جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقالَ: إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عن صلاةِ الصُّبحِ مِن أَجلِ فلانٍ؛ مما يُطِيلُ بنا، فما رأيتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- غَضِبَ في موعظةٍ قطُّ أشدَّ مما غَضِبَ يومئذٍ، فقال: «يا أيُّها الناسُ، إنَّ منكم مُنفِّرِينَ، فأيُّكُمْ أمَّ الناسَ فلْيُوجِزْ؛ فإنَّ مِن ورَائِهِ الكبيرَ، والضَّعِيفَ وذَا الحاجةِ».
رواه البخاري برقم: (7159)، ومسلم برقم: (466)، من حديث أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه-، وزاد البخاري: «إني والله لَأَتَأَخَّرُ».
وفي لفظ للبخاري برقم: (90): «المريض» بدل «الكبير».
مختصر شرح الحديث
مِن محاسنِ الشريعةِ الإسلاميةِ أنَّها جاءت باليُسرِ والتخفيفِ ورفعِ الحرجِ عن المكلَّفين؛ ولذلك نَهَتْ عن كلِّ ما يكونُ سببًا في تنفيرِ الناسِ من العِبَادةِ أو تَثْقِيلِها عليهم، ومِن ذلك ما رواه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ -رضي الله عنه- أنَّه قال: «جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-»: لم يثبتْ تعيينُ اسمِ هذا الرَّجُل، وقد وَهِمَ بعضُهم فزَعَمَ أنَّه حَزْمُ بنُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ. ثم بيَّن شِكَايَتَهُ بقوله: «إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عن صلاةِ الصُّبْحِ» وفي روايةِ البخاريِّ: «إِنِّي واللهِ لَأَتَأَخَّرُ» أي: عن حضورِ صلاةِ الجماعةِ، ثم بيَّن سببَ تأخُّره بقوله: «مِن أجلِ فلانٍ؛ ممَّا يُطيلُ بنا» أي: بسببِ إطالتِه الصلاة، والمقصودُ غالبًا إطالةُ القراءةِ والقيام. وقوله: «مِن أجلِ فلانٍ» لم يَذْكُرِ اسمَه وإنَّما أَبْهَمَهُ أدبًا في العبارة، وحُسنًا في التعبير، وستْرًا على الْمُخْطِئِ.
ولَمَّا كانت هذه الإطالةُ سببًا في حصولِ المشقَّةِ والتَّنْفِيرِ مِن الجماعة، اشتدَّ غضبُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لذلك، كما دلَّ عليه قولُه: «فما رأيتُ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- غَضِبَ في مَوْعِظَةٍ قطُّ أَشَدَّ ممَّا غَضِبَ يومئذٍ»، أي: لِما في هذا التطويلِ مِن تنفيرِ الناسِ عن الجَمَاعةِ، وإيقاعِ الحرجِ عليهم، وحرصًا على تأليفِ قلوبِهم، وجمعِهم على الطاعة.
ثم بيَّن -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- سببَ هذا الإنكارِ بقوله: «يا أَيُّهَا الناسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنفِّرين»، أي: إنَّ بعضَ الناسِ يكون سببًا في تنفيرِ غيرِه مِن العبادةِ؛ بما يُوقِعُهُ عليهم مِن مشقَّةٍ أو تطويلٍ يَخْرجُ بالصلاةِ عَن حَدِّ التخفيفِ الْمَشْرُوعِ.
ولَمَّا نهى -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عن التنفيرِ أَرْشَدَ إلى الهَدْيِ المشروعِ في الإِمَامَةِ فقال: «فأيُّكُمْ أمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ»، أي: فَلْيُخَفِّفِ الصلاةَ تخفيفًا لا يُخِلُّ بأركانِها وواجباتِها وسُنَنِها.
ثم علَّل الأمرَ بالتخفيف؛ بأنه مراعاةٌ لأحوالِ المأمومين، فقال: «فإنَّ مِن ورائِه الكبيرَ والضعيفَ وذَا الحَاجَةِ»، أي: لأنَّ خَلْفَ الإمامِ مَن يَشُقُّ عليه التطويل؛ كالشيخِ الكبيرِ، والضعيفِ الذي لا يتحمَّل طولَ القيام، وصاحبِ الحاجةِ الذي قد يتضرَّر أو تتعطَّل مصالحُه بسببِ الإطالة. وإنَّما اقْتَصَرَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- على هذه الأصنافِ؛ لأنَّها تَتَنَاوَلُ سائرَ الأعذارِ التي تَقْتَضِي التَّخْفِيفَ، ويَدخلُ فيها الصغيرُ والمريضُ والحاملُ والمرضعُ وأصحابُ الأعمالِ والحِرَف وغيرُهم ممَّن تَلْحَقُهُم المشقَّةُ بالتطويلِ، لكنَّ هذا التخفيفَ يختصُّ بمن كان إمامًا فقط، فلو صلَّى الشخصُ منفردًا فلَهُ أنْ يُطِيلَ ما شاء، كما في روايةٍ في الصحيحين: «فإذا صلَّى وحدَه فلْيُصلِّ كيفَ شَاءَ»، وكذلك إذا كانت الجَماعةُ محصورةً ورضوا بالتَّطويل؛ فلا بأس بذلك.
وفي الحديث: النهيُ عن التطويلِ الذي يشقُّ على الناسِ ويوقعُهم في الحَرَجِ، وفيه: غضبُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- إذا انتُهِكَت حدودُ الله أو حَصَلَ التنفيرُ مِن العبادةِ، وفيه: جوازُ شَكْوَى الإمامِ إذا حَصَلَتْ منه مشقَّةٌ على الْمَأْمُومِينَ، وأنَّ الإمامَ مأمورٌ بمراعاةِ أحوالِ المأمومين، وفيه: الحثُّ على التخفيفِ مِن غيرِ إخلالٍ بالصلاةِ، وفيه: السترُ على المخالفِ وعدمُ التشهيرِ به، وفيه: أنَّ مِن مقاصدِ الشريعةِ جمعَ الناس على الطاعة، ودفعَ ما يكون سببًا في تَنفيرِهم.
غريب الحديث
«مَوْعِظَةٍ»:
وعَظَه يَعِظْه وَعْظًا وعِظَةً: أَمَرَهُ بالطاعة، وَوَصَّاهُ بها. المصباح المنير، للفيومي(2/ 665).
قال الرازي -رحمه الله-:
الوَعظ: النُّصْحُ والتَّذْكِير بالعواقب. مختار الصحاح (ص: 342).
