«كانَ أَهلُ خَيبرَ يصُومونَ يومَ عاشُورَاءَ، يتَّخِذونه عِيدًا، ويُلْبِسُون نِساءَهُم فيه حُلِيَّهُم وشارَتَهُم، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: فصُومُوه أنتم».
رواه مسلم برقم: (1131)، من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (3942)، بلفظ: «قدِم النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المدينة، وإذا أناسٌ من اليهود يُعظِّمون عاشوراءَ ويصومونه، فقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: نحنُ أحقُّ بصومه، فأمر بصومه».
ورواه البخاري ـ أيضًا ـ برقم: (2005)، بلفظ: «كانَ يوم عاشوراء تَعُدُّهُ اليهود عِيدًا، قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: فصُومُوهُ أنتم».
وفي لفظ لمسلم: «كان يومُ عاشُورَاءَ يومًا تُعظِّمُه اليهودُ، وتتَّخِذُه عِيدًا، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: صُومُوهُ أنتم».
مختصر شرح الحديث
يُخبرُ أبو موسى الأَشْعَرِيُّ -رضي الله عنه- في هذا الحديث عن حالِ اليَهُودِ مع عَاشُورَاءِ، فقال: «كان أهلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يومَ عَاشُوْرَاءَ، يتَّخذونه عيدًا»، أي: كانوا يُعظِّمون هذا اليومَ بالصِّيامِ، مع إِظْهَارِ الفَرَحِ والسُّرُورِ؛ لأنَّ الله تعالى أَنْجَى فيه مُوسَى وأَهْلَكَ فرعونَ. وكان مِن تَعْظِيمِهم له أنَّهم: «يُلْبِسُونَ نِسَاءَهم فيهِ حُلِيَّهُم وشَارَتَهُم»، أي: كانوا يُزيِّنُون نِسَاءَهم يومَ عَاشُورَاءَ بالحُلِيِّ واللباس الحَسَنِ؛ إظهارًا للفَرَحِ بهذا اليومِ. والحُلِيُّ: ما يُتزيَّن به مِن ذهبٍ وفضةٍ ونحوهما، وأمَّا الشَّارَةُ فالمرادُ بها هنا: اللباسُ الحسنُ الجميلُ.
فلمَّا رأى النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- تَعْظِيمَهم لهذا اليوم، قال لأَصْحَابِه: «فصُومُوه أنتم»، أي: صُومُوهُ شُكرًا للهِ تَعَالى عَلى نَجَاةِ مُوسَى -عليه السلام-، وفي الرواية الأُخْرى: «نحنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم».
وظاهرُ قوله: «صُومُوه أنتم»: أنَّ المشروعَ فيه التعبُّدُ لله تعالى بالصيامِ، لا بما أُحْدِثَ فيه مِن البِدَعِ؛ كصلاةٍ مَخْصُوصَةٍ، أو إِظْهَارِ الفَرَحِ واللَّعِبِ والزِّينَة والاكْتِحَالِ ونحو ذلك؛ فإنَّ هذه الأعمالُ أَقْرَبُ إلى معنى اتِّخَاذه عِيْدًا.
وفي الحديث: بيانُ استحبابِ صيامِ يومِ عَاشُورَاءَ، وفيه: أنَّ اليهودَ كانوا يتَّخِذُونه عِيدًا مع صيامِهم له، وفيه: مُوَافَقةُ أهلِ الكتَابِ فيمَا وَافَقُوا فيهِ الحقَّ؛ إذ كانَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُحِبُّ مُوَافقتَهم فيما لم يُنهَ عنه.
وفيه: أنَّ المشروعَ في يومِ عَاشُوراءَ هو التعبُّدُ لله بالصيامِ، لا مَا أُحْدِثَ فيه مِن البِدَعِ، والحثُّ على مخالفةِ أهلِ الكتابِ فيما اخْتُصُّوا به مِن شَعَائِرِهِم وعَادَاتِهِم، وبَيَانُ أنَّ العباداتِ مَبْنَاهَا على الاتِّبَاعِ لا على الأَهْوَاءِ والابْتِدَاعِ.
