحب فراشٍ.
وأصح الأقاويل: أن يلحقه ضرر بالقيام.
وإذا كان قادرًا على بعض القيام دون تمامه، كيف يصنع؟
قال الفقيه أبو جَعْفر: يُؤمر بأن يقوم مقدار ما يقدر، فإذا عجز قَعَد، حتى إذا كان قادرًا على أن يُكبِّر قائمًا ولا يَقدر على القيام للقراءة، أو قادرًا على القيام ببعض القراءة دون تمامها، قالوا: يُؤْمَرُ بأن يُكَبِّر قائمًا ويَقْرَأ ما يقدر عليه قائمًا، ثم يقعد إذا عجز. وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني. شرح سنن أبي داود (4/ 226).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإن لم تستطع» استدلَّ به من قال: لا ينتقل المريض إلى القعود إلا بعد عدم القدرة على القيام، وقد حكاه عياض عن الشافعي.
وعن مالك وأحمد، وإسحاق: لا يُشترط العدم، بل وجود المشقة.
والمعروف عند الشافعية أن المراد بنفي الاستطاعة: وجود المشقة الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة المرض، أو الهلاك، ولا يُكتفى بأدنى مشقة، ومِن المشقَّة الشديدة: دوران الرأس في حقِّ راكبِ السفينة، وخوف الغرق لو صلى قائمًا فيها.
وهل يُعدّ في عدم الاستطاعة مَن كان كامنًا في الجهاد، ولو صلى قائمًا لرآه العدو فتجوز له الصلاة قاعدًا أو لا؟
فيه وجهان للشافعية: الأصح الجواز، لكن يَقضي؛ لكونه عذرًا نادرًا.
واستُدِلّ به على تساوي عدم الاستطاعة في القيام والقعود في الانتقال، خلافًا لمن فرَّق بينهما كإمام الحرمين، ويدل للجمهور أيضًا: حديث ابن عباس عند الطبراني بلفظ: «يصلي قائمًا، فإنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ فجالسًا، فإنْ نَالَتْهُ مَشَقةٌ صلَّى نائمًا» الحديث، فاعتَبَر في الحالين وجود المشقة ولم يُفرِّق. فتح الباري (2/ 588).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
إن أمكنه القيام إلَّا أنه يخشى زيادةَ مرضه به، أو تباطؤ بُرئه، أو يشق عليه مشقة شديدة، فله أن يصلي قاعدًا، ونحو هذا قال مالك وإسحاق.
وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه، فَليُصلِّ جالسًا، وحكي عن أحمد نحو ذلك.
ولنا قول الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج:78، وتكليفُ القيام في هذه الحال حَرَج؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلَّى جالسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّهُ الأيمن، والظاهر: أنه لم يكن يعجز عن القيام بالكليَّة، لكن لَمَّا شَقَّ عليه القيام سقط عنه، فكذلك تَسْقُطُ عن غيره. المغني (2/ 571).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا» بماذا نعرف عدم الاستطاعة؟ هل معناه: أنه لا يمكن أن يعتمد قائمًا أبدًا، أو معناه: أنه يستطيع لكن بمشقَّة شديدةٍ لا يستحضر معها ما يقول في صلاته، أو أن المراد: أقلُّ مَشَقَّةٍ؟ فهذه ثلاث حالات.
نقول: المراد: المشقة التي توجب اشتغالك عما تقوله في صلاتك، يعني: إذا كنتَ لو وقفتَ شَقَّ ذلك عليكَ مشقةً شديدةً بحيث لا تدري ما تقول، أو إذا وقفتَ صار في رأسك دَوَرَانٌ، وما أشبهَ ذلك فَصَلِّ قاعدًا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 193).