«مُنفِّرِين»:
أي: مُشَدِّدِين، والنِّفَارُ: الشُّرُودُ والفِرَارُ، ومنه: نَفَرَت الدَّابَّة. مطالع الأنوار، لابن قرقول (4/ 190).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«مُنَفرِّيِنَ» أي: من يَلْقَى الناس بالغِلْظَةِ والشِّدَّة، فيَنْفِرُونَ مَن الإسلام والدِّين. النهاية (5/ 92).
«فَلْيُوجِزْ»:
أَوْجَزَ فلانٌ إيجازًا في كل أمرٍ، وأَمْرٌ وَجِيْزٌ وكلامٌ وَجِيْزٌ أي: خفيف مُقْتَصِرٌ. لسان العرب، لابن منظور (5/ 427).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«جاء رجلٌ» قيل: هو حَزْمُ بن أُبَيِّ بن كعب، ووقع كذلك في سنن أبي داود وتاريخ البخاري الكبير. دليل الفالحين (5/ 108).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لم أَقِفْ على اسمه، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنه حزم بن أُبي بن كعب؛ لأن قصته كانت مع معاذ، لا مع أُبي بن كعب. فتح الباري (2/ 198).
قوله: «فقال: إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عن صلاةِ الصُّبحِ»، وفي لفظ: «والله إنِّي لَأَتَأَخَّرُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إني لَأَتَأخَّرُ عن صلاة...» أي: فلا أَحْضُرها مع الجماعة؛ لأجل التطويل، وفي رواية ابن المبارك في الأحكام: «والله إني لأتأخر» بزيادة القسم. فتح الباري (2/ 198).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إني لأتأخر...» أي: عن إدراكها مع الإمام، يريد أنه تَرَكَ حضور الجماعة، وتأخر عنها. كفاية الحاجة (1/ 311).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
ومراده: أنه تَرَكَ حضور الجماعة؛ لتطويل الإمام. دليل الفالحين (5/ 108).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
تخصيص صلاة الصبح؛ لأنها مما تَطُولُ فيها القراءة والقيام أكثر من سائر الصلوات؛ ولأنه وقتُ السعي لمن له حِرْفَة يَبْتَكِرُ إليها.رياض الأفهام (2/ 145).
قوله: «مِن أَجْلِ فلانٍ مما يُطِيلُ بنا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«من» في قوله: «مِن أَجْلِ» لابتداء الغاية، أي: ابتداء تَأَخُّرِي لأجل إطالة فلان. إرشاد الساري (9/ 68).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «مِن أَجْلِ» "مِن" ابتدائية متعلقة بـ«تأخر» والثانية مع «ما» في حيزها بدل منها، ومعنى تَأَخُّرِهِ عن الصلاة: أنه لا يصليها مع الإمام. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1159).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مِن أَجْلِ فلان» يعني: إمام مسجد حَيِّهِ، أو قَبِيْلَتِهِ. مرقاة المفاتيح (3/ 872).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله: «مِن أَجْلِ فلان» الظاهر -والله أعلم- أن لفظ «فلان» كناية من الراوي، وأن الرَّجُل سمَّاه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو مِن الأدب، وحُسْنِ التعبير.رياض الأفهام (2/ 145).
قال الكوراني -رحمه الله-:
«مما يطيل بنا فلان» أي: لأجل إطالته، «مِن» بمعنى اللام، و«ما» مصدرية. الكوثر الجاري (2/ 343).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«مما يطيل» من الإطالة. منحة الباري (1/ 315).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«مما يطيل بنا» تعليل لتَأَخُّرِهِ عن صلاة الصبح جماعة. كشف اللثام (2/ 306).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«مما يطيل بنا فلان» أي: في القراءة. فتح الباري (2/ 198).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مما يطيل بنا» أي: مِن أجْلِ إطالته بنا، فـ"مِن" الأُولى تعليلية للتأخر، والثانية بدل منها. مرقاة المفاتيح (3/ 872).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ليس في الحديث ذِكْرُ إتمام الركوع والسجود (يعني: كما ترجم البخاري باب: تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود).
قلتُ: شكاية الرجل في صلاة الغداة (صلاة الصبح) من التطويل إنما كان مِن طول القراءة، وليس في الركوع والسجود من التطويل الذي يوجب الشكاية.الكوثر الجاري (2/ 343).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
المراد: التخفيف في القيام لا في الركوع والسجود؛ لأن الذي يَطُوْلُ غالبًا هو القيام، وما عداه أمرُهُ سهلٌ لا يَشُقُّ إتمامه على أحد. مصابيح الجامع (2/ 330).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اعلم أن التخفيف أمر نِسْبِيٌّ، فقد تكون الصلاة خفيفةً بالنسبة إلى ما هو أخف منها، فالتخفيف المأمور به الأئمة هو الذي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله إذا أَمَّ، فالنقص منه ليس بتخفيفٍ مشروعٍ، والزيادة عليه إن كان مما فَعَلَهُ الخلفاء الراشدون كتطويل القراءة في صلاة الصبح، على ما كان يفعله -أحيانًا- أبو بكر وعمر فليس بمكروه، نصَّ عليه الإمام أحمد وغيره. فتح الباري (6/ 221).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلًا بالنسبة إلى عادة قوم، وقد يكون خفيفًا بالنسبة إلى عادة آخرين، وقد قال بعض الفقهاء: إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، والمروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثرُ من ذلك، مع أمره بالتخفيف؛ فكأنَّ ذلك لأنَّ عادة الصحابة لأجل شدة رغبتهم في الخير يقتضي أن لا يكون ذلك تطويلًا، هذا إذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك عامًّا في صلواته أو أكثرها، وإن كان خاصًّا ببعضها فيحتمل أن يكون لأن أولئك المأمومين يُؤْثِرُونَ التطويل، وهو مُتَردِّدٌ بين أن لا يكون تطويلًا بسبب ما يقتضيه حال الصحابة، وبين أن يكون تطويلًا لكنه بسبب إيثار المأمومين.
