عن الزهري قال: سمعتُ سعيد بن المسيب قال: البَحِيْرَة التي يُمْنَعُ دَرُّهَا للطواغيت، ولا يَحْلُبُها أحد من الناس، والسَّائِبَة التي كانوا يُسَيِّبُونَهَا لآلهتهم، فلا يُحْمَل عليها شيء، قال: وقال أبو هريرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «رأيتُ عمرو بن عامر بن لُحَيٍّ الخزاعي يجرُّ قُصْبَهُ في النار، وكان أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوَائِبْ».
رواه البخاري برقم: (3521)، ومسلم برقم: (2856)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (8787)، ولفظه: «رأيتُ عمرو بن عامر يجرُّ قُصْبَه في النار، وكان أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّائِبَة، وبَحَرَ البَحِيْرَةِ».
مختصر شرح الحديث
حافَظَ الإسلامُ على صفاءِ التوحيد، وأبطل ما أحدثه أهلُ الجاهلية من الشرك والبدع، ومن ذلك: ما كانوا يجعلونه لآلهتهم مِن البَحِيرَةِ والسَّائبة. وفي هذا الحديث يفسِّر التابعيُّ الجليل سعيدُ بنُ المسيب -رحمه الله- المرادَ بالبحيرة، فيقول: «البَحِيرَةُ التي يُمنَعُ دَرُّها للطواغيت»، أي: أنَّ أهلَ الجاهلية كانوا يجعلون حَلْبَ هذه الناقة للطواغيت التي يعبدونها، فلا يَحْلُبُها أحدٌ من الناس؛ تعظيمًا لها. و«الطواغيت» بالمثناة الفوقية: اسمٌ يُطلَقُ على الشيطان، وكلِّ رأسٍ في الضلال، والمرادُ هنا: الأصنام.
وفي رواية: «وبَحَرَ البَحِيرَةَ» أي: شقَّ أُذُنَها علامةً عليها، وجعلها بحيرةً يُخَصُّ لَبَنُها بالطواغيت، ثم قال: «والسَّائِبَةُ التي كانوا يُسَيِّبُونَها لآلهتهم، فلا يُحمَلُ عليها شيء»، وأصلُ التَّسْيِيبِ: تخليةُ الدابة وتركُها تذهب حيث شاءت، وكانوا يتركونها كذلك؛ تقرُّبًا لآلهتهم، فلا تُمنَعُ من ماءٍ ولا مَرعًى، ولا يُحمَلُ عليها، ولا تُركَبُ. وقيل: كانوا يتركونها عند سَدَنَةِ الأصنام. وقيل: تختصُّ بالإبل، وقيل: تكون من الإبل والبقر وغيرهما من الأنعام. وقيل: إنَّ مِن صُوُرِهَا أنَّ الرجل إذا مَرِضَ أو غاب له قريبٌ، نذر إنْ شَفَاه الله أو قَدِمَ غائبُه، سيَّب ناقَتَه.
ثم قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «رأيتُ عمروَ بنَ عامرِ بنِ لُحَيٍّ الخُزاعيَّ يجرُّ قُصْبَه في النار»، والقُصْبُ: الأمعاء، أي: رأى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عمروَ بنَ عامرٍ حين عُرضت عليه الجنةُ والنارُ في صلاة الكسوف -كما في صحيح مسلم- يجر أمعاءه في النار، وذلك عقوبةً له؛ لأنه كان أوَّلَ من غيَّر دينَ إبراهيمَ -عليه السلام- في جزيرة العرب، فأدخل عبادةَ الأصنام، وسنَّ لهم هذه السُّننَ الجاهليةَ الباطلة، فاتَّبعه الناسُ فيها، فاستحقَّ العذابَ الشديد.
وفي الحديث: ذمُّ ما أحدثه أهلُ الجاهلية من الشرك والبدع، وأنَّ عمروَ بنَ لُحَيٍّ كان أولَ مَن أدخل الشركَ إلى جزيرةِ العرب، وأنَّ الداعيَ إلى الضَّلالةِ يتحمَّلُ إثمَها وإثمَ مَن عمل بها، وفيه: إثباتُ النارِ وأنها موجودةٌ، وفيه: عَلَمٌ من أعلامِ نبوته -صلى الله عليه وسلم-.
