«أتانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في دارِنا هذهِ فاسْتَسْقَى، فحَلبْنَا له شاةً لنا، ثم شُبْتُهُ من ماءِ بئرِنا هذه فأَعْطَيتُهُ، وأبو بكر عن يسارِه وعمر تجاهَهُ وأعرابيٌّ عن يمينِه، فلما فَرَغَ قال عمر: هذا أبو بكر، فأَعْطَى الأعرابيَّ، ثم قال: الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، ألا فيَمِّنُوا، قال أنس: فهي سُنَّةٌ فهي سُنَّةٌ، ثلاث مرات».
رواه البخاري برقم: (2571) ومسلم برقم: (2029) من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (2352)، ومسلم برقم: (2029) «الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ».
مختصر شرح الحديث
غريب الحديث
«شُبْتُهُ»:
شَابَ الشَّيءَ شَوْبًا: خَلَطَهُ، واشْتَابَ هو وانْشَابَ: اخْتَلَطَ. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (8/ 129).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
والشَّوْبُ: ما شِبْتَهُ به مِن ماءٍ أو لَبَنٍ. لسان العرب (1/ 511).
«تُجَاهَهُ»:
«تُجَاهَهُ» بضم التاء وفتح الجيم والهاء، وبكسر التاء أيضًا لغتان أي: حِذَاءَهُ مَن تلقاءِ وَجْهِهِ مُسْتَقْبِلًا له، ويقال: وِجَاهَهُ بالواو مكسورة وهما لغتان. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 119).
«الأَيْمَنَ»:
خلاف الأَيْسَر... والأَيْمَنُ: الْمُبارَكُ. شمس العلوم، لنشوان الحميري (11/ 7378).
وقال المطرزي -رحمه الله-:
«الأَيْمَن» خلاف الأيسر وهو جانب اليمين أو مَن فيه. المغرب في ترتيب المعرب (ص: 515).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أَتَانَا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في دارِنا هذهِ فاسْتَسْقَى»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «فاستسقى» أي: طلب ماءً يشرب. منة المنعم (3/ 361).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
لا بأس بِطَلَبِ ما يتعارف الناس بطلب مِثله مِن شُرب الماء واللبن وما تَطِيْبُ به النفوس، ولا يتَشَاحّ فيه، ولا سيما أنه من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن مكارمه ومشاركته، وقد وصفهم الله تعالى أنهم كانوا يُؤْثِرُونَ على أنفسهم. التوضيح (16/ 289- 290).
قوله: «فَحَلَبْنَا له شاةً لنا ثم شُبْتُهُ من ماءِ بِئْرِنا هذه فأعطيتُهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فَحَلَبْنَا له» -صلى الله عليه وسلم- «شاةً» أي: لبنًا من شاةٍ دَاجِنٍ (هي التي يعلفها الناس في منازلهم)، قال أنس: «ثم شُبْتُهُ» بوزن قُلْتُهُ؛ لأنه أجوف وَاوِيٌّ أي: مَزَجْتُ اللبن، «من ماء» أي بماء «بئر» أهلـ«ـي هذه» الموجودة الآن بإضافة ماء إلى البئر مع إضافة البئر إلى ياء المتكلم، والإضافة لأدنى ملابسة، واسم الإشارة صفة للبئر أي: بماءٍ من بئر أهلنا الموجودة تلك البئر الآن في ساحتهم، «قال» أنس: «فأَعْطَيْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-» ذلك اللبن الْمَشُوب. الكوكب الوهاج (21/ 168- 169).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
و«شِيْبَ» أي: خُلِطَ بالماء ومُزِجَ؛ لِيَبْرُدَ. المفهم (5/ 290).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وفي الرواية الرابعة والعشرين يقول أنس: «فدخل علينا دارَنا، فَحَلَبْنَا له مِن شاةٍ دَاجِنٍ» -أي أَلِيْفَةٍ، أغلب تربيتها وعَلَفِهَا في البيت، قليلة الخروج للرَّعِي، وهذا الوصف يشير إلى حُسْنِ مَرْعَاها، وطِيْبِ لَبَنِها «وشِيْبَ له مِن بئر في الدار» (كما في لفظ) أي: وخُلِطَ لبَنُها بماءٍ مِن بئرٍ في دارنا، وتُبَيِّنُ الرواية الخامسة والعشرون شخصَ الذي شابَ اللبن، وأنه أنس، ففيها: «أتانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في دارنا، فاستسقى» أي: عَطِشَ فطَلب الشُّرْبَ «فحَلَبْنَا له شاةً ثم شُبْتُهُ» -بضم الشين، والضمير يرجع إلى اللبن المفهوم من الحَلْبِ «مِن ماءِ بئري هذه»، وتُبَيِّنُ روايةُ البخاري أنَّ أنسًا هو الذي باشَرَ حَلْبَ الشاةَ، ولفظها: «فحَلَبْتُ شاةً». فتح المنعم (8/ 202).
