الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

«بَيْنَمَا نحنُ نُصَلِّي مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- إذ قال رَجُلٌ مِن القَومِ: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، ‌وسبحان ‌الله ‌بُكْرَة ‌وأَصِيْلًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَن القائلُ كلمةَ كذا وكذا؟ قال رَجُلٌ مِن القومِ: أَنَا يَا رَسُولَ الله، قال: عَجِبْتُ لها! فُتِحُتْ لها أبوابُ السماءِ، قال ابنُ عُمَرَ: فمَا تَرَكْتُهُنَّ منذ سمعْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ ذلك».


رواه مسلم برقم: (601)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


«‌بُكْرَةً»:
بَكَّرَ إلى الشيء بُكُورًا من باب قَعَدَ: أَسْرَعَ، أيّ وقتٍ كانَ. المصباح المنير، للفيومي (1/ 58).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
البُكْرَةُ: الغَدَاةُ، والجَمْعُ البُكَرُ، يقال: أَتْيتُهُ بُكْرَةً، وأتَيتُه في البُكْرَةِ، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً} القمر: 38. شمس العلوم (1/ 600).

«‌وَأَصِيلًا»:
الأَصِيْلُ: العَشِيُّ، وهو ما بعد صلاةِ العَصْرِ إلى الغُرُوبِ، والجمع: أُصُل بضمتين، وآصَال. المصباح المنير، للفيومي (1/ 16).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «بينما نحنُ نُصَلِّي معَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «بينما نحن نصلِّي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» ظاهر هذا أنها كانت صلاة مكتوبة؛ إذ الجماعة لم تُعْهَدُ في النوافل، فلا تُصرَفُ الجماعةُ إلى النوافل إلا إذا ذُكِرَت وعُيِّنَتْ. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (1/ 380).

قوله: «إذ قال رَجُلٌ مِن القَومِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إذ قال رَجُلٌ من القوم» الظاهر: أنه غير الرجل الذي سبق في حديث أنس -رضي الله عنه- (وهو قوله: «الحَمدُ للَّه حَمدًا كثيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فيه»)، كما هو واضح من اختلاف صيغ أذكارهما. البحر المحيط الثجاج (13/ 285).

قوله: «الله أكبر كبيرًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الله أكبر» أي: أكبرُ مِن أن يُعْرَفَ كُنْهُ كبريائه وعَظَمَتِه، أو مِن أن يُنْسَبَ إليه مما لا يليق بجلاله، أو مِن كلِّ شيءٍ. مرقاة المفاتيح (2/ 548).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«الله أكبر» أي: من كل شيء، أي: أعظم، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف. عون المعبود (3/ 89).
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«كبيرًا» منتصب على الحال؛ لإفادة أنه تعالى كبيرٌ في صِفته، وإن لم يُكَبِّرْهُ الْمُكَبِّرُونُ. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 188).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «كبيرًا» قيل: هو على إضمار فعلٍ، أي: كَبَّرْتُ كبيرًا، وقيل: على القطع، وقيل: على التمييز. إكمال المعلم (2/ 552).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
وقيل: صفةٌ لمحذوفٍ، أي: تكبيرًا كبيرًا، وأَفْعَل لمجرد المبالغة، أو معناه: أعظم من أن يُعْرَفَ عَظَمَتُه، قال ابن الهمام: إنَّ أَفْعَلَ وفَعِيلَا في صفاته تعالى سواء؛ لأنه لا يراد بـ"أكبر" إثباتُ الزيادةِ في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة؛ لأنه لا يُسَاويه أحدٌ في أصل الكبرياء. تحفة الأحوذي (10/ 51).

قوله: «والحمد لله كثيرًا»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«والحمد لله كثيرًا» صفةٌ لموصوف مقدَّر، أي: حمدًا كثيرًا. تحفة الأحوذي (10/ 51).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
يريد به: أن الحمدَ لله حمدًا كثيرًا من حيث استحقاقه، فلا يزال استحقاقه لذلك يتصل النطق به ويكثر، فبهذا يكون الحمدُ أبدًا كثيرًا، و«كثيرًا» فعيل، وقد تأتي بمعنى فاعل فيكون كثيرًا بمعنى كَاثِرٌ. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 281).

