الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أُمِرَ بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ طاهرًا وغَيْرَ طَاهِرٍ، فلمَّا شقَّ ذلك عليه أُمِرَ بالسِّواكِ لكُلِّ صَلاةٍ، فكان ابنُ عمرَ يرى أنَّ به قُوَّةً، فكان لا يَدَعُ الوُضُوءَ لكُلِّ صلاةٍ».


رواه أحمد برقم: (21960)، وأبو داود برقم: (48)، من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر -رضي الله عنه-.
وزاد أحمد: «ووضع عنه الوضوء إلا مِن حدثٍ».
صحيح أبي داود برقم: (38)، قال محققو مسند الإمام أحمد: إسناده حسن.


مختصر شرح الحديث


 الوضوءُ والسِّواكُ مِن شعائرِ الإسلامِ الظاهرة، وقد كان النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أكملَ الناسِ طهارةً وعبادةً، وفي هذا الحديث يُخْبِرُ عبدُ الله بنُ حنظلةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- «أُمِرَ بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ طاهرًا وغيرَ طاهرٍ»، أي إذا قامَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى الصلاةِ وجَبَ عليه أن يتوضَّأَ لها - حملًا على الظاهر - ولو كان على طهارةٍ.
وظاهرُه -أيضًا- أنَّ هذا الأمرَ خاصٌّ به -صلَّى الله عليه وسلَّم- دون سائر الأُمَّة، «فلمَّا شقَّ ذلك عليه»، أي: لَمَّا ثَقُلَ عليه الوُضوءُ لكلِّ صلاةٍ نُسِخَ وُجُوبُ الوُضُوءِ إلا مِن حَدثٍ، كما في رواية الإمام أحمد في المسند: «وَوُضِعَ عنهُ الوُضُوءُ إلَّا مِن حَدثٍ». فـ «أُمِرَ بالسِّواك لكُلِّ صلاةٍ» أي: صار الأمرُ بالسِّواك لكلِّ صلاةٍ فرضًا أو نفلًا بدلًا عن الوُضُوءِ، «فكان ابنُ عمرَ يرى أنَّ به قوَّةً»: أي: أنَّ ابنَ عمر -رضي الله عنهما- كان يظنُّ أنَّ عنده قُدْرَةً وطاقةً على الوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ، «فكانَ لا يَدَعُ الوُضُوءَ لكلِّ صَلاةٍ»: أي: كان يَتَوَضَّأُ لكلِّ صلاةٍ وإنْ كَانَ علَى طهارةٍ؛ مَعَ عِلْمِهِ بأنَّ ذلك ليسَ بِوَاجبٍ لا على الأمَّةِ ولا عَلى النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
وحُمِلَ فعلُ ابنِ عمر -رضي الله عنهما- على أنَّه استمرَّ على العملِ بالأَمْرِ الأَوَّلِ بعدَ نَسْخِ الوجوبِ؛ لأنَّ نَسْخَ الوِجُوبِ لا يَمْنَعُ بَقَاءَ الاستحبابِ والفَضْلِ، فلذلك وَاظَبَ على الوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ؛ اقتداءً بالنبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وحِرْصًا على الأَكْمَلِ.
وفي الحديث: فضلُ تجديدِ الوضوءِ والسِّواكِ لكلِّ صلاةٍ، واختصاصُ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ببعضِ التكاليفِ دون أُمَّته، وأنَّ المشقَّةَ تَجْلِبُ التيسيرَ، وفيه نَسْخُ السُّنَّةِ بالسُّنَّة، والنَّسخِ من الأثقلِ إلى الأخفِّ، وفيه فضيلةُ ابنِ عمر -رضي الله عنهما-، وحرصُه على الاقتداءِ بالنبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-.