قوله: «وأبو بكر عن يسارِه وعمرُ تُجَاهَهُ وأعرابيٌّ عن يمينِه، فلما فَرَغَ قال عمر: هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابيَّ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وأبو بكر عن يساره وعمر تُجَاهَهُ» بفتح الهاء الأولى أي: مُقَابِلَهُ «وأعرابيٌّ» لم يُسَمَّ «عن يمينه» ووَهِمَ مَن قال: هو خالد بن الوليد، فشَرِبَ -صلى الله عليه وسلم- «فلما فرغ قال عمر: هذا أبو بكر» أي: اسْقِهِ، «فأَعْطَى» -صلى الله عليه وسلم- «الأعرابيَّ فَضْلَهُ» وسقط لغير أبي ذر: «فضله». إرشاد الساري (4/ 337).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وعلى يساره أبو بكر -رضي الله عنه- وعن يمينه أعرابي» الظاهر أنَّ الجمع بين «عن» و«على» تَفَنُّن في العبارة... قلنا: معنى على يمينه أنه تمكَّن من جهة اليمين على المستعلي عليه، ومعنى «عن يمينه» أي: جَلَسَ مُتَجَافيًا عن صاحب اليمين، ثم كَثُرَ حتى استُعْمِلَ في المتجافي وغيره...
«فقال عمرُ: أَعْطِ أبَا بكرٍ»؛ لعل عمرَ -رضي الله عنه- كان قُبَالَتَهُ فأراد أن يناوله. مرقاة المفاتيح (7/ 2750).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أعطِ أبا بكر» فإشارة عمر بناها على مشاهدته مَيْلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقَدَحِ نحو الأعرابي، وقَصَدَ بها التذكير، لا التعديل خوفًا من النسيان، وإعلامًا للأعرابي وغيره بجلالة أبي بكر، وفي رواية البخاري: «فأَعْطَى الأعرابيَّ فَضْلَهُ» أي: اللبن الذي فَضَلَ منه بعد شُرْبِهِ. فتح المنعم (8/ 202).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فَشَرِبَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-» من ذلك اللبن قدر كفايته، «وأبو بكر» جالسٌ «عن يساره، وعمر» بن الخطاب جالس «وِجَاهَهُ» أي: تلقاء وجهه -صلى الله عليه وسلم- وقُدَّامَهُ... «وأعرابيٌّ» من الأعراب جالس «عن يمينه» -صلى الله عليه وسلم-، «فلما فَرَغَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مِن شُرْبِهِ» أي: مِن شُرْبِ قَدْرِ كفايته من اللبن «قال عمر: هذا» الجالس عن يسارك «أبو بكر يا رسول الله» حالة كون عمر «يُرِيْهِ» أي: يُرِيْ ويُبْصِر رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- «إياه» أي: أبا بكر، يعني: يريد عمرُ أن يُنَبِّهَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- على وجود أبي بكر في المجلس؛ ليُقَدِّمه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في سَقْيِ اللبن، وذلك من شدة حبِّ عمرَ لأبي بكر -رضي الله عنه- وفَرْطِ تعظيمه له. الكوكب الوهاج (21/ 169).
