الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«المدينةُ يأْتِيهَا الدَّجَّالُ، فيَجِدُ الملائكةَ يَحْرُسُونَها، فلا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ، قال: ولا الطَّاعُونُ إنْ شاء اللهُ».


رواه البخاري برقم: (7134)، (7473)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


«الدَّجَّالُ»:
الدَّجَّالُ: هو المسيحُ الكذَّاب، وإنما دَجْلُهُ سِحْرُهُ وكَذِبُهُ... المسيحُ الدَّجَّال رَجُلٌ مِن يَهُود يَخْرُج في آخر هذه الأمَّة، سُمِّي بذلك لأنه يَدْجُلُ الحقَّ بالباطل، وقيل: بل لأنه يُغَطِّي الأرضَ بكثرةِ جُمُوعِه، وقيل: لأنه يُغَطِّي على الناس بكُفْرِهِ، وقيل: لأنه يدَّعِي الرُّبُوبيةَ، سُمِّي بذلك لِكَذِبِه، وكل هذه المعاني متقاربة. لسان العرب (11/ 236)

«الطَّاعُونُ»:
الطَّاعُون: المرضُ العامُّ، والوَبَاء الذي يُفْسِد له الهواءَ، فتَفْسُد به الأَمْزِجَةُ والأبدان. النهاية، لابن الأثير (3/ 127).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «المدينةُ يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«المدينة» طابة. إرشاد الساري (10/ 214).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«يأتيها» أي: يقصد إتيانها. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (24/ 189).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«يأتيها الدَّجال» لِيَدْخُلَها «فيجد الملائكة». إرشاد الساري (10/ 214).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«يأتيها الدجَّال» الأَعْوَرُ الكذَّابُ ليَدْخُلَها. إرشاد الساري (10/ 425).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
قد أَثْبَتَ إتيانَه إليها، ولكن لا يستطيع دُخُولَها؛ لأن الملائكة تَصُدُّه عنها؛ وذلك لأن سُلطانَ المسلمين قد ضَعُفَ عن مقاومةِ الكفرِ وأهله، فلهذا جعل الله تعالى الملائكة هي التي تصُدُّ الدجَّال عن مدينةِ رسولِه وعن مكَّة. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 281).

قوله: «فيَجِدُ الملائكةَ يَحْرُسُونَها»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فيجد الملائكة» أي: على أَنْقَابِهَا «يَحْرُسُونَها». إرشاد الساري (10/ 214).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «يحرسونها» أي: يحفظونها. عمدة القاري (24/ 219).

قوله: «فلا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«فلا يَقْرَبُها» أي: المدينة. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (11/ 50).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ومكة تُشَارِكُها في ذلك، وإنما لم يَذْكُرْهَا لاحتمال كون المخاطَبين كانوا عالِمِين بذلك. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 134).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يقتضي منعُ الملائكةِ الدجَّالَ مِن دخولها، ويحتمل: أن يكونوا أيضًا قد وُكِّلُوا بمنع الطَّاعُون مِن دخولها. المنتقى شرح الموطأ (7/ 195).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهو (أي: الدجال) وإن لم يدخل المدينة إلا أنه يأتي سَبْخَتَهَا مِن دُبُرِ أُحُدٍ فيَضْرِبُ هناك رِوَاقَهُ (فُسْطَاطَهُ ومظَلَّتَه)، فتَرْجُفُ المدينةُ بأهلها ثلاثَ رَجَفَاتٍ، فيخرج إليه منها كلُّ كافر ومنافق. المفهم (3/ 495).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
(والدَّجَّالُ) هو فَعَّالٌ بفتح أوله، والتشديد مِن الدَّجْلِ، وهو التغطية، وسُمِّي الكذابُ دجَّالًا؛ لأنه يغطي الحق بباطله. فتح الباري (13/ 91).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
الدجَّال: مِن الدَّجْلِ، وهو طَلْيُ البعير بالقَطِرَان، فسُمِّي بذلك لتَمْوِيهِهِ بباطِلِه وسِحْرِه الملبِّس به، ويقال: الدجَّال في اللغة: الكذَّاب، وقيل: سُمِّي بذلك لضَرْبِه نواحيَ الأرض وقَطْعِهِ لها، ودَجَّل إذا فَعَل ذلك، وقيل: هو مِن التغطية؛ لأنه يغَطِّي الأرض بجُمُوعِه، والدَّجلُ: التغطية، ومنه سميت دِجْلَة؛ لانتشارها على الأرض وتَغْطِيةِ ما فاضَتْ عليه. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (3/ 13).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
هو الأعور الكذاب الذي يظهر في آخر الزمان مع دعوى الألوهية، ويقود اليهود ضد المسلمين، يقتله المسيح ابن مريم عند باب لُدٍّ من أرض فلسطين. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (2/ 358).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
واعلم أنه جاء في غير البخاري أحاديث في شأنه كثيرٌ منها خوارق العادات، فيَأْمُرُ السماء فتُمْطِر، ويأمر الأرض فتُنْبِت، وتكون خَصْبًا على مَن صَدَّقَه، جدبًا على مَن كذَّبَه، وتَتَبْعُهُ كنوزُ الأرض، وقد سَلَف أن معه الجنة والنار؛ كل ذلك امتحانٌ من الله ليَمِيْزَ الخبيثَ مِن الطيِّبِ، وما تُوُهِّم مِن أنه يرتفع الأَمَان مِن المعجزات فليس بشيء؛ لأن المعجزة شرطها القدرة على الإتيان بها عند التحدي، وهذا ليس كذلك، ألا ترى أنه عَجَزَ عن قتل ذلك الذي أحياه فضلًا عن إحيائه؟! ولا التباسَ بكرامات الأولياء؛ لأن شرط الكرامة أن يكون صاحِبُها على جادَّة الشريعة النبوية مُتَّبعًا، وإلا يكون استدراجًا وسحرًا، قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} يونس: 62- 63. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (11/ 51).