وظاهر الحديث المروي: لا يقتضي الخصوص ببعض صلواته -صلى الله عليه وسلم-. إحكام الأحكام (1/ 229).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا ابن دقيق العيد:
قلتُ: وأَوْلى ما أُخِذَ حدُّ التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال له: «أَنْتَ إِمَامُ قومِكَ، واقْدِرِ القومَ بأضعفهم» (أي: اجعل الكلَّ في قَدْرِ الأَضْعَفِ، فعامِل الكُلَّ معامَلَتَه، وهذا لفظ ابن ماجه) إسناده حسن، وأصله في مسلم. فتح الباري (2/ 199).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
فإن قيل: الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، وقد تضمَّن الحديث التنبيه على علة الحكم بالأعذار المذكورة مِن الضَّعف والمرض وغيرهما، فينبغي إذا انْتَفَتِ العلة أن ينتفي المعْلُول، وإذا عَلِمَ الإمامُ مِن أحوال المأمومين طلبَ الإطالةِ والقُدْرة عليها حرصًا على الخير أن يطيل، فالجواب من وجهين:
الأول: أن الأحكام تُنَاط بالغالب، ولا تَتِبَعُ الصورَ النادرة كقصر الصلاة في السفر مُعَلَّلًا بالمشقة، وإن كان في المسافرين مَن لا مشقةَ عليه، لكن الغالب المشقَّة، فاطَّرَدَ اعتبارها.
الثاني: أنه لا يُؤْمَنُ مَن دخل في الصلاة مُريدًا لإطالتها متمكنًا من ذلك أن يَحْدُثَ عليه وهو في الصلاة ما يحول بينَه وبين تلك الإرادة والتَّمَكُّن، مِن عارضِ حاجةٍ، أو آفةِ حَدَثِ بَوْلٍ، وما أشبه ذلك؛ ولذلك فرَّق بين الإمام والمصلي لنفسه؛ فإن المصلي لنفسه يعلم من أحوال نفسه في الشروع والاستمرار ما لا يمكنه أن يعلمه من أحوال غيره، فكان التخفيف هو المطلوب مطلقًا لمن أمَّ الناس عَلِمَ قُوَّتَهم أو لم يَعْلَم.
وقد نُقل عن بعض الفقهاء أن الإمام إذا عَلِمَ مِن المأمومين إيثارَ التطويل طوَّل؛ كما لو اجتمع قومٌ لقيام الليل فإنَّ ذلك وإنْ شقَّ عليهم فقد آثَرُوهُ ودخلوا عليه نظرًا إلى انتفاء العلة، والأول أولى. النفح الشذي (4/ 269-270).
وقال العيني -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: يؤيد كلامه (يعني: ابن سيد الناس) صيغة الأمر بالتخفيف، فإنه أَمْرٌ بعدَ الغضب الشديد، وظاهره يقتضي الوجوب. عمدة القاري (5/ 241).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإذا أَمَرَهُمْ أن يُصَلُّوا بصلاته، وأَمَرَهُم بالتخفيف عُلِمَ بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أَمَرَ به، يوضِّح ذلك: أنه ما مِن فعلٍ في الغالب إلا وقد يُسَمَّى خفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويُسَمَّى طويلًا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا حدَّ له في اللغة يرجع فيه إليه، وليس من الأفعال العُرْفِية التي يرجع فيها إلى العرف كالحِرْزِ والقبض وإحياء الْمَوات، والعبادات يُرْجَعُ إلى الشارع في مقاديرها وصفاتها وهيئاتها كما يُرْجَعُ إليه في أصلها، فلو جازَ الرجوع في ذلك إلى عُرف الناس وعوائدهم في مُسمَّى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافًا متباينًا لا ينضبط؛ ولهذا لَمَّا فَهِمَ بعضُ مَن نَكَسَ الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يمكن من التخفيف اعتقد أن الصلاة كلما خَفَّتْ وأُوْجِزَتْ كانت أفضل، فصار كثير منهم يمرُّ فيها مَرَّ السَّهم، ولا يزيد على الله أكبر في الركوع والسجود بسرعة، ويكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل مِن ثلاث.الصلاة وأحكام تاركها (ص: 139).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله العلامة ابن القيم -رحمه الله- هو الحق. البحر المحيط الثجاج (11/ 40).
وقال الشيخ أحمد النجمي -رحمه الله-:
القول الفصل في هذه المسألة: أنه يجب على الإمام أن يكون حكيمًا يَضَعُ الأمور مَوْضِعَهَا، فيُطَوِّل تطويلًا لا يخرج إلى حد التَّنْفِير تَارَاتٍ، ويُخَفِّف تخفيفًا لا يخرج إلى حد الإخلال بحق الصلاة تَارَاتٍ، ويُغَلِّبُ جانب التخفيف على جانب التطويل، ويكون ذلك متمشيًا طَوْعَ المصلحة التي يفرضها الوقت، وتُمْلِيْهَا المناسبات، بالنظر إلى أحوال المأمومين، والله أعلم. تأسيس الأحكام (1/ 123).
قوله: «فما رأيتُ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- غَضِبَ في موعظةٍ قطُّ أشدَّ مما غَضِبَ يومئذٍ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فما رأيتُ» أي: علمتُ «النبيَّ غَضِبَ في موعظة قَطُّ» بفتح القاف، وضم الطاء المهملة في أفصح اللغات. دليل الفالحين (5/ 108).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قطُّ» بفتح القاف، وضمِّ الطاء مشددة ظرف زمان لاستغراق ما مضى يختص بالنفي، ولا يجوز دخولها على فعل الحال، ولُحِّنَ من قال: لا أَفْعَلُه قطُّ. إرشاد الساري (9/ 68).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
بُنِيَتْ (أي: قطُّ) لتَضَمُّنِهَا معنى مُذْ وإلى، وتَخْتَصُّ بالنفي، فالمعنى: ما رأيتُه فيما انقطع مِن عمري وما مضى من زمان. فتح المنعم (3/ 30).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أشدَّ» بالنصب، وهو نَعْتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: غضبًا أَشَدَّ. فتح الباري (2/ 198).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أَشَدَّ» بالنصب على الحاليَّة إنْ كانت الرؤية بَصَرية، وعلى المفعولية إن كانت عِلْمِيَّة. مرقاة المفاتيح (3/ 872).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«أَشَدَّ» بالنصب على التمييز، «مِن يومئذٍ» وفي رواية ابن عساكر: «منه مِن يومئذٍ» ولفظة «منه» صِلَةُ «أَشَدَّ»، والمفضل عليه وإن كانا واحدًا وهو الرسول؛ لأن الضمير راجع إليه لكن باعتبارين؛ فهو مفضل باعتبار «يومئذٍ»، ومفضل عليه باعتبار سائر الأيام. إرشاد الساري (1/ 189).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«مِمَّا غَضِبَ» "ما" مصدرية، أي: من غضبه «يومئذٍ». دليل الفالحين (5/ 109).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لأنه -عليه السلام- مبعوث للوَصْلِ، وهذا باعث للفَصْلِ، والتقييد بقوله: «في موعظة» مُشْعِرٌ بأنه لم يكن يَغْضَبُ لنفسه. مرقاة المفاتيح (3/ 872).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«يومئذٍ» التنوين عِوَضٌ عن جملة، أي: يومَ أخبر بذلك. فتح المنعم (3/ 30).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أشدَّ غضبًا منه يومئذٍ» أي: كان -صلى الله عليه وسلم- في ذلك اليوم أَشَدَّ غضبًا منه في الأيام الأُخَرِ.