قوله: «فإن لم تَسْتَطِع فَعَلى جَنْبٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن لم تَستطع» أي: القعود «فعلى جَنْب» أي: فَصَلِّ مضطجعًا مستقبِلًا للقِبلة، فإنَّ ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلّه، وأما إذا لم يقدر على التحول ولم يكن له مُسَاعِدٌ على التحويل فيجوز؛ فإن الضرورات تبيح المحظورات. مرقاة المفاتيح (3/ 936).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإنْ لم تستطع فَعَلى جَنْب» ويستحبُّ أن يكون على الجنب الأيمن؛ لينال فضيلة التيامن، وإن صلَّى على الأيسر جاز، وهو مقتضى إطلاق الحديث، وزاد النسائي في روايته بعد قوله: «فعلى جَنْب» «فإن لم تَسْتَطِعْ فمُسْتَلْقٍ، لا يُكلِّف الله نفسًا إلا وسعها»، واستدركه الحاكم، قال ابن حجر: فَوَهِم. شرح سنن أبي داود (5/187، 188).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقد روى الدارقطني من حديث عليٍّ -عليه السلام- بلفظ: «فإن لم تستطع أن تسجد أَوْمِ واجْعَلْ سجودَكَ أَخْفَضَ مِن ركوعك، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلَّى على جنبه الأيمن، مُسْتَقْبِلَ القِبْلة، فإن لم يستطع أن يُصَلِّي على جنبه الأيمن صلَّى مستلقيًا، رِجْلَاهُ مما يلي القِبْلَة» وفي إسناده ضعف، وفيه متروك، وقال المصنِّف: لم يقع في الحديث ذِكْرُ الإيماءِ، وإنما أورده الرافعي، قال: ولكنه ورد في حديث جابر: «إن استطعتَ وإلَّا فَأَوْم إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك» أخرجه البزار، والبيهقي في المعرفة، قال البزار: وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: الصواب: عن جابر موقوفًا، ورَفْعُه خطأ، وقد رُوي أيضًا من حديث ابن عمر، وابن عباس، وفي إسناديهما ضعف. سبل السلام (2/ 266).
وقال الحسين بن محمد المغربي -رحمه الله-:
في هذا حُجة على مَن قال: إن العاجز عن القعود في الصلاة تسقط عنه، وقد حكاه الغزالي عن أبي حنيفة، وهو لا يوجد في كتب الحنفية. البدر التمام (3/ 180).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
اختلفوا فيه إذا صلى نائمًا -أي: واقعًا بالأرض- كيف يصلي؟
فقال أصحاب الرأي: يصلي مستلقيًا ورِجْلُه إلى القِبْلة.
وقال الشافعي: يصلي على جَنْبِهِ، مُتَوجِّهًا إلى القِبلة على ما جاء في الحديث. معالم السنن (1/ 225).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فإن صَلَّى على جَنْبِهِ كان وجْهُهُ إلى القِبْلة، على حسب دفن الميت، وإن صلى على ظَهره كانت رِجْلَاه في قِبْلَته، ويُومِئ برأسه إيماء. شرح صحيح البخاري (3/ 104).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فعلى جَنْبٍ» في حديث عليٍّ عند الدارقطني: «على جنبه الأيمن مُسْتَقْبِلَ القِبلة بوجهه» وهو حجة للجمهور في الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجَنْبِ.
وعن الحنفية وبعض الشافعية يَسْتَلْقِي على ظهره ويجعل رِجْليه إلى القِبلة.
ووقع في حديث عليّ أنَّ حالة الاستلقاء تكون عند العجز عن حالة الاضطجاع. فتح الباري (2/588).
وقال العيني -رحمه الله-:
قال بعض أصحابنا (الحنفية): المستلقي ينبغي أن يَنْصِبَ رُكبتيه إنْ قَدَرَ عليه حتى لا يُمِرَّ رِجْلَيه إلى القِبلة. شرح سنن أبي داود (4/ 225).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فمَن عجز عن الصلاة قاعدًا فإنه يصلي على جنبه، مُسْتَقِبْلَ القبلة بوجهه، وهذا قول مالك، والشافعي، وابن المنذر.
وقال سعيد بن المسيب، والحارث العكلي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يصلي مستلقيًا، ووجهه ورِجْلَاه إلى القبلة؛ ليكون إيماؤه إليها، فإنه إذا صلى على جنبه كان وجهه في الإيماء إلى غير القبلة.
ولنا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإن لم يستطع فعلى جَنْبٍ» ولم يقل: فإن لم يستطع فمستلقيًا؛ ولأنه يستقبل القبلة إذا كان على جنبه، ولا يستقبلها إذا كان على ظهره، وإنما يستقبل السماء؛ ولذلك يوضع الميت في قبره على جنبه؛ قصدًا لتوجهه إلى القِبْلة.