غريب الحديث
«البَحِيْرَة»:
البحيرة: اسم مفعول، وهي: المشقوقة الأُذُن، بنت السائبة التي تخلَّى مع أُمِّها، وهذا قول مَنْ فسَّرها بأنها الناقة إذا نُتِجَتْ خمسةَ أَبطُنٍ. المصباح المنير، للفيومي (1/ 36).
«دَرُّهَا»:
درَّ اللبن وغيرَه درًّا -من باب ضَرَبَ وقتل-: كَثُرَ. المصباح المنير، للفيومي (1/ 191).
«للطواغيت»:
الطواغيت: جمع طاغوت، وهو الشيطان، أو ما يُزيِّن لهم أن يعبدوه من الأصنام. ويقال للصنم: طاغوت، والطاغوت يكون واحدًا وجمعًا. النهاية، لابن الأثير (3/ 128).
«السَّائِبَة»:
السائبة: أُمُّ البحيرة، وقيل: السائبة كُلُّ ناقةٍ تُسيَّبُ لنذر، فترعى حيث شاءت. المصباح المنير، للفيومي (1/ 298).
«قُصْبَه»:
القُصْبُ بالضمِّ: المَعِي، وجمعه: أقْصَاب، وقيل: القُصْب: اسم للأمعاء كُلِّها، وقيل: هو ما كان أسفل البَطن من الأمعاء. النهاية، لابن الأثير (4/ 67).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «عن الزهري»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«عن الزهري» محمد بن مسلم. إرشاد الساري (6/ 16).
قوله: «قال: سمعت سعيد بن المسيب»:
قال الذهبي -رحمه الله-:
سعيد بن المسيِّب بن حَزْن القرشي المخزومي. سير أعلام النبلاء (4/ 217).
قوله: «قال: البَحِيْرَة التي يُمنع دَرُّهَا للطواغيت»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«البَحِيْرَة» بفتح الموحدة وكسر المهملة فعيلة بمعنى مفعولة، هي: «التي يُمنع درُّها» أي: لبنها «للطواغيت». إرشاد الساري (6/ 16).
وقال المازري -رحمه الله-:
البَحِيْرة فيما ذكره المفسرون: الناقة كانت الجاهلية إذا نُتجت خمسةَ أبطُنٍ، فكان آخرُها ذكرًا بَحَرُوا أُذُنَها، أي: شقُّوها، ولم يذبحوها، ولم يركبوها، ولم تُطردْ عن ماءٍ، ولم تُمنعْ مرعى، ولم يركبْها أحد.
قال الكلبي: كانوا إذا نُتجت خمسةَ أَبطُنٍ، فإن كان الخامس ذكرًا أكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى بَحَرُوا أُذُنَها، أي: شقُّوها، لا يُشرب لها لبنٌ، ولا تركب، وإن كانت ميتة اشترك فيها الرجال والنساء، وسُمِّيت بَحِيْرةً: لشقِّهم أُذُنَها، بَحَرَتْ إذا شُقِقت شقًّا واسعًّا، والناقة: بَحيرة ومبحورة. المعلم بفوائد مسلم (3/ 360).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
واختلف في اشتقاقها؛ قيل: من بَحَر: إذا شقَّ، وقيل: هذا من الاتساع في الشيء. التوضيح (22/ 315).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«يُمنع درُّها» أي: لبنها. منحة الباري (7/ 639).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«للطواغيت» بالمثناة الفوقية، أي: لأجل الطواغيت، جمع طاغوت، وهو الشيطان، وكُلُّ رأس في الضلال، والمراد هنا: الأصنام. إرشاد الساري (6/ 16).
قوله: «ولا يحلبها أحد من الناس»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولا يحلبها أحد من الناس» تعظيمًا للطواغيت. إرشاد الساري (6/ 16).
قوله: «والسَّائِبَة التي كانوا يُسَيِّبُونَهَا لآلهتهم»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«والسائبة» هي: الأنثى من أولاد الأنعام كُلِّها، كان الرجل يُسيِّب لآلهته ما شاء من إبله وبقره...