وفيه: وعيد على مَن يسعى في تَخَلُّفِ الغير عن الجماعة. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1159).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا على كلام الطيبي:
قلتُ: ولو بإطالة الطاعة. مرقاة المفاتيح (3/ 872).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنما غَضِبَ عليه لأنه كَرِهَ التطويلَ في الصلاة؛ من أجل أن فيهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة، فأراد الرفق والتيسير بأمَّته، ولم يكن نَهْيُهُ -صلى الله عليه وسلم- عن الطول في الصلاة مِن أجلِ أنه لا يجوز ذلك؛ لأنه كان -صلى الله عليه وسلم- يصلي في مسجده، ويقرأُ بالسُّور الطُّوال، مثل سورة يوسف وغيرها، وإنما كان يفعل هذا لأنه كان يصلي معه جُلَّةُ أصحابه، ومَن أَكْثَرُ هَمِّهِ طَلَبُ العلم والصلاة. شرح صحيح البخاري (1/ 171).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
سبب الغضب: إما لأن هذا كان معلومًا من حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما دل عليه حديث أنسٍ «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُوْجِزُ في الصلاة»، وإما لتَقَدُّمِ إعلامٍ بذلك، وإما لتقصير الرَّجُل في التعلُّم، أو اهتمامًا لئلا يقع مثله مِن آخر. الكوثر الجاري (2/ 343).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
شِدَّةُ غضبه -عليه الصلاة والسلام- إنما هو لِفَرْطِ الشَّفَقَةِ على أمَّتِه، والحرصِ على تألُّفِهِم، وصَرْفِ المشقَّة عنهم. رياض الأفهام (2/ 146).
قوله: «يا أيُّها الناسُ، إنَّ منكم مُنفِّرِينَ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال» عطف على مقدَّر دلَّ عليه سابق الكلام: أي: فوعظ فقال. دليل الفالحين (5/ 109).
وقال الشيخ عبد الرحمن السحيم - رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «يا أيها الناس، إنَّ مِنكم مُنَفِّرِيْنَ» تلميح يغني عن التصريح، فلم يذكر الرَّجُل باسمه، وإنما ذَكَرَ الوصف. إتحاف الكرام (11/ 279).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنَّ مِنكم» أي: بعضكم «مُنَفِّرِيْنَ» أي: للناس من الصلاة بالجماعة؛ لتَطْوِيلِكُم الصلاة. مرقاة المفاتيح (3/ 872).
وقال الشيخ عبد الرحمن السحيم -حفظه الله-:
التَّنْفِيرُ إنما يكون في الإطالة التي تحصل معها المشقة، أما أن يُراعَى حالُ كلِّ إنسان في صلاة الفجر على وجه الخصوص فهذا مُتَعَذِّر، وإنما يُراعَى حالُ العموم، ويمكن أن يُرَاعى المكان، كمساجد الأسواق التي يُبَكِّرُ أصحابها إلى حِرَفِهِمْ. إتحاف الكرام (11/ 279).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إنَّ مِنكم مُنَفِّرِيْنَ» هو من باب قوله -عليه الصلاة-: «ما بَالُ أقوامٍ يفعلون كذا؟» من غير مفاجأةٍ بالخطاب لِمُعَيَّنٍ، وإن كان هو مُعَيَّنًا عنده -صلى الله عليه وسلم-، كقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث بَرِيْرَة: «ما بال أقوام يشترطون شُروطًا ليست في كتاب الله؟» الحديث، ومنه في حديث: «الأعمال بالنيات، فمَن كانت هِجَرتُه إلى الله ورسوله» الحديث، ولم يُعَيِّن مهاجِرَ أمِّ قَيسٍ؛ سترًا منه -صلى الله عليه وسلم- على فاعل ذلك، ولا يَبْعُدُ عندي أن يكون ذلك أَدْخَلُ في الزَّجْرِ؛ إذ فيه الإعراض منه -صلى الله عليه وسلم- عن مواجهة ذي المخالفة، والإعراض عن المخالِف مِن أشدِّ العقوبات، لا سيما إعراضُه -صلى الله عليه وسلم-. رياض الأفهام (2/ 146-147).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: كان المقْتَضَى أن يُخاطِبَ المعلومَ.
قلتُ: إنما خَاطَبَ الكلَّ ولم يُعَيِّن الْمُطَوِّلَ كرمًا ولُطفًا عليه، وكانت هذه عادته؛ حيث ما كان يخصص العتاب والتأديب بمن يستحقه؛ حتى لا يحصل له الخَجَلُ ونحوه على رؤوس الأشهاد. عمدة القاري (2/ 106).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«مُنَفِّرِيْنَ» بصيغة الجمع مِن التنفير، أي للناس من الصلاة بالجماعة؛ لِتَطْوِيْلِكُم الْمُوْرِثِ لِلْمَلَالَةِ والتَّضَجُّر. مرعاة المفاتيح (4/ 77).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
أي: لا تُشَدِّدُوا على الناس وتُخَوِّفوهم، فتُبَغِّضُوا إليهم الإسلام، وتصدوهم عنه. مطالع الأنوار (4/ 190).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
المعنى: أنَّ منكم مَن يُفَرِّق الناس، ويُبْعِدُهم عن الجماعة؛ بسبب تَطْوِيلِه. البحر المحيط الثجاج (11/ 33).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: بعضُ الأئمة يُطَوِّلُونَ الصلاةَ، ويَعْجَزُ الناس عن متابعتهم؛ إما لضعفٍ فيهم، أو لِشُغُلٍ والْتِفَاتِ خاطِرٍ إلى أمرٍ وشُغُلٍ لهم، فيتركون صلاة الجماعة، فكلُّ إمامٍ يفعل ذلك فكأنه مَنَعَ الناس عن صلاة الجماعة. المفاتيح (2/ 239).