غريب الحديث
«عَاشُورَاء»:
ممدودة والعامة تَقْصُرُه، ويقال: ليس في الكلام فَاعُولَاء ممدودٌ إلا عاشوراء، هكذا قال بعض البَصْرِيِّين، وهو اسم إسلامي، لم يُعرف في الجاهلية. غريب الحديث، للخطابي (3/ 240).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
عاشوراء: هو اليوم العاشر من المحرم، وهو اسم إسلامي، وليس في كلامهم فَاعُولاء بالمد غيره، وقد أُلحق به تاسوعاء، وهو تاسع المحرم، وقيل: إن عاشوراء هو التاسع، مأخوذ مِن العِشْرِ في أَوْرَادِ الإبل. النهاية (3/ 240).
«شَارَتَهُم»:
الشَّارَةُ: الهيئةُ واللِّبَاسُ، يقال: ما أَحْسَنَ شِوَارَ الرَّجُل وشَارَتَه!. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 346).
وقال كُرَاع النَّمل -رحمه الله-:
والشَّارَةُ: اللِّباس، يقال منه: رَجُلٌ شَيِّرٌ: حَسَنُ الشَّارَةِ. المنتخب من كلام العرب (ص470).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «كانَ أهلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يومَ عَاشُورَاء، يتَّخِذونه عِيدًا»:
قال المازري -رحمه الله-:
عندنا (المالكية) أنَّ يومَ عَاشُورَاء هو اليوم العاشر مِن المحرَّم، وعند المخالِف أنه التاسع، فمَن قال: إنه العاشر، تعلَّق بأن مقتضى هذا اللفظ كونه يوم العاشر، وهو مأخوذ مِن العشر.
ومن قال: إنه التاسع، تعلَّق بهذا الحديث (يقصد حديث: «إذا رأيت هلال المحرَّم فَاعْدد وأَصْبِحْ يوم التَّاسع صائمًا، وقال: هكذا كان محمد -صلى الله عليه وسلم- يصُومُه»)، وبما ورد عن العرب في تسميتها اليوم الثالث من أيَّام الوِرْد رِبْعًا، وكذلك على هذا الحسابِ يَحْسُبُون أيَّامَ الأظْمَاء والأوْرَادِ فيكون التاسع عشرًا على هذا. المعلم (2/ 57).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف العلماء...، فمذهب مالك، والحسن، وسعيد بن المسيب: أنه العاشر، وهو قول جماعة من السلف، وهو الذي تدل عليه الأحاديث كلها، ومنها هذا الحديث الذي فيه: «لَأَصُومَنَّ التاسِعَ» فدلَّ أن صومه -عليه السلام- كان العاشر، وهذا الآخر فلم يَسُنَّه بَعْدُ، ولا بَلَغَهُ، ولعله على طريق الجمع مع العاشر؛ لئلَّا يتشبه باليهود، كما ورد في رواية أخرى: «فصُومُوا التاسعَ والعاشرَ»، وإلى هذا أيضًا ذهب جماعة من السلف، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق؛ إمَّا لهذه العِلَة، أو للاحتياط للخِلَافِ فيه، ولعل معنى هذا الحديث: هو الذي أخبر به ابن عباس في الحديث الآخر في صيام التاسع: «أن محمدًا كان يصومه»؛ لخَبَرِهِ أنه سيَصُومُه قَابِلًا، واعتقاد ابن عباس أنَّ النبيَّ -عليه السلام- كان مُزْمِعًا على فِعْلِهِ؛ إذ ابن عباس راوي الحديثين معًا.
وذهب قوم إلى أنه التاسع، وهو المروي عن الشافعي. إكمال المعلم (4/85، 86).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان أهل خيبر» من اليهود «يصومون يوم عاشوراء، يتَّخذونه» أي: يجعلون يوم عاشوراء «عيدًا» لهم، أي: يَومَ زِينَةٍ وفَرَحٍ وسُرُورٍ. الكوكب الوهاج (13/ 64).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«تَعُدُّهُ اليهودُ عيدًا» أي: معظَّمًا، ويَصُومُونه، لا عيدَ يفطرون فيه. التوشيح (4/ 1475).
قوله في لفظ: «كان يوم عاشوراء يومًا تُعظِّمُه اليهود»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
لأن الله أَنْجَى فيه موسى وأَهْلَكَ فيه فرعون. شرح سنن أبي داود (10/ 572).