وقولهم: إنَّ وَجْهَهُ في الإيماء يكون إلى غير القبلة، قلنا: استقبالُ القِبْلَةِ من الصحيح لا يكون في حال الركوع بوجهه، ولا في حال السجود، إنما يكون إلى الأرض، فلا يعتبر في المريض أن يستقبل القبلة فيهما أيضًا.
إذا ثبت هذا، فالْمُستحب أن يصلي على جنبه الأيمن، فإن صلَّى على الأيسر جاز؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعيِّن جَنْبًا بِعَيْنِهِ؛ ولأنه يستقبل القبلة على أي الجَنْبَيْنِ كان.
وإن صلَّى على ظهره مع إمكان الصلاة على جنبه، فظاهر كلام أحمد أنه يصح؛ لأنه نوع استقبال، ولهذا يوجَّه الميت عند الموت كذلك، والدليل يقتضي ألا يصح؛ لأنه خالف أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «فعلى جنب»؛ ولأن نَقْلَه إلى الاستلقاء عند عجزه عن الصلاة على جنبه يدل على أنه لا يجوز ذلك مع إمكان الصلاة على جنبه، ولأنَّه تَرَكَ الاستقبال مع إمكانه، وإنْ عَجَزَ عن الصلاة على جنبه صلَّى مستلقيًا؛ للخبر، ولأنَّه عَجِز عن الصلاة على جنبه فسقط كالقيام والقعود. المغني (2/573، 574).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والمراد بقوله: «فعلى جنبك» هو الجنب الأيمن كما في حديث عليٍّ، وإلى ذلك ذهب الجمهور، قالوا: ويكون كتَوَجّه الميت في القبر.
وقال الهادي: وهو مروي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية: أنه يستلقي على ظهره ويجعل رِجْلَيه إلى القبلة.
وحديثا الباب (حديث عمران وحديث عليٍّ) يَرُدَّان عليهم؛ لأن الشارع قد اقتصر في الأول منهما على الصلاة على الجَنْبِ عند تَعَذُّر القعود، وفي الثاني: قدَّم الصلاة على الجَنْبِ على الاستِلْقَاءِ.
وحديث عليٍّ يدل على أنَّ مَن لم يستطع أن يَرْكَعَ ويسجد قاعدًا أومأ للركوع والسجود، ويجعل الإيماء لسجوده أخفض من الإيماء لركوعه، وأنَّ مَن لم يستطع الصلاة على جَنْبِه يصلي مستلقيًا جاعلًا رِجْلَيْهِ مما يلي القبلة. نيل الأوطار (6/ 146).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في عدم الاستطاعة قائمًا تُصلي على جَنْبٍ، على أيِّ الجنبين؟
الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما عيَّن، يجزئ على الجنب الأيمن وعلى الجنب الأيسر، لكنَّ الجنب الأيمن أفضل ثم الأيسر. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 193).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستَدَلَّ به مَن قال: لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى، كالإشارة بالرأس ثُم الإيماء بالطَّرْف، ثم إجراء القرآن والذِّكر على اللسان، ثم على القلب؛ لكون جميع ذلك لم يُذْكَر في الحديث، وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الشافعية.
وقال بعض الشافعية بالترتيب المذكور، وجَعلوا مَنَاطَ الصلاة: حصول العقل، فحيث كان حاضر العقل لا يسقط عنه التكليف بها، فيأتي بما يستطيعه، بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أَمَرْتُكُم بأَمْرٍ فأَتُوا منه ما اسْتَطَعْتُم» هكذا استدل به الغزالي، وتعقَّبَه الرَّافعي بأن الخَبَر أمَر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور، والقعود لا يشتمل على القيام، وكذا ما بعده إلى آخر ما ذُكِر، وأجاب عنه ابن الصلاح: بأنَّا لا نقول: إن الآتي بالقعود آتٍ بما استطاعه من القيام مثلًا، ولكنا نقول: يكون آتيًا بما استطاعه مِن الصلاة؛ لأن المذكورات أنواعٌ لجِنْسِ الصلاةِ بعضُها أدنى من بعض، فإذا عجز عن الأعلى وأتى بالأدنى كان آتيًا بما استطاع من الصلاة.