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُمِرَ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أُمِرَ بالوضوء» على صفة المجهول، أي: أَمَرَهُ الله تعالى، وكذلك «أُمِر» الثاني. نخب الأفكار (1/ 381).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «أُمِر بالوضوء»...، أي: أمره الله تعالى به أَمْرَ إيجابٍ لكلِّ صلاةٍ مفروضةٍ؛ لأنه كان يَجِبُ عليه تجديدُ الوُضُوءِ خاصةً؛ لِمَا يأتي للمصنف (يعني: أبا داود) عن أنس قال: «كان النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- يتوضأ لكل صلاة، وكنا نُصلِّي الصلواتِ بوُضوءٍ واحدٍ»، ثم نُسِخَ بحديث عبد الله بن حنظلة هذا، وبحديث بريدة «أن النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عامُ الفتحِ صلَّى الصلواتِ كلّها بوضوءٍ واحدٍ» رواه الشيخان، والحاكم بهذا اللفظ، ويحتمل: أن هذا الأمر له -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- ولأُمَّتِه؛ عملًا بظاهر قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} المائدة: 6، فقد فَهِمَ عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- منها لزوم الوضوء لكل صلاة. المنهل العذب المورود (1/ 175).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
أُمِرَ أَمْرَ استحباب، وقد ثبتَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في يوم الفتح صلى خمس صلوات بوضوء واحد، وقيل: ستَّ صلوات، فسأله عمر، قال: «عمدًا فعَلْتُهُ يا عمر». شرح سنن أبي داود (4/ 5).

قوله: «بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بالوضوء لكل صلاة» أي: عند كلِّ قيامٍ إلى الصلاة. شرح سنن أبي داود (1/ 452).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
«لكل صلاةٍ» ظاهرُ عمومِه يشْمَلُ الفرائضَ والنوافلَ. شرح سنن أبي داود (1/ 451).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
أَخَذَ بعضُهم بظاهر قوله: «أُمِر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» فجَعَلَهُ مختصًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يجب عليه الوضوء لكل صلاة...
وقال آخرون: إنَّ الفرض في الوضوء كان لكل صلاة، ثم نُسِخَ في فتح مكة.
وقالت طائفة: المراد به: الوضوء لكلِّ صلاة طلبًا للفضل، وحَمَلُوا الأمرَ على الندبِ، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك إلى أنْ جَمَعَ يوم الفتح بين الصلوات الخمسِ بوضوءٍ واحدٍ؛ إرادة البيان لأمَّتِه، وأنه ليس بواجبٍ عليهم، وكان كثير من الصحابة منهم عمر يتوضأ لكل صلاة؛ طلبًا للفضل؛ لِمَا روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر: «مَن تَوضَّأَ على طُهْرٍ كُتِبَ له عشرُ حسناتٍ». شرح سنن أبي داود (1/ 452-453).

قوله: «طاهرًا وغيرَ طاهرٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «طاهرًا» نُصِبَ على أنه خَبرُ «كان» مقدَّمًا عليه. نخب الأفكار (1/ 381).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«وغيرَ طاهرٍ» الواو بمعنى أو. عون المعبود (1/ 49).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «طاهرًا أو غيرَ طاهرٍ» معناه: سواء كان باقيًا على الطهارة الأُولى أم أَحْدَثَ. الإيجاز في شرح سنن أبي داود (ص: 219).

قوله: «فلمَّا شقَّ ذلك عليه أُمِرَ بالسِّواك لكُلِّ صلاة»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فلما شَقَّ ذلك عليه» أي: لَمَّا ثَقُلَ التَّوَضُّؤُ لكلِّ صلاة طاهرًا أو غير طاهر على النبي -عليه السلام- «أُمِرَ بالسواكِ». نخب الأفكار (1/ 381).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فلمّا شقَّ ذلك عليه أُمِر بالسِّواك لكلِّ صلاة» معناه: نُسِخَ الأمرُ بالوضوء لكلِّ صلاة إلى الأمر بالسواك، فيحتمل: أنه كان مأمورًا به أوَّلًا وجوبًا، ونُسخ الوجوب، وصار مستحبًّا.
ويحتمل: أنه كان مأمورًا به ندبًا متأكدًا، فنُسخ التأكد، وبقي مطلق الندب، كما يقوله أصحابنا في صوم يوم عاشوراء ونَسْخِهِ، ولهم فيه وجهان كهذين الاحتمالين، والله أعلم. الإيجاز في شرح سنن أبي داود (ص: 220).
وقال العيني -رحمه الله-:
«أُمِرَ بالسواك» أي باستعماله؛ لأن نفس السواك لا يُؤْمَرُ به. نخب الأفكار (1/ 381).

قوله: «فكان ابنُ عُمَرَ يَرى أنَّ بهِ قُوَّةً»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«فكان ابن عمر يرى» هذه مقولة عبد الله بن عبد الله. عون المعبود (1/ 49).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «يرى أنَّ به قُوَّةً» أي: يَظُنُّ أنَّ به طاقةً يتحمَّل الوضوء لكل صلاة. نخب الأفكار (1/ 381).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«أنَّ» حرف مُشَبَّهٌ بالفعل، «به» أي بعبد الله، والجار مع مجروره خبرٌ مقدَّمٌ لـ«قُوَّةً» على ذلك، وهي اسمه المؤخر، والجملة قائمة مقام مفعولَي «يرى». عون المعبود (1/ 49).