قوله: «فأيُّكُمْ أمَّ الناسَ فَلْيُوجِزْ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فأيُّكم» أي: أيُّ واحد منكم. عمدة القاري (5/ 241).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أمَّ الناس» أي: صار إمامًا للناس. الكوكب الوهاج (7/ 327).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فَلْيُوجِزْ» اللام لام الأمر، وفي رواية: «فَلْيَتَجَوَّزْ» والإيجاز التقليل والتخفيف وهو ضد الإطناب. فتح المنعم (3/ 30).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فَلْيُوجِزْ» أي: فلْيُقَصِّرْ. رياض الأفهام (2/ 147).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«لِيَتَجَوَّزْ» أي: لِيُخَفِّف. الكواكب الدراري (21/ 230).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: لِيَقْتَصِرْ مَع إتمامِ الأركانِ والسُّنَن. دليل الفالحين (5/ 109).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: فلْيُخَفِّف الصلاة بحيث لا يُخِلُّ بشيء من الواجبات. الكوكب الوهاج (7/ 327).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
مقتضى هذا: التخفيف في جميع الصلاة. مصابيح الجامع (2/ 330).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فلْيَتَجَوَّزْ» يعني: فلْيُخَفِّف الصلاة، على حسب ما جاءت به السُّنة... والأئمة في هذه الحال أو في هذه المسألة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم مُفرِّط؛ يُسْرِعُ سرعةً تمنع المأمومين فِعْلَ ما يُسَنُّ، وهذا مخطئ، وآثمٌ ولم يُؤَدِّ الأمانة التي عليه.
وقسم مُفْرِط أي زائد، يُثْقِّلُ بالناس، وكأنه يصلي لنفسه، فتجده يثقِّل بالقراءة والركوع والسجود، والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، وهذا أيضًا مخطئ ظالمٌ لنفسه.
والثالث: يصلي بهم كصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا خير الأقسام، وهو الذي قام بالأمانة على الوجه الأكمل. شرح رياض الصالحين (3/ 618-619).
قوله: «فإنَّ مِن ورَائِهِ الكبيرَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
الفاء في قوله: «فإن» تعليلية. مرشد ذوي الحجا (6/ 309).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإن»...، هو تعليل الأمر المذكور، ومقتضاه: أنه متى لم يكن فيهم مُتَّصِفٌ بصفة من المذكورات لم يَضُرّ التطويلُ، وقد قَدَّمْتُ ما يَردُّ عليه... من إمكان مجيء مَن يتصف بإحداها. فتح الباري (2/ 199).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«مِن وَرَائِهِ» أي: الإمام. كشف اللثام (2/ 308).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وَرَائِهِ» أي: ممن اقتدى به «الكبيرُ» فيعجز عن الطول؛ لِكِبَرِهِ؛ إذ هو مظنَّة الضعف غالبًا. دليل الفالحين (5/ 109).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والكبير» أي: كبير السِّنِّ الذي لا يَقْدِرُ تطويل القيام. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 309).
وقال الشيخ أحمد النجمي -رحمه الله-:
«الكبير» الشيخ الطاعن في السن الذي تَغَلَّبَ عليه الضعفُ، يَعُمُّ مَن كان ضعفه بسبب طارئٍ كالمرضِ، ومن كان ضَعْفُهُ من أصلِ الخِلْقَة. تأسيس الأحكام (1/ 122).
قوله: «والضَّعِيفَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الضعيف» أي: المريض، أو ضعيف الطبيعة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 309).
وقال الشيخ إسماعيل الأنصاري -رحمه الله-:
«الضعيف» ضعيف الخِلْقَة كالنحيف. الإلمام (1/ 116).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وكأن المراد بالضعيف هنا المريض. مرعاة المفاتيح (4/ 77).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«الضعيف» بسبب مرض، أو عاهة، أو غير ذلك. منار القاري (2/ 147).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
اعلم: أن الضعف يَعُمُّ: الصِّغَرَ والكِبَرَ والمرض والسَّقَم؛ فيكون ذِكْرُ السَّقِيم والصغير والكبير؛ من باب ذكر الخاص بعد العام، أو من باب تعداد الصفات الموجِبة للعذر في ترك الإمام التطويل عليهم في الصلاة. العدة في شرح العمدة (1/ 441).
قوله: «وذا الحَاجةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وذا الحاجة» أي: صاحِبَهَا المستعجِل لها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 309).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وذا الحاجة» فتَمْنَعُه مِن درك حاجته الإطالةُ، ويشتغل خاطرُه فيَسْلُبُه خشوعَه الذي هو لُبُّ العبادة. دليل الفالحين (5/ 109).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
أما ذو الحاجة: فالحاجة أعمُّ مِن أن تُوصَف، ويُنَصَّ عليها، وقد كانت الصحابة -رضي الله عنهم- ذوي حِرَفٍ وأعمالِ ومَعَايِشَ وزروعٍ يعملون فيها، كما ورد أنهم كانوا أصحاب نَواضِحٍ (جمع ناضح: وهو البعير) وعُمَّال أنفسهم -رضي الله عنهم-. رياض الأفهام (2/ 140).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
المراد بالضعيف: ما يشمل المريض وضعيف الخِلْقَة، وبالكبير: كبير السن، وبذي الحاجة: ما يشملهما، وغيرهما: كالصغير والحامل والمرضع، وعابر السبيل، فعَطْفُه على ما قَبْله مِن عَطْفِ العامِّ على الخاص. منحة الباري (2/ 417).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
إنما اقْتَصَرَ على ذكر هذه الثلاثة؛ لأنها متناولة لجميع الأنواع المقتضية للتخفيف؛ فإنَّ المقتضي له إما في نفسه أولًا، والأوَّل إما في ذاته، وهو الضعف، أو بسبب العارض لذاته، وهو المرض، أو لما يشمل هذين، وغيرهما، وهي الحاجة، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (11/ 35).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدِلَّ بعمومه أيضًا على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين. فتح الباري (2/ 200).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
مقصوده: أن المستحب للإمام أن يخفف الصلاة، فلا يطوِّل القيام بالقراءة ولا الركوع والسجود بالتسبيح، ولا التشهد بالدعاء؛ لئلا ينقطع الناسُ عن حاجاتهم، ولا يَتَنَفَّرُوا. شرح مسند الشافعي (1/ 413).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أن الإمام مأمور بالتخفيف؛ خشية الإطالة على مَن خَلْفَه، فإنه لا يخلو بعضهم من عُذْرٍ كالضعيف والكبير وذي الحاجة.
وهذا يدل على أن الأمر بالتخفيف إنما يتوجه إلى إمامٍ يصلِّي في مسجد يغشاه الناس.