قوله: «ويُلْبِسُون نِسَاءَهُم فيه حُلِيَّهُم وشارَتَهُم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
والحُلِيُّ: جمع حَلْيٍ، كثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وهو: كلُّ ما يُتزيَّن به مِن ذهبٍ وفِضَّةٍ، وسائر الجواهر، كما قال تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} الكهف:31، وقوله أيضًا: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} الإنسان:21. الكوكب الوهاج (13/ 64).
قال المازري -رحمه الله-:
قوله: «يُلْبِسُونَ نِسَاءَهُم فيه حلِيَّهُم وشَارَتِهِم» الشَّارَةُ: الهيئةُ واللباس، يقال: ما أحسن شِوَارَ الرَّجُل وشارَتَهُ! أي: لباسه وهيئته. المعلم (2/ 57).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«وشَارَتَهُم» وهو بالشين المعجمة، أي: هيئتهم الحسنة. فتح الباري (4/ 248).
وقال العيني -رحمه الله-:
«شَارَتَهُم» بالشين المعجمة وبعد الألف راء، وهو بالنصب عطفٌ على قوله: «حُليَّهم»، وهو منصوب بقوله: «يُلْبِسُونَ» مِن الإِلْبَاسِ، قال ابن الأثير: أي: لِبَاسهم الحَسَن الجميل، وقال بعضهم: «شَارَتَهم» بالشين المعجمة أي: هَيْئَتَهُم الحسنة، قلت: هذا التفسير هنا بهذه العبارة خطأ فاحش، والتفسير الصحيح ما قاله ابن الأثير، وهو أن الشَّارَة هو اللباس الحسن الجميل، والتفسير الذي ذكره هذا القائل تفسير الشُّورَةُ بالضم؛ لأن الشورة هي الجمال والهيئة الحسنة، وهنا الشارة وقع مفعولًا لقوله: «يُلبِسون»، مِن الإلباس، وهو يقتضي الْمَلْبَس، والْمَلْبَسُ لا يكون الهيئة، وإنما يكون اللباس. عمدة القاري (11/ 123).
قوله: «فقالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: فَصُومُوه أنتم»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«فصُومُوهُ أنْتُم» أي: أنتم أَحَقُّ بذلك منهم. التوشيح (4/ 1475).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ظاهره أنَّ البَاعِث على الأمرِ بِصَومِه محبةُ مخالفة اليهود حتى يُصام ما يُفْطِرُون فيه؛ لأن يوم العيد لا يُصام، وحديث ابن عباس يدلُّ على أنَّ الباعِثَ على صيامه: موافَقَتُهم على السبب، وهو: شكر الله تعالى على نجاة موسى، لكنْ لا يلزم مِن تعظيمهم له، واعتقادهم بأنه عيدٌ أنهم كانوا لا يصومونه، فلعلهم كان مِن جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث أبي موسى هذا، فيما أخرجه المصنِّف في الهجرة بلفظ: «وإذا أُنَاسٌ من اليهود يُعَظِّمُون عاشوراءَ ويَصُومُونَه» ولمسلم من وجه آخر عن قيس بن مسلم بإسناده قال: «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء، يتَّخِذُونه عيدًا...». فتح الباري (4/ 248).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«فصُومُوا أنتم» يُشْعِرُ بأن الصوم لِمُخَالَفَتِهم، وسبق أنه كان لموافقتهم، فيُجْمَع بأنه لا يلزم مِن عدِّهم إياه عيدًا أن يكون عيدًا حقيقة، وأيضًا فيحتمل أن العيد لا يمتنع صومه؛ إذ هؤلاء اليهود غير يهود المدينة، فوافق المدَنِيِّين حيث عَرَف أنه الحقّ بوحيٍ، وخالف غيرهم بخلافه. اللامع الصبيح (6/468، 469).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فَصُومُوهُ أنتم» فهذا يُشْعِرُ بأن الصومَ كان لِمُخَالَفَتِهم، وما سبق صريحٌ بأنه كان لموَافَقَتِهم، ويُمْكِن حَمْلُه على أنَّ اليهود كانوا طائفتين، أو القضِيَّتين في وقتين، أو يقال: لا يلزم مِن عدِّهم إياه عيدًا كونه عيدًا حقيقة، أو لا يمتنع صومه عندهم، أو صوموه أنتم فلا تجعلوه عيدًا، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (4/ 1426).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فصُومُوهُ أنتم» ندبًا، رُوِيَ أنه يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأنه كان عيدًا لهم. فيض القدير (4/ 299).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
أي: أنتم أحقُّ بذلك منهم. التوشيح شرح الجامع الصحيح(4/١٤٧٥).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «فصوموه أنتم» مخالفةً لهم، فالباعث على الصِّيام في هذا غير الباعث في حديث ابن عباسٍ؛ إذ هو باعثٌ على موافَقَتِهِ يهودَ المدينةِ على السَّبب -وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى-، مع موافقة عادته أو الوحي كما مرَّ تقريره، ويحتمل أن يكون مِن تَعْظِيمِه عند يهود خيبر في شرعهم صومه، وقد وقع التَّصريح بذلك عند مسلمٍ من وجهٍ آخر عن قيس بن مسلمٍ قال: «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتَّخذونه عيدًا». إرشاد الساري (4/ 572).