قوله: «فكان لا يَدَعُ الوضوءَ لكُلِّ صلاة»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لا يَدَعُ» أي: لا يَتْرُكُ، وهذا مِن الألفاظ التي أمَاتُوا ماضِيها، كذا قالوا، وليس بشيء؛ فإنه قرئ قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ} الضحى: 3 بالتخفيف. نخب الأفكار (1/ 381).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
إنما فعل ابن عمر ذلك اجتهادًا منه، واقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (4/ 5).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الظاهر: أن سبب تَوَضُّؤِ ابن عمر هذا: ورُودُ الأَمْرِ به قبل النَّسْخِ، ففيه دليل على أنه إذا نُسِخَ الوجوبُ بقي الجواز. المنهل العذب المورود (1/ 175-176).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
واسْتَدَلَّ به مَن أَوْجَبَ السواكَ لكلِّ صلاةٍ. عون المعبود (1/ 49).
وقال العيني -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أنَّ رسولَ الله -عليه السلام- كان أُمِرَ بالوُضوءِ لكلِّ صلاةٍ، ثم نُسِخَ ذلك، فثَبَتَ بما ذكرنا أن الوضوء يجزئ ما لم يكن الحدث. نخب الأفكار (1/ 380).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقد استَدَلَّ إسحاقُ بن راهويه وداود (الظاهري) بقوله: «أُمِرَ بالسواك لكل صلاة» على أن السواك واجب لكل صلاة؛ لأنه مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب، وأكثر أهل العلمِ والحديثِ أنه سُنَّة ليس بواجب؛ للحديث المتقدم: «لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي لأَمَرْتُهم بالسواكِ عند كل صلاة» يعني: لأمرتهم أمرَ إيجابٍ؛ لأنَّ المشقَّةَ إنما تَلْحَقُ بالإيجابِ لا بالندبِ، وهذا يدل على أن الأمر في هذا الحديث أمر ندب.
ويحتمل: أن يكون ذلك واجبًا في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- على الخصوص؛ جمعًا بين الحديثين. شرح سنن أبي داود (1/ 455).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
نُسِخَ وجوبُ الوضوء إذا كان متطهرًا، وأُمِرَ باستعمالِ السواك لكلِّ صلاةٍ أَمْرَ إيجاب على وجه الخصوصية؛ لِمَا رواه أحمد، وابن خزيمة، وصححه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم: «أن النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غيرَ طاهرٍ، فلمَّا شَقَّ ذلك عليه أُمِرَ بالسواكِ عند كلِّ صلاةٍ، ووُضِعَ عنه الوضوءُ إلا مِن حَدَثٍ»، وكان ابن عمر يرى أن به قُوَّةً على ذلك فكان يفعله حتى مات؛ لحديث عائشة «أن النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قال: ثلاث هنَّ عليَّ فريضة، وهُنَّ لكم تَطَوُّعٌ: الوِتْرُ، والسواك، وقيامُ الليل» رواه البيهقي، وهو وإن كان ضعيفًا فقد تقَوَّى بما جعله حَسَنًا، وبه تعلم أنه لا وجه لمن استَدَلَّ بحديث الباب على أن السواك واجبٌ علينا لكل صلاة؛ لأنَّ الوجوب كان خاصًا بالنبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-.
ويحتمل: أن هذا الأمر له -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- على سبيل الاستحباب؛ لحديث أبي أمامة أن النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قال: «ما جاءني جبريلُ إلا أَوْصَانِي بالسِّواكِ حتى خَشِيتُ أنْ يُفْرَضَ عليَّ وعلى أمَّتي» رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف، وعن واثلة بن الأسقع أن النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قال: «أُمِرْتُ بالسواك حتى خَشِيتُ أن يُكْتَبَ عليَّ» رواه أحمد بإسناد حسن، لكن قال المنذري: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه، والمعْتَمَدُ وجوبه عليه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- عند الشافعية والمالكية. المنهل العذب المورود (1/ 175).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