وتُعقِّب بأنَّ كون هذه المذكورات من الصلاة فرع لمشروعية الصلاة بها، وهو محل النزاع. فتح الباري (2/588).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
عن ابن عمر أنه قال: "إذا لم يستطع المريض السجود أَوْمَأَ" أي: أشار إلى السجود برأسه، قال محمد: وبهذا -أي: بقول ابن عمر- نأخذ، أي: نعمل ونُفْتِي، ولا ينبغي له -أي: للمريض- أن يسجد على عودٍ، أي: بأن يرفع إلى وجهه لوحًا يسجد عليه، ولا على شيء يرفعه إليه، كوسادة ونحوها، ويجعل سجوده -أي: وينبغي للمومي- أن يجعل إشارته برأسه إلى سجوده أخفض -أي: أسفل- من إشارته إلى ركوعه. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (2/ 25).
وقال البهوتي -رحمه الله-:
فإن عجز عن الإيماء أومأ بعَيْنِه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن لم يَسْتَطِعْ أومأ بِطَرْفه» رواه زكريا الساجي بسنده عن الحسين بن علي بن أبي طالب، وينوي الفعلَ عند إيمائه له، والقول كالفعل يستحضره بقلبه إن عجز عنه بلفظه، وكذا أسيرٌ خائفٌ، ولا تسقط الصلاة ‌ما ‌دام ‌العقل ثابتًا، ولا ينقص أجر المريض إذا صلَّى ولو بالإيماء عن أجر الصحيح المصلي قائمًا، ولا بأس بالسجود على وسادة ونحوها، وإنْ رُفِعَ له شيء عن الأرض فسجد عليه ما أمكنه صحَّ وكُرِهَ. الروض المربع (ص141).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ويؤخذ مِن الحديث: أنه لا يجب شيء بعد تعذُّر الإيماء على الجنب.
وعن الشافعي والمؤيَّد: يجب الإيماء بالعينين والحاجبين، وعن زُفَرَ: الإيماء بالقلب.
وقيل: يجب إمرار القرآن والذِّكر على اللسان، ثم على القلب، إلَّا أنَّ هذه الكلمة لم تأتِ في الأحاديث، وفي الآية: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} النساء:103، وإن كان عَدَمُ الذِّكْرِ لا ينفي الوجوب بدليل آخر، وقد وجبت الصلاة على الإطلاق، وثَبَتَ: «إذا أُمِرْتُم بأَمْرٍ فأَتُوا منهُ مَا اسْتَطَعْتُم» فإذا استطاع شيئًا مما يفعل في الصلاة وجب عليه؛ لأنه مستطيع له. سبل السلام (2/ 267).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإن لم تَسْتَطِعْ أن تُصَلِّي على جَنْبٍ -أحيانًا لا يستطيع المريض أن يصلي، يعني: لا يقدر أن يومئ برأسه ولا بعينه- فإنه يصلي بقلبه، يقول: "الله أكبر"، ويقرأ الفاتحة وما تيسر، ويقول: "الله أكبر" وينوي أنه رَكَعَ، ثم يكبِّر وينوي أنه رَفَعَ؛ لعموم قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة:286، وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} التغابن:16، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أَمَرْتُكُم بأَمْرٍ فأْتُوا منه ما استطعتم».
وأمَّا ما ذهب إليه بعض أهل العلم مِن أنه إذا عَجَزَ عن الأفعال سقطت الصلاة، فلا وجه له، فهل الصواب: أنه (إذا) عَجَزَ عن الأفعال طُولِبَ بالأقوال؟
لا، إذا كان يستطيع أن يتكلم ولا يتحرك كما لو أصيب -والعياذ بالله- بشَلَلٍ فماذا يفعل؟ ينوي بقلبه، حتى القول ينوي القول بقلبه والفعل بقلبه؛ لعموم قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} التغابن:16، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أَمَرْتُكُم بأَمْرٍ فأْتُوا منه ما استطعتم». وكيف يُومِئُ برأسه في الركوع؟
ينحني، وفي السجود: ينحني أكثر، فإن لم يستطع الإيماءَ بالرأس أَوْمَأ بالعين عند بعض أهل العلم؛ لأنه ورد فيه حديث لكنه ضعيف، فأخذ به الفقهاء -رحمهم الله- فقالوا: "يومئ بعينه"، وهل يومئ بالأصبع؟
لا، الإيماء بالأصبع ما وجدتُ له أصلًا لا في السُّنة ولا في أقوال أهل العلم، لكنَّ العامَّة يستحسنونه قالوا: لأن الأصبع مثل البدن، لكنَّ هذا استحسانُ عامِّي لا يُعتمد عليه، ما دام أنه لا أصل له في السُّنة ولا في كلام أهل العلم فإنه لا يُعتمد عليه. فتح ذي الجلال والإكرام (2/193، 194).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
إذا لم يستطع الإيماء برأسه فالمذهب عند الحنابلة أنه يُومِئُ بطَرْفِه، فيُغْمِضُ عينه قليلاً للركوع، فإذا قال: (سمع الله لمن حمده)، فتَحَ طَرْفَهُ، فإذا سجد أَغْمَضَ أكثر، ودليلهم: عبارةٌ وردت في حديث عليٍّ المتقدم: «فإن لم يستطع أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ»، وهذه الجملة لا وجود لها في حديث عليٍّ -رضي الله عنه- لا عند الدارقطني ولا عند البيهقي، والظاهر أنها لا تَثْبُتُ، والحديث ضعيف، كما تقدم.