وقال العيني -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أنَّ رسولَ الله -عليه السلام- أمَرَ بِصَومِه؛ لأن اليهود كانت تصومه، وقد أخبر ابن عباس في حديثه بالعِلَّةِ التي مِن أجلها كانت اليهود تصومه؛ أنها على الشكر منهم لله تعالى في إظهاره موسى -عليه السلام- على فرعون، وأن رسول الله -عليه السلام- أيضًا صَامَهُ كذلك، والصوم للشُّكْرِ اختيارٌ لا فرض. نخب الأفكار(8/٤١٠).
وسئل الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
اليهود الآن لا يصومون؟
(فأجاب): العِبْرَةُ بوقت النبوة. الحلل الإبريزية (2/ 164).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف العلماء في صيام عاشوراء، فقيل: كان فرضًا فنُسخ برمضان على ظاهر لفظ الحديث.
وقيل: لم يكن فرضًا ولكنه كان مرغَّبًا فيه، فخُفِّفَ أَمْرُه، وحَصَل التخيير في صيامه بعد ذلك.
ورُوي عن بعض السلف: أنَّ فرْضه باقٍ لم يُنسخ، وقد انقرض القائلون بهذا، وحصل الإجماع على خلافه.
ورُوي عن ابن عمر كراهة قَصْدِ صومِه وتَعْيِيْنِه بالصومِ، وقد رُوي في ذلك حديثٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وذَكَرَ مسلمٌ عن ابن عمر وكافَّة العلماء على أنه مُرغَّبٌ فيه مقصود الصوم؛ للأحاديث الواردة في فضله، وصوم النبي -عليه السلام- له، وكونه غير فرض؛ لقوله -عليه السلام-: «وتصوم رمضان»، وقوله: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطَّوَّع»، وقوله -عليه السلام-: «كان يومُ عاشوراء يومًا تصومه أهل الجاهلية، فمَن شَاءَ صِيَامَهُ فَلْيَصُمْهُ، ومَن أَحَبَّ أنْ يَتْرُكَهُ» ظاهره: أنه لم يكن فَرْض، وإنما كان يُصام تطوعًا، وكذلك قوله: «كان يَأْمُرُ بصيامِ عَاشُورَاء ويتَعَهَّدُنا عنده، ويَحُثُّنَا عليه»، وقوله: عن عبد الله -هو ابن مسعود-: «كنَّا نصومه ثم تُرِك» ليس فيه دليل على كراهة صومه، وإنما هو إعلام بترك وجوبه ولزومه، وإنما ذَكَرَ ذلك لِمَنْ أَنْكَرَ عليه الأكلَ فيه كما ذكر في الحديث. إكمال المعلم (4/78- 81).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
صيام يوم عاشوراء كان واجبًا ثم نُسخ بفرضِ رمضان، وبه قال أبو حنيفة وجماعة من أصحاب الشافعي.