وفي التوسط شرح سنن أبي داود: وهذا الأمر يحتمل كونه له خاصًا به، أو شاملًا لأمَّته، ويحتمل: كونه بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} المائدة: 6 بأن تكون الآية على ظاهرها، انتهى.
قلتُ: وهكذا فَهِمَ عليٌّ -رضي الله عنه- من هذه الآية، أخرج الدارمي في مسنده (ثم ذكر الإسناد) عن عكرمة أن سعدًا كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد، وأن عليًا كان يتوضأ لكل صلاة، وتلا هذه الآية: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الآية المائدة: 6. عون المعبود (1/ 49).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
حاصِلُهُ: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يجب عليه الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ أَحْدَثَ أو لم يُحْدِثْ، فلما شقَّ ذلك عليه وصَعُبَ، والمشقَّة تَجْلِبُ التيسيرَ، أُمِرَ بالسواك لكل صلاة، وأُقِيمَ السواكُ مَقامَ الوضوء، وسقط وجوب الوضوء، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قُوَّةً، فلا يشق عليه الوضوء لكل صلاة، ويرى أن أفضل الأعمال أَشَقُّهَا، فلهذا كان لا يدع الوضوء لكل صلاة. بذل المجهود (1/ 321).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يَحْتَجُّ بهذا الحديث مَن يرى أن المتيَمِّمَ لا يَجمع بين صلاتَي فرضٍ بتيممٍ واحدٍ، وأنَّ عليه أن يتيمَّمَ لكلِّ صلاةِ فريضةٍ؛ وذلك لأن الطهارة بالماء كانت مفروضة عليه لكل صلاة، وكان معلومًا أنَّ حُكم التيمُّم الذي جُعِلَ بدلًا عنها مثلها في الوجوب، فلما وقع التخفيف بالعفو عن الأصل، ولم يذكر سقوط التيمم كان باقيًا على حكمه الأول، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عمر -رضي الله عنهما-، والنخعي، وقتادة، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
فإن سُئِلَ على هذا فقيل: فهَلَّا كان التيممُ تَبَعًا له في السقوط كَهُوَ في الوجوب؟
قيل: الأصل أنَّ الشيءَ إذا ثَبَتَ وصار شرعًا لم يُزَلْ عن محلِّه إلا بيقينِ نَسْخٍ، وليس مع مَن أَسْقَطَهُ إلا معنى يحتمل ما ادعاه، ويحتمل غيره، والنَّسْخُ لا يَقع بالقياسِ، ولا بالأمور التي فيها احتمال. معالم السنن (1/ 29-30).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
وأحاديث الباب مع ما أخرجه مالك، وأحمد، والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لولا أن أَشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وضوءٍ» تدل على مشروعية السواك عند كل وضوء، وعند كل صلاة، فلا حاجة إلى تقدير العبارة بأن يقال: أي: عند كلِّ وُضُوءِ صلاةٍ، كما قدَّرَهَا بعضُ الحنفيةِ، بل في هذا ردُّ السنة الصحيحة الصريحة، وهي السواك عند الصلاة، وعُلِّلَ بأنه لا ينبغي عمله في المساجد؛ لأنه من إزالة المستقذرات، وهذا التعليل مردود؛ لأن الأحاديث دلت على استحبابه عند كل صلاة، وهذا لا يقتضي أن لا يُعْمَل إلا في المساجد حتى يتمشى هذا التعليل، بل يجوز أن يستاك ثم يدخل المسجد للصلاة، كما روى الطبراني في معجمه عن صالح بن أبي صالح، عن زيد بن خالد الجهني قال: «ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَخْرُجُ مِن بيتِه لشيءٍ من الصلوات حتى يَسْتَاكَ». عون المعبود (1/ 49-50).
وقال السهارنفوري -رحمه الله- متعقبًا:
هذا الحديث يدل على أن السواك كان واجبًا عليه لكل صلاة، فحينئذٍ يجب أن ننظر في ذلك، هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتي بذلك الواجب قبيل الصلاة عند أدائها في المسجد، أو يأتي عند الوضوء، أو يأتي عند الوضوء والصلاة جميعًا؟