وقال المازري -رحمه الله-:
هذا مطابق لأصول الشرع مِن استحباب التيامن، فإنْ عُوْرِضَ هذا بما وقع في الحديث الآخر مِن تَقْدِمَةِ الأكبر، قلنا: هذا مع تساوي الأحوال فيرجح بالسن، وهكذا الرواية عندنا استحباب التيامن في الشهادات الْمُثَبَتَة في الكتاب، وفي الوضوء وغيره يقدم الأيمن، وشَوْبُ اللبن بالماء لِشُربه يجوز، وشَوْبُهُ لِبَيْعِهِ لا يجوز؛ لأنه تدليس، ومعنى شِيْبَ بماءٍ أي: خُلِطَ بماءٍ. المعلم بفوائد مسلم (3/ 115).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قيل: إنما استأذَنَ الغلامَ ولم يستأذن الأعرابيَّ استئلافًا للأعرابي، وحذر الحماسة من استئذانه في صرفه عنه لأصحابه، وقُرْب عَهْدِه بأَنَفَةِ الجاهلية، واستأذن الغلام -وهو ابن عباس- ثقةً منه بِطِيْبِ نفسه باستئذانه بدَفْعِهِ للأشياخ والكبراء من آله وقومه، وفي بعض الروايات: «عَمُّك وَابْنُ عَمِّك أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ؟» يعنى: خالد بن الوليد، ولحمله عليه، وإدلاله لِقُرْبَاه منه وصِغَر سِنِّه، واستئلاف الأشياخ أيضًا بهذا الاستئذان مِن تعريف الحكم في ذلك، بأنه لا يُصْرَف عنه إلا بإذنه لمن لم يكن عِلْمُه منهم، فشَحَّ ابنُ عباس على نصيبه من النبي -صلى الله عليه وسلم- وفَضْلِ شَرَابِهِ وبركته لا على نصيبه من المشروب، وقد يكون لم يستأذن الأعرابي للعادة عندهم في جري الشراب عندهم عن اليمين، كما قال:
صَدَدْتِ الكأسَ عنَّا أمَّ عمرٍو *** وكان الكأس مَجْرَاهَا اليَمِيْنَا
فلو استأذنه لظن به غَضَاضة منه، وتقصيرًا في حقه مع أَنَفَةِ الجاهلية، وجفاء الأعرابي، لا سيما قد بدا من عمر -رضي الله عنه- قبل ذلك ما بدا له من قوله: «أَعْطِهِ أبا بكر يا رسول الله» فإنه هو يدفعه إليه دون استئذانه. إكمال المعلم (6/ 497- 498).
قوله: «ثم قال: الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، أَلَا فيَمِّنُوا»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
و«قوله - صلى الله عليه وسلم -: الأيمنون الأيمنون» هذا مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: الأيمنون أولى. المفهم (5/ 291).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فيَمِّنُوا» أي: فابتدئوا بالأيمن، وهو اليمين. المفاتيح (4/ 534).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «الأيمنون الأيمنون» فيه تقديرُ مبتدأٍ مُضْمَر أي: المقدَّم الأيمنون والثانية للتأكيد... وتوجيهه: أنه لما بيَّن أن الأيمن يقدَّم، ثم أكَّده بإعادته أكمل ذلك بصريح الأمر به. فتح الباري (5/ 201- 202).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«أَلَا فَيَمِّنُوا» كذا هنا بصيغة الاستفتاح، والأمر بالتيامن. التوشيح (4/ 1771).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أَلَا» للتنبيه «فيَمِّنُوا» بتشديد الميم المكسورة أي: إذا كان الأمر كذلك فيمنوا أنتم أيضًا ورَاعُوا اليمين، وابتدئوا بالأيمن فالأيمن. مرقاة المفاتيح (7/ 2750).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «الأيمنون الأيمنون» وقد عَلِمْتَ أن سُنَّة الهدية أنها توضع بين يدي المهدى إليه، فيراعي في القسمة يمينه، بخلاف غسل الأيدي، فإنه يراعي فيه الصف. فيض الباري (4/ 44).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
يعني: الأيمنون أَحِقَّاءٌ بالإعطاء والتقديم وإن كانوا مفضولين. الكوكب الوهاج (21/ 169).