قال حنبل بن إسحاق: قالو أبو عبد الله -يعني: أحمد-: إذا كان المسجد على قارعة الطريق، أو طريقٍ يُسْلَكُ فالتخفيف أَعْجَبُ إليَّ، فإن كان مسجدًا يَعْتَزِلُ أهلُه ويرضون بذلك فلا بأس، وأَرْجُو -إن شاء الله-.
وقالت طائفة: على الإمام أن يخفف بكل حال، ورجَّحَه ابن عبد البر. فتح الباري (6/ 217).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قد بان في هذا الحديث العِلَّةُ الموجبةُ للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه وإنْ عَلِمَ قوَّة مَن خَلْفَه فإنه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم؛ ولذلك قال: «فإذا صلى أحدكم لِنَفْسِهِ فلْيُطَوِّلْ ما شاء»؛ لأنه يعلم مِن نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد يَحْدُثُ لظاهرِ القُوَّةِ ومَن يُعْرَفُ منه الحرص على طول الصلاة حادثٌ مِن شُغُلٍ وعَارِضٍ مِن حاجةٍ وآفةٍ مِن حَدَثِ بَوْلٍ أو غيره، فينبغي لكلِّ إمامٍ أن يُخَفِّفَ جُهْدَهُ إذا أكْمَلَ الركوعَ والسجودَ. الاستذكار (2/ 162-163).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أمَّ قومًا على ما شَرَطْنَا من الإتيان بأقل ما يجزئ، والفريضة والنافلة عند جميعهم سواء في استحباب التخفيف فيما إذا صُلِّيَتْ جماعة بإمام، إلا ما جاء في صلاة الكسوف على سُنَّتها. التمهيد (19/ 9).
وقال القسطلاني -رحمه الله- متعقبًا ابن عبد البر:
تُعُقِّبَ بأن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون، ورضوا بالتطويل، لا يؤمر إمامهم بالتخفيف لعارض لا دليل عليه، وحديث أبي قتادة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أُطَوِّلَ فيها، فأَسْمَعُ بكاءَ الصبيِّ، فأَتَجَوَّزُ كراهةَ أنْ أَشُقَّ على أُمِّهِ» يدل على إرادته -عليه الصلاة والسلام- أولًا التطويل، فيدل على الجواز، وإنما تركه لدليل قام على تضرر بعض المأمومين، وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه. إرشاد الساري (2/ 58).
وقال النووي -رحمه الله-:
معنى أحاديث الباب ظاهر: وهو الأمر للإمام بتخفيف الصلاة بحيث لا يُخل بسُنَّتِها ومقاصدها، وأنه إذا صلى لنفسه طَوَّلَ ما شاء في الأركان التي تحتمل التطويل، وهي القيام والركوع والسجود والتشهد دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (4/ 184).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
لما أمر الرسول بالتخفيف كان مَن طَوَّلَ بالناس عاصيًا، ومخالفة العاصي جائزة؛ لأنه لا طاعة إلا في المعروف. شرح صحيح البخاري (2/ 332).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
حديث أبي مسعود: يدل على الغضب في الموعظة؛ وذلك يكون إما لمخالفة الموعوظ لِمَا عَلِمَهُ، أو التقصير في تَعَلُّمِهِ، والله أعلم. إحكام الأحكام (1/ 229).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله- متعقبًا ابن دقيق العيد:
قوله -رحمه الله-: لمخالفة الموعوظ لِمَا عَلِمَهُ، يتوقف على تقدم الموعظة بذلك، وعِلْمِ الموعوظ له بها، ونحوه التقصير في التعلم أيضًا، إلا أن يكون ذلك مستفادًا من أمرٍ عامٍّ مِن طَلَبِ الرِّفْقِ بالمسلم، أو ما أشبه إن كان ذلك قد كان وقع.
وأقربُ مِن ذلك: أن يكون ما ظَهَرَ مِن صورةِ الغضب لإرادة الاهتمام بما يُلْقِيه لأصحابه -رضي الله عنهم-، وأن يكونوا مِن سماعه وتَلَقِّيْهِ منه -عليه السلام- على بالٍ؛ لئلا يعود مَن فعل ذلك إلى مِثْله ثانيًا. النفح الشذي (4/ 271).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا على كلام ابن سيد الناس:
أقول: هذا أَحْسَنُ في الباعث على أصل إظهار الغضب، أما كونه أشدّ فالاحتمال الثاني أَوْجَهُ، ولا يَرِدُ عليه التعقُّب المذكور. قوله: «إن منكم منفرين» فيه تفسير للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ: «أفتان أنت؟».
ويحتمل: أن تكون قصة أُبي هذه بعد قصة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصة معاذ واجَهَهُ وحده بالخطاب، وكذا ذكر في هذا الغضب ولم يذكره في قصة معاذ، وبهذا يتوجه الاحتمال الأول لابن دقيق العيد. فتح الباري (2/ 199).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث مسائل:
الأولى: أَمْرُ الأئمةِ بالتخفيف، وتَرْكِ التَّطْويلِ؛ لعِلَلٍ قد بانت في قوله -عليه السلام-: «فإنَّ فيهم السَّقِيم والكبير وذا الحاجة».
فيه: الرد على مَن زعم أن صلاة الجماعة فرضُ عَينٍ كما سنذكره في بابه -إن شاء الله تعالى-؛ لأنه -عليه السلام- أنكر على معاذٍ الإطالة، ولم يُنْكِر على الرَّجُل الذي فارق الجماعة وصلى وحده فِعْلَهُ ذلك، كما تقدم في حديث بُرَيِدَة، ونحوٌ من ذلك حديث حزم بن كعب، ولو كانت الجماعة فرضَ عَينٍ لَمَا أَقَرَّ -عليه السلام- المنفرد على انفراده، ولكان أجدر بالإنكار عليه.
في حديث الباب: من الأعذار المقتضية للتخفيف: الصِّغَر والكِبَر والضعف والمرض، وهي جارية مجرى الأمثال لا تَخُصُّ ما ذُكِرَ، بل يأتي عليه وعلى مَن في معناه، ففي حديث عدي بن حاتم: «والعابرِ سبيلٍ»، وفي حديث حزم بن كعب: «والمسافر»، وفي حديث أنس: «أن حَرَامًا كان يريد أن يَسْقِيَ نَخْلَهُ» وفي حديث سُلَيم: «نكون في أعمالنا بالنهار» وفي حديث أبي مسعود: «وذا الحاجة» وهذا كله يوضح ما ذكرناه. النفح الشذي، باختصار (4/ 267-272).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
لا شكَّ أنَّ تَرْكَ أصل الجماعة حرام، وبعضهم يقول: إنْ تَرَكَها بعض الناس بحيث قام شِعَارُها في الناحية لم يَحْرُم، وبعضهم يقول: إنَّ تَرْكَها مكروهُ مُخالِفٌ للسُّنة. العدة في شرح العمدة (1/ 438).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قد ذكر الله الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده، فقال: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} المزمل: 20، فينبغي للأئمة التخفيف مع إكمال الركوع والسجود، ألا ترى أنه -عليه السلام- قال للذي لم يتم ركوعه ولا سجوده: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ» وقال: «لا تجزئ صلاة الرَّجُل حتى يُقِيْمَ ظهره في الركوع والسجود»؟!