فنَظَرْنَا في ذلك، فرأَيْنَا أنه -صلى الله عليه وسلم- ما اسْتَاكَ مرَّةً مِن الدهر قُبَيلَ الصلاة عند عَقْدِ التحريمة (أي: تكبيرة الإحرام)، ولم يثبت ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن خلفائه -رضي الله تعالى عنهم-، ولو فَعَلَهُ -صلى الله عليه وسلم- لنُقِلَتْ عنه تواترًا، كما نُقِلَتْ الواجباتُ الأُخَر ، بل ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا استاك للصلاة يستاك عند الوضوء وقَبْلَه، كما يدل عليه الروايات الآتية في باب السواك لمن قام بالليل، فحينئذٍ إما أن يكون هذا الاستياك هو ما يجب عليه للصلاة أو غيره، ولا يمكن أن يكون غيره، فثبت أنه هو الواجب.
فظهر بهذا أن المراد بالسواك عند كل صلاة كما في الرواية المتقدمة، وبالسواك لكل صلاة كما في هذه الرواية: هو ما يكون عند الوضوء، لا ما هو عند الصلاة، وأنه -صلى الله عليه وسلم- ما ترك الاسْتِنَانَ قبلَ الصلاة إلا لأنه اعتدَّ الاستنان الذي في الوضوء عن الذي هو عند الصلاة، وعَلِمَ أن هذا يؤدي الواجب الذي هو عند الصلاة، ويكفي عنه، فإن لفظ «عند» لا يدل على المقارنة، ويؤيد ذلك: أنَّ حالةَ الصلاةِ حالةَ المناجاةِ مع الرب -سبحانه وتعالى-، وفي حالة المناجاة كَرِهَ -صلى الله عليه وسلم- النخامة في قِبْلَةِ المسجد، وشَقَّ ذلك عليه حتى رُئِيَ في وجْهِهِ، فقام، فحَكَّهُ بيده، فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القِبْلَةَ»، وكَرِهَ البُصَاقَ في المسجد، وجعل كفارةَ تلك الخطيئة دَفْنَهَا، فيستحيل العقل غير المشوب بالهوى مع هذه التشديدات أن يَنْدُبَ -صلى الله عليه وسلم- أُمَّتَهُ إلى أن يَسْتَاكُوا عند إقامة الصلاة، وتكون الأَسْوِكَةُ المتَلَطِّخَةُ بالبصاق وبما أزالوه من النتن والأذى عند نَوَاصِيهِم على آذانهم فيما بينهم وبين القِبْلَة، وقد مُنِعُوا عن أقلِّ وأَهْوَنِ من ذلك، فما هو إلا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أراد بقوله: «بالسواك عند كل صلاة» أي: عند وُضُوئِها، فعلى هذا ما قال صاحب غاية المقصود، وتَبِعَهُ صاحب عون المعبود -فقالا: فلا حاجة إلى تقدير العبارة بأن يقال: أي: عند وضوء كل صلاة، كما قدَّرَها بعض الحنفية، بل في هذا ردُّ السُّنة الصحيحة الصريحة، وهي السواك عند الصلاة، وعُلِّلَ بأنه لا ينبغي عمله في المساجد؛ لأنه من إزالة المستقذرات، وهذا التعليل مردود ... إلخ-، فمردود عليهما، وغَلَطٌ وباطلٌ؛ فإنَّ في هذا ليسَ رَدُّ السُّنة مطلقًا، وحاشاهم أنْ يَرُدُّوا السُّنّة، بل في هذا جمعٌ بين الأحاديث، وعَمَلٌ على جميعها، وإتيانٌ بالمندوبِ، واجتنابٌ عن المكروه.
نعم فيما قالاه رَدٌّ للسُّنَنِ الصحيحةِ التي رَواها إمامُهم البخاري -رحمه الله- في صحيحه، وارتكابٌ للمكروهِ في إتيان المندوبِ مع أنهم لا يَدْرُونَ عاقبة قولهم، ولا غَرْوَ أنَّ الجهلَ وغَلَبَةَ الهوى قد يُوقِعَ الإنسان فيما هو أشد وأقبح، وهذا على القول بالكراهة مِن بعضهم، وإلا فقد قُلْنَا: إن الاستياك عندنا أيضًا مستحبٌّ عند الصلاة، وفي غير وقت الصلاة، كما تقدم عن التتارخانية، وقد حققه الشامي في ردِّ الْمُحْتَار. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (1/ 321-323).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفي الحديث: تنبيه على فخامة أَمْرِ السواك؛ حيث أُقِيمَ مَقامَ مثل ذلك الواجب، فكاد أن يكون واجبًا عليه -صلى الله عليه وسلم-. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 805).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دل الحديث على استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة، وعلى تأكيد الاستياك، ولا سيما عند الصلاة، وعلى أن الله تعالى يَنْسَخُ ما يشاء من الأحكام ويُثْبِتُ ما يشاء، وأنه بِنَبِيِّهِ -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- رؤوف رحيم. المنهل العذب المورود (1/ 176).


إبلاغ عن خطأ