والقول الثاني: أنه إذا عجز عن الإيماء سقطت عنه الصلاة؛ لعَجْزِهِ عنها، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: "هذا القول أصح في الدليل؛ لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز فيه الركوع من السجود ولا القيام من القعود، بل هو نوع من العبث الذي لم يشرعه الله تعالى، وأما الإيماء بالرأس فهو خفضه، وهذا بعض ما أمر الله به المصلي". منحة العلام (3/ 204)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اعلم أن الصلاة لا تسقط عن المريض أبدًا ما دام عقله ثابتًا، لكن إذا قُدِّر أن هذا المريض لا يستطيع أن يتوضأ، ولا يستطيع أن يتَيَمَّمَ، ولا يستطيع أن يجتنب النجاسة في ثوبه أو بدنه أو مُصَلَّاه، فماذا يفعل؟
يصلي على حسب حاله، وهذه مسألة: كثيرٌ مِن العامة يبقى في المستشفى، أو على فراشه في بيته مريضًا لا يصلي، نقول له: لماذا؟ يقول: ثيابي نجسة، أو بدني نجس، هذا ليس بعذر، هذا لو مات ولم يُصَلِّ فهو على خطر، ولذلك يجب أن يُبيَّن للناس أنه يصلي على حسب حاله، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} التغابن:16، وهل يُعِيدُ إذا صلى على حسب حاله بدون وضوء ولا تيمم ولا اجتناب نجاسة إذا عافاه الله؟
لا؛ لأنه قد فعل ما أُمِر به، فاتَّقى الله ما استطاع. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 195).
وقال الباجي -رحمه الله-:
‌
«صَلِّ ‌قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب» فَخَصَّ بهذا الخبر مِن الآية ({وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة:238): مَن لم يستطع القيام، وبَقِيَت الآية على عمومها في المستطيعين، وقد ثبت بحديث عائشة جواز الجلوس في التنفل مع القُدْرة على القيام، فَخُصَّت بذلك الآية أيضًا -على قول مَن زعم أنها تتناول الفرض والنفل-، وبقيت عامة في المستطيعين القيام في الفريضة، وثبت بذلك أن صلاة القاعد إنما تكون على النصف من صلاة القائم في موضعين:
أحدهما: مَن صلى الفريضة غير مستطيع القيام.
والثانية: مَن صلى النافلة مستطيعًا أو غير مستطيع.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون في تأويل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم»: إنهم كانوا يستطيعون أن يصلوا قيامًا إلا أن القعود كان أَرْفَقُ بهم، فأمَّا مَن أَقْعَدَهُ المرضُ والضَّعْف في مكتوبةٍ أو نافلةٍ فإنَّ صلاته قاعدًا في الثواب مثل صلاته قائمًا، قال الإمام أبو الوليد: وما ذكرته عندي أظهر.
وحكى القاضي أبو إسحاق أن الحديث ورد في النوافل؛ لأنها ليست بواجبة، فالإتيان بها على حال الجلوس على النصف من الإتيان بها على حال القيام، وهذا التخصيص يحتاج إلى دليل، وبالله التوفيق. المنتقى شرح الموطأ (1/ 241).