وممن كان يخفف الصلاة من السلف: أنس بن مالك، قال ثابت: صليتُ معه العَتَمَةَ (يعني: العشاء) فتَجَوَّزَ ما شاء الله، وكان سعدٌ إذا صلى في المسجد خَفَّفَ الركوع والسجود وتَجَوَّزَ، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلتُ له، فقال: إنَّا أئمةٌ يُقْتَدى بِنَا، وصلى الزبير بن العوام صلاةً خفيفةً، فقيل له: أنتم أصحاب رسول الله أخف الناس صلاة، فقال: إنَّا نُبَادر هذا الوسواس، وقال عمار: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان، وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتَجَوَّزُ، فقيل له: هكذا كانت صلاة رسول الله؟ فقال: نعم، وأَجْوَزُ، وقال عمرو بن ميمون: لما طُعِنَ عمر تقدم عبد الرحمن بن عوف، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} الكوثر: 1، و{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} النصر: 1، وكان إبراهيم (النخعي) يخفف الصلاة، ويتم الركوع والسجود، وقال أبو مِجْلَز: كانوا يُتِمُّون ويُوْجِزُونَ، ويُبَادِرُون الوسوسة، ذَكَرَ الآثار كلها ابن أبي شيبة في مصنفه. شرح صحيح البخاري (2/ 333-335).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أما الكلام على معنى التخفيف: فاعلم أن المراد به تخفيفٌ لا يُخِل بمقاصد الصلاة وأركانها وسُنَنِها.
والضابط في التطويل وعدمه: إذا لم يكن المأمومون يُؤْثِرُونَهُ، فإن آثَرُوهُ طَوَّلَ، وحَدُّ التَّطْوِيْل مُقَدَّر: بصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله فيها غالبًا، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يَدخل في الصلاة، ويريد إطالتها، فيَسْمع بكاء الصبي فيتَجَوَّز فيها.
والمراد باعتبار قول المأمومين في التطويل وتركه: إذا كانوا محصورين؛ كما إذا اجتمع قوم لصلاة الليل، أو كان المسجد صغيرًا، في الفرائض، أما إذا كان المسجد كبيرًا، والجماعة غير محصورين: فإن الإمام يخفِّف بهم مطلقًا بحيث لا يُخل بالفرائض والسنن؛ وهذا الحكم مذكور في الحديثين المذكورَين (يعني: حديث الباب وحديث أبي هريرة) مع عِلَّتِه.
ثم المشقة في التطويل: أمر إضافي، فليس المعتبر فيه عادة بعض المصلين الجاهلين المقصرين ولا الغالين المتنطِّعين، بل هو معتبَر بما قاله العلماء.
فلا يزيد في القيام بالقراءة الطويلة المُمِلَّة المؤدِّية إلى كراهية الصلاة، ولا في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات ونحوها، مِن دعاء في السجود، وتعظيم في الركوع، كما كان -صلى الله عليه وسلم- يفعل مع أَمْرِهِ بالتخفيف، وشدَّة غضبه في الموعظة، في إطالة الإمام الصلاة بهم؛ فهذا لا يعد طولًا ومشقة شرعًا؛ بل التخفيف عنه مكروه، وعن الواجب حرام.
ثم العلة في كراهة التطويل: إنما هو التنفير عن الخير بسبب المشقة الحاصلة منه، مع الحاملة على ترك العبادة، أو الدخول فيها بغير انشراح، أو تَمَلُّل، أو شُغْل القلبِ بكراهته عن الحضور في الصلاة والخشوع اللَّذَين هما مقصودها، والمطلوب منها، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (1/ 437-438).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
الحديث دليل على مُطْلَقِ التخفيف في الصلاة للإمام، والحكم فيه مذكور مع علته، وهي المشقة اللاحقة للمأمومين إن طوَّل عليهم، إلا أنَّ الصلاة تختلف بالنسبة إلى الطُّول والقِصَرِ في القراءة وما يَتْبَعها من الأركان بعد تكبيرة الإحرام، فأَطْوَلُ الصلاة قراءة عندنا الصبح والظهر، وأقصرها العصر والمغرب، وأوسطها العشاء الآخرة، فتخفيف كلِّ صلاة بحسبها، وهذا كله ما لم يُؤْثِرِ المأمومون التطويل. رياض الأفهام (2/ 140).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه: الغضب لما يُنْكَر في الدِّين، وكذلك ترجم عليه البخاري، والغضب في الموعظة، وترجم عليه أيضًا: هل يقضي الحاكم وهو غضبان؟ والنبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف غيره؛ لأنه -عليه السلام- لا يَسْتَفِزّه غَضَبٌ، ولا يقول في الغضب والرضا (إلا حقًّا) ولا يحكم إلا بالحق. إكمال المعلم (2/ 382).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا عُلِمَ من عادة الإمام التطويل الكثير. شرح صحيح مسلم (4/ 184).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله- متعقبًا النووي:
فيه نظر؛ لأن الجواز الذي أشار إليه إنما يؤخذ عنده مِن إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يُقِرّ -عليه السلام- ذلك، بل أنكر على الإمام ذلك وغَضِبَ أشد الغضب، وإنكاره على الإمام إنما هو لِمَا أضَاعَهُ مَن حق المأموم، ومِن تَأَخُّرِهِ عن الجماعة، ففيه تأكد طلبيَّة الجماعة، ثم التنبيه على فضلها. النفح الشذي (4/ 269).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: جواز ذكر الإنسان بهذا (أي بقضية التطويل) ونحوه في مَعرض الشَّكوى والاستفتاء. شرح صحيح مسلم، باختصار (4/ 184-185).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في الحديثين (حديث أبي هريرة وحديث أبي مسعود) مسائل:
منها: الرد على من قال: لا تجوز صلاة الجماعة إلا خلف معصوم.
ومنها: أن الإمام يخفِّف الصلاة على الشرط والتفصيل الذي ذكرناه.