قوله: «قال: ولا الطَّاعُونُ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولا الطاعون» لأن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخولها، ومَن اتَّفق دخوله فيها لا يتمكَّن مِن طَعْنِ أحدٍ منهم. إرشاد الساري (8/ 386).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
الطاعون: مِن الطَّعْنِ والوَخْزِ، وهو الوَبَاءُ. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 281).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الطاعون: الموت الشامل، وعبارة الداودي: إنه حَبَّةٌ تَنْبُت في الأَرْفَاغِ (وهي بواطن الأفخاذ ومَعَاطِنُ الجِلْدِ) وكلِّ مَا انْثَنَى من الإنسان. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (27/ 473).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أصل الطاعون: القُرُوحِ الخارجة في الجسد. إكمال المعلم (7/ 132).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما الطاعون: فوَبَاءٌ معروفٌ، وهو بَثْرٌ ووَرَمٌ مؤلمٌ جدًّا يخرج مع لَهَبٍ، ويَسْوَدُّ ما حولَه، أو يَخْضَرُّ، أو يَحْمَرُّ حُمْرَةً بنفْسَجِيةِ كَدِرَةٍ، ويحصل معه خَفَقَانُ القلبِ، والقيءِ. شرح صحيح مسلم (1/ 105).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
ويخرج في الْمَرَاقِ والآبَاطُ غالبًا، والأيدي، والأصابع، وسائر الجسد. تهذيب الأسماء واللغات (3/ 187).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
هو الوجع الغالب الذي يُطْفِئُ الروح، كالذّبحة وغيرها، وقد كَشَفَ النبي -صلى الله عليه وسلم- الغطاء فيه، ففي الموطأ من طريق أسامة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الطاعون رِجْزٌ أُرْسِلَ على مَن كانَ قَبْلَكم»، وإنما سُمِّي طاعونًا لعموم مُصَابِه وسُرعَةِ قَتْلِهِ، فيَدخُل فيه مثله مما يَصْلُحُ اللفظُ له. المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 573).
وقال الباجي -رحمه الله-:
هو مرض يَعُمُّ الكثير من الناس في جهة مِن الجهات دون غيرها، بخلاف المعتادِ مِن أحوال الناس وأمراضهم، ويكون مرضُهُم غالبًا مرضًا واحدًا بخلاف سائر الأوقات؛ فإن أمراضَ الناس مختلفة. المنتقى شرح الموطأ (7/ 198).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال جماعة من الأطباء منهم أبو علي ابن سينا: الطاعون مادة سُمِّيَّةٌ تُحدِث وَرَمًا قَتَّالًا يَحْدُث في المواضع الرّخْوَةِ، والْمَغابِنِ من البدن، وأغلبُ ما تكونُ تحت الإبط، أو خَلْفَ الأُذُن، أو عند الأَرْنَبة، قال: وسبَبُه دمٌ رَدِيءٌ مائلٌ إلى العُفُونَةِ والفساد، يسْتَحِيلُ إلى جوهر سُمِّيٌّ يُفْسِد العضو، ويُغَيِّر ما يَلِيهِ، ويؤدِّي إلى القلبِ كيفية رديئة فيُحْدِثُ القيءَ والغثيان والغَشْي والخَفَقَان، وهو لِرَدَاءَتِه لا يَقبل مِن الأعضاءِ إلا مَا كان أضْعَف بالطبع، وأَرْدَؤُهُ ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأَسْوَد منه قلَّ مَن يَسْلَمُ منه، وأَسْلَمُهُ الأحمر، ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوَبِئَةِ، ومِن ثَمَّ أُطْلق على الطاعون وباءٌ، وبالعكس. فتح الباري (10/ 180).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقيل: هو كل مرض عامٍّ. إكمال المعلم (7/ 132).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والحاصل: أن حقيقته وَرَمٌ يَنشأ عن هيجان الدم، أو انصِبَابِ الدمِ إلى عضوٍ فيُفْسِدُه، وأن غير ذلك من الأمراض العامَّة الناشئة عن فساد الهواء يُسَمَّى طاعونًا بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت. فتح الباري (10/ 180-181).