قوله في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: «أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- عاد مريضًا فرآه يُصلِّي على وِسَادَةٍ، فأخذها فَرَمَى بها، فأخذ عُودًا لِيُصلِّي عليه، فَأَخَذَه فَرَمَى به، وقال: صلِّ على الأرض إن استطعت، وإلَّا فأَوْمِئْ إيماءً، واجعل سجودَكَ أَخْفَضَ مِن ركُوعِكَ»:
قال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
وِسَادَة: بكسر الواو ثم سين مهملة مفتوحة، وقال بعضهم: إنَّ سِينَهَا مثلثة، وهي الْمِخَدة، وكلُّ ما يوضع تحت الرأس، والجمع: وُسُدٌ.
«فَرَمَى بها» قذف بها؛ مُنْكِرًا على صاحبها.
«فَأَوْمِ» فعل أمر، أصله: "ومأ" وماضيه "أومأ"، والمصدر "إيماء"، والمراد بالإيماء هنا: الخَفْضُ في حالَيّ الركوع والسجود. توضيح الأحكام (2/ 325).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وهذا يحتمل أن يكون في وسادة مرفوعة إلى جبهته، ويُحتمل أن يكون في وسادة مرتفعة عن الأرض جدًّا، فأمَّا إذا كانت على الأرض وهي قليلة الارتفاع عنها فلا بأس. الشافي (1/ 630).
وقال الحسين بن محمد المغربي -رحمه الله-:
الحديث يدل على أنه لا يصح منه أن يتَّخِذ له ما يسجد عليه حيث لم يمكنه الوصول إلى الأرض.
وفي قوله: «واجعل سجودَك أَخْفَضَ من ركوعك»؛ ليَتِمَّ الفَصْلُ فيما بينهما، وذلك حيث استطاع ذلك، ولم يذكر في الحديث كَوْن الإيماء لهما منْ قعُود أو من قيامٍ، ولا بد من تفصيلٍ في ذلك، وهو أنه إِنْ تَعَذَّر عليه القيام مع تَعَذُّر السجود أومأ للركوع والسجود من قعود، وزاد في خفض السجود، وإن أمكنه القيام والقعود وتعذر عليه الركوع والسجود أو الركوع فقط فإنه يجب عليه أن يُومِئَ للركوع من قيام ويسجد، أو يُومِئَ للسجود من قعود، وعند المؤيد باللَّه: أن يومِئ لهما جميعًا مِن قيامٍ، ويقعد للتشهد، وعند أبي يوسف ومحمد: يُومِئُ لهما كِلَيْهِما من قعود، ويقوم للقراءة.
وعند أبي حنيفة أنه يسقط عنه القيام ويصلي قاعدًا، فإن صلى قائمًا جاز، وإن تعذر عليه القعود أَوْمَأَ لهما من قيام وزاد في خفض السجود، ويدل على هذه الأطراف قوله: «فَأْتُوا منه ما استطعتم»، واللَّه أعلم. البدر التمام (3/184، 185).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا فيه دليل على أنه لا ينبغي للمريض إذا عجز عن الوصول إلى الأرض أن يصنع له وسادة يسجد عليها، سواء صح هذا الحديث مرفوعًا أو موقوفًا؛ وذلك لأننا مَنْهِيُّون عن التكلُّف، وهذا من التكلُّف، فما دَامَ الله تعالى قد أَوْسَعَ علينا- والحمد لله- أنْ نُومِئَ فلا حاجة أن نأتي بوسادة لنسجد عليها، نعم، لو فُرِض أن إنسانًا مصابًا بوجعٍ في رأسه أو بعينه، ولا يستطيع أن يتحرك إلَّا إذا شد رأسه فهو يضع الوسادة، لا لأجل أن يسجد عليها؛ لكن لأجل أن يلين رأسه، هذا يكون الغرض منه ليس هو التَّعبّد، ولكن الغرض هو التَّطَبُّب لا بأس به، أما إذا كان من أجل أن يسجد عليها تعبدًا لله تعالى فهذا لا ينبغي، ولهذا قال أهل العلم: إنه يُكْرَهُ أن يرفع وسادة يسجد عليها. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 194).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث): أنَّ الصلاة لا تسقط بتعذُّر القيام؛ لأن له بدلًا هو القعود، ولا بتَعذُّر القعود؛ لأن له بدلًا هو كونه على جَنْبٍ. التنوير (6/ 588).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دلّ الحديث على: عِظَم شأن الصلاة.