قوله: «‌وسُبْحَانَ ‌اللهِ ‌بُكْرَةً ‌وأَصِيلًا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «بُكْرَةً» أي: في أولِ النهار، «وأَصِيلًا» في آخره. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 123).
وقال المظهري -رحمه الله-:
خَصَّ «بُكْرَةً وأَصِيلًا» بالذِّكْرِ؛ لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في هذين الوقتين. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 123).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا:
أقول: الأظهر: أن يقال: يُراد بهما الدَّوام، كما في قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} مريم: 62 أرادَ دَوامَ الرِّزق ووُرُودِهِ. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 993).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
ويمكن أن يكونَ وجْهُ التخصيص: تنزيهَ الله تعالى عن التغيُّر في أوقاتِ تَغَيُّرِ الكونِ، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (2/ 678).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
اعلم أنه لم يُعَيِّنِ الراوي في أيِّ محلٍّ في صلاتِه قال ذلك، مع احتمالِ أنَّه قالَها قبلَ دخولِه في الصلاةِ، إنما سَمِعَهُ هو -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلِّي، وكأنه لهذا ترجم ابن الأثير بقوله: "أدعية الصلاة مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا"، فهذا مِن الْمُجْمَلِ، إلا أنَّ في رواية النسائي: «قام رَجُلٌ خَلْفَ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ...» الحديث، ففي قوله: «قام» إشعار بأنه في افتتاح الصلاة. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 188).

قوله: «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَن القَائِلُ كلمةَ كذا وكذا؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مَن القائل كلمةَ كذا وكذا؟» أراد بالكلمةِ: الكلامَ؛ إذ الكلمةُ تُطلق على الكلام لغةً، كما في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} المؤمنون: 100 إشارة إلى قوله: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} الآية المؤمنون: 99 - 100...
وإنما سأله النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بيانًا لِعِظَمِ شأنِ الكَلِمَةِ، ولِيَتَعَلَّمَ السامعون كلامَه، فيقولوا مثل قوله، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (13/ 287)

قوله: «قال رَجُلٌ مِن القومِ: أنا يا رسول الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال رجل من القوم» الحاضرين: «أنا» قُلْتُها «يا رسول الله» ولم أُرِدْ إلا الخير. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (8/ 334).

قوله: «قال: عَجِبْتُ لها!»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عَجِبْتُ لها» أي: مِن تِلْكَ الكلمةِ وعَظِيمِ شَأنِهَا؛ لأنه «فُتِحُتْ لها..». الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (8/ 335).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لها» أي: لهذه الكلمة. البحر المحيط الثجاج (13/ 287).

قوله: «فُتِحُتْ لها أبوابُ السَّماءِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فُتِحَتْ» بالبناء للمفعول «لها» أي: لِأَجْلِهَا، «أبوابُ السماءِ» أي: حتى تَصْعَدَ إلى الله تعالى، كما قال -عزَّ وجلَّ-: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} فاطر: 10 الآية. البحر المحيط الثجاج (13/ 287).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لها» أي: لأجل رَفْعِهَا «أبوابَ السماء» السبعة؛ فَرَحًا بطلوعها. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (8/ 335).

قوله: «قال ابن عمر: فما تَرَكْتُهُنَّ منذ سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فما» نافية «تَرَكْتُهُنَّ» أي: هؤلاء الكلمات «منذ سَمِعْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»...، وفيه: حرص عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- في التمسك بما حَفِظَهُ مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن الأقوال، والأفعال، والله تعالى أعلم.البحر المحيط الثجاج (13/ 287).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف (أي: النسائي) -رحمه الله-، وهو بيان ما تُفْتَتَحُ به الصلاةُ مِن الأذكار.
ومنها: بيانُ ما أَكْرَمَ اللهُ به هذا الصحابي الجليل؛ حيث أَلْهَمَهُ هذا الذِّكْرَ العظيمِ القَدْرِ.
ومنها: أنَّ بعضَ الأعمالِ يتولَّى كتابتَها غيرُ الحَفَظةِ أيضًا؛ لشرفِها، وعظيمِ منزلتِها عندَ اللهِ تعالى، كما تقدَّم عن النوويِّ -رحمه اللهُ تعالى-.
ومنها: بيانُ أنَّ الملائكةَ يتسابقون في الخيراتِ.
ومنها: حرصُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ -رضي اللهُ عنهما- على التمسُّكِ بما سمعه من رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- من الأقوالِ والأفعالِ.
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (11/ 247).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله-:
وفيه: أنَّ هناك بعضَ الأعمالِ يكتبُها الحَفَظةُ، وأنَّهم لا يكتبون كلَّ شيءٍ، وقد ذكر الحافظُ ابنُ كثيرٍ -رحمه اللهُ-، ومن بعدَه العلَّامةُ الأمينُ الشنقيطيُّ، الخلافَ في: هل يكتبُ المَلَكُ كلَّ شيءٍ من الكلام؟ توفيق الرب المنعم، شرح صحيح مسلم(2/٢٧٧).


إبلاغ عن خطأ