قوله في لفظ: «الأيمن فالأيمن»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
وقال المهلب: تقديم ذي السِّن أَولى في كل شيء ما لم يترتب القومُ في الجلوس، فإذا تَرَتَّبُوا فالسُّنة تقديم الأيمن فالأيمن من الرئيس أو العالم، على ما جاء في حديث شُرْبِ اللبن. شرح صحيح البخاري (1/ 364).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
«الأيمن، فالأيمن» جميع ما يُوهب للجماعة من الأشياء كلها هم فيها متشاركون، وحقوقهم فيها متساوية، لا فضل لأحدٍ منهم على صاحبه، وإنما جازت هِبَةُ الماء واللبن غير مَقْسُومَين؛ لِقِلَّةِ التَّشاح فيهما؛ ولأن العادة قد جرت من الجماعة إذا أَكَلَتْ أو شَرِبَتْ معًا أنها تُجْرَى في ذلك على المكارمة، ولا ينقضي بعضهم على بعض؛ لأن ذلك إنما يوضع للناس على قَدْرِ نُهْمَتِهِم، فمنهم من يكفيه اليسير، ومنهم من يكفيه أكثر منه، إلا أنَّ من استعمل أدب المؤاكلة والمشاربة أَولى، وألا يستأثر أحدُهم بأكثر من نصيبِ صاحبه. ألا ترى أن مالكًا قد قال: لا يُقْرِنُ أحدٌ بين تمرتين إلا أن يستأذن أصحابه في ذلك؟ لما كان التمر مما يتشاح فيه أكثر من التشاح في الماء واللبن. شرح صحيح البخاري (6/ 493- 494).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
ثم قال: «الأيمنَ فالأيمنَ»: بالنصب على الحال؛ أي: اشربوا مُتَرَتِّبِين على هذا النمط، وبالرفع على أنه مبتدأ حُذف خبره؛ أي: أَولى وأحقُّ بالشرب من غيره. مصابيح الجامع (9/ 192).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وقوله: «الأيمن فالأيمن» أن تلك العادة لم تُغَيرها السُّنة، وأنها مستمرة من تقديم الأيمن على غيره وإن كان أفضل، ولا يَحُطُّ ذلك مِن رُتْبَتِهِ، وكأن ذلك لفضل اليمين على اليسار. دليل الفالحين (5/ 243).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«الأيمنون أَلَا فَيَمِّنُوا»...هكذا جاء الحديث لكن هذا فيمن إذا شرب يريد أن يُنَاوِل مَن على يمينه أو على يساره، أما ما يفعله الناس اليوم يأتي الرَّجُل بالإبريق ويَدْخُل المجلس فهنا يبدأ بالأكبر؛ لأنهم كانوا يبدؤون بالنبي -عليه الصلاة والسلام- فيعطونه أولًا؛ ولأنه لما أراد أن يُنَاوِلَ -عليه الصلاة والسلام- المسواكَ أحدَ الرَّجُلين اللَّذَين وقفا قيل له: «كَبِّر كَبِّر»، وقد ورد في ذلك أيضًا أحاديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنك إذا دخلت المجلس تبدأ بالأكبر لا بمن على يمين. شرح رياض الصالحين(4/ 240).