وعلى أنَّ المكلَّف مُلزمٌ بأدائها على حسب استطاعته.
وعلى رفع الحرج عن هذه الأُمَّة. المنهل العذب المورود (6/ 60).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
هذا الحديث النبوي الشريف: يعتبر أصلًا في صلاة أهل الأعذار بصفة عامة، والعذر قد يكون مرضًا، وقد يكون خوفًا، وغير ذلك.
وفي الحديث: التَّدرج في كيفية الصلاة، وهو يُبيّن لنا إلى أيِّ مدى وصلت سماحة الإسلام في خِفَّة التكليف، وفي بعض روايات هذا الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} البقرة:286، ونحن جميعًا في حاجة ماسَّة إلى دراسةِ هذا الحديث بتَوَسُّعٍ إلى حدِّ ما يشمله من أصناف الناس في صلاتهم، فقد يكون العذر يعتري الإنسان بنفسه، وقد يكون يعتري إنسانًا يخصه، وقد يكون إنسان مسئولًا عن جماعة، وفي الجملة بعد هذا كله تأتي النتيجة الحتمية؛ لأن فريضة الصلاة لا تسقط بحال من الأحوال. شرح بلوغ المرام (71/ 3).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد:
الفائدة الأولى: مشروعيةُ عِيادة المريض؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عاد عمران بن حصين.
ثانيًا: جواز التصريح بما يُستحيا منه؛ لنشر العلم، يؤخذ من قوله: «كانت بي بواسير».
ثالثًا: حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على العلم...
رابعًا: أنه ينبغي لكل مَن نزَلَت به نازلةٌ أن يَسْأَلَ عن حكم الله في هذه النازلة؛ ولهذا عمران سأل النبي -عليه الصلاة والسلام-.
خامسًا: وجوب الصلاة على المريض قائمًا؛ لقوله: «صلِّ قائمًا»، والمراد الفريضة، أما النافلة فلا يجب فيها القيام، والدليل على أنه لا يجب فيها القيام: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي على راحلته في السفر بدون ضرورة، ولو كان القيام واجبًا ما صلَّى، هذه مِن فِعله، كذلك لَمّا ثَقل كان -صلى الله عليه وسلم- يصلي في الليل جالسًا حتى إذا قارب الركوع قام فركع، هذا أيضًا مِن فِعْلِهِ، الدليل الثالث: من قوله: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم»، ما وجه الدلالة؟ لأنه جَعَلَ ثواب القاعد على النصف، وهذا في غير العذر؛ لأنه في العذر يكون الثواب واحدًا، فلا شكَّ أن هذا الحديث في غير المعذور، وعلى هذا فيُحمل على النفل...
ومن فوائد الحديث: تيسير أحكام الشريعة والحمد لله، والشريعة كلها يُسْرٌ، ثم إنْ طَرَأَ ما يوجب تيسير هذا الْمُيَسَّرِ يُسِّر أيضًا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 318).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث (حديث جابر)...:
- يدل على أنَّه يوميء إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ ليُمَيِّز بين الركنين في أفعاله؛ ولأنَّ السجود شرعًا أَخْفَضُ من الركوع.
- يدل على أنَّه يُكْرَهُ للمصلِّي أن يُرفَع له شيءٌ يسجد عليه، وأنَّ هذا من التَّكلّف، الذي لم يأذن الله به، وإنما يصلي الإنسان حسب استطاعته، وإذا لم يستطع الوصول إلى الأرض أومأ في حالة الركوع، وفي حالة السجود، وقد اتَّقى الله ما استطاع...
- وفيه كمال خُلقِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعيادته أصحابه، وتفقده أحوالهم، فيكون في هذا قدوة للزعماء والرؤساء، فهذا مما يُحبِّب الناس فيهم، ويجعلهم قدوة في الخير، والتواضعُ وحُسْنُ الخُلُقِ يزيد الإنسان رفعة وعزَّا.
- فيه: أنَّ الداعيةَ الموفَّق لا يَدَعُ النصح والإرشاد في كل مكان يَحِلُّ فيه، على أيَّةِ حال يكون فيها، لكن بحكمةٍ، وحُسْن تصرف. توضيح الأحكام (2/ 326).

ولمزيد من الفائدة يُنظر شرح حديث: «من صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد».


إبلاغ عن خطأ