وقال آخرون منهم: إنه سُنَّة من حين شُرِعَ، ولم يكن واجبًا قَطُّ على هذه الأمَّة، لكنه كان مؤكَّدًا، فلما فُرض رمضان صار مستحبًّا، والقول الأول هو الأقوى؛ لما رواه البخاري ومسلم والبيهقي عن سلمة بن الأكوع أنّ النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- بعث رجلًا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أنَّ مَن أَكَلَ فلْيُتِمَّ أو فَلْيَصُم، ومَن لم يأكلْ فلا يَأْكُل» وما رواه أحمد وابن أبي خيثمة من طريق عبد الله بن أبي بكر عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي عن أبيه قال: بعثني النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- إلى قومي مِن أَسْلَمَ فقال: «مُرْ قومَك أنْ يَصُوموا هذا اليوم -يوم عاشوراء-، فمَن وَجَدْتَه منهم قد أَكَل في أوَّلِ يَومِه فَلْيَصُم آخره» وفي رواية له عن أسماء بن حارثة أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- بَعَثَهُ فقال: «مُرْ قَوْمَكَ بصيامِ هذا اليوم» يعنى: يوم عاشوراء، قال: أرأيتَ إنْ وَجَدْتُهُم قد طَعِمُوا؟ قال: «فَلْيُتِمُّوا آخِرَ يَوْمِهِم» وما رواه مسلم عن جابر قال: «كان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- يَأْمُرُنَا بصيامِ عاشوراء ويَحُثُّنَا عليه ويتَعَاهَدُنا عنده، فلمَّا فُرض رمضان لم يَأْمُرْنَا ولم يَنْهَنَا ولم يَتَعَاهَدنا عنده» وروى الشيخان والبيهقي عن الربيع بنت مُعَوَّذ بن عَفْرَاء قالت: «أَرْسَلَ رسولُ الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- صبيحة عاشوراء إلى قُرَى الأنصار التي حول المدينة: مَن كان أَصْبَحَ صائمًا فلْيُتِمَّ صومَه، ومَن كان أصْبَحَ مفطرًا فلْيَصُمْ بقيَّةَ يومِه» قالت: فكُنَّا نصومه بعد ذلك ونُصوِّم صبياننا الصغار، ونجعل لهم اللعبة من العِهْن ونذهب بهم إلى المسجد، فإذا بكى أحدُهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون الإفطار. المنهل العذب المورود (10/ 203).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
آراء الفقهاء في حُكم صوم يوم عاشوراء قبل فَرْضِ صوم رمضان وبعده: قد اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء سُنَّة وليس بواجب.
واختلفوا في حُكمة أول الهجرة (وذكر اختلافهم السابق). المنهل الحديث (2/ 241).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما صيام يوم عاشوراء: فإنه كان يَتَحَرَّى صومَه على سائر الأيام، ولَمَّا قدِم المدينة وجَدَ اليهودَ تَصُومُه وتُعظِّمه فقال: «نَحْنُ أَحَقُّ بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه، وذلك قبل فرض رمضان، فلما فُرض رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه»...
فمراتب صومه ثلاثة: أكملها: أن يُصام قَبْلَهُ يومٌ وبعده يومٌ، ويلي ذلك أن يُصام التاسعُ والعاشرُ، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفرادُ العاشرِ وحدَه بالصوم. زاد المعاد (2/ 72).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ثبت أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يصومه قبل الهجرة، وكان صيامه له إما عن اجتهاد، أو أَذِنَ الله بصيامه على أنه فِعْلُ خيرٍ، أو صامه استنادًا إلى شرع إبراهيم -عليه السلام-، أمَّا أَمْرُه أصحابَه بصيامه بعد أنْ سَمِعَ مقالةَ اليهود فلم يكن تصديقًا لقولهم، بل لكونه كان يصومه، أو لعل الوحي نزل على وفْقِ قولهم، أو أنه لم يبتدئ الأمر بصيامه، فقد كانوا يصومونه، ولم يحدث بقوله تجديدُ حُكْم، أو أنَّ هذا مِن قبيل استئلاف اليهود، كما اسْتَأْلَفَهُم باستقبال قِبْلَتِهم، أو تَوَاتَرَ عنده الخبر، أو صامه باجتهاده، أو أخبره مَن أَسْلَمَ منهم، كابن سلَّام. المنهل الحديث (2/ 240).
وقال الشيخ موسى شاهي -رحمه الله- أيضًا:
البدع المشتهرة في عاشوراء مِن صلاةٍ مخصوصةٍ، ودعاءٍ مخصوصٍ، واكتحال بالإثمدِ في ذلك اليوم لم تصح، ولم يَرِدْ فيها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثرٌ صحيحٌ، وهي مِن وضْع قَتَلَةِ الحسين -رضي الله عنه-. المنهل الحديث (2/ 241).
وينظر الحكمة من صوم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم عاشوراء