وقيل: هي: الناقة إذا تابعت بين عشر إناث، لم يُركب ظهرها، ولم يُجزَّ وبَرُهَا، ولم يُشربْ لبنُها إلا ضيف، فما نتج بعد ذلك من أنثى شُقَّ أُذُنها، ثم خُلِّي سبيلها مع أُمِّها في الإبل إلى آخر ما فُعِلَ بأُمِّها، فهي البحيرة بنت السائبة التوضيح (20/ 80).
وقال المازري -رحمه الله-:
وأمَّا السائبة فقيل: هو ما كان أحدهم يفعله إذا مرض، فينذر إن شُفِيَ أن يُسيِّبَ ناقته، فإذا فعل ذلك لم تُمنع من ماء ولا كلأٍ (أي: مرعى)، ولا يسيبون غيرَ الناقة، كانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه ولاء، وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة أنثى ليس فيها ذكر سُيِّبت، ولم تُركب، ولم يُجزَّ وبرُها، وما نَتَجَت بعد ذلك من أنثى شُقَّت أُذُنُها، وخُلِّيت مع أُمِّها، فهي البحيرة بنت السائبة. المعلم بفوائد مسلم (3/ 360).
قوله: «فلا يُحْمَل عليها شيء»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلا يحمل عليها شيء» من البضاعة، ولا يركبُ عليها. الكوكب الوهاج (25/ 544).
قوله: «رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«رأيت عمرو بن عامر الخزاعي» بضمِّ المعجمة، وتخفيف الزاي: أحد رؤساء خزاعة الذي وَلُوا البيت بعد جُرْهُم. التنوير (6/ 215).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
عمرو هذا: هو ابن لُحَي بن قمعة بن خندف الكعبي، وهو أوَّلُ مَن سنَّ عبادة الأصنام بمكة، وسَيّبَ لها السوائب، حملهم على التَّقرُّب إليها بتسييب السوائب، وذلك بأن تُسيّبَ في المرعى فلا تُرَدَّ عن حوض ولا علف، ولا يُحمل عليها ولا تُركب. الميسر (3/ 1119).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
هو أوَّل مَن نصب الأصنام في بلاد العرب، اشترى هُبُلَ من بلاد الشام، ووضعها في داخل الكعبة الشريفة، وكان رجلًا قصيرًا أشقرًا ... وهو أوَّلُ مَن بدَّل شريعة إبراهيم خليل الله. الكوثر الجاري (6/ 359-360).
قوله: «يَجرُّ قُصْبَه في النار»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«يجرُّ قُصْبَه في النار» القُصْبُ بالضمِّ: المعي، قال تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} محمد: 15، ولعلَّه كوشف من سائر ما كان يعاقب به في النار ¬يجرُّ قُصْبَه في النار؛ لأنه استخرج من باطنه بدعةً جرَّ بها الجريرة إلى قومه، والله أعلم. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 1119).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقيل: القُصْبُ: اسم للأمعاء كُلِّها.
وقيل: أمعاء أسفل البطن. مرقاة المفاتيح (5/ 1972).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«في النار» أي: في عذاب جهنم؛ لأنَّه أوَّلُ مَن سنَّ سُنَّةً سيئةً في العرب، فغيَّر دينَ إبراهيم -عليه السلام-، فنصب الأوثان، وسيَّب السوائب، وبَحَرَ البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، كما رواه ابنُ إسحاق في "السيرة الكبرى" مرفوعًا. وذكر ابنُ إسحاق أن سببَ عبادته الأصنامَ أنه خرج إلى الشام، وبها يومئذٍ العماليق، وهم يعبدون الأصنام، فاستوهبهم واحدًا منها، ثم جاء به إلى مكةَ فنصبه إلى الكعبة، وهو هُبَلُ. وكان عمرو بنُ لُحَيٍّ أبًا لخزاعة، وأوَّلَ مَن تولَّى أمرَ البيت بعد جُرهُمٍ. الكوكب الوهاج(25/٥٤٣).