قوله: «قال أنس: فهي سُنَّةٌ فهي سُنَّةٌ، ثلاث مرات»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقول أنس: «فهي سنة، فهي سنة» يعني: مُنَاولة الشراب الأيمن فالأيمن. المفهم (5/ 291).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«فهي سُنة» أي: تَقْدِمَةُ الأيمن، وإن كان مفضولًا، ولم يخالِف في ذلك إلا ابن حزم، فقال: لا يجوز غير الأيمن إلا بإذنه. شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 466).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال أنس» بالسند السابق: «فهي سُنَّةٌ، فهي سُنَّةٌ، فهي سُنَّةٌ» بالتكرار ثلاثًا للتأكيد، يعني: مناولة الشراب الأيمن فالأيمن طريقة شرعية، وهل تجري هذه السُّنَّة في غير الشراب كالمأكول والملبوس وغيرهما من جميع الأشياء، قال المهلب وغيره: نعم. الكوكب الوهاج (21/ 169- 170).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه: أيضًا النَّدْبُ إلى شَوْبِ اللبن بالماء، والذي أراه في هذا أنه نوع من التداوي؛ فإن شَوْبَ اللبن بالماء يخفف غِلَظَهُ، ويَذهب به إلى أعماق البَدن؛ لأن الماء مركب للغذاء. الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 18- 19).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: أن مثل هذا من الحقوق إذا تميَّزت لأحدٍ أنَّ صاحب الحق أَولى به، لا يُلْتَفَتُ في ذلك إلى الأَسَنِّ، ولا الأفضل، كصاحب الدابة أَوْلى بِمقدمها، وإمامة صاحب الدار، وإنما يراعى الترجيح بالفضائل والمزايا مع استواء الأقدام في ذلك الحق، وتَرْكِ السَّبْقِ إليه، كالبداية بالشرب، وغسل اليد، وبالشهادة، والتقديم للصلاة، وغير ذلك. إكمال المعلم (6/ 497- 498).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث: بيان هذه السُّنة الواضحة، وهو موافق لما تظاهرت عليه دلائل الشرع من استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام.
وفيه: جواز ذلك (شَوْبِ اللبن بالماء)، وإنما نُهِيَ عن شَوْبِهِ إذا أراد بيعه؛ لأنه غشٌّ، قال العلماء: والحكمة في شَوْبِهِ أنْ يَبْرُدَ أو يَكْثُرَ أو للمجموع...
وأنه لا بأس باستئذانه وأنه لا يلزمه الإذن، وينبغي له أيضًا أن لا يأذن إن كان فيه تفويت فضيلة أخروية ومصلحة دينية كهذه الصورة، وقد نصَّ أصحابنا وغيرهم من العلماء على أنه لا يُؤثِر في القُرِبَ، وإنما الإيثار المحمود ما كان في حظوظ النفس دون الطاعات، قالوا: فيُكْرَهُ أن يُؤْثِرَ غيرَه بموضِعِه من الصف الأول وكذلك نظائره...
وفي هذه الأحاديث أنواع من العلم منها: أن البداءة باليمين في الشراب ونحوه سُنَّة، وهذا مما لا خلاف فيه، ونُقِلَ عن مالك تخصيص ذلك بالشراب، قال ابن عبد البر وغيره: لا يصح هذا عن مالك. قال القاضي عياض: يشبه أن يكون قول مالك -رحمه الله تعالى-: إنَّ السُّنة وردت في الشراب خاصة، وإنما يقدَّم الأيمن فالأيمن في غيره بالقياس لا بسُنَّةٍ منصوصة فيه، وكيف كان فالعلماء متفقون على استحباب التيامن في الشراب وأشباهه.
وفيه: جواز شرب اللبن الْمَشُوبِ.
وفيه: أنَّ مَن سَبَقَ إلى موضعٍ مُبَاحٍ أو مجلسِ العالِمِ والكبيرِ فهو أحقُّ به ممن يَجِئْ بَعْدَه والله أعلم. شرح صحيح مسلم (13/ 199- 202).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: جواز ذلك (طلب السقيا) ولا دناءة فيه، بخلاف طلب الأكل؛... للمِنَّةِ فيه.
وفيه: جواز المسألة بالمعروف على وجه الفقر.
وفيه: إتيان دار مَن يَصْحَبُه؛ اقتداء به.
وفيه: كما قال الداودي: الإتيان بأفضل ما يجد...
وفيه: جلوس القوم على قَدْرِ سَبْقِهِم...
فيه: فضل التيامن، وتكرار الكلام للتأكيد. التوضيح (16/ 289- 290).
وينظر حديثُ ابن عمر -رضي الله عنهما- في تقديم الكبير على مَن كان عن اليمين.