قوله: «إن شاء الله»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
قوله: «إن شاء الله» على سبيل التبرك. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (11/ 50).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
قوله: «إن شاء الله» يعني: أن ذلك مُعَلَّق بمشيئة الله، فلو شاء لم يحصل المنع. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 281).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«إن شاء الله» هو متعلق بالأخير على مذهب الشافعي. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (24/ 190).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«إن شاء الله» قيل: هذا الاستثناء محتمِل للتعليق، ومحتمِل: للتَّبَرُّكِ، وهو أَولى، وقيل: إنه يتعلق بالطاعونِ فقط، وفيه نظر. فتح الباري (13/ 105).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلت: هو للتبرك أو للتعليق، قلتُ: يحتملهما. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (24/ 190).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
هذا الاستثناء من باب التأدب، وليس على الشك. مصابيح الجامع (10/ 235).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
واعلم أن في بعض الروايات: «ولا الطاعون إن شاء الله تعالى»، فكلمة الاستثناء تتعلق بالطاعون فقط، لا بالدجال، فإن الشقي الدجال لم يدخلها، ولن يدخل حتى يلج الجمل في سم الخياط، فإن اطلعت في لفظ على كلمة الاستثناء مع عدم دخول الدجال أيضًا، فاعدده من تقديم الرواة، وتأخيرهم، وهي بالحقيقة بالطاعون. فيض الباري (3/ 316).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
وهذا من تكريم الله تعالى لرسوله، حيث منع الوباء من مدينته، وجاء في بعض الروايات أن مكة كذلك لا يدخلها الطاعون. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 281).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد أظهر الله صِدْقَ رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه لم يُسْمع مِن النَّقَلة ولا مِن غيرهم مَن يقول: إنه وقع في المدينة طاعونٌ عامٌّ؛ وذلك ببركة دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «اللهم صَحِّحْهَا لنَا». المفهم (3/ 495).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال بعضهم: هذا مِن المعجزات؛ لأن الأطباء مِن أوَّلهم إلى آخرهم عَجَزُوا أنْ يدفعوا الطاعون عن بلدٍ، بل عن قريةٍ، وقد امتنع الطاعون عن المدينة فلم يدخلها قطّ. التوشيح شرح الجامع الصحيح (8/ 3532).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد اسْتُشْكِلَ عدمُ دخولِ الطاعونِ المدينةَ مع كون الطاعون شهادة، وكيف قُرِنَ بالدجال؟ ومُدِحَتِ المدينةُ بعدَمِ دُخُولِهِما؟
والجواب: أن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوَصْفِهِ بذلك ذاته، وإنما المراد أنَّ ذلك يترتب عليه ويَنْشَأُ عنه؛ لكونه سبَبَه، فإذا استحضر ما تقدم مِن أنَّه طَعْنُ الجنِّ حَسُنَ مَدْحُ المدينةِ بعدمِ دخولِه إياها؛ فإنَّ فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومَن اتَّفَقَ دخولُه إليها لا يتمكَّن مِن طَعْنِ أحدٍ منهم.
فإن قيل: طَعْنُ الجنِّ لا يَخْتصُّ بكفَّارهم، بل قد يقع من مُؤمِنِيهم.
قلنا: دخول كفار الإنس المدينة ممنوع، فإذا لم يَسكن المدينةَ إلا مَن يُظْهِرُ الإسلامَ جَرَتْ عليه أحكام المسلمين، ولو لم يكن خالصَ الإسلامِ، فحَصَلَ الأمنُ مِن وصولِ الجِنِّ إلى طَعْنِهِم بذلك، فلذلك لم يدخلها الطاعون أصلًا. فتح الباري (10/ 190).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يعني بذلك: أنه لا يكون في المدينة من الطاعون مثل الذي يكون في غيرها من البلاد، كالذي وقع في طاعون عَمَواس والجَارِفِ وغيرهما. المفهم (3/ 495).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا القرطبي:
وهذا الذي قاله يقتضي تسليم أنه دَخَلَها في الجملة، وليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة في المعارف، وتَبِعَهُ جمعٌ جَمٌّ مِن آخرهم الشيخ محيي الدين النووي في الأذكار بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلًا ولا مكة أيضًا، لكنْ نَقَلَ جماعةٌ أنه دخل مكة في الطاعون العام الذي كان في سنة تسعٍ وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة، فلم يَذْكُرْ أحَدٌ قطُّ أنه وقع بها الطاعون أصلًا. فتح الباري (10/ 190).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
معنى الحديث: أن الله حَفِظَ المدينة وصَانَها مِن شَرَّينِ عظِيمَين، وجعَل على أبوابها ومداخلها ملائكةً يَحْرُسونها، ويمنعون عنها الدجال والطاعون، على كلِّ بابٍ مَلَكَان، كما في حديث أبي بكرة حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَدْخُلُ المدينةَ رُعْبُ المسيحِ الدَّجَّال، لها يومئذ سبعةُ أبوابٍ على كلِّ بابٍ مَلَكانِ» أخرجه البخاري، فالدجال لا يدخل مكة ولا المدينة؛ لأنها محَرَّمَة عليه، ممنوعةٌ عنه، ويدخل سائر المدن الأخرى سِواهما كما في حديث أنس -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس مِن بَلَدٍ إلا سَيَطَؤُهُ الدجَّال إلا مكة والمدينة» أخرجه الشيخان والنسائي، ولكنه يَصِلُ إلى ضواحي المدينة، وينزل ببعض السِّبَاخِ التي بها كما في حديث أبي سعيد حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: «فيَنْزِلُ ببعضِ السِّبَاخِ التي بالمدينة» أخرجه الشيخان، وفي بعض الروايات: «ينزل في هذه السَّبَخَةِ التي بِمَمَرِّ قَنَاة»، أخرجه أحمد، وفي رواية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «ركب إلى مجتمع السيول، وقال: هذا مَنْزِلُه»، ويقع مجتمع السيول هذا في الشمال الغربي من المدينة، الحديث أخرجه الشيخان والنسائي. منار القاري (3/ 194-195).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
الغَرَضُ: تَحْريضُ الأمَّة على سُكْنَى المدينةِ؛ ليَحْتَرِسُوا بها مِن الفتنةِ في الدِّين. مصابيح الجامع (10/ 235).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: فضل المدينة، وأنها خُصَّت بهذه الفضيلة -والله أعلم-؛ لبركة النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعائه لها، وقد أراد الصحابة أن يرجعوا إلى المدينة عندما وقع الوباءُ بالشام؛ ثقةً منهم بقول رسول الله الذي أَمَّنَهُم دخول الطاعون بَلَده، وكذلك تُوقِنُ أن الدجال لا يستطيع دخولها ألبتة.
وفي ذلك من الفقه: أن الله تعالى يوكِّل ملائكته بحفظ بني آدم من الآفات والفتن والعدو إذا أراد حِفظهم، وقد وصف الله تعالى ذلك في قوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} الرعد: 11 يعني: بأمرِ الله لهم بحفظه. شرح صحيح البخاري (10/ 69-70).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: فضلٌ كثيرٌ للمدينةِ؛ إذ لا يَدْخُلُها الدَّجّال، وهو رأس كلِّ فتنةٍ، وقد روي عن النبي -عليه السلام-: أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 191).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: على أن المدينة محروسَةٌ محفوظةٌ مِن الدجَّال والطاعون معًا؛ لهذا الحديث؛ ولقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي بكرة: «لا يدخل المدينةَ رُعْبُ المسيحِ الدجَّال»، فإذا كانت في مَأْمَنٍ مِن إرْهَابِه والخوف منه، فهي في مَأْمَنٍ مِن دخولِه مِن باب أَوْلى؛ لأن الملائكة يقفون على مداخلها فيمنعونها عنه، ويحرسونها منه كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «على أَنْقَابِ المدينةِ ملائكةٌ»، ومعنى ذلك: أنَّ حدودَ المدينة كلها مُحَاطَةٌ بسُورٍ منِيعٍ مِن الملائكة، فلا يتجاوزها الدجال...
ثانيًا: أن المدينة مَحْمِيَّةٌ من الطاعون، ولم يُنْقَلْ في التاريخ قطُّ أنه دخل المدينة أصلًا. منار القاري (3/ 195-196).

ولمزيدٍ من الفائدة يُنظر حديثُ أبي بكرة -رضي الله عنه- في بيان أبواب المدينة، وكم مَلَكًا على كلِّ بابٍ منها.

ما الذي ينبغي بالمسلم إذا سمع بأمر الدجال ؟


إبلاغ عن خطأ