قوله: «وكان أوَّل مَن سيَّبَ السَّوائِبْ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وكان» أي: عمرو بن عامر «أوَّلُ مَن سيَّب السوائب». عمدة القاري (16/ 92).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«السوائب»: ما سيَّبُوه من النَّعم لآلهتهم، فحموا ظهورها لا تَحمِل، فتركوها ترعى، لا تُمنع من كلأ ولا ماء.». إعلام الحديث، شرح صحيح البخاري(3/1841).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «وهو الذي سيَّب السوائب» أي: شرع لقريش أن يتركوا النُّوق، ويعفوها من الحمل والركوب، ونحو ذلك للأصنام. البحر المحيط الثجاج (18/ 37).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أول مَن سيَّب السوائب» أي: وضع تحريم السوائب، وهي جمع سائبة، وهي المذكورة في قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} المائدة: 103. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 321).
وقال المناوي -رحمه الله-:
واستشكل ذا بقولهم: لا تُعذَّب أهلُ الفترة.
وأجيب: أن هذا خبر واحد لا يُعارض به القطع، ويقصرُ التعذيبُ على المنصوص عليه ونحوه كصاحب الِمجَن، وأنَّ مَن بلغته الدعوة ليس بأهل فترة بل أهلُها الأمم الكائنة بين الرسل الذين لم يرسل إليهم الأوَّل، ولا أدركوا الثاني كالأعراب الذين لم يرسل لهم عيسى، ولا أدركوا محمدًا. فيض القدير (4/ 9).
قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-:
فصلٌ في تاريخِ وثنيةِ العربِ الإسماعيليين، وما تبعها من هذه الضلالة:
روى أحمدُ، والبخاريُّ، ومسلمٌ، من حديثِ أبي هريرة مرفوعًا: «رأيتُ عمروَ بنَ عامرٍ الخزاعيَّ يجرُّ قُصْبَه في النار، وكان أوَّلَ مَن سيَّب السوائب» ـ زاد مسلمٌ ـ: «وبَحَرَ البحيرةَ، وغيَّر دينَ إسماعيل». وروى نحوَه البخاريُّ من حديثِ عائشة، في غيرِ ما موضع.
وروى البخاريُّ، في بابِ قصةِ خزاعةَ من كتابِ المناقب، عن أبي هريرة، قبل حديثِه المذكورِ آنفًا، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «عمروُ بنُ لُحَيِّ بنِ قَمَعَةَ بنِ خِنْدِفٍ أبو خزاعة».
قال الحافظُ في شرحِ الحديثِ الأول من الفتح: وأورده ابنُ إسحاقَ في السيرةِ الكبرى، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التيمي، عن أبي صالح، أتمَّ منه، ولفظُه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول لأكثمَ بنِ الجون: «رأيتُ عمروَ بنَ لُحَيٍّ يجرُّ قُصْبَه في النار؛ لأنه أوَّلُ مَن غيَّر دينَ إسماعيل، فنصبَ الأوثان، وسيَّب السائبةَ، وبَحَرَ البحيرةَ، ووصلَ الوصيلةَ، وحمى الحامي».
ثم قال الحافظ: «وذكر ابنُ إسحاقَ أنَّ سببَ عبادةِ لُحَيٍّ للأصنام أنه خرج إلى الشام، وبها يومئذٍ العماليق، وهم يعبدون الأصنام، فاستوهبهم واحدًا منها، وجاء إلى مكة، فنصبَه إلى الكعبة (وهو هُبَلُ). وكان قبل ذلك قد فجر رجلٌ يقال له: أساف، بامرأةٍ يقال لها: نائلة، في الكعبة، فمسخهما اللهُ جلَّ وعلا حجرين، فأخذهما عمروُ بنُ لُحَيٍّ، فنصبَهما حول الكعبة، فصار مَن يطوف يتمسح بهما، يبدأ بأساف، ويختم بنائلة. تفسير المنار(3/١٢7).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدلُّ على أن كُلَّ مبدئ بسُنَّة سيئة كِفْلًا من وزرها من غير أن ينقصَ ذلك من وزر فاعلها شيئًا، وإنما أرى الله -عزَّ وجلَّ- رسوله عمرو بن عامر يَجُرُّ قُصْبَه في النار -والقُصْبُ: المعاء- حتى يزجرَ بذلك أُمَّته عن أن يسيبوا سائبة، أو يَسنُّوا سُنَّة سيئة. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 76).