ومنها: ذكر الأحكام للناس بِعِلَلِهَا.
ومنها: جواز حضور المريض والصبي والشيخ وسائر مَن به ضَعْفٌ الجماعة.
ومنها: مراعاة الضعفاء في أمور الآخرة، وكذلك في أمور الدنيا، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «سِيرُوا على سَيْرِ أَضْعَفِكُمْ».
ومنها: التأخر عن الجماعة للأعذار.
ومنها: الموعظة لأمر الدين، وذِكْرُ الأحكام عند المخالفة.
ومنها: تَأَلُّفُ الناس على الطاعات، وعدم تنفيرهم عنها.
ومنها: أن الإنسان إذا صلى منفردًا فإنه يصلي ما شاء من قيام وركوع وسجود، لا في اعتدال وجلوس بين سجدتين، سواء كان في فرض أو نفل، والحديث في تطويل المنفرد مطلق مُنَزَّلٌ على ما ذكرنا.
ومنها: تسمية الصلاة، وإضافتها إلى وقتها المأمور بإتيانها فيه.
ومنها: خطابُ الناسِ ونِدَاؤُهُم في الموعظة، مما تَكْرَهُهُ نفوسُهم مِن المخالفة، وإظهار ذلك القصد، والإرشاد والتعليم والتبليغ من غير تخصيص بالذِّكْرِ لفاعل المخالفة، والله أعلم. العدة في شرح العمدة، باختصار (1/ 441-442).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: الأمر بالتخفيف، وما ورد من إطالته -صلى الله عليه وسلم- في بعض الأحيان محمول على تبيين الجواز، أو أنه عَلِمَ من حال مَن ورَاءَهُ في تلك الصلاة إِيْثَارَ التطويل. التوضيح (3/ 450).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
فيه: جواز شكاية الأئمة إلى الإمام الأعظم، وذِكْرِ حاله وحالهم معه، ولا يكون ذلك من باب الغِيبة، على ما تقدم في حديث القبرين.
فيه: حضور الصغير المسجد، وقد جاء ذلك أيضًا في الحديث الآخر: «إني لأسمع بكاء الصبي، فأَتَجَوَّزُ فيها» ولكن مذهبنا (يعني: المالكي) أنه لا ينبغي أن يدخل الصبي المسجد إلا أن يكون مميزًا يعقل الصلاة، والله أعلم. رياض الأفهام، باختصار (2/ 145-148).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: التعزير على إطالة الصلاة إذا لم يَرْضَ المأموم به.
وجواز التعزير بالكلام.
فيه: جواز الإنكار على من ارتكب ما يُنهى عنه، وإن كان مكروهًا غير مُحَرَّم. عمدة القاري، باختصار (2/ 107).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا العيني:
منها (أي من فوائد الحديث): جواز الإنكار على مَن ارْتَكَبَ ما يُنهى عنه، وإن كان مكروهًا غير محرم.
هكذا قالوا، لكن تقدم أن كون هذا من المكروهات محل نظر، بل هو من المحرمات إذا تضرر به المأمومون، أو بعضهم، وكيف لا يكون مُحَرَّمًا وقد غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- غضبًا شديدًا، وَصَفَه الصحابي بأنه لم يَرَهُ غَضِبَ قَبْلَه مثله، وقال: «فأيكم أم الناس فلْيَتَجَوَّزْ» وأَمْرُه للوجوب، كما أن نَهْيَه للتحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا؟! البحر المحيط الثجاج (11/ 36-37).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في فوائده:
(فيه): شِدَّةُ غضبه -عليه الصلاة والسلام- إنما هو لِفَرْطِ شَفقته على أمَّته، والحرصِ على تَأَلُّفِهِم، وصَرْفِ المشقَّةِ عنهم.
(و) فيه: دليل على أن حديث النفس في الصلاة لا يُبطلها؛ فإن ذا الحاجة يريد استعجال الإِمام لينصرف إليها.
(و) فيه: دليل على رعاية مصلحة الواحد، وأنه إذا كَرِهَ تطويل الإِمام رُوْعِيَ...
(و) فيه: دليل لمن يقول بسد الذرائع؛ لأن غضبه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن لِنُفُورِ هذا الرجل وحده، بل خشية استرسال الناس في النُّفُور حتى يقع الإِخلال بالجماعة. الإعلام، باختصار (2/ 602-606).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في الحديث: جواز الغضب في التعليم للمصلحة إذا لم يترتب على ذلك مفسدة.
وفيه: استحباب التخفيف مع الإتمام، وليس فيه حُجَّة للنَّقَّارِينَ؛ فإن التخفيف أَمْرٌ نِسبي راجعٌ إلى فِعل النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. تطريز رياض الصالحين (ص: 423).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديثين:...
أنه ينبغي للإنسان أن يُسَهِّل على الناس طريق الخير، ويُحَبِّبَه إليهم، ويُرَغِّبَهم فيه؛ لأنَّ هذا من التأليف، ومن الدعاية الحسنة إلى الإسلام. تيسير العلام، باختصار (ص: 142).
وقال الشيخ أحمد النجمي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
- يؤخذ منه أن التَّعَمُّق في العبادة الذي يوجب تنفير الناس عنها وكراهتهم لها خطأٌ يُوجب الاستنكار.
- فيه: مثالٌ مِن عدالة الشارع الحكيم، ورحمته بالضعفاء؛ حيث جعل حالهم هو الْمُؤَثِّرَ في الحُكم، وإن كانوا هم القِلَّة، والأقوياء هم الكَثْرَة.
- يؤخذ منه: أنه إذا تعارض مَصْلَحَتَان ولم يمكن الجمع بينهما يُعمل بأَعَمِّهِمَا نفعًا، والله أعلم. تأسيس الأحكام (1/ 123-124).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: بيان سماحةِ الشريعةِ، وسهولةِ أمرِ الدِّين؛ حيثُ أَمَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الأئمةَ بالتخفيف في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة...
ومنها: أن الأَرْجَحَ كونُ الأمرِ بالتخفيف للوجوب، قال العراقي -رحمه الله-: هذا الأمر بالتخفيف صرَّح أصحابنا -يعني الشافعية- وغيرهم بأنه على سبيل الاستحباب، وذهب جماعة إلى الوجوب؛ تمسكًا بظاهر الأمر، قال ابن حزم الظاهري -رحمه الله-: يجب على الإمام التخفيف إذا أَمَّ جماعةً لا يَدري كيف طَاقَتهم. البحر المحيط الثجاج، باختصار (11